رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 30 شعبان 6 رمضان 1420هـ - 8 - 14 ديسمبر 1999
العدد 1406

يتبع

عمق استراتيجي

 

فعلى الدوام، شكلت بلاد الشام (سوريا الطبيعية، الهلال الخصيب)، عمقاً استراتيجياً لمصر· كما كانت كل التهديدات المحتملة التي تشكل خطراً على مصر تأتي من المشرق وليس من أي اتجاه آخر· ومن هنا، يمكن أن ندرك لماذا كان محمد علي مثلاً يتجه شرقاً في فتوحه، وليس إلى الغرب منه، فقد كان ذلك انطلاقاً من نظرة استراتيجية ثابتة وليس اعتباطاً، أو لمجرد ظرف سياسي طارئ· وربما كانت المقولة التي كان البعض يبرر بها المفاجأة الإسرائيلية في الخامس من حزيران/ يونيو، 1967، مجرد تعبير لا شعوري عن الهاجس المشرقي التاريخي في الذهن الاستراتيجي المصري، وهي مقولة: "انتظرناهم من الشرق، فجاءوا من الغرب"·

غالباً ما كان الصراع المصري مع "الآخر" التاريخي ينتهي بالفشل، ما لم يتم في إطار من نوع وحدة أو تلاحم مصري - مشرقي، بغض النظر عن أسلوب تحقيقه· وبذلك نجد أنه في كل الفترات التاريخية التي تجد مصر فيها نفسها في صراع معين مع "الآخر" (التتار، الصليبيين، الغرب، إسرائيل··· الخ)، فإن خطابها السياسي يتميز بشمولية قومية أو إسلامية· وعندما تنتهي ظروف الصراع مع الآخر، فإنها تعود إلى خطابها الوطني المعتاد· ومن هنا فإن صراع حركة يوليو مع الاستعمار، أي الصراع مع الآخر، فإنها تعود إلى خطابها الوطني المعتاد· ومن هنا فإن صراع حركة يوليو مع الاستعمار، أي الصراع مع الآخر، دفعها إلى حضنها الاستراتيجي المعتاد، أي المشرق العربي، ووجد ذلك تعبيراً سياسياً وأيديولوجياً له في الناصرية، أو النسخة المصرية المعدلة لأيديولولجيا القومية العربية·

ولكن، فور أن ينتهي الصراع مع الآخر، فإن مصر عادة ما تعود إلى خطابها الوطني التقليدي، فما أن انتهى أو أُنهي الصراع مع الآخر، سواء كان صراعاً حقيقياً أو كان من نتائج الأيديولوجيا المتبناة بعد ذلك، في أعقاب وفاة جمال عبدالناصر، حتى عادت مصر الساداتية إلى الخطاب الوطني المصري البحت، هذا لا يعني قطع الروابط مع عرب المشرق خاصة، فالسياسة لا تعرف القطيعة الكاملة، كما أن مصر مدركة دوماً أهمية عمقها المشرقي، بقدر ما يعني التركيز على الخصوصية المصرية أكثر من الاهتمام بالشمولية العربية، حيت يكون الخط العام هو محل التحليل· كما أن هذا قد يفسر جزئياً لماذا سقطت التجربة الناصرية في مصر بتلك السهولة التي سقطت بها، من حيث إن خطابها القومي العربي كان خطاباً نخبوياً أكثر من كونه خطاباً جماهيرياً، على عكس الوضع في المشرق العربي، حيث تشكل القومية العربية خطاباً جماهيرياً ونخبوياً في الوقت ذاته· أما جماهيرية الخطاب الناصري في الشارع المصري في حينه، فهي لا تكمن في الجانب القومي من الخطاب بحد ذاته، بقدر ما تكمن في الجانب الاجتماعي والوطني المصري منه بشكل رئيس (العدل الاجتماعي، مجانية التعليم، الإصلاح الزررعي، التصنيع، القوانين الاشتراكية، تصفية الإقطاع)· ومع الناصرية، امتزجت العروبة بالمصرية في الذهن المصري، من حيث إن كل ما هو جيد مصرياً، لابد أن يكون جيداً عربياً، والعكس ليس بصحيح· بمعنى آخر، فإنه مع الناصرية تحولت الوطنية إلى حجر الرحى في القومية العربية، وأصبحت مصر هي مركز العالم العربي في كل المجالات·

