رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 25 رجب غرة شعبان 1420هـ -3 - 9 نوفمبر 1999
العدد 1401

ضوء

معمار القصيدة العربية

 

ركان الصفدي

(1)

 

على الرغم من أني لا أومن بالفلسفة الظواهرية (الفينومينولوجيا) إلا أن لها إنجازاتها العلمية الكبيرة ولاسيما في النقد الأدبي، وما يعنيني هنا هو جمالية المكان، لا من حيث تمثله في الأدب كما عالج ذلك باشلار في كتابه المشهور "جماليات المكان" وإنما تماهي القصيدة بالمكان، وعلى وجه التحديد تماهيها بالمعمار في شعرنا العربي، دون الغوص في تفاصيل المقارنة بين الفن المعماري العربي والقصيدة العربية وتاريخيتهما·· غير أن النظرة العامة الى مسار كليهما تحفل بالكثير مما يلفت الانتباه ويستوقف العقل الباحث·· أليس الشعر تعبيرا مصفّى عن الحياة؟!

 

(2)

 

ليس عبثا أن يسمي القدماء، وعلى رأسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي، بيت الشعر بيتا، ويجعلوا له ما للخيمة من أسباب وأوتاد ومصاريع·· فإن عمارة الشعر في العصر الجاهلي تشبه عمارة البيت (الخيمة) شبها كاملا، فهو يتألف من شطرين متساويين، وقد ثبّت بأوتاد التفعيلة وأسبابها حتى تماسك بنيانا مستقلا، والقصيدة العربية القديمة أشبه بمضارب القبيلة حيث تستقل كل خيمة بنفسها وإن جمعت بينها روح واحدة وانتماء مكين· وربما ذهبنا بعيدا لنقول إن عمود الشعر في القصيدة القديمة كان يتوازى مع هذا المعمار، حين يبدأ الشاعر كلامه بالوقوف على الأطلال وما في ذلك من دلالة على ارتباطه الحميم بالمكان، وكراهيته أو حزنه أن يصاب بالخراب واليباب، فتكون القصيدة بناء لا شعوريا لما تهدّم وعمارة لما زال، ببعث الحياة في أرجاء القصيدة ردا على ذلك البوار·

البيت العربي القديم حركي لا يستقر تستطيع في أغلب الأحيان أن تنفرد به أو تغير موقعه كما تغير تلك الخيمة·

 

(3)

 

لا تتغير الفنون واتجاهاتها وأساليبها تلقائيا، ولهذا يمكن أن يستمر شكل من الأشكال لا لضرورة موضوعية وإنما لأنه أصبح نسقا فكريا، وتغيير الأفكار أعسر من تغيير الواقع، ولذلك لم يتغير معمار القصيدة سريعا مع تغير نمط البيت العربي في العصر الأموي، ولاسيما أن المجتمع لم يكن قد استقر في حياة مدنية كاملة بعد، غير أننا نلاحظ كيف تغيرت القصيدة في أواخر ذلك العصر على أيدي الوليد بن يزيد ووالبة بن الحباب وسواهما، حين تغيرت طبيعة الحياة الاجتماعية، وإذا لم نهمل التأثيرات الاجتماعية الأخرى فإننا نضيف إليها أن "المعمار الأموي" تدخل أيضا في بناء القصيدة، فلم تعد القصيدة "الحضرية" مفككة الأوصال متناثرة الموضوعات، وإنما ارتبطت أبياتها ارتباطا وثيقا كارتباط البيوت الدمشقية وتلاصق غرفها، فهي وإن تعددت مجموعة ضمن محيط واحد وسور بيّن·

والبيوت في العصر الأموي كانت كما يذكر المؤرخون والمعماريون خالية من الزينة تميل الى البساطة، وكانت غرفها صغيرة تطل على باحة واحدة حيث يسهل الانتقال من غرفة الى أخرى·· وقد مال البيت الشعري في القصيدة الأموية المتأخرة الى القصر، ولم يكن يحفل بالزينة اللفظية، إلا بالألفاظ السهلة الرقيقة كرقة أفياء دمشق ونضارة خضرتها·

 

(4)

 

كان المجتمع العباسي أكثر استقرارا وأوفر غنى، وكانت الدور والقصور أفسح أبهاء وأكثر غرفا ومقاصير، تكثر فيها القناطر المنقوشة والمشربيات المزخرفة والستائر المنمنمة والمزركشة، والأثاث المصنوع بدقة وهو محفور ومرسوم عليه ومزخرف وملون، كما كثرت فيه التحف والأشياء والأغراض الجمالية والكمالية، وانتشرت فيه الرياحين والأزهار والأشجار··· فكان على الشاعر في ذلك العصر أن يواكب هذه الجماليات ويرفل في تلك الحلل، فاهتم بتأثيث بيته الشعري وزخرفته حتى انقلب الشعر العباسي في بعض مراحله الى شعر شكلاني بحت، وقل مثل ذلك في الشعر المملوكي الذي أسرف في ذلك الأمر·

القصيدة العباسية مستقرة، تحفل بالمكان والبيئة، تهتم بالزينة والبهرجة، غنية بالحياة، رقيقة، متماسكة، تميل الى الطول والانفساح·

 

(5)

 

الشاعر الحديث يعيش في بيت بلا ملامح، خطوط مستقيمة غير محددة، فضاءات عشوائية، حيز لا يوحي بالخصوصية، ألوان لا تشي بالامتداد، أشكال غير مستقرة، علاقات غير مكتملة، إحساس بالانطلاق والرحيل الدائمين، يكاد لا يختلف بيت السكن عن مكتب العمل، علاقة خاصة بالنافذة والشارع··· لم يعد البيت كونا خاصا·

الشاعر الحديث إما أن يهرب من البيت أو ينزوي في غرفة فوضوية··· لقد خرج الشعر الحديث نهائيا الى الشارع والأسواق والمقاهي والحانات والعالم الذي يطل من كل نافذة إعلامية، والنفس الإنسانية المثقوبة بطلقات العصر، والفضاء الممتد من أصغر الأشياء الى آخر مجرة··· ولم يعد!

طباعة  

الهم السابع
 
من فعاليات مهرجان القرين الثقافي السادس
ندوة "الثقافة وقضايا الحياة العربية المعاصرة"

 
في محاضرة أثارت جدلاً برابطة الأدباء
د. فايز الداية: هل "من مخرج نقدي" عربي من غير افتئات على الشعرية الحقيقية؟

 
أقام معرضه في أقدم مدينة في العالم
فريد العلي يحمل حرفه العربي إلى .. الصين

 
في حوار مع الأمين العام لرابطة الأدباء في الكويت
عبد الله خلف: الكويت كانت دائماً ساحة للحرية وملجأ للسياسيين والكتاب

 
نافذة
 
أجراس