رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 25 رجب غرة شعبان 1420هـ -3 - 9 نوفمبر 1999
العدد 1401

الموسوعة العربية العالمية:
خطوة في عصر العولمة

·       "الموسوعة" بإنجازاتها ونقاط ضعفها أنموذج بارز لما وصلت إليه ثقافتنا العربية المعاصرة

·         ولادة الفضائيات ودخول مرحلة الإنترنت مؤشران على مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ الثقافة

·         دخول الثقافة العربية مرحلة الاتصال السريع نوع من أنواع التعولم

·      يستحيل الآن أن نتنبأ بكيفية تأريخ الفترة الحالية من عمر الثقافة العربية

·       إذا كان الآخر حضارة غريبة نعرفها ونتعلم منها ونعايشها فإن الذات هي الذات العربية أولاً

·        الترجمة أثارت جدلاً كثيراً لاعتمادها أساساً للعمل

·        التأليف لم يكن خياراً اقتضاه القصور في الترجمة بل كان خياراً استراتيجياً للموسوعة

·        الموسوعة اهتمت بالتقليل من التحيز من ما تتبناهوتعيد تقديمه من معرفة ولدت في الغرب واتسمت بسماته

 

د· سعد البازعي

أقامت رابطة الأدباء الأربعاء قبل الماضي بالتعاون مع المكتب الإعلامي السعودي أمسية ألقى فيها الدكتور سعد البازعي محاضرة بعنوان "الموسوعة العربية العالمية خطوة في عصر العولمة وتحدث فيها عن موقع العرب والمسلمين في عالم تحكمه التطورات العلمية والتقنية السريعة والمتلاحقة، وأشار إلى محاولات العرب الدخول إلى ميدان الثقافة العالمية·· وقد تجلى ذلك عمليا بولادة الفضائيات العربية، ودخول مرحلة الإنترنت مما يجعل الثقافة العربية مضطرة إلى الدخول في مرحلة العولمة، وإن كان من باب التأثر لا التأثير وقال د· البازعي إن مواجهة هذا الوضع الجديد الذي وحدت فيه الثقافة العربية نفسها فيه دعت إلى قيام مشروع الموسوعة العربية العالمية التي ظهرت فكرتها في بداية التسعينات على يد أكاديمي سعودي وتحقيق بعد ست سنوات، موسوعة الكتاب العالمي" الأمريكية ولكن لم تلبث أن تطورت ونمت وتحدث عن الصعوبات التي لاقتها الموسوعة وتلاقيها وإشكالية الترجمة التي تتطلب توافر عوامل كثيرة كالاستقلال الفكري والثقافي والعلمي·

وتحدث د· البازعي عن الشخصية الموسوعية التي ترتكز على القارىء والتوجه المعرفي وتحيز الذات، وختم بأن هذا المشروع بنقاط نجاحه وضعفه يعد مغامرة جريئة لابد منها لمواجهة عصر متغير ومتطور باستمرار· وفيما يلي نص المحاضرة··

 

الفضائيات والإنترنت

 

قد يستحيل علينا الآن أن نتنبأ بالكيفية التي سيؤرخ بها للفترة التي نعيشها حاليا من عمر الثقافة العربية، لاسيما هذا العقد الأخير من القرن الميلادي· ولعل من الطبيعي أن يتضاءل هذا الاهتمام بحاضر أو ماض يتقادم سريعا في غمرة الانشغال العالمي الهائل بالمستقبل كما يتراءى في العام ألفين ومجيء الألف الثالثة· لكن نظرة سريعة، وإن لم تكن تأريخية مستشرفة بالضرورة، لا بد أن تتوقف عند عدد من المؤشرات أو التطورات التي اتسم بها العقد المشار إليه في حقل الثقافة بمعناها الواسع· من تلك المؤشرات اثنان يلفتان الاهتمام: الأول: ولادة الفضائيات العربية، والثاني: دخول مرحلة الإنترنت· هذان الحدثان، على الرغم مما قد توصف به ولادتهما من تعسر أو إعاقة، فإن من المؤكد أنهما مؤشران على مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ الثقافة العربية، مرحلة تلت ما يعرف حاليا بحرب الخليج الثانية وما صاحبها ونتج عنها من علاقة متجددة ومختلفة بالآخر، لا على المستوى السياسي/ العسكري فحسب وإنما على المستوى الثقافي أيضا·

 

العولمة

 

ففي كلا المؤشرين يتضح لنا ما اصطلح على تسميته بالعولمة، التي تعني عمق الاشتباك بالآخر، وهو بطبيعة الحال الغرب الديمقراطي الرأسمالي، كما يتضح لنا استحالة التحرك في أي الاتجاهات دون مواجهة ذلك الآخر سواء كان ذلك للإفادة منه أو الاستمتاع به أو العراك معه· دخول الثقافة العربية مرحلة الاتصال السريع سواء عن طريق التلفاز أو الكمبيوتر، يعني نوعا من أنواع التعولم، أي الدخول طواعية أو كراهية في مرحلة العولمة· ولا أعتقد أن أحدا سيخامره شك في أن ما يحدث لنا في هذا السياق هو التعولم، بمعنى أننا نتعولم بالتأثر بمعطيات الحضارة الغربية وهيمنة نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية، أكثر من أن نعولم، نتأثر أكثر مما نؤثر·

إذا اتفقنا على صحة هذه النتيجة فإننا سنتفق أيضا على أن مواجهة الوضع القائم لا تعني الاستكانة له، وإنما مواجهته· والمواجه هنا لا تعني العراك بالضرورة، وإنما الدخول بشجاعة ما أسميه "المجاهد النبيل"، المجاهد الذي لا يستكين ولكنه حين يدخل المعركة يكون سلاحه الأفق المفتوح وحب السلام والبناء، أي تحقيق الرسالة الإسلامية الإنسانية السامية في عمارة الأرض· بالأفق المفتوح نستطيع أن نحقق معرفة أرقى وأجمل بأنفسنا وبالآخر، وبحب السلام والبناء نتخلى عن أية كراهية أو تعصب قد يعمينا عن الحكمة التي تظل دائما ضالة المؤمن·

