· خرج من وسط اجتماعي راكد إلى عالم الأدب الفسيح
· رفع لواء العروبة في وجه الفرانكوفونيين على الرغم من بربريته
· اليساري الذي أنشأ إذاعة للقرآن الكريم حفاظاً على الهوية
كتب المحرر الثقافي:
قال أحد الأصدقاء الذين حضروا أمسية الطاهر وطار إنه فوجئ بعاديّة الكاتب المشهور على مستوى الوطن العربي، وإن ما أشار إليه من محطات في حياته فيه شيء من السذاجة، وإن الأمسية كانت بسيطة ليس فيها عمق يتناسب مع الهالة التي تحيط باسم الطاهر وطار··· قلت له: لعل ما تقوله صحيح، ولكن هذا نفسه هو سر هذا الكاتب الكبير؛ فالطاهر وطار شخصية إنسانية تضج بالحياة، لا يعبأ بالتنظير وهو يقدم نفسه بتلقائية دافئة، إنه مسكون بالحياة، ولهذا كانت تلك "البساطة" طاغية على كلامه، لأنه حقيقي صادق ولا يضع قناعاً يخفي وراءه ملامحه النفسية والفكرية، ولو كان كاتباً سطحياً أو مزيفاً لوجدته يتعالى على الجمهور الغارق في ظلام المسرح متلذذاً بدائرة الضوء المنصبة عليه·
رحلة مع الكاتب الإنسان
قد لا تكون المحطات التي توقف عندها ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى المستمع في المحاضرة إلا أنها تعني الكثير في تكوين هذا الكاتب الذي خرج من زاوية مجهولة في وطننا إلى دائرة الضوء والأهم من ذلك أنها جعلتنا نتابع تلك الرحلة الحميمية ببعدها الإنساني الذي وحد بين المحاضر والجمهور· كما أننا عرفنا شيئاً عن المنبت الذي خرج منه هذا الروائي العملاق، إنه المنبت البسيط الذي يؤمن أن الطالب لكي يصبح مؤهلاً لتعلم القرآن وتلقي المعرفة عليه أن يضع قطعة من خبز الشعير ويتركها لتذوب في فمه، في ربط أسطوري بين المعرفة والفن·
وحديثه عن تسميته القبيلة له بالشيخ حين التقط قلماً في الطريق تشي بتصور ذلك المجتمع الأمي للعلم والمتعلم، أما خاله العاشق للرقص الصوفي فإنه صورة أخرى عن أنشطة ارتبطت بمجتمع خيّم عليه فكر وعقل صنعتهما عصور من العزلة والاسترخاء· إذاً، من هذا الوسط الراكد، القابع في الظل، سطع نجم الطاهر وطار،وهذا الوسط نفسه كان عالمه الروائي والقصصي فيما بعد·
عروبة متوهجة
لم يتبجح الطاهر وطار بدوره الوطني، وكان دوراً كبيراً، منذ أن كان في تونس يعمل في صحيفة الصباح، ومنذ أن انخرط في صفوف جيس التحرير الوطني عام 1956، ولكن هذا الدور يعكس حسه الوطني الصادق العفوي الذي حدد انتماءه نهائياً إلى قضايا وطنه، وجعل منه فيما بعد كاتباً ملتزماً، ولذلك لا يمكن أن نفهم أدب الطاهر وطار من دون أن نربط بين سلوكه الإنساني وتعبيره الفني، ونستطيع تفسير مواقفه اللاحقة، ولاسيما ارتباطه الوثيق بعروبة الجزائر، وهو ابن أسرة كانت تتكلم البربرية، وهذا يسلط الضوء على موقفه من العروبة، إذ قال في المحاضرة إنه حريص أشد الحرص على اللغة العربية وإنه لا بديل منها، وهذا ينسجم مع موقفه المشتدد من الفرانكوفونيين، فاللغة عنده أساس الانتماء، والجزائريون عرباً وبربراً تحتضنهم ثقافة واحدة ولاسيما أن الاختلاط بين العرب والبربر منذ القديم جعل الفصل بينهما أمراً مستحيلاً ومشبوهاً·
اليساري مؤسساً إذاعة للقرآن الكريم
