رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 30 شعبان 6 رمضان 1420هـ - 8 - 14 ديسمبر 1999
العدد 1406

مهرجان القرين الثقافي السادس ـ ندوة الثقافة وقضايا الحياة العربية الراهنة 30 أكتوبر - 1 نوفمبر 1999
إشكالية المراكز والأطراف في الثقافة العربية محاولة للفهم

·        تقسيم الاستعمار الغربي والإنجليزي لتركة العثمانية وفق معاهدة "سايكس - بيكو" عجل في نضج الحركة القومية وأيديولوجيتها

·         الغربي في الذهن الغربي الشائع مختزل إلى مجرد بدوي مهووس بالجنس والنساء

·         التخلف الثقافي والحضاري هو صفة لازمة من صفات المنطقة العربية وشعوبها

·        قبل الحرب العالمية الأولى كان الصراع مع السلطة العثمانية هو المحدد لاتجاه ومضمون الخطاب القومي العربي الوليد

·         مع قيام إسرائيل دخلت الصهيونية كمفهوم محوري جديد في الخطاب القومي العربي

·         أزمة الفن العربي (المصري) تعود إلى تغلغل مال النفط و"ثقافة النفط" في ثناياه

·         المنتج الفلسفي في مناطق الأطراف "المغرب العربي" لم يكن قادراً على اختراق المركزية العربية المشرقية

·         الجزيرة العربية نتيجة ظروفها البيئية لقيت منطقة طرفية مهمشة حتى ظهور الحركة الوهابية

·         في التاريخ العربي الحديث أصبحت القاهرة شبه المركز الأوحد لصنع ونشر الثقافة العربية الجديدة

·         كانت الوحدة العربية ذات المضمون العلماني الحديث هي الرد الوحيد على مؤامرات الاستعمار والإمبريالية والصهيونية وتحرير فلسطين

·         تحالفت الحركة القومية العربية الجديدة مع الغرب محلت الهيمنة الغربية محل السلطة العثمانية

·         التعددية الدينية والطبقة التجارية الوسطى كانتا الأساس الاجتماعي لعلمانية وليبرالية الخطاب السياسي في مصر

·         الوحدة العربية والعلمانية شكلتا الخطاب السياسي المشرقي

·         في أعقاب ثورة يوليو 1952 أصبحت مصر الناصرية زعيمة للخطاب القومي الجديد والمركز السياسي للعالم العربي

·         في أعقاب وفاة عبدالناصر عادت مصر الساداتية إلى الخطاب الوطني المصري البحت

·         الثقافة السياسية عند العرب تعاني من تضخم هائل في جانبها الأيديولوجي والمثالي ومن ضمور وفقر دم في حانبها العملي والواقعي

 

تمهيد: وهم النمطية وخرافة التنميط

 

حين نتحدث عن الغرب، فإننا غالباً ما نعلن عن تذمرنا من تلك النظرة المتعالية والنمطية التي تعشش في الذهن العربي حين الحديث عن العرب أو المسلمين بصفة عامة· ونتذمر أكثر على العالم، على اعتبار أنها تمثل كل ما هو بشري وإنساني بصفة حصرية ومطلقة (أيديولوجية العولمة، وفرضيات نهاية التاريخ)، في تناقض واضح مع فكرة التعددية التي هي جوهر الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر، بالرغم من أن هذه المركزية المفترضة، لا تعبر إلا عن الوضع الاجتماعي والتاريخي للحالة الغربية، كما يمكن أن تفصح عن ذلك أي دراسة تاريخية متوازنة· هذا لا يعني أن الثقافة الغربية لا تتمتع بالصفة الإنسانية والمضمون الإنساني، بل على العكس من ذلك، من حدث تمثيلها لأقصى ما وصل إليه الإنسان في تاريخ من تقدم حتى هذه اللحظة· ولكن حصر الصفة الإنسانية فيها· وما ينشأ عن ذلك من شرعنة (من شرعية) لفكر الوصاية وأيدويولجيا الهيمنة، هو محل النقد·

