في وقت تتساءل غالبية الحكومات الغربية عن "الدروس المستقاة من حرب كوسوفو" استخلص الروس من التدخل ضد يوغوسلافيا نتيجة جذرية: وهي أنهم أحرار في التدخل في الشيشان· وفي موسكو، سارع الروس إلى صوغ المقارنة بين الحالتين: ومنها الوسائل المستعملة في الحرب مثل القصف الجوي قبل نشر القوات، والحق في التدخل بدعوى إرساء حقوق الإنسان، ونشاط قوة عظمى لإرساء الاستقرار في محيطها الحيوي·
لكن المقارنة لن تصمد طويلاً، والمعلقون الروس الذين خاطروا بصوغها ليسوا مغفلين تماماً· فمن الصعب أن يؤكد الروس أن بلادهم لا تفعل في الشيشان غير تطبيق المبادئ نفسها التي طبقها حلف شمال الأطلسي في كوسوفو، ثم أن ينتقدوا التدخل الغربي في هذه المقاطعة بذريعة أنه شجع المتطرفين المسلمين في القوقاز! فقد ادعى مسؤول في وزارة الخارجية الروسية في مؤتمر نظمته مؤسسة "كوربر" الألمانية في موسكو أخيرا أن المتطرفين المسلمين الشيشان ظنوا أن بإمكانهم الانتصار على روسيا بمساعدة الخارج بوهم من الدعم الذي قدمه حلف شمال الأطلسي لجيش تحرير كوسوفو·
هذه التناقضات تؤكد أن المقارنة بين كوسوفو والشيشان غير صحيحة، وإذا كانت هناك أي صلة بين المنطقتين فهي ليست في مصلحة موسكو، فالروس يتصرفون في الشيشان على نحو ما تصرف الصرب في كوسوفو، وبذريعة محاربة المتطرفين والإسلاميين يحاول الروس إخضاع شعب متمرد بوسائل عسكرية، وهم يستخدمون ضد هذه الجمهورية القوقازية وسائل تفوق ما استعمله الصرب في كوسوفو، لكن الغايات هي نفسها كما النتائج، مع هروب آلاف اللاجئين من المعارك إلى البلدان المجاورة، وكان تراجع موسكو عن اتفاق خاسافيورت المعقود في أغسطس من عام 1996 "بين الرئيس الشيشاني أصلان مسخادوف والجنرال الكسندر ليبيد عندما كان رئيسا لمجلس الأمن القومي الروسي" يذكرنا بالغاء سلوبودان ميلوسيفيتش للاستقلال الذاتي في كوسوفو عام 1989·
في مؤتمر مؤسسة "كوربر" أعطي مسؤول في وزارة الخارجية السوفييتية سابقا صار مسؤولا في وزارة الخارجية الروسية، وانقلب كما حصل في غالب الأحيان إلى "الأعمال"، تفسيرا لموقف موسكو مؤكدا أن الغربيين تعلموا درسا من كوسوفو على نحو ما بين موقفهم بالنسبة إلى الشيشان" وبعبارة أخرى، يقول هذا المسؤول الذي يعمل الآن في خدمة رئيس بلدية موسكو يوري لوجكوف إن الغربيين انخدعوا بتدخلهم في كوسوفو باعتبار أنهم خلقوا كثيرا من الصعوبات ولم يحلوا أيا من المشاكل وهكذا استخلص أن على الروس أن يستفيدوا من ذلك حتى يؤكدوا بمناسبة قمة "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" التي ستنعقد في اسطنبول التزامهم مبدأ عدم التدخل في شؤون الغير والدفاع عن وحدة أراضي الدول والسيادة الوطنية·
لكن نتائج حرب كوسوفو لا تشكل غير تفسير قاهر لحذر الغرب إزاء حرب موسكو في الشيشان، والفرق الجوهري هو أن روسيا ليست صربيا، وكما قال وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف "تبقى روسيا قوة عظمى أيا كان وضعها الراهن" فهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي وحقها في النقض "الفيتو" لا يمكن تجاهله، وحرب كوسوفو أثبتت في آن واحد هذا الحق يمكن الالتفاف عليه، وأن روسيا تبقى لاعبا أساسيا في البحث عما حل "بين بقايا" هذه القوة العظمى، لا يمكن أن نتجاهل وجود ترسانة نووية من آلاف الرووس، وهناك سببان تكميليان يعملان لترجيح كفة الحذر الغربي وهما: الخوف على الاستقرار في روسيا الذي يتسبب تهديده في إطلاق موجة صادمة في جميع أنحاء المنطقة، ونشاط الأصوليين الإسلاميين الذين لا نعرف ما إذا كانوا يتلقون تشجيعا أو دعما ماليا من الطبقة السياسية القمعية في موسكو· لكي على نحو ما وضعت أوروبا ميثاقا للاستقرار في القوقاز، وهذا الأخير لا يمكنه حل الأزمة الشيشانية لكنه يستطيع التأثير في المدى المتوسط إذا كان مصحوبا بمساعدات مالية لمشروعات التنمية·
وهناك حكومات غربية أخذت رأي المسؤولين الروس بشأنه لكن ردود الفعل لم تكن حارة·
تتوقف موافقة موسكو على خطة جماعية بشأن القوقاز على الأهداف التي يرمي إليها الزعماء الروس من وراء هذه الحرب، وهذه الأهداف متنوعة وتختلف باختلاف مراكز صنع القرار في روسيا فالصراع ضد مختطفي الرهائن وزارعي القنابل والارهاب عموما هو الهدف الأول المعلن ، وهناك شبه اجماع عليه في الطبقة السياسية الروسية وله دعم من المجتمع الدولي وإن كانت هناك بلدان غربية تتساءل عن "التناسب بين الأغراض" المقصورة والوسائل المستعملة" والكرملين يريد تاليا وقف انتقال عدوى الاستقلال إلى الجمهوريات الأخرى في القوقاز الروسي، مع أن هذا الخطر لم يثبت عقب اتفاق عام 1996 الذي أعطى الشيشان قدرا كبيرا من الحكم الذاتي
البعض في موسكو لا يخفي فرحته بكون الصراع ضد الإرهاب هو ذريعة لأنها الاستقلال شبه التام لشعب صغير ألحق هزيمة مخزية بالجيش الروسي، والعسكريون ليسوا وحدهم من يغذي هذه الروح الانتقامية،
فإذا كانت الحملة الروسية ظافرة، وهذا غير مؤكد أبدا حتى الان، فهي تسمح بقلب الأوضاع السياسية في روسيا قبل شهرين من الانتخابات التشريعية·
والشعبية المتصاعدة لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين، الذي لم يكن معروفا قبل فترة وجيزة، تؤكد أن عروض القوة تؤتي ثمارها سياسيا·
لهذه الأسباب كلها، يتوجب على الغربيين أن يتعاملوا بروح نقدية مع التغييرات الروسية الرسمية للحرب وأن يتساءلوا عما إذا كان مقبولا أخلاقيا وحكيما سياسيا أن تترك القادة الروس يظنون بأنهم أحرار أن يفعلوا أي شيء في دائرة نفوذهم·
"لوموند"