المحاكمة...!!
بقلم: حسين سلامة عياد
أجل سوف أكتب··
لقد مضى وقت طويل منذ أن حملت قلماً وافترشت صحيفة من ورق وانهمكت في الكتابة·
وقت طويل ولكن ليس جداً··
المهم· بعد هذا الوقت ها أنذا قد امتشقت قلمي وبدأت برسم خطوط سوداء على صفحة بيضاء في عمل ما يسمى كتابة·
الآن أنا جالس في مقهى··
أعرف قليلاً ممن يجلسون حولي معرفة عابرة·· وآخرون سبق أن رأيتهم في هذا المقهى والغالبية العظمى أناس أراهم لأول مرة والاحتمال الكبير أن تكون آخر مرة·
وأنا جالس في المقهى··
وحيداً في المقهى··
أجلس على طاولة تتسع لأربعة أشخاص·· أنا الوحيد منهم الذي يجلس الآن فأين الثلاثة الباقون؟ هذا تسأول غريب لا أجد له إجابة ولكن أتصور أن لدي إمكانيات تجعلني أستطيع إحضار من أشاء ليجالسني ويشاطرني الحديث بصراحة·
ولكنني ليس لي أصدقاء
وأيضا لا صديقات·· وعلاقتي بزوجتي باردة وفاترة·· وبصدق لا أستطيع أن أحضر أحداً حتى حسن أخي فلا شك أنه يغط في سبات عميق الآن والأهم أنه لا يحب أن يرتاد هذا المقهى·
وفكرت في سلامة ابني الشاب·· أيضاً الفكرة فاشلة فهو نائم لأن عليه أن يذهب إلى مدرسته مبكراً··
هكذا لا يوجد من يصاحبني في المدينة··!!
فمن أين سأحضر لي جليساً؟ فالأفضل أن أرجع إلى بيتي فقد يأتي من يأتي ولا يألف المقهى وقد لا أنصت إلى حديثه ويصاب بالسأم والملل مثلي·
وتذكرت الآن أنني وحيد منذ طفولتي·· فلا غرابة في ذلك·· فقد كنت في الخامسة من عمري وأجلس وحيداً·
وبعد المدرسة كنت أجلس على صخرة تطل على المدينة وأراقب الطيور تحلق في الفضاء وأعجب: هل ستظل الطيور تحلق معا؟
ماذا أفعل؟ مازلت وحيداً··
وطرأت فكرة غريبة على ذهني: لماذا لا أحول هذا المقهى إلى محكمة؟
صرخت بصوت عال:
- يا عبدالراضي·· يا عبد الراضي··
وأقبل النادل مسرعاً فقلت له:
- لقد عينتك حاجباً لهذه المحكمة!!
فأسرع عبدالراضي ووقف خلفي صارخاً:
- محكمة···
كأنه كان يتمنى وظيفة أخرى فعثر عليها··
وصرخ عبدالراضي مرة أخرى:
- محكمة!!!
وارتجفت القاعة·· والتفت جميع الرواد الجالسين في ذهول·· وعندما شاهدوني وأمامي مجموعة من الأوراق وبيدي القلم أدركوا جدية الموقف فهبوا واقفين على أقدامهم وهم ينظرون إليّ باهتمام شديد ودقة ملاحظة·
أومأت لهم بالجلوس وبدأت الكلام:
- لا تنزعجوا، هذه محكمة حقيقية تقوم على فرضية أن الحكم فيها لكم انتم وما علي أنا إلا الكتابة وتوجيه النقاش وتنظيم الحوار وكذلك ترتيب الأدوار والمحافظة على النظام·
وعدت أضيف وهم يحملقون في وجهي بغرابة أكثر:
- سوف أرتب للمدعي العام والدفاع أوراقهما واكتب بأمانة ما يقال وأعرض عليكم الحيثيات وأطلب منكم إصدار الحكم بعد فرصة كافية للمداولة·
ولا أستطيع أن أصف لكم من سيمثل بين أيدي العدالة الآن ربما لأنه قد رحل أو مازال حاضراً ولكنه ظل دائماً ينادي: ارفع رأسك يا أخي لقد مضى عهد الاستعمار··!!
وصرخ عبدالراضي:
- محكمة··!!
ويخل الزعيم ورواد القاعة بين مكذب ومذهول وهمهمات تدور وأنفاس تتهدج وأصوات تتعالى· فالرجل بقامته المديدة مازالت تحيطه الهيبة والوقار·
وانهكمت أنا في الكتابة فسجلت اسم الزعيم وميلاده ومدة رئاسته ومكان إقامته وقلت له:
- سيادة الزعيم يا ابن النيل سامحنا لهذه المشقة التي عانيتها ولكن العدالة لا تفرق بين زعيم وفقير، هكذا تعلمنا منك!!