من الأمور الطريفة التي ذكرها الطاهر وطار في محاضرته أنه أول من أسس إذاعة للقرآن الكريم، وهو الكاتب اليساري، وهذا ما جعله ينجو من الاغتيال بعد ذلك حين انتصبت حمامات الدم في مكان من الجزائر· وفي ذلك دلالة بليغة تضيء موقف الطاهر وطار من القرآن الكريم والدين، إذ يرى فيهما، كما قال في المحاضرة، عنصراً أساسياً في هوية الجزائر لا يجوز أن يهمل، فليس من المنطقي أن يكون هناك عشرات الفنانين ولا يكون مقرئ واحد وهذا ما سبب اتهام الفرانكوفونيين له بالظلامية، ولكن وطار ابن بيئته ولا يقبل طمس هويتها أو مسخها، ويرى أن من حق كل فئة أن يكون لها شكلها التعبيري·
النقد نوعان
وكان لوطار وقفة مع النقد الذي ميز فيه نوعين: النقد الأكاديمي الجاد الذي يحترمه ويثق به لأنه يعتمد على الدراسة العميقة والهدف النبيل، والنقد المتسرع غير الأصيل الذي وصفه مازحاً بالتايواني، وهو نقد لا يأبه له ولا يتابعه· وأخذ على النقاد العرب انبهارهم بالنقد الغربي ونقلهم مقولاتهم دونما تمحيص ودونما العودة إلى تراثهم العربي وشخصيتهم الثقافية العربية·
وعي ثقافي... عربي
وأغنت المداخلات والأسئلة المحاضرة، إذ اكتملت فيها صورة الطاهر وطار الفكرية والثقافية والفنية، فهو لا يستمد ثقافته من الغرب، وكانت مرجعيته عربية والكتب المترجمة، فقد أسهم الكثير من الكتّاب في وعيه الثقافي، وذكر منهم نجيب محفوظ ويوسف السباعي وحسين مروة وزكي نجيب محمود، كما ذكر أسماء كتاب معاصرين يتابعهم مثل الغيطاني والقعيد وأحمد يوسف داود وسواهم فهو يعيش في قلب الساحة الثقافية المعاصرة·
وفي رده على سؤال حول انعكاس سيرته على أعماله الروائية قال إنه يفتت نفسه في أعماقه، ومعظم شخصياته تمثل أشخاصاً عرفهم وعايشهم، وعن رأيه في أحلام مستغانمي قال إنه فخور بها ولكن شهرتها في الشرق تعود إلى أنها تناولت قضايا حساسة ليس لها الأهمية نفسها في الجزائر· وفي إجابته عن سؤال حول تمويل جمعيته "الجاحظية" قال إن تمويلها يعتمد على المساعدات الشعبية، ومساعدات بعض الهيئات الثقافية العربية غير الرسمية (سعاد الصباح ــــ البابطين) أما الحكومة فلا تقدم إلا دعماً محدوداً جداً، وتحدث عن دور الجمعية في تشجيع الإبداع ورعايته على الرغم من ظروفها المادية الصعبة، ومن الأدلة على ذلك أنه طبع من روايته الأخيرة سبعمئة نسخة فقط!
طقوس الكتابة والقراءة
وعن طقوس كتابته قال وطار إنه لا يكتب نهائياً في المنزل، وقد كتب أعماله جميعاً خارج المنزل كالمقاهي والمنتجعات، وهو بذلك يخلق لنفسه جواً خاصاً يتوحد فيه مع عمله الإبداعي ويتماهى مع شخصياته الروائية، أما القراءة فتبدأ في الحادية عشرة ليلاً حتى قبيل الفجر· وكادت المحاضرة تخلو من الحديث عن تقنية الرواية وبعض الجوانب الفنية فيها إلا أنه في رد على أحد الأسئلة أشار إلى أنه يلجأ للرمز هرباً من القمع لأن الكاتب العربي في رأيه لا يستطيع دائماً أن يسمي الأمور بمسمياتها، فيترك ذلك للقارئ ليحلل الرموز التي لا تكون دائماً غامضة بحيث تخفى عليه·
نجم المهرجان
لقد قال صاحب "اللاز" ما أراد قوله بصدق وحميمية وبراءة، فكان نموذجاً للأديب الكبير المتواضع على الرغم من رصيده النضالي والإبداعي الكبير، وقد أحسن القائمون على مهرجان القرين السادس اختيار هذه الشخصية الفاعلة، فقد كان الطاهر وطار بحق نجم المهرجان الذي أضاء بقوة وسطع بوهج وحميمية، لأنه أحد حراس وجودنا وجمال آمالنا وأحلامنا·