 

ماذا يعني ذلك كله؟

 

قد يقول قائل هنا: "وما دخل كل هذا التحليل بموضوعنا الرئيسي؟ أي علاقة المراكز بالأطراف في الثقافة العربية المعاصرة"· والحقيقة أن الغرض من التحليل السابق كان شرح الظروف التاريخية والسياسية، ومن ثم الثقافية، لنشوء المركزية المشرقية في المنطقة العربية عموماً· وهي مركزية مبررة ومشروعة حقيقة، منظوراً إلى المسألة من زاوية موضوعية، وفي هذه اللحظة أو تلك من لحظات التاريخ· أما غير الموضوعي في الأمر، فهو استمرار "وهم" المركزية والمحورية، ومن ثم الوصاية الثقافية، حتى إن لم يكن هناك ما يبررها· وإذا كان هناك ما يمكن أن يبرر هذا الشعور بالنسبة للفرد العادي، فإن القضية تتحول إلى نوع من الأزمة، حين يكون المثقف ذاته هو الممارس لوصاية ثقافية وفكرية معينة، قائمة على أسس من الإحساس بمركزية ثقافية وحضارية معينة·

بل يمكن القول في هذا المجال، إنه نتيجة لكل ما قيل آنفاً، فإن المركزية، ومن ثم الوصاية الثقافية "لمراكز التنوير" العربية التقليدية المعاصرة، قد تحولت إلى نوع من الأيديولوجيا المستقلة بذاتها، وإن كانت لاتزال تعمل تحت شعار القومية العربية، أو الأممية الإسلامية، أو الريادة التاريخية· هذا لا ينفي بالطبع قوميتها، أو إسلاميتها، أو ريادتها التاريخية، ولكن ينفي أن تكون المركزية وضعاً أبدياً، والوصاية· وضعاً نهائياً، انطلاقاً من أن مثل هذا الوضع المفترض يفتقر إلى النظرة التاريخية، وأخذ المتغيرات في الاعتبار·

فحرب الخليج الثانية مثلاً، وبالنسبة لصحفي بارز مثل محمد حسنين هيكل، هي في نهاية التحليل ليست إلا نتيجة للتناقض بين القبلية العربية (الخليج) والمدينة العربية (مصر والشام تحديداً)، حيث استطاعت ثورة القبيلة أن تجهض ثورة المدينة، كما استطاعت هجرة الريف أن تقضي على روح التنوير في المدينة، رغم أن هذه الهجرة هي أحد معطيات ونتائج ثورة المدينة ذاتها· ورغم أن الدور التنويري للمدينة العربية قد جهض (نتيجة هجرة الريف وثورة البادية)، إلا أن هيكل يستمر في إعطاء تلك المدن دورها التنويري الثابت وغير المتغير، على الرغم من الإقرار السابق بانتهاء هذا الدور·

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أين بقية العرب في هذا المجال؟ فإذا كانت الجزيرة والخليج هي القبيلة العربية،وكان المشرق العربي هو المدينة العربية، فأين نضع المغرب العربي في هذه المعادلة؟ فبمثل ما أقصى هيكل الجزيرة والخليج من العروبة (السياسية والثقافية) في موقف سابق من التحليل ذاته، فإنه هنا يقضي المغرب العربي،ويتحول المسكوت عنه إلى منطوق لا شعوري، يحصر العروبة والعرب في منطقة مركزية معينة دون سواها· ومن أجل ذلك، وبذات المنطق، يستغرب كاتب أردني مثل مؤنس الرزاز، كيف أن العراق مثلاً لم يجد أحداً من مثقفي الكويت يدعمه في محاولة توحيد البلدين، بغض النظر عن الطريقة التي تم بها الدمج· فالكاتب هنا ودون سوء نية على الإطلاق، غير قادر على تصديق أن هناك من يمكن أن يرفض هدفاً سامياً كالوحدة العربية، مهما كانت الوسيلة المتبعة· فسطوة أيديولوجيا القومية العربية، وإرث التاريخ القديم والدحيث والمعاصر، وما زرع في أذهان من مركزية ثابتة معينة، أدلجت لعلاقة ثابتة، بثبات رسالة العرب الخالدة، (وهم ليسوا كل العرب كما ذكر سابقاً) بين المراكز والأطراف في عالم العرب: فالمراكز هي المراكز دائماً، والأطراف هي الأطراف دائماً، ولا عزاء لتحولات ومتغيرات التاريخ والمجتمع· وأعتقد أنه هنا يكمن جزء كبير من سر أزمة العرب الثقافية في العصرالحديث: يتحدثون عن العروبة، ولكن بشروط سياسية وقطرية ووطنية متعددة· ويتحدثون عن ثقافة عربية واحد، ولكن بمضامين مسيسة، أو قل مؤدلجة مختلفة· ويدعون إلى كيان عربي واحد، ولكن وفق مركزية قطرية معينة، ووفق نظرة أيديولوجية محددة· وعلى ذلك قس بقية الإشكالات العربية، الحقيقي منها والمفتعل·