 

المواجهة

 

المتأمل لوضع الثقافة العربية في وقتها الحاضر سيجد أن هناك ما يحقق هذه القيم وأن منها ما لا يحققها· لكني لست هنا في مقام المحلل لهذا الوضع بشموليته وتعقيداته الكثيرة لأفيض فيه، وإنما أنا في مقام الحديث عن إحدى نتائج المواجهة التي أشرت إليها، المواجهة التي تتجاوز الآخر المختلف أو المعادي لتشمل الذات ونوازعها حين تقصر أو تشتط· وإذا كان الآخر هنا حضارة غربية نعرفها ونتعلم منها ونعايشها على نحو يومي بل آني لحظي، فإن الذات في المقابل هي الذات العربية أولا وقبل كل شيء، وإن كان بعض ما يصدق على هذه الذات يصدق على ذوات ثقافية أخرى في أنحاء العالم المختلفة، مما يمنح المواجهة المشار إليها بعدا عالميا لا ينبغي تجاهله·

لقد أفرزت بداية العقد الذي نعيش نهايته الآن، كما أشرت في بداية حديثي، فضائيات وإنترنت، مثلما أفرزت أشياء أخرى كثيرة تحضر بها الثقافة الغربية حضورا طاغيا في أفقنا فتشتد بذلك دواعي المواجهة· ولقد كان من ميادين تلك المواجهة هذا العمل الذي أتحدث عنه، والذي يمكن النظر إليه بوصفه أنموذجا جادا للمواجهة الثقافية ببعديها، الآخري، إن جاز التعبير، والذاتي· فقد تبادرت فكرة الموسوعة الى ذهن صاحبها، وهو أستاذ جامعي سعودي، في بداية التسعينيات وتحققت بعد ستة أعوام بجهد بشري ضخم ودعم معنوي وكبيرين، ثم ظهرت طبعتها الثانية مع بداية العام الأخير من العقد، 1999، بجهد ودعم آخر· الفكرة كانت ترجمة موسوعة أمريكية هي "موسوعة الكتاب العالمي" (ورلد بوك انترناشيونال World Book International) ذات الاثنين وعشرين مجلدا، ولكن النتيجة لم تأت مطابقة للخطة، فـ "الموسوعة العربية العالمية" التي نتجت عن ذلك العمل لم تأت مجرد "ترجمة" لموسوعة أجنبية، وإنما تجاوزت ذلك من وجهتين رئيستين: وجهة التأليف، ووجهة المواءمة، فكان من تلك الوجهتين مبرر لعمل جديد باسم جديد·

انضممت لفريق العمل على الموسوعة في عام 1997 كمشرف على تحرير الطبعة الثانية، وكنت قبل ذلك أتابع العمل عن بعد من خلال اتصالي بقائد فريق العمل على الطبعة الأولى، الرجل الذي تفتق ذهنه عن الفكرة أساسا، وهو الدكتور أحمد الشويخات، الذي درس علم اللغة في جامعة ستانفورد الأمريكية ثم درسه في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الملك فيصل في الأحساء، ثم ما لبت أن أثبت حضورا في الساحة الأدبية السعودية من خلال أعمال شعرية في البداية، ثم ترجمة لكتاب في تاريخ الأدب الإنجليزي صدر في أول التسعينيات· ويبدو أن الانشغال بالترجمة في ذلك الوقت أخذ الدكتور الشويخات الى التفكير المنطقي بعمل أكبر· غير أن ما واجهه الرجل سريعا هو بالضبط ما واجهته أذهان عربية كثيرة منذ القرن الماضي، كما يبدو· ففكرة الموسوعة كانت سهلة الحضور الى الذهن صعبة المثول على أرضية الواقع، وكثيرون هم الذين حلموا، من أولئك من تجاوزوا الحلم الى الإنتاج ولكن إنتاجهم لم يأت كما كان مؤملا· ففي المكتبة العربية اليوم عدد من الموسوعات العامة المختصرة، كالموسوعة العربية الميسرة وموسوعة المورد وما إليهما، كما أن فيها عددا كبيرا - وإن لم يكن كافيا - من الموسوعات المتخصصة· لكن المكتبة ظلت خلوا من موسوعة كبرى بالمعنى الحديث - أي الغربي - للكلمة· وكان هذا هو ما نجحت فيه محاولة الشويخات·

فما الذي حدث لينجح الشويخات حيث فشل غيره؟

هي ثلاثة عوامل: عملية الفكرة أولا، والإصرار على إمكانية تحقيقها، ثانيا، وأخيرا وليس آخرا التوفيق الى من وقف مع الفكرة لا بالمال وحده وإنما بالدعم المعنوي أيضا· فبعد طواف وفشل كثيرين، انتهى المقام بالدكتور الشويخات الى دعم لا محدود من سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع بالمملكة العربية السعودية، دعم جعل تنفيذ الفكرة أقرب بكثير مما بدت لأول وهلة· فقد توافرت هنا الإمكانية لتجاوز الصعوبة الأخرى وهي تجميع وتنظيم جهود ما يقارب الألف من العاملين في حقل الثقافة والعلم من مختلف الأقطار العربية· وكانت نتيجة ذلك هي الطبعة الأولى من "الموسوعة العربية العالمية" (1996) ذات الثلاثين مجلدا، بعد فترة من التخطيط والتهيئة والتنفيذ استغرق ستة أعوام توجت بكونها الموسوعة الأولى بالمعنى والحجم الحديثين في تاريخ الثقافة العربية·

 

الترجمة

 

لقد اتضح سريعا للعاملين على إنجاز الموسوعة أن فكرة الترجمة لم تكن كافية لإصدارها، وأن جهدا آخر لا بد من بذله للوصول الى العمل المرجو· لكن الترجمة كانت عاملا في غاية الأهمية لجعل العمل ممكنا، فالموسوعة في أساسها والجزء الأكبر منها عمل مترجم عن الإنجليزية، وفي اعتقادي أنه لولا التفكير في الترجمة، بدلا من الطموح المبدئي للتأليف، لفشلت الفكرة كما فشل غيرها من قبل (وحاليا هناك على الأقل محاولتان عربيتان قيد التنفيذ) لم تتجاوز أي منهما الحرف الأول أو الثاني من حروف الهجاء· فقد وفرت الترجمة مادة جاهزة أمكن فيما بعد الانطلاق منها لإضافات تأليفية باتجاه الإنجاز الأكثر أصالة·

