محمد جاسم يعقوب
(1)
إن أسوأ اللحظات في حياة الفنان تلك التي يشعر فيها أنه عاجز عن الإبداع·· حينها يبدأ الشك في نفسه·· يبدأ الشك في ما تعلمه·· يبدأ استرجاع كل معلومة تعلمها من الكتب، تبدأ حينها ثقته بنفسه تهتز·· يبدأ بالتحول من شخص مبدع الى شخص وسواسي، يشك حتى في الحروف الهجائية التي حفظها عن ظهر قلب في صغره·
(2)
الفنان حياته كلها منصبة في فنه· الفنان من دون فن ليس سوى جسد بلا روح·· أن تحرم الفنان من فنه فإنك ببساطة تقتله ببطء·· ما الأسباب التي قد تعوق الفنان عن ممارسة فنه؟ أحيانا المادة تقف عائقا·· وأحيانا عقليات متأخرة تعتلي المناصب··
(3)
دائما ما نحاول ليّ ذراع الفن لصالح الأفكار المثالية التي دائما تقول: "نحن ما زلنا بخير"·· الفن لدينا بالكويت لا يسمى فنا بمعنى الكلمة·· إن صح التعبير نحن ندعي الفن·· نحن نتظاهر بأننا فارس الفن·· لكننا حقيقة لا نستطيع التفريق بين الفن الحقيقي وبين تقطيع الملوخية!!
(4)
نحن نعتقد وبعضنا يؤمن وبتعصب بأن الفن يعالج مشاكل المجتمع·· وهذا خطأ·· الفن لا يعالج المشاكل بل الفن يشير الى المشكلة ليتفكر فيها الناس·· ليس من مهنة الفن أو رسالته معالجة القضايا الاجتماعية·· أعني أن يجد لها حلا·· لأن الفنان ليس مصلحا اجتماعيا··
(5)
لنفرض أنني سأعيش ستين عاما·· من الآن·· وفي كل عام سأعمل مسلسلا من ثلاثين حلقة·· يعني ستون مسلسلا·· تلك الستون مسلسلا لن تضاهي فيلما سينمائيا قصيرا مدته عشر دقائق واحد·· لأن الستين مسلسلا لن تغير ولن تضيف للفن شيئا·· بينما الفيلم قد يكون نقطة تحول في تاريخ السينما·· وله تأثير أكثر على الجمهور من مسلسل لا يتكلم سوى عن القيم والعادات والتغني لهما··
(6)
إن أسوأ كلمة سمعتها الى يومي هذا هي كلمة "أنت ما تشتغل"!! بالطبع أنا لا اشتغل·· أنا شخص شهادتي سينما المفترض أني مخرج سينمائي ماذا اشتغل خلاف ذلك؟ راقصة؟ إن عدم فهم البعض مسؤولين كانوا أو موظفين أو مواطنا عاطلا عن العمل ولا يترك المقاهي، المسألة ان لكل إنسان تخصصا إن وضعته في غير مكانه أصبح إنسانا سلبيا·· لكنهم هنا يريدونني أن أفعل كل شيء في كل شيء·
(7)
اليوم بينما أنا أفكر بنفسي ماذا فعلت؟ ومن أين بدأت؟ والى أين وصلت؟ وجدت أني لم أفعل شيئا أكثر من تغيير أنواع السجائر التي أدخنها·· لدرجة أنني أحيانا أضطر لأن أخرج شهادة تخرجي لأتأكد هل أنا فعلا درست إخراجا سينمائيا؟ أم أنا فقط "الوكيل العام والخاص لشؤون التبغ"؟
(8)
ماذا يريدون؟ هل يريدون أن ينقلوا مراقبة السينما للمجلس الوطني فليفعلوا·· لكن ليتذكروا أن السينما هي صناعة أفلام·· وليست ندوة وفيلمين ومعقبا على الندوة، وفراشا يحضر الشاي وربما يفهم بالسينما أكثر من المتحدثين عن "الثقافة السينمائية"·
(9)
ربما أحدكم سيقول لي: "شنو اللي جابرك وخلاك تدرس سينما؟" سأرد وأقول: هو السبب نفسه الذي يجعلك تتمسك بالحياة·
(10)
لكن كما يقولون: هناك دائما الأمل·· الأمل بالنسبة لي الآن إما أن أموت بشرف ولا أرى نفسي عاجزا من ممارسة الفن·· أو أن استيقـظ ذات صباح فأجد الى جانب رأسي عشرين ألفا من الدنانير لأصور فيلمي القصير·· وطبعا: "السماء لا تمطر نقودا" كما قال من سبقونا·· لذا ليس من شيء يأتي بسهولة·· اعذروني لأنني ذاهب كي أبحث عن طريقة لتمويل فيلمي·