وتطلعت إلى أوراقي ثم عدت أقول بحزم:
- التاريخ يقف ضدك أيها الرئيس، يدعي عليك ويوجه الاتهامات·· ليدخل التاريخ وصاح عبدالراضي:
- ليدخل التايخ·
ودخل إلى القاعة رجل يحمل صولجاناً وقد بدت على ملامحه الحدة وشع من عينيه الذكاء، ولكن أغرب ما في الأمر أن معه حاشية كبيرة من أجناس البشر يسلمونه أوراقاً والبعض منهم يكتب على ثياب التاريخ وآخرون يكتبون على جبينه ويعضهم يسقطون أمامه ليخطو عليهم بأقدامه الثقيلة·
وحاول جمهور القاعة مصافحة التاريخ وهو لا يبالي بهم ويمضي في خطى ثابتة يدق الأرض بقدميه ويتطلع إلى وجه الزعيم·
وقف التاريخ وقال بصوت عال:
- أنا التاريخ ولدت مع آدم \ وسأموت يوم القيامة·· أنا أعرفكم جيداً فقد سجلت كل شيء فانظروا حولي تجدوا المؤرخين في صحبتي دائماً يحافظون على أوراقي ويكتبون الكثير والكثير·
ونظر التاريخ لي وأنا أسجل كلماته أشار بالصولجان في اتجاهي ثم إلى الجمهور في القاعة وقال بغضب:
- أيعرفكم جميعاً انتم انتم وهذا المكان البائس تجلسون فيه للثرثرة والأحلام·· وهذا الزعيم ينادي وأنتم مازلتم مجمدين أو محنطين لا أدري·
ويصمت التاريخ برهة
واسمع همهمة وكلمات غير واضحة في القاعة··
الجمهور بدأ يزمجر ويتمتم بكلمات الرفض والعجب والغضب·· وتعلو الأصوات وتزداد ارتفاعاً وتتحول الهمسات إلى جلبة وفوضى وضجيج ثم صراخ أدى إلى تشابك بالأيدي بين رواد المقهى·
فصرخت: عبدالراضي··
أدرك الحاجب ما أعنيه فصاح في الوجوه:
- محكمة!!! محكمة!!!
وفجأة في هذا الهرج والفوضى والصراع بين الرواد يقتحم المحكمة رجل قوي البنية مفتول العضلات وقد أمسك بفتاة جميلة عذراء على وشك أن يغتصبها أمامنا جميعاً والفتاة قد تمزقت ملابسها ورواد المقهى لا يدرون شيئاً وقضاة المحكمة قد تجمدت الكلمات فوق شفاههم·
أما أنا فقد شلت حركتي ولم أدر هل ما يحدث جزءا من اللعبة التي اخترعتها أم أنه الحقيقة ونحن في مواجهة دموية مع جبار طاغ ودموي لا يعرف الشرف أو الكرامة·
فصحت فوراً:
- عبدالراضي اطلب الشرطة وقوات الأمن الدولية، اطلب المساعدة إنها كارثة·· وفي سرعة البرق اقتحم المكان رجال الأمن ولكن لمحت أن عيونهم زرقاء وشعرهم أشقر ووجوههم بيضاء يحملون أحدث الآلات الحربية·
وشعرت بالندم لغباء عبدالراضي لربما اتصل بجهات أمن أخرى لا تمت لنا بصلة· ونظرت إلى وجه الزعيم فلمحت بريقاً من الدموع في عينيه وتذكرت صورته تلك على شاشات التلفاز يوم هزيمة العرب ونكستهم·
وراقبت المعركة··
فقد ظل الرجل الغريب متحضناً الفتاة العذراء ومحاولاً أن يفر بها من قاعة المحكمة ولكن تقدم منه قائد الأمن وعاجله بلكمة قوية ثم أخرى وقفز في الهواء ودفعه بكلتا قدميه في صدره فإذا بالرجل يتهاوى على الأرض تتكسر ضلوعه وتتهشم عظامه ويصبح غير قادر على الحركة تماماً·
ويمد قائم الأمن يده إلى الفتاة فتبتسم وتهمس له:
- حبيبي··
ويبتسم قائد الأمن ويسأل:
- حقاً؟
ونظرت مرة أخرى إلى الزعيم لعله يفعل شيئاً ولكنه كان قد اختفى··
ونهضت واقفاً أجول بعيني في المكان
فلم أجد سوى رواد المقهى وعبدالراضي مازال يصيح:
- نعم حاضر··
وعندما ترامت نظراتي على الشارع الكبير لمحت هناك فتاة عذراء تتأبط ذراع شرطي أجنبي وتضحك ويضحك··
وتنطلق بهما سيارة حربية··