كانت خطبة الجنرال برويز مشرف رسالة معتادة في بلد تولى حكمه القادة العسكريون المستبدون في 25 سنة من عمره الـ 52 بعد الاستقلال· وهناك كثير من الناس في باكستان، بمن فيهم بعض أفراد الطبقة المثقفة الليبرالية يرغبون بشدة في تصديق جنرال بعد عشر سنوات من الفساد وحكم الزعماء المنتخبين الذين كانوا في غالبية الأحيان فاسدين وسلطويين·
لكن إذا كان هناك درس يمكن أن يعلمه التاريخ لباكستان التي ما زالت مجتمعا اقطاعيا تضرب الأمية ثلثي سكانه الـ 150 مليوناً فهو أن كل حقبة من القمع العسكري تجعل الديمقراطية أضعف لا أقوى حسب ما يرى نقاد وخبراء اجتماعيون·
الجنرالات وعدوا بالديمقراطية، وهم يتكلمون بلسان حلو الى الناس لكنهم يقمعون أي انشقاق· وعندما يسلم هؤلاء الرجال، الذين لم يتعلموا فنون الإدارة الحكومية والاقتصادية، السلطة للسياسيين، فإن المشاكل الكبرى تبقى قائمة·
يجسد الجنرال مشرف، بسلوكه العسكري الصارم وهيئة التماسك في شخصيته، أمل السكان العاديين في أن شخصا نزيها قاسيا يمكنه أن يعالج جميع مآسي باكستان· ففي خطبته المتلفزة، وعد الجنرال مشرف باستئصال جذور الفساد وإصلاح الاقتصاد وإقامة ديمقراطية حقيقية وتقييد الترسانة النووية الباكستانية واحترام حرية الصحافة التي قال إنه واثق في أنها "ستلعب دورا إيجابيا بناء"· وقال أيضا إنه باعتباره "المسؤول التنفيذي الأول" مستعد لاستئناف المحادثات مع الجارة الهند·
كان المقصود بذلك هو طمأنة عالم خائن وهو يشاهد انقلابا عسكريا في بلد ذي قدرة نووية معلنة، لا سيما الولايات المتحدة التي لم تقرر بعد ما إذا كانت تواصل سياسة الدعم الاقتصادي لباكستان، والتي كانت تضغط على إسلام أباد حتى تستأنف المحادثات مع نيودلهي·
لكن الهند استقبلت عرض مشرف لاستئناف المحادثات بريبة· فالجنرال مشرف الذي كان يتولى قيادة الجيش الباكستاني، فهي تحمله مسؤولية دفع بلاده الى حافة الحرب الشاملة مع الهند هذا الصيف في نزاع دار في منطقة كارغيل في ولاية كشمير· وهذه الولاية يتنازعها البلدان منذ نشوئهما عقب زوال الحكم البريطاني·
إذا كان الحكم على أي زعيم يقوم على سجله الشخصي، فالجنرال مشرف لم يبدأ بداية مبشرة· فنزاع كارغيل الذي كان أكبر عمل ساهم فيه حين توليه قيادة الجيش كان فضيحة دبلوماسية· فطوال أكثر من شهرين قاتلت القوات الهندية حتى تطرد مئات المتسللين الذين يعتقد الآن أن غالبيتهم من أفراد الجيش الباكستاني· ثم انتهى الاختراق الباكستاني فجأة عند رضوخ رئيس الوزراء المعزول نواز شريف لضغوط أمريكية غايتها الانسحاب من جانب واحد·
مثل عملية بيرل هاربور، (حين هاجمت الطائرات اليابانية الأسطول الأمريكي ودمرته في الحرب العالمية الثانية) كانت عملية كارغيل لامعة تكتيكيا وكارثة استراتيجيا، حسب ما يقول ستيفن كوهين الخبير في شؤون الجيش الباكستاني لدى معهد بروكينغز في واشنطن· والهند لم تنس شيئا ولن تسامح·
في هذا الشأن قال بي· أر· شاري مدير معهد دراسات السلام والأزمات في نيودلهي: لدينا هنا حكومة ترى في برويز مشرف الرجل الذي يقف وراء مغامرة كارغيل· لذلك هي لا تتوقع عناقا معه أو مصالحة·