لقد أثار موضوع الترجمة في الموسوعة جدلا كثيرا عبر من خلاله البعض عن انتقادهم لاعتماد الترجمة أساسا للعمل، مفضلين أن تكون تأليفا خالصا لا ترجمة· وهذه بلا شك أمنية للجميع، لكنها أدت وما تزال تؤدي الى كثير من الفشل في مشاريع التأليف الموسوعي الشامل في العالم العربي، كما أشرت، وكان من نتائج ذلك الطموح غير الواقعي أن ظلت المكتبة العربية فقيرة لأمد طويل الى الموسوعات في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا حدود وتحتاج فيه الأجيال الى الاتصال بالعالم وبالتراث من خلال قنوات تقدم المعرفة مؤصلة ومؤسسة على أسس متينة· وبالطبع فإن الفشل في تنفيذ الطموح العربي الى الموسوعة المولفة بالكامل لا يعود الى عجز العلماء والمثقفين العرب عن الكتابة، ولكن التأليف الموسوعي يتطلب توافر عدد من العوامل منها الاستقلال الفكري والثقافي والعلمي وهو ما لا يتوافر حاليا لثقافة تعتمد على المصادر الأجنبية لمعارفها الحديثة، بمعنى أن ما نسميه تأليفا في كثير من العلوم الحديثة سيصير في النهاية ضربا من الترجمة أو التبني غير المعلن لمعطيات غربية· ولو توفر هذا العامل لعز توافر عوامل أخرى كالتمويل الكافي والإدارة والتنظيم الكافيين، والبعد بقدر معقول عن المؤثرات السياسية والأيديولوجية على نحو يتيح للإنجاز المعرفي المقنع أن يتم·

لكن هل يعني هذا أن العمل الذي أنجز في المملكة العربية السعودية بعيد عن العوائق المشار إليها؟ هل كان اختيار الترجمة كافيا لتجاوز العقبات كلها؟

لا بالطبع· فقد بقي الكثير من المشكلات ماثلا على نحو يومي وحاد أحيانا، وقد ترك أثره على ما أنجز، لكن المهم أنه لم يؤد الى تشويه العمل أو الى تعطيله، وأن العمل المنجز يشكل نواة لما هو أفضل· ولتسمحوا لي أن أزيد حديثي تفصيلا بالوقوف عند الجوانب الرئيسة التي ألمحت إليها بما تضمنته من مشكلات وإنجازات، أقصد ما يتعلق بالترجمة والتأليف وبعد ذلك المواءمة في صناعة "الموسوعة العربية العالمية"·

الترجمة: كما أشرت قبل قليل، تألفت المادة الكبرى من الموسوعة من مادة مترجمة أخذت عن "موسوعة الكتاب العالمي" بموجب اتفاقية لشراء حقوق الترجمة تضمنت حق المؤسسة المنفذة بالانتقاء والحذف والتعديل والإضافة بما يتناسب مع الاحتياج المحلي للبيئة الجديدة· وكان النص على مسألة التعديل أساسيا في الاتفاقية المبرمة مع الشركة الأمريكية الناشرة لأنه اتضح منذ الوهلة الأولى أن الموسوعة الأمريكية لا تصلح للترجمة الكاملة للأسباب التالية: 1) أنها تتضمن معلومات خاطئة أو قاصرة عن البلاد العربية والإسلامية وما يتصل بها من ثقافة وتاريخ وجغرافيا وغيرها، 2) أنها تتضمن معلومات أو معارف ليست أساسية للقارئ غير الغربي أو غير الأمريكي، 3) أنها في ما يتصل بالثقافة الغربية نفسها تتضمن بعض القصور الذي يمكن تلافيه·

فيما يتصل بالسببين الأول والثاني، كان من الطبيعي أن ينصب اهتمام الموسوعة سواء كانت أمريكية أم غيرها على الثقافة التي أنتجت فيها قبل أية ثقافة أخرى· كما أنه لم يكن من المستغرب أن ينال المنطقة العربية الإسلامية نصيب أكبر من الإهمال، إذا تذكرنا تاريخ العلاقة بالغرب من ناحية وهامشية الموقع السياسي والثقافي للمنطقة في العصر الحديث، وهذه الهامشية هي ما يبرر القول إن إهمال الثقافة العربية الإسلامية لم يكن دائما لأسباب عدائية· فالمعلومات التي نجدها في الموسوعة عن العرب والمسلمين وبيئتهم وثقافتهم ماضيا وحاضرا ضئيلة الحجم كثيرة الخطأ، أو غير مقبولة من حيث الزاوية التي كتبت منها·

 

قصور الموسوعة الأمريكية

 

أما ما يتصل بقصور الموسوعة الأمريكية في تقديم الثقافة الغربية، فهذا طبيعي أيضا إذا أخذنا في الاعتبار أن الموسوعة التي استهدفت بالترجمة موسوعة أقرب الى تبسيط المعلومة وتقريبها للقارئ الأمريكي العادي، فهي موسوعة طلابية بالدرجة الأولى، ومن هنا كان ضعف إلمامها ببعض الجوانب الثقافية المعاصرة سواء في الغرب أو غيره· وهذا ليس نتيجة جهل بالضرورة وإنما اتباعا لمنهج براغماتي أمريكي اختطته لنفسها وهو تقديم معرفة أكثر عملية وتبسيطا مما تهتم به موسوعات أخرى، كالموسوعة البريطانية أو لاروس الفرنسية· ومن الأمثلة الكثيرة على النقص المشار إليه ما يتصل بالفكر المعاصر لاسيما الفلسفة، وبشكل خاص الفكر الأوروبي وثقافات العالم غير الغربي· فالموسوعة الأمريكية غير معنية مثلا بكثير من المفكرين الأوروبيين المعاصرين رغم أثرهم البالغ في تشكيل خارطة الفكر الحديث من أمثال ميشيل فوكو وجاك ديريدا ولوي التوسير وجيل دولوز وبيبر بورديو، ولا بالتيارات الفكرية التي تحرك هؤلاء وغيرهم من خلالها· كما أنها غير معنية بكثير من منجزات العلوم الإنسانية الحديثة كعلم النفس والاجتماع والإناسة والنظرية النقدية وغيرها، بالإضافة الى حياة وأعمال عدد كبير من كبار الكتاب والفنانين في عصرنا الحديث وبعضهم غربيون، هذا بالإضافة الى ضعف اهتمامها بالموروث الحضاري لكثير من العالم غير الغربي، كالموروث الهندي والصيني والكوري والفارسي، ناهيك عن الموروث الحضاري العربي الإسلامي·