المهم هنا· أن العربي في هذا الذهن، أي الذهن الغربي الشائع، مختزل إلى مجرد بدوي يعيش في الصحراء، يسكن الخيمة ويركب الجمل، وبجانبه بئر نفط يتحكم من خلالها بالعالم المتحضر، وهو مهووس بالجنس والنساء، وبخاصة ذوات البشرة البيضاء والعيون الزرقاء والشعر الذهبي، وفي الآونة الأخيرة، فإن صفة الإرهاب أصبحت من ضمن الصفات النمطية التي تحدد من هو العربي، والمسلم عامة، في الذهن الغربي، وإذا أردنا تحديداً أكثر، وباختصار أكثر، يمكن القول إن الصورة النمطية للعربي في الذهن الغربي المعاصر تتشكل من تفاعل ذاك الثالوث غير المقدس في الجنس، والنفط، والإرهاب: ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة، فالعربي هنا ليس "حالة" محسوسة، بقدر ما هو مفهوم تجريدي، أو قل مختزل، لأسوأ ما يمكن أن يكون في العربي، أو غير العربي، قد لا يقول الغربيون ذلك صراحة، وبالذات أهل الثقافة والسياسة منهم، وهم لا يقولونه صراحة، ولكن مثل هذه الصورة، ومثل هذا المفهوم معشش في الذهن الغربي، ويتجلى من خلال مؤشرات عديدة، لعل أبرزها فن الكاريكاتير والكرتون، وكتب الأطفال، وصحافة التابلويد، وأفلام السينما والأدب الشعبي·

 

المرأة العربية

 

وقبل عصر النفط، لم تكن الصورة مختلفة كثيراً حقيقة، إذ إن الخيمة والصحراء والجمل كانت أساس الصورة الغربية للعربي، اللهم إلا أن العربي آنذاك كان محباً رومانسياً، قادراً على استهواء النساء، وأحياناً إغوائهن، وإشباع رغباتهن بشكل  لافت للنظر· فهو يبقى، والحالة هذه، مجرد مفهوم لكائن خارق في مجال الحب والجنس ليس إلا· أما المرأة العربية في هذه الصورة النمطية، فهي ليست إلا شيئاً من أشياء العربي، أو قل هي مجرد جزء من فراش العربي، أي مجرد جزء من حريم السيد، ليس لها من عمل سوى انتظاره، وإشباع نزواته إن أراد ذلك، والحقيقة أن جزءاً من الصورة صحيح، وبالنسبة لجميع الشعوب، إذا أبقينا الصورة ثابتة على لحظة تاريخية معينة، أو فئة أو طبقة اجتماعية معينة، أو مغامرات فردية معينة هنا أو هناك، أو كل ذلك معاً، ولكن التعميم والتنميط والاختزال المبالغ فيه في هذه النقطة بالذات، هو الذي يثير النفس، ويبعث على الاشمئزاز حقيقة· والعربي في الذهنية الغربية النمطية هذه هو كل ساكن لمنطقة الشرق الأوسط، لا فرق في ذلك بين مصري أو مغربي أو شامي أو عربي من الجزيرة والخليج·

 

نقد

 

ننتقد، نحن العرب، مثل هذه النظرة، أو هذه الصورة النمطية المشوهة للعربي في الذهن الغربي الشعبي، وغير الشعبي أحياناً، ولكننا نمارسها في علاقاتنا مع بعضنا بعضا بشكل أقوى من الممارسة الغربية المذكورة، ففي كل قطر عربي، هناك صورة نمطية مختزلة معينة لمواطني القطر الآخر· وفي كل الأقطار العربية، هناك صورة نمطية معينة لمواطني هذا القطر العربي أو ذاك، هذه المنطقة العربية أو تلك، وعادة ما تكون هذه الصورة مشوهة، من حيث إنها تقتصر على أسوأ الصفات المحتملة، أو صفة معينة معممة· فالصورة النمطية لإنسان الجزيرة العربية ومنطقة الخليج مثلاً لدى بقية العرب، هي الجهل والتخلف الدفين الذي لا فكاك منه، مضافاً إلى ذلك الشبق والمال والغرق في الشهوات، في المرحلة النفطية خاصة، وذلك كما العربي في الصورة الغربية الشائعة بالرغم من كل مظاهر الحضارة التي جاءت مع هذا النفط وعصره، وقبل النفط وعصره، ولكنها لم تؤثر في بنى التخلف القابعة في العقول والأعماق بالرغم من كل شيء·

 

صورة عرب الجزيرة

 

فالصورة النمطية للعربي في الذهن الغربي، هي ذاتها صورة عرب الجزيرة والخليج مثلاً في الذهن العربي الآخر: جنس ومال وتخلف· بل إن نفط الخليج هو المسؤول عن كل تخلف وردة، في الثقافة وغيرها، يحدث في أي منطقة من مناطق "التنوير" العربية التقليدية، أي القاهرة وبيروت ودمشق، وبغداد إلى حد ما· فأزمة الفن العربي (المصري) تعود إلى تغلغل مال النفط و"ثقافة النفط" في ثنايا الفن العربي الذي كان متقدماً فانتكس، كما عبر عن ذلك كاتب تلفزيوني بارز· والأصول الإسلامية المعاصرة، والخطاب الأصولي المرافق، هو نتاج الثروة النفطية التي أتاحت لمناطق "التخلف" أن تنشر خطابها المتخلف، وتغلب بالتالي إسلام "الصحراء" المتزمت وغير المتسامح، على إسلام "النهر" المنفتح والمتسامح، عبر عن ذلك فقيه عربي بارز، دون اعتبار للعوامل الاجتماعية والسياسية الداخلية التي أدت إلى تبني الخطاب الأصولي "المتخلف"، والبعد عن الخطاب التنويري، أو حتى الأصولي المستنير·

وقد يكون في مثل هذه الطروحات شيء من الصحة، بل فيها جزء كبير من الصحة، إذا كان التحليل السوسيولوجي أو الثقافي البحث عن الهدف، وكان العلاج والتنوير هو الغاية، فمما لا شك فيه أن هناك علاقة معينة بين البيئة والفكرة، بين المكان وطبيعة الأفكار الصادرة عنه، ولكن المشكلة أن مثل هذه التحليلات والتنظيرات تنطلق من صورة نمطية، وتحليل أحادي معين حول هذه النقطة، وحول هذه المنطقة من العالم العربي، بحيث لا ترى إلا من زاوية معينة، ولا تفسر إلا من خلال عامل أوحد لا يتغير، فالتخلف الثقافي والحضاري تحديداً، هو صفة لازمة من صفات هذه المنطقة وشعوبها، بغض النظر عن الحركة الفعلية للمجتمعات· فالقضية تتحول هنا من علاقة للمكان أو للبيئة بالفكرة، إلى علاقة للشعب بالفكرة، ومن هنا يكون الانحراف من السوسيولوجيا إلى الأيديولوجيا·

 

المثقف العربي

 

فالمثقف العربي من منطقة الجزيرة والخليج مثلاً، وبصورة نمطية لدى قطاعات اجتماعية وثقافية عربية عريضة، هو مثقف كل رأسماله حقيقة ثروة نفط حصل عليها بمصادفة جيولوجية بحتة، ويحاول تسويق نفسه من خلال هذه الثروة، وليس من خلال الطروحات الثقافية البحتة التي يتضمنها خطابه المطروح· وحتى عندما يقرأ نتاج هذا المثقف، فإن الغالبية، كي لا نعمم، تقرأه، وفي الذهن أنه من "مثقفي النفط"، فيكون الحكم قبل "المداولة" غالباً، وليس بعدها، كما نفترض شكلية العدالة على الأقل·

حدثني رئيس تحرير صحيفة عربية كبرى فقال إنه كان يتحدث مع صحفي عربي كبير، بل وربما كان أبرز صحفي عربي في وقته، حول ترشيح مثقف ودبلوماسي عربي من منطقة الخليج لمنصب مدير منظمة دولة، فاستشاط هذا الصحفي غضباً وهو يصف المرشح بالقدوم من أعماق البادية، حاملاً معه عقد القبيلة والعشيرة، وما يرمز إليه ذلك من تخلف في ذهن الصحفي المعني، ليصبح مديراً لمنظمة عالمية يفترض أن تكون تنويرية الغاية، إنسانية التوجه· والغريب في الأمر، يقول رئيس التحرير هذا، إن هذا الصحفي ذاته كان يتحدث قبيل حديثه الخاص هذا بسويعات، مع جمع كبير حول مزايا المرشح ذاته أو ذاك، وليست القضية أن تنتقد وضع وطروحات وكفاءة هذا المثقف أو ذاك، وليست المسألة أن تصنف هذا البلد أو ذاك موضوعياً، فتلك مسألة مفهومة ومدركة، بل ويجب أن تكون المسائل بهذا الشكل، إذاً إن الاختلاف جزء من طبيعة الثقافة ذاتها، ولكن أن يكون النقد مبنياً على جنسية المثقف، أو المنطقة التي قدم منها، فتلك مسألة مختلفة، ولا تعبر  إلا عن نظرة متعالية يمارسها البعض منا تجاه البعض الآخر، ولو بشكل ضمني مستتر، وإن كانت تنفى بشكل رسمي أو علني صريح·

 

نظرة نمطية

 

ومن ذلك ما كتبه مفكر عربي كبير، (محمد عابد الجابري)، أيام أزمة الخليج وحربها، مناقضاً لكل طروحاته ومنطقه وقناعاته الواردة في كتبه الثقافية الرصينة، ومناقضاً للمنطلق السياسي والتاريخي ذاته، لمجرد أن القضية متعلقة بمنطقة الخليج، فكان موقفه ذاك تحقيقاً للمقولة العربية المعروفة: "ليس حباً في علي، ولكن كرهاً في معاوية"· والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من أين أتت هذه النظرة النمطية المعششة في أذهان مثقفي هذا القطر العربي أو ذاك، هذه المنطقة أو تلك، تجاه كل ما يمكن أن يصدر عن ذلك القطر العربي أو تلك المنطقة العربية الأخرى، في أدلجة مرضية لعلاقة المراكز بالأطراف؟ هناك جذور تاريخية وموضوعية لا شك في ذلك، ولكن القضية لا تكمن في هذه الجذور ولحظات التاريخ تلك، بقدر ما هي كامنة في الأدلجة ولحظات السياسة·

 

محاولة للتفسير: جذور المركزية المشرقية

 

يقول مراقب عربي، إن فكر الوحدة العربية "ومنذ البدايات تلك، فكر مشرقي، إلا أنه لم يتعرف إلى نفسه ويعرف بها إلا كفكر عربي شامل، فقد زعم أنه ذو مطلقية وكونية عربيتين، عن طريق القفز فوق تحديد ذاته كفكر مشرقي، كما من خلال تلفيق العروبة السياسية في ما يتصل بباقي بقاع العالم العربي"· وفي اعتقاد كاتب هذه الورقة، أن للمسألة عدة أوجه: سياسية، وتاريخية، واجتماعية، وثقافية بالتالي، فمن الناحية السياسية والتاريخية، فإن التاريخ العربي المركز عليه في المناهج والمدارس والدراسات غالب الأحيان هو تاريخ منطقة عربية معينة، هي منطقة مصر والهلال الخصيب، إذا استثنينا منطقة الجزيرة العربية خلال الفترة النبوية والراشدة، حيث تبرز هذه المنطقة على أنها قلب العالم العربي، أو المنطقة الأكثر أهمية في هذا العالم، أي العالم العربي، وقد يكون ذلك صحيحاً، وهو صحيح إلى حد بعيد، وفي أوقات كثيرة من فترات التاريخ العربي، حيث كانت الجزيرة مهمشة سياسياً، وخارج سياق التاريخ العربي العام في معظم فتراته، منذ أن خرجت منها الخلافة الإسلامية إلى مناطق الشمال، فازدهرت دمشق وبغداد والقاهرة، في الوقت الذي ذوت فيه المراكز الحضرية في الجزيرة، فتحولت بالتالي من مركز إلى طرف، ولم تعد الجزيرة تعني لمناطق الشمال أكثر من رمز ديني وقومي بعيد، ومحل فرض ديني في مكة والمدينة، وكانت بلاد المغرب العربي مجرد طرف متلق لما يخرج من هذه المراكز الثلاثة تحديداً، سواء تعلق الأمر بالمنتج الثقافي، أو المنتج السياسي·

 

الفلسفة المشرقية

 

وحتى عندما يكون هناك منتج ثقافي أو سياسي معين في هذه المناطق المنسية، في هذه الفترة التاريخية أو تلك كان لا يجد له المكان اللائق في المنطقة المركزية (مصر والهلال الخصيب)، إلا إذا انتقل صاحبه إلى أحد تلك المراكز، ولا يجد الانتشار الذي يجده منتج المنطقة المركزية في مناطق الأطراف تلك، وربما كان ذلك نتيجة هامشية المنطقة سياسياً، مقارنة بمناطق المركز، فالفقه المشرقي مثلاً هو الذي انتشر في كل العالم العربي بينما كانت الحركات السياسية - الفكرية في الجزيرة، وفقه المغرب مثلاً، لا يجد له مكاناً مناسباً في المشرق، حتى لو كان ذا قيمة نظرية كبيرة والفلسفة المشرقية هي التي سادت وانتشرت وأصبحت المحدد لمعالم الفلسفة العربية - الإسلامية في خطوطها العامة، في الوقت ذاته الذي كان فيه المنتج الفلسفي في مناطق الأطراف وخاصة في المغرب العربي، غير قادر على اختراق المركزية العربية المشرقية في هذا المجال·

مثل هذا الأمر يمكن أن يجد له تفسيراً منطقياً وتاريخياً مقبولاً، حين نعلم أن منطقة المشرق العربي هي المنطقة التي احتضنت السلطة السياسية المركزية، ومن ثم بدايات تكون ونضج الثقافة العربية الإسلