كتب المحرر الثقافي:
ألقى الدكتور فايز الداية في رابطة الأدباء الأربعاء الماضي محاضرة بعنوان "الشعرية العربية: الدلالة والمصطلح" في حضور أكاديمي وثقافي وصحفي، وقدم للمحاضرة الدكتور سالم عباس خدادة الذي عرف المحاضر وإنجازاته العلمية وأشار الى المحاضرة التي تتضمن قضية خلافية مما حفز الجمهور الى تلقٍّ غير حيادي، واستقبال إشكالي·
الشعرية··· وانعدام الوزن
انطلق المحاضر د· فايز الداية من إشكالية استخدام مصطلح "الشعرية" لدى عدد من النقاد العرب في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، مما أدى الى الوقوع في حالة انعدام الوزن نظرا الى ما طرأ من مفهومات الشعر والنثرية في ثقافة عرفت كثافة وتميزا للنوع الغنائي خاصة عبر تاريخها منذ الجاهلية حتى القرن العشرين·
ووزع المحاضر محاضرته على ثلاثة محاور، المحور الأول كان تأريخا لسيرورة هذا المصطلح واختلاطه بقضايا الفلسفة والنقد، متحدثا عن الأشكال الأساسية للشعر منذ الحضارات القديمة ولاسيما عند الإغريق، حيث تأصلت إبداعا ونقدا، وتحددت في ثلاثة أشكال: الشعر الغنائي، الشعر المسرحي، الشعري الملحمي·
ثم انتقل الى مرحلة مهمة في تاريخ الأب العالمي، وهي تصادم الكلاسيكية الجديدة مع الرومانسية في القرن التاسع عشر، وهو ما أدى الى توليد النتاج النثري للقصة والمسرح والألوان الغنائية، وأشار الى مسرحية هرنافي لفيكتور هيجو التي خرجت لأول مرة على التقاليد المسرحية الكلاسيكية الشعرية، كما أشار الى مقولة الأديب الفرنسي بول فاليري عن مساواة "الأدبية" بـ "الشعرية" مصطلحا ومجالا، ومر بنتاج إبسن النثري وأعمال بودلير ومالارميه ورامبو وفيرلان، مؤكدا أن تلك المحاولات كانت تطرح قيما فنية جمالية تعوض الشعر الذي كان وعاء للأنواع الأدبية·
وناقش المزايا التي تحملها الأنواع في حالتها الشعرية الموزونة في التعبير والتوصيل وأثر التحول النثري فيها وما أفرز من وظائف جديدة يتطلبها العصر الذي يعيشه الأدباء·
ثم عاد الباحث د· الداية الى الأدب العربي فوقف عند محاولات نظم بعض القصص شعرا كمنظومات كليلة ودمنة القديمة وقصص خليل مطران الشعرية ثم المسرح الشعري عند أحمد شوقي وعزيز أباظة وباكثير وصلاح عبدالصبور·· ورأى أن الأدب العربي انحاز الى الغنائية ولم يحفل كثيرا بالدرامية التي بدت طارئة عليه·
مسيرة المصطلح
أما المحور الثاني من المحاضرة فكان تتبعا لرحلة مصطلح "الشعرية" بدءا من انطلاقة من مقولات الشكلانيين الروس في موسكو وامتدادهم في براغ، وهم الذين قاربوا بين نظرية الأدب والنقد واللسانيات في انطلاقتها الجديدة والمتلاقية مع معطيات النهج السوسيري (نسبة الى دوسوسير) في مقولات الدال والمدلول، واللغة والكلام، والعلاقة بين الإشارة والدلالة اللغوية، ووصولا الى الحقول الدلالية، ثم خالط هذا المصطلح النظريات البنيوية وتطبيقاتها في فرنسا وأمريكا·
ورأي أن أبرز ملامح "الشعرية" أنها اقترنت بتطلع الى قوانين وأسس في تحليل الأدب عامة من غير تمييز بين الشعري والنثري، وظهرت عبارات مثل "أدبية الأدب" و"علمية الأدب"، وكانت تستفيد من معطيات علم اللسانيات وتوظفها في دراسات الأعمال الأدبية، ولاسيما الرواية إذ نجد تركيزا على شعرية الرواية·
أما في الشعر فقد اهتمت "الشعرية" ببنية إيقاعية تتجاوز مصطلح الوزن، فثمة شعر دلالي صوتي (موزون) وشعر دلالي يعتمد على الإيقاع بمفهومه الواسع الذي تضمه قصيدة النثر وما قاربها، وبعض الأنواع الأدبية الأخرى·
وعدّد الباحث د· الداية عددا من الأسماء التي أسهمت في هذا المجال مثل شاكلوفسكي وبروب وإيخنباون وياكوبسون وتودوروف وباختين وجورج بلن وجيرار حينيت وفيليب هامون، وقد كان لأعمال تودوروف وياكوبسون أثر كبير في النقاد والأدباء العرب، وعرّض الباحث بالساحة النقدية العربية التي تتلقى ما ينتج في الغرب بشغف مبالغ فيه، وتبعية مطلقة·
الشعرية عربيا
وفي المحور الثالث من المحاضرة تحدث الدكتور الداية عن الساحة الأدبية العربية والجهود النقدية فيها حيث ظهرت أعمال نقدية عالجت الأنواع الأدبية، وميزت بين الشعري والنثري وأهمية الموسيقى فيها، كما في أعمال محمد مندور وعز الدين إسماعيل، كما تناولت هذه الأعمال شعر التفعيلة وإمكاناته المستقبلية·
ورصد الدكتور الداية خطين نقديين أحدهما اهتم بالبنيوية وعلى رأسه الدكتور كمال أبو ديب، والآخر اهتم بالتنظير للنثرية الجديدة "قصيدة النثر"، مشيرا الى المعركة النقدية التي خاضها أدونيس وغيره لإحلال "الشعرية" مكان البنيوية، ولاحظ اختلاط بقايا البنيوية التي أفل نجمها مع مسار التفكيكية والسيميائية·
تساؤلات دلالية ومنهجية
وانتهى الباحث الى تساؤلات دلالية ومنهجية حول مصطلح "الشعرية":
1 - ما المسوّغ لإحلال الخاص "الشعر" مكان العام "الأدب" هذا إذا كان القصد الى الشعر الغنائي، أو إذا تأولنا الحالة الموسيقية للأنواع الأدبية (قصة وملحمة، دراما، غنائية)، ولم لا تبقى مصطلحات النقد الفني مع كل نوع ولكل حالة نثرية أو موزونة؟
2 - لماذا نقف في حالة استلاب أمام مناقشة التراث الإنساني ونقل اجتهادات متفاوتة من الأجنبي؟ وأين الموقف النقدي لآراء هؤلاء؟
3 - لماذا نغفل الآثار السلبية لخلط الغنائية المحدودة بمفهوم أوسع هو الشعر قدرة موسيقية مضافة ومؤتلفة مع التجربة والأساليب؟
4 - هل من مخرج نقدي له شخصيته العربية يفتح الآفاق أمام الأنواع الجديدة من غير اضطراب وافتئات على الشعرية الحقيقية؟
مداخلات معارضة
وفي ختام المحاضرة أتيحت الفرصة لمداخلات الجمهور التي كانت متعارضة في معظمها مع طرح الباحث (د· مرسل العجمي، د· أحلام الزعيم، نذير جعفر) والتي ركزت على أن المحاضر لم يوضح مصطلح الشعرية ولاسيما أن هناك التباسا دلاليا في ترجمة هذا المصطلح عن الفرنسية أو غيرها، وخصوصا أن الباحث حصر مفهومه عن الشعر في المقولة النقدية القديمة بأن الشعر هو "الكلام الموزون والمقفى"· وهي مقولة ناقصة، وكان الجرجاني وحازم القرطاجني قد وسّعا مفهوم الشعرية الى حد تجاوز تلك المقولة حين أشارا الى التأليف ودوره في اللغة الشعرية والى الخيال والتخييل···
وبقي أن نتساءل: إذا كانت القصة والمسرح قد خرجا من معطف الشعر كما هو معروف، وتضمنا شعرية مختلفة العناصر ومنها الموسيقى، فهل كان تخليهما عن هذا العنصر تخليا كاملا عن الشعرية؟ وهل يمكن حصر الشعرية في الجانب الموسيقي والصوتي للنص؟ لم تقدم المحاضرة إجابة واضحة عن ذلك·