لهذا كله كان ضروريا ألا يكتفي بالترجمة، بل أن يصحح ما يترجم ويملأ النقص الذي تركته· غير أن الترجمة ظلت ضرورية وطبيعية لا غبار عليها حين اتصل الأمر بكثير من العلوم والمعارف المعاصرة مما يدخل في باب المشترك الإنساني ولا يتأثر تأثرا كبيرا بمتغيرات الثقافة والمكان، كما في العلوم البحتة من رياضيات وفيزياء وكيمياء وما إليها· كما أن من ذلك ما لا يكاد يوجد مثيل له لدى الشعوب الأخرى وعرف عن الأمريكيين التفوق فيه كعلوم الفضاء والحاسب والطب وغيرها· فقد كانت الترجمة هنا أقل حساسية وإشكالا، بل إنه يصعب تصور التأليف في هذا المجال دون اطلاع على ما أنتجته الثقافة الغربية لاسيما في الولايات المتحدة· فكانت الترجمة بذلك خيارا طبيعيا وإن كان مرحليا كما هو مرجو·

فإذا تذكرنا الى جانب ذلك أن حركة الترجمة الى العربية ما تزال بشكل عام دون المطلوب لا من حيث الكم فحسب وإنما من حيث المستوى، وأن هذا المجال بالغ الحيوية لأية نهضة حضارية، أدركنا أن خيار الترجمة كان وما يزال استراتيجيا وكبيرا لاسيما حين ينجم عن موسوعة كاملة·

 

مشكلات النقل

 

ومن ناحية أخرى لم يكن خيار الترجمة خيارا سهلا كما يعلم كل من دخل هذا الميدان، فمشكلات النقل من لغة وثقافة الى لغة وثقافة أخرى تصطدم كما لا بد لها بعوائق كثيرة منها عائق المصطلح، ومنها غياب المقابل في بعض الأحيان لا اللغوي فحسب وإنما الاجتماعي والثقافي عموما· فأن تترجم مقالة عن تاريخ آلة موسيقية كالبيانو أو عن تطور الأثاث في أوروبا، أو تاريخ الفلسفة، تحتاج الى عراك مع اللغة ومع الثقافة لكي تنتج نصا مفيدا من ناحية، لكنه مقروء من ناحية أخرى· فمع كون الترجمة سبيلا أسهل من التأليف في بعض وجوهها فإنها كانت أصعب في وجوه أخرى·

ومع ذلك فإن الموسوعة لم تخل من التأليف كما ذكرت، وبحجم يلفت الانتباه·

التأليف: لم يكن التأليف خيارا اقتضاه القصور في الترجمة فحسب، بل كان خيارا استراتيجيا للموسوعة منذ البداية· فقد اتضح أن ثمة مجالات كثيرة تستحيل الترجمة فيها إما لغياب المعلومة أساسا أو لقصورها وخطئها كما تبين في الحديث عن الترجمة· وقد شمل التأليف مجالات مختلفة من المعرفة وتفاوتت نسبته صعودا من الطبعة الأولى حيث بلغ حوالي عشرة بالمائة من مقالات الموسوعة، الى حوالي ثلاثين بالمائة في الطبعة الثانية· بمعنى أن حوالي ثلث الموسوعة قد تم تأليفه بوصول العمل الى الطبعة الثانية، ومن الطبيعي أن يستمر الصعود في الطبعات اللاحقة إن شاء الله، حتى تكتمل حلقاته بتأليف المقالات كافة·

القصور الذي سعت الموسوعة الى تلافيه من خلال التأليف تمثل في المقام الأول في أربعة جوانب: الدينية والتاريخية والسياسية وسير الأعلام، لكنه شمل أيضا جوانب علمية كما في النبات والأحياء، وفنية في أنواع مختلفة من الفنون والآداب· وكان المعيار الرئيس للاختيارات هي اتصال المادة بالعالمين العربي والإسلامي، والجزيرة العربية بوجه خاص· ومن أبرز ما ألف مقالة مطولة (حوالي مائة وخمسين صفحة من القطع الكبير) عن العلوم عند العرب والمسلمين، ومقالات طويلة أيضا حول الحياة الفطرية في العالم العربي والآثار في الجزيرة العربية، وكذلك مقالات كثيرة حول الأدب العربي وأعلامه والفنون المختلفة الشعبي منها وغير الشعبي· هذا بالإضافة الى مقالات رئيسة ومفصلة عن كل البلاد العربية، ومدنها الكبرى، وكذلك المدن الإسلامية والعربية القديمة، والأحزاب السياسية في العالم العربي، والمدونات الموسوعية القديمة المعروفة بأمهات التراث، والحضارة الإسلامية في الأندلس، وأعلام العالم العربي والإسلامي القدماء والمعاصرين في مختلف المجالات·