قد تكون قضية المراكز والأطراف ذات مصداقية موضوعية معينة، في هذا الظرف التاريخي أو ذاك، ولكنها قضية لا تدوم  ويجب لها ألا تدوم، إذا كان الهدف هو الارتقاء بالثقافة العربية المعاصرة فعلاً لا قولاً، وخاصة في عصر العولمة الذي نعيشه، حيث تشكل صناعة المعلومة، والمشاركة الفاعلة في تشكيل ثقافة إنسانية شاملة لأول مرة في التاريخ البشري، المحدد الأول والأهم في من يكون من أهل المراكز ومن يكون من أهل الأطراف· فأثينا بقيت لفترة طويلة مشكلة للمركز الأوحد في مجال الثقافة الغربية القديمة، ولكن مركزيتها انهارت لعدم قدرة أثينا على صناعة الجديد، وحين قولبت نفسها في ثبات مقولة الانفصال المطلق مع "البرابرة"، ولكن الجديد انبثق في مراكز أخرى· وكانت إنجلترا هي مركز الثقافة الأنجلو ــــ سكسونية، فيما كانت الولايات المتحدة مجرد طرف تابع، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً· وكانت اليابان تعيش كطرف هزيل، في ظل المظلة المركزية للثقافة الصينية،ولكن دوام الحال من المحال· ومن لا يأخذ الظروف والمتغيرات في الاعتبار، فإنه لا يستطيع وقفها برفضه، بقدر ما يكون هو الخاسر الأوحد في النهاية، ففي النهاية، ليس هناك ثابت إلا الثبات وحده·

 

خاتمة: كي نخرج من عنق الزجاجة

 

إن مجرد اعتقاد قطر أو منطقة معينة، في الإطار العربي أو غير العربي، أن له أو لها مركزية معينة وثابتة، وخاصة فيما يتعلق بالثقافة وإنتاجها، ليس إلا وهماً أيديولوجياً، وشوفينية ليس لها أساس من تاريخ أو اجتماع· وبغض النظر عن الشرعنة الأيديولولجية لمثل هذه المركزية (قومية، أو دينية، أو أممية، أو حضارية معينة)، وما ينبثق عنها من افتراض نوع من الوصاية على الأطراف· أو ما يفترض أنه أطراف، هو في خاتمة المطاف والتحليل ليس إلا تعبيراً عن نزعة من نزعات التعصب غير المبرر· أو كما قال متابع من كون العروبة السياسية، أو المسيسة بالأصح، هي: "إما انتصار لإحدى العصبيات على أخرى،  أو انتصار لبلد مجاور على البلد الذي يُطرح عليه، العلاج العروبي"· ليست القضية هنا نقداً لشعور وطني معين، أو اتجاهات وطنية محددة مهما كانت مضامينها، بقدر ما هي نقد لسربلة وطنية ما، بلباس أشمل، ومن ثم سربلة الجميع باللباس ذاته، ومن هنا تنبثق الوصاية الثقافية، وغير الثقافية ربما، وبشكل لا شعوري غالب الأحيان، وذلك بما يضر بذات الوطنية المسربلة في الختام·