لكن الذين يعتقدون أن العلاقات الهندية - الباكستانية لن تتحسن، لا يتوقعون في الوقت نفسه أن يغامر الجنرال بعمل آخر عما قريب لأنه يواجه مشكلة أشد خطرا في الداخل، إنها الاقتصاد المتهاوي·
فلقد تعرض خط الإمداد الاقتصادي لباكستان بفعل الانقلاب· وهي كانت تنتظر قسطا قيمته 280 مليون دولار من قرض قيمته 1.56 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، لكن الانقلاب العسكري قد يحبط هذا القرض الذي تأخر سداده أساسا· والاحتياطات النقدية في باكستان انخفضت الى 1.5 مليار دولار فلم تعد تكفي في أحسن الأموال إلا لدفع قيمة الواردات في شهرين وهي النفط والأغذية وسلع الاستهلاك الأساسية الأخرى· وهذه الخسارة قد تزيد شظف العيش لدى الباكستانيين·
الولايات المتحدة، صاحبة الصوت الأقوى في اتخاذ قرار الاستمرار بتقديم القرض، لم تتخذ موقفا بعد· فالمسؤولون الأمريكيون أدانوا الانقلاب ودعوا الى إعادة الديمقراطية لكنهم لم يدعوا الى إعادة شريف· وهم خائفون من أن تنتهي باكستان المسلحة نوويا الى تفكك اقتصادي·
الاثنين، ما قبل الماضي، وصف السفير الأمريكي لدى إسلام أباد وليام ميلام الجنرال مشرف بأنه رجل معتدل يعمل بدوافع وطنية· وأضاف: نحن نتعامل مع الحكومات، سواء كانت جيدة أم سيئة· وسنتعامل مع هذه الحكومة لكن لا أعرف بأي قدر·
في المدى البعيد، ليس من المرجح أن يتبع الجيش إصلاحات اقتصادية من شأنها أن تسفر عن ظهور جمهور ناخب أفضل ثقافة وأشد مطالبة· فمعظم الميزانية الباكستانية يستأثر به الجيش وينفق في خدمة الدين· والجيش كان دوما يحافظ على حصته منها·
في هذا الصدد، قال جوهر رضوي الأستاذ السابق في العلاقات الدولية لدى جامعة اوكسفورد الذي يدير الآن عمليات مؤسسة "فورد" في جنوب آسيا: "لماذا لم تخصص باكستان موارد مهمته للصحة والتعليم وإصلاح أقنية الري؟ لأن الجيش يستولي على الجزء الأعظم للموازنة"·
في خطبته، قال الجنرال مشرف إنه لم يملك خيارا آخر غير التضحية بطرف من الجسد (أي الدستور) من أجل إنقاذ بقية الجسد (أي الأمة) لكن يمكن القول إن باكستان هي أشبه برياضي يمارس كمال الأجسام أفرط في تمرين جزءاً من بدنه (الجيش) في حين كانت الأجزاء الأخرى (المؤسسات الديمقراطية) تضعف·
الأسباب الواقفة وراء ضعف الديمقراطية الباكستانية معقدة· فهي أقامت طبقة اقطاعية لم تتعرض لإصلاح زراعي قاس كما حصل في الهند· والبلاد لم تظهر فيها حركات سياسية ناشطة تمثل الفقراء والمقهورين· والبيروقراطية فيها يطغى عليها التسييس والفساد بقوة· وهي تملك جيشا يعتبر نفسه قلعة النزاهة والاستقرار وغالبا ما كان يتخطى العملية الديمقراطية البطيئة المؤلمة والمليئة بالعيوب··
في هذا الشأن، يرى جورج بيركوفيتش وهو خبير في شؤون جنوب آسيا أن "الجيش يمكن أن يعمل بصورة طيبة إذا كان زعماء الحكومة الجديدة أذكياء حقا ومثقفين اقتصاديا وملائمين سياسي· وأصحاب مبادئ ومتسامحين ويحترمون حقوق الإنسان· لكن الرجال من هذا النوع نادرون دعك عنك في باكستان"·
نيويورك تايمز