بل لقد شمل التأليف موضوعات في الثقافة الغربية نفسها لم تغطها الموسوعة الأمريكية المترجمة، كما في التعريف ببعض أعلام الفكر الغربي المعاصر، وبتيارات نقدية وفكرية كالتقويض (أو التفكيك)، وبتطورات في المفاهيم الثقافية المعاصرة مثل "التعددية الثقافية"· وباتجاهات ثقافية غربية تهم العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص كالاستشراق· وكان المعيار في ذلك إما أهمية المعرف به في التاريخ القديم أو المعاصر أو أهميته الخاصة بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، كما في حالة الاستشراق وأعلامه· وفي بعض الأحيان كانت الصدفة تلعب دورا في التنبه لمن ينبغي التعرف بهم، وفي إحداث التعديل المطلوب· فأذكر في هذا الصدد أنني أثناء تصفح مواد "موسوعة الكتاب العالمي" وقع نظري على اسم "وليم لين" فقرأت التعريف به ظنا مني أنه المستشرق المعروف مترجم "ألف ليلة وليلة"، غير أنه اتضح سريعا أن المعرف به رحالة أو مستكشف استرالي، وأن وليم لين المستشرق لم يكن واردا، فكان طبيعيا أن يتم حذف الاسترالي لضعف أهميته بالنسبة للقارئ العربي، وإضافة الشخصية الغربية التي لم تحفل بها الموسوعة الأمريكية·

وكان من اللافت أن يهتم القائمون على الموسوعة الأمريكية بما تم استحداثه من تغييرات لا على مادة موسوعتهم نفسها، وإنما بما أضيف من مواد نقصت منها، وقد عبروا عن رغبتهم في الإفادة مما أحدث من تعديلا على ما جاء في تلك الموسوعة· لعل من الطبيعي أن ينظر أولئك القائمون الى عملية التغيير والإضافة بوصفها خيارا طبيعيا وحتميا بالنسبة لهم كما بالنسبة للموسوعة العربية الإسلامية إذ تنشد خصوصيتها وقيمتها المعرفة للبيئة التي ولدت بها كما للإنسانية جمعاء· وقد اصطلح على عملية التعديل والإضافة - فيما عدا التأليف والترجمة - عبارة "الموائمة" وأحيانا "التنقيح"، وهي عملية تستحق وقفة تعريفية في هذا العرض·

 

المواءمة

 

المواءمة: ليست المواءمة سوى عملية طبيعية في الإنتاج الثقافي والإعلامي بل وفي مختلف جوانب الحضارة، لاسيما في مناطق الاحتكاك أو الاتصال بين حضارات أو ثقافات مختلفة· فالمواءمة في أبسط صورها هي تكييف المادة أو المنتج ليناسب احتياجات بيئة مغايرة للبيئة التي أنتج فيها· لكن عملية التكييف، على بساطتها الظاهرة، وكما يعرف المترجمون والمشتغلون على تخوم الثقافات إذ تتصل ببعضها، عملية معقدة تنطوي على عدد من المعايير أو القيم، وتتضمن احتمالات كثيرة للخطأ فيما يظن أنه الصواب· فالصحفي الذي يعيد صياغة خبر جاء من وكالة أنباء أجنبية يقوم بعمليات قد تتضمن الحذف أو الإضافة أو كليهما، لكنه على قيامه بمهمة ضرورية قد يخطئ في ما يحذف أو يضيف وبالتالي يتحكم - من موقعه كحارس بوابة - بما يصل الى قراءة من معلومات· فهو عمل حساس وثقيل المسؤولية، في الوقت الذي لا يمكن التخلي عنه أو التقليل من شأنه· هذا بالإضافة الى كونه مهمة تعرفها مختلف دول العالم ومختلف ثقافاته طوال التاريخ·

في "الموسوعة العربية العالمية" لعبت المواءمة دورا حاسما في توجيه العمليتين الأساسيتين في تحرير الموسوعة، عمليتي الترجمة والتأليف· وقد جاءت المواءمة على مستويين:

1 - أساسي وشامل·

2 - جزئي تعديلي·

في المستوى الأول حصرت الموضوعات التي شملتها الموسوعة الأمريكية وكان ضروريا حذفها لاستبدالها بمادة مغايرة، وتلك التي لم تغطها وكان ضروريا ملؤها· أما في المستوى الثاني فقد تم تعديل المواد التي احتفظ بها تعديلا تفاوتت مستوياته من تعديل الكلمة أو العبارة الى الفقرة أو الفقرات بحيث وصل التعديل، بالحذف والإضافة والاستبدال، في بعض الحالات الى ثلثي المقالة·

كان المستوى الأول هو المؤدي الى عملية التأليف التي غطت ثلث الموسوعة، كما ذكرت· بينما أدى المستوى الثاني الى الكثير من الحذف والإضافة حسب المعايير الموضوعة للموسوعة· وقد شملت المواد التي تم تعديلها ما يلي:

1 - مواد تتصل بالعالم العربي والإسلامي بما يشمله ذلك من تاريخ وأوضاع وأهمية، الخ·

2 - مواد تتصل بأجزاء العالم التي غطتها "موسوعة الكتاب العالمي" بالتفصيل، مثل أوروبا وأمريكا وجنوب شرق آسيا واستراليا ونيوزيلندا وكندا، وهي مناطق تتحدث الإنجليزية وكانت مستهدفة كقاعدة قرائية لدى واضعي الموسوعة الأمريكية·

في الحالة الأولى احتفظ بمواد تناولتها الموسوعة الأمريكية ولكنها قصرت في تناولها بوجه من الوجوه وكان من الضروري إما تصحيح المعلومة أو الإضافة إليها· بينما في الحالة الثانية كان من الضروري تحجيم المساحات الكبيرة وغير المتوازنة التي احتلتها المناطق المشار إليها· فقد توسع الأمريكيون فيما يتصل بحاضرهم وماضيهم وجغرافيتهم وما يتصل بثقافاتهم على نحو أخل بالتوازن بين تلك المناطق وغيرها من دول العالم· وإذا كان هذا طبيعيا فإن من الطبيعي أيضا تعديل الموازين لتعتدل الصورة·

 

الطبعة الأولى

 