فليست القضية هنا قضية مؤامرة أو اتفاق أو نحو ذلك، بقدر ما هي حالة فكرية جُذرت في الذهن، وأصبحت كأنها من المسلمات، بينما هي غير ذلك· ومن هنا تتبع المهمة الرئيسة للمثقف، الواقع، لا مما يفترض فيه أن يكون، ولكن ذلك ليس بالأمر اليسير، خاصة في واقع مثل الواقع العربي، أصبحت فيه الأيديولوجيا جزءاً من بنية العقل ذاته إلى حد كبير·

فمشكلة المشاكل، إن صح التعبير، هي أن مثل هذه "الأوهام" الأيديولوجية، تجد طريقها إلى أذهان المثقفين قبل أذهان العاديين،ثم تتحول إلى نوع من الإحساس بالفوقية، ومن ثم امتلاك الحقيقة دون الآخرين، وينتهي الأمر بفكر الوصاية ووهم المركزية المطلقة· قد يرى البعض أنه لا يجوز التطرق إلى مثل هذه الأمور، فهي تخلق الحزازات فيما بين ما يفترض أنهم كيان واحد· ولكن الحقيقة، من الزاوية التي ينظر منها الكاتب هنا على الأقل، أن الحزازات إنما تكون نتيجة كبت مثل هذه القضايا، التي يعرفها ويلمسها كل أحد، ولكن لا أحد يريد الحديث عنها، وهنا تكمن الكارثة فيما أرى· فالقطرية موجودة، والوطنية موجودة،والتعصب موجود، والإحساس بتفوق شعب عربي على شعب عربي آخر على وجه الإطلاق موجود، ولا عيب حقيقة في ذلك· فمثل هذه المشاكل قد توجد في أي بلد وكل بلد، ولكن المشكلة تكمن في عدم الإفصاح عنها، وعدم مناقشتها في العراء، حتى تصل إلى نقطة انفجار مدمرة، كما حدث في أزمة اجتياح وغالبها يدور حول إشكالية العلاقة بين المراكز والأطراف العربية، ما انبثق عن ذلك من إحساس معين بالوصاية من قبل هذا الطرف على ذاك، والذي وجد تعبيره السياسي المنطقي في النهاية في أحداث أغسطس·

وإذا كنا حقيقة نتحدث عن التنوير ومشتقاته، وفي عصر مثل عصرنا تشكل "الشفافية" فيه جزءاً من فلسفته، والتعددية إطار حركته وتفاعله، أو يجب أن تكون كذلك، ُإن المهمة الرئيسية للمثقف العربي في هذا العصر، هي القيام بحفريات معرفية في مثل هذا المجال، بدلاً من الاستسلام لأحلام أيديولوجية لم تعد كافية ولا مناسبة للتعامل مع العصر· ولكن مأساة الكثير من مثقفي العرب أنهم غير قادرين على التحرر من أسر الأيديولوجي، أو أنهم لا يريدون ذلك لأسباب سيكولوجية بحتة، قبل أن تكون ذات علاقة بالموضوع ذاته· وفي ذلك يقول باحث عربي مرموق: "تعاني الثقافة السياسية عند العرب من تضخم هائل في جانبها الأيديولوجي والمثالي والطوباوي، ومن ضمور وفقر دم بالمقابل في جانبها الواقعي والعملي، والتحليل النقدي· ولعل في هذا التعليق خير إيجاز لما هو موجز أصلاً، وأرجو ألا تكون حالنا في النهاية، استمراراً بائساً لمقولة ذلك الكاتب وهو يسخر: "عندماً تبدأ في محاورة أي أيديولوجي عربي فعليك قبل كل شيء أن تثبت له وجود العالم، لأنه غير وارد ضمن معطياته"·

وهنا تكمن المشكلة··· هنا تكمن المشكلة·

 

_________________

للعودة

طباعة  

مهرجان القرين الثقافي السادس ـ ندوة الثقافة وقضايا الحياة العربية الراهنة 30 أكتوبر - 1 نوفمبر 1999
إشكالية المراكز والأطراف في الثقافة العربية محاولة للفهم