على هذا الأساس تم في الطبعة الأولى حذف حوالي ستة آلاف مدخلا منها 895 مقالة، و2182 علما أجنبيا، و2944 إحالة رئيسة، هذا بالإضافة الى استبعاد 1000 صورة في تلك الطبعة· وقد سارت الطبعة الثانية على النهج نفسه فحذفت مواد أخرى منها المكتوبة ومنها المصورة· وفي كل الحالات كان هناك ما يملأ الفراغ بالإضافة أو التعديل· فأضيف في الطبعة الأولى 3309 مداخل توزعت كالتالي: 584 مقالة و1603 من الأعلام العرب والمسلم و45 علما أجنبيا و1077 إحالة رئيسة· أما في الطبعة الثانية فبلغ المضاف م المقالات 455 مقالة تضمنت من المقالات العلمية والأدبية 262 والسياسية 8 مقالات والرياضية 17 مقالة، والأعلام 168· وقد أدى ذلك الى زيادة صفحات الطبعة الثانية عن الأولى بحوالي ألف صفحة، مع بقاء العدد الكلي للمجلدات كما هو: ثلاثون مجلدا· ويذكر في هذا الصدد أن موسوعة الكتاب العالمي الأمريكية لا تتجاوز الاثنتين وعشرين مجلدا· وفي هذا مؤشر واضح على تباين في الشخصية والتوجه لدى الموسوعتين أود التوقف عنده فيما تبقى من هذه الملاحظات·

 

الشخصية الموسوعية:

 

أ - القارئ: أشرت في بداية حديثي هذا الى أن الموسوعة الأمريكية استهدفت قارئا متوسط الثقافة، ربما تمثل في طالب المرحلة الثانوية أو ما فوق ذلك بقليل· وقد سعت الموسوعة العربية العالمية لاسيما في طبعتها الأولى، الى تمثل ذلك الهدف أيضا بوصفه هدفا حيويا تقتضيه أوضاع التعليم ومستوى القارئ العام· غير أن تحقيق هذا الهدف في الموسوعة العربية العالمية - وربما في الأمريكية أيضا - لم يكن سهلا لعدة أسباب منها: أن الهدف نفسه ملتبس أو غير واضح، فكيف يمكن تحديد هوية القارئ ومستوى ثقافته، ثم كيف يمكن تحديد مستوى المعرفة المقدمة لتتوازى مع القارئ المفترض؟

غير أن الأهم من هذه الأسباب ربما هو أن الظروف الحضارية التي جعلت الموسوعة أمرا ملحا تجعل من الصعب حصر القارئ على ذلك النحو، فإذا استطاعت موسوعة أمريكية أن تستهدف قارئا محددا فإنما ذلك لامتلاء الساحة الثقافية الغربية بالموسوعات وظهور الحاجة الى نوع من التخصص في نوع القراء، بينما في المقابل تعيش الثقافة العربية المعاصرة فقرا تاما الى الموسوعات الكبرى، وحين تأتي مثل تلك الموسوعة يصعب تناسي الاحتياجات المختلفة ومستويات المعرفة المطلوب تناولها أو ملء فراغاتها· فكان نتيجة ذلك وجود معارف ومستويات من التناول يصعب أن يفيد منها الطالب وحده، وإنما هي لشرائح مختلفة· وقد حدث ذلك على الرغم من حرص الموسوعة على توحيد الأساليب ومستويات التناول· فقد جاءت الإسهامات المختلفة، خاصة في مجال التأليف، لتعكس مستويات علمية وثقافية مختلفة صعبت إعادة كتابتها بأسلوب يناسب مع اصطلح على تسميته بالقارئ العادي· فمقالة عن الآثار في الجزيرة العربية أو الحياة الفطرية من نباتية أو حيوانية في العالم العربي أو أخرى عن الحضارة الإسلامية في الأندلس، هي للقارئ المثقف ولكن غير المتخصص، بينما هناك مقالات علمية وتاريخية وأدبية أخرى تناسب القارئ الأقل ثقافة·

 

التوجه المعرفي

 

ب - التوجه المعرفي: تتصل بمسألة القارئ مسألة أخرى لا تقل أهمية هي مسألة التوجه المعرفي· فالموسوعة الأمريكية، شأنها شأن كثير من منتجات الثقافة الغربية الأمريكية خاصة، تسير وفق توجه براغماتي ينشد المعلومة المحدثة· فهي موسوعة يزيد عمرها عن النصف قرن وقد اكتملت أدواتها وارتفع تراكمها المعرفي، ولم تعد بحاجة سوى لمتابعة ما يستجد من ناحية، وزيادة معدل الدقة والضبط في ما تبثه من معلومات· وهذا الوضع غير منطبق على الموسوعة العربية الوليدة· فهي إن نشدت المعلومة والدقة والمتابعة، فإنها أيضا تؤسس لميدان خال من النموذج السابق، كما أنها تتحرك وفق منظور حضاري نحو هدف كبير للأمة العربية الإسلامية هو المشاركة في تحقيق المواكبة الحضارية من ناحية والأصالة والاستقلالية الثقافية من ناحية أخرى·

 

الطبعة الثانية

 

في الطبعة الثانية عاشت هذه الإشكالية معايشة شخصية ومباشرة· وسأتخذ من تلك المعايشة أنموذجا توضيحيا تبرز فيه صعوبات عمليات الصناعة المشار إليها أعلاه والتي أدت الى ولادة العمل، أقصد عمليات الترجمة والتأليف والمواءمة· فقد لفت أحدهم انتباهي الى مقالة نشرت في إحدى الصحف لسيدة لم تشأ الإعلان عن هويتها مفضلة وصف نفسها بالباحثة، وأنها تتناول الموسوعة بالنقد· وكنا بالطبع نبحث عن مثل تلك المقالات ونهتم بها كمؤشرات على التلقي العام للموسوعة· وحين وجدت المقالة تبين لي أنها مكتوبة من منظور إسلامي واضح تنتقد الكاتبة من خلاله الترجمة التي تضمنتها الموسوعة في طبعتها الأولى لمقالة "العلم" ونشرها كما جاءت أي دون تصرف· وكانت ملاحظة تلك السيدة هي أن المقالة المترجمة تعكس توجها علمانيا غربيا لمفهوم العلم يغفل جانبه الشرعي أو الروحاني غير المادي· فالعلم كما ورد في "موسوعة الكتاب العالمي" وترجمته "الموسوعة العربية العالمية" في الطبعة الأولى هو: "العلم مفهوم عام يشمل النظريات والتطبيقات العملية للمعارف المنظمة التي تم جمعها وتصنيفها، أو اكتشافها وتطويرها، ودراسة العلاقات بينها، ضمن مناهج وطرائق محددة· وواضح أن الدلالة هنا تتجه الى العلم بمفهومه العقلاني الطبيعي، أي الذي ينطلق من عقل الإنسان ليبحث في العالم من حوله ناشدا معرفة برهانية·

هذا المفهوم للعلم ليس بطبيعة الحال ما نقصده في اللغة العربية حين نشير الى فقيه أو أصولي بالقول إنه "عالم"، كأن نقول: "ابن تيمية عالم"· لكنه ينطبق على فرويد أو آينشتاين· فعلم ابن تيمية بالفقه والشريعة رغم كونه إنسانيا فإنما يتكئ في نهاية المطاف على قاعدة يمتزج فيه قدر من البرهان بقدر أكبر من الإيمان· وهذا بالطبع ينطبق على كل العالمين بالأديان والروحانيات حيثما وأينما وجدوا· لكن هذا المعنى على اختلافه عما ورد في التعريف الأجنبي أقرب الى المعنى الإنساني من معنى آخر حدده صاحب "لسان العرب" في تعريفه لمفردة "علم"، حيث يحدد معنيين رئيسين للعلم، الثاني منهما هو الأقرب الى التعريف الذي أوردته الموسوعة نقلا عن الإنجليزية، وإن لم يطابقه· أما المعنى الأول فهو علم متجاوز للإنسان· يقول: "من صفات الله عز وجل العليم والعالم والعلام"، ثم يمضي ليربط ذلك المعنى بوصف الله عز وجل للإنسان بأنه قد يكون عالما، وأنه حين يكون ذلك فإنه يخشى الله: "فإنما يخشى الله من عباده العلماء"، ليصير العلم هنا بمعنى الخشية· وبالطبع فإن هذه الدلالات الروحانية الإيمانية أبعد ما تكون عن المعنى الدنيوي أو العلماني الوارد في الموسوعة الأمريكية·

 

موقف من المعرفة

 

المسألة هنا ليست مسألة صحة أو خطأ فحسب، وإنما هي موقف من المعرفة تقوم عليه مفاهيم وتنطلق منه مواقف وثقافات، بمعنى أن قبولك لأحد هذه الدلالات أو عدم قبولك ليس هو المهم، بل المهم هو تحديد الدلالة أو الدلالات التي تتحرك عليها الثقافة ويعتمد عليها البناء المعرفي أو جزء منه· فالدلالة التي أوردتها الموسوعة نقلا عن الإنجليزية صحيحة في إطار ما يعرف أحيانا بالعلم الوضعي، حسب تصنيف الفرنسي أوغست كونت في القرن التاسع عشر، العلم الذي على أساسه قام ما نعرفه اليوم بالعلوم الحديثة سواء كانت بحتة تطبيقية أم إنسانية· لكن هذه الدلالة لا ينبغي لها أن تلغي الدلالة الأولى انسياقا وراء معطيات حضارية معينة· ومن هنا كان ضروريا أن نعود في الطبعة الثانية الى مقالة العلم لنستهدي بما نبهتنا إليه الكاتبة ونعيد صياغة المقالة لا لإلغاء المعنى الغربي الذي صار معنى أساسيا حديثا ننطلق منه، وإنما لنفسح مكانا رئيسا للمفهوم المقبل من تراثنا ويقوم عليه جانب كبير من ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة· فكان من ذلك تعريف جديد يرد في أوله أن "العلم في اللغة العربية نقيض الجهل، وعلمت الشيء علما زي عرفته· ويأتي العلم بمعنى الفقه، فالعلم بالشيء هو الفقه فيه·· الخل"· ثم تورد المقالة تعريفا أكثر تفصيلا للعلم من المنظور الإسلامي يتبعه تعريف آخر للعلم من المنظور الحديث تتوسع فيه·

 

التقليل من التحيز

 

ومن الجدير بالذكر أن الموسوعة منذ طبعتها الأولى مهتمة بالتقليل من التحيز في ما تتبناه وتعيد تقديمه من معرفة ولدت في الغرب واتسمت بسماته· ومن ذلك ما لوحظ في مقالة العلم البيعي أو الوضعي المشار إليها هنا بشأن عرضها لتاريخ التطور العلمي، فهي لا تفسح مكانا لإسهامات العرب والمسلمين، محولة تاريخ العلوم الى تاريخ غربي بحت· فكان الإجراء الأول الذي سبق إضافة مفهوم العلم الشرعي، تضمين المقالة إلماحة الى بعض ما قدمه العرب والمسلمون من اكتشافات واختراعات مع بعض الرسوم التوضيحية· ولكن لأن تلك الإلماحة لم تكن كافية فقد اتبعت بإحالة الى المقالة الرئيسة المطولة للعلوم عند العرب والمسلمين التي أشرت إليها في صدر حديثي هذا·

 

تحيز الذات

 

ج - تحيز الذات: في هذه الفقرة الأخيرة من ملاحظاتي حول ما أسميته "الشخصية الموسوعية"، أتوقف عند ملمح في غاية الأهمية لأنه يتصل لا بشخصية الموسوعة فحسب وإنما بشخصية الثقافة العربية ككل· إنه ملمح يتصل بالتحيز الذي أشرت إليه قبل قليل من الزاوية الغربية· فالتحيز سمة إنسانية طبيعية تتسم بها الثقافة الغربية، لكنه لا يقتصر عليها، فالثقافات الأخرى تتسم بذلك أيضا، ومن تلك الثقافة العربية بفروعها وواقعها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي·

 

مواجهة التحيز المعرفي

 

لقد سعت الموسوعة الى مواجهة التحيز المعرفي في ما يبثه الغرب في أوعيته المعلوماتية والمعرفية كالمصادر الموسوعية التي اعتمدت عليها، وذلك بغربلة بعض ما تضمنه المصدر المعتمد عليه هنا، ثم خرجت بصورة نحسب أنها أكثر توازنا من ذي قبل· لكن ماذا بشأن المعرفة المتصلة بالذات، معرفتنا بأنفسنا، وما قد يعتريها من تحيز إزاء نفسها وإزاء الآخر؟ هنا يمثل أمامنا مجالان من مجالات المعرفة، أحدهما يتصل بالبنية العميقة للثقافة العربية، والآخر بمتغيراتها وقضاياها الزمنية· بالأولى أقصد كيفية تقبل المعرفة حين تتجاوز المختلف الى المخالف، أي المعرفة التي تخالف المألوف والمعتقد به، وليس فقط تلك التي تختلف عنه· فقد تكون المعرفة مختلفة ولكنها ليست خلافية، كالمعرفة بسمات طبيعية أو عادات اجتماعية غير مألوفة، وقد تكون مختلفة وخلافية معا مثلما ما يتصل بالأديان الأخرى أو الأنظمة السياسية المغايرة·

 

المعرفة الخلافية

 

هذا النوع من المعرفة الخلافية موجود في الموسوعة، كما في التعريف بالمسيحية أو بالبوذية أو ببعض الأنظمة السياسية مما قد تشوبه الحساسية لدى البعض· ومع أن كثيرا من هذه المعرفة قد عدل قليلا أو كثيرا، فإن منه ما لم يعدل تعديلا يذكر· لكن حتى في حالة التعديل روعي ألا يكون التعديل مخلا بالمعرفة، فالمصداقية معيار أساسي دائما· والمتوقع في هذه الحالة أن مواجهة القارئ، أو بعض القراء، لتلك المعرفة سيعتريها بعض التوتر، فقد تعودنا في كثير من الخطاب الثقافي العربي السائد أن نقدم المخالف تقديما يبرز سلبياته من باب الحرص أحيانا على عدم التشويش الذهني، ولم نألف، على مستوى القارئ العادي على الأقل، أن نقرأ ما يصدم بجديته وجيده حول من نعده عدوا، بمعنى أننا لم نعتد أن نقدم الآخر المختلف عنا والمخالف لبعض آرائنا تقديما عادلا يتوخى الصدق مع الحقائق· ومن ذلك تقديم الكثير من المعتقدات والممارسات الدينية· ولنأخذ على سبيل المثال ما تضمنته الموسوعة عن الديانة البوذية في فقرة تعرف ببوذا نفسه: "بوذا· مؤسس الديانة أو الفلسفة البوذية· عاش في شمال شرقي الهند بين 563-483 ق· م· كان معلما، يقول لتلاميذه إنه استطاع أن يصل الى حالة الإشراق حسب المعتقدات البوذية· وكلمة بوذا تعني المتنور"· والعبارة المهمة هنا هي "حسب المعتقدات" فقد أتاحت هذه العبارة للمترجمين والمحررين في الموسوعة هامشا ممتازا للتحرك وتقديم معرفة متوازنة الى حد بعيد نسبيا، لن أقول في كل الأحيان، ولكن في معظمها·

ولكن من مقالات الموسوعة ذات الطابع الخلافي ما لم يستلزم الاتكاء على مثل تلك العبارة المحايدة· والمثال على ذلك مقالة حول "مناحيم بيجن"، إذ يعرف به على نحو متوازن جدا نسبيا· والعبارة الوحيدة التي لا أظن أنها ستقر في موسوعة يهودية أو غربية هي وصف منظمة "الأرغون" التي اشترك فيها بيجن بأنها ذات نشاطات "إرهابية"· أما بقية المقالة فهي حيادية بشكل يلفت الانتباه في بيئة أساء إليها بيجن كثيرا·

ما أتحدث عنه هو نوع من المواءمة العكسية، أي مواءمة رد الفعل الذاتي إزاء الآخر، بدلا من مواءمة الآخر لينسجم مع متطلبات الذات· فنحن لا نقلم أظافر الآخر ليناسب مواقفنا ويكف عن جرح شعورنا ومخالفة معتقدنا، وإنما نضغط على أنفسنا لتقبل الآخر كما هو، أو قريبا مما هو·

هذا فيما يتعلق بالبنية الثقافية في مواجهة الآخر، أما ما يتعلق بالمجال المعرفي الآخر، وهو الجانب الزمني المتغير فيندرج تحته ما كتب عن التأريخ السياسي الحديث لبعض الدول العربية· فهنا مسائل خلافية أيضا ولها حساسيتها البالغة، وقد عالجتها الموسوعة بأساليب متعددة، لكن المعيار ظل دائما توخي الدقة قدر الإمكان على الرغم مما قد تثيره من مشكلات· وبالفعل فقد وردت معلومات احتجت عليها بعض الدول، معلومات انحصرت أحيانا في عبارة واحدة لا أكثر، تم على إثرها منع دخول الموسوعة، والمطالبة بتعديل ما اعترض عليه في الطبعة الثانية إذا أريد للموسوعة أن تصل الى آلاف القراء المحتملين في هذا البلد أو ذاك·

 

أهمية العمل

 

أخيرا أرجو أن تكون صدوركم قد اتسعت لهذا الحديث التعريفي الدفاعي في الوقت نفسه عن "الموسوعة العربية العالمية"، فأنا دون شك مؤمن بأهمية العمل، وإن شاركتموني هذا الإيمان فقد تكون نقطة ضعفي هي أن إيماني يشتط بي الى الغفلة عما في العمل من أخطاء وضعف كثير لم أبرزه في حديثي إليكم· لكني أعتقد في النهاية أن "الموسوعة" بإنجازاتها ونقاط ضعفها أنموذج بارز لما وصلت إليه ثقافتنا العربية المعاصرة، لن أقول في أفضل تجلياتها، وإنما في واحدة من أكثر تلك التجليات جرأة علي المغامرة وأكثرها طموحا للوصول· وإذا كان هذا كله قد حصل والموسوعة في طبعتها الثانية، فإن الطبعات المقبلة تعد إن شاء الله بما هو أكثر قربا من الصورة المثلى التي نتمناها جميعا لأي مشروع ثقافي عربي·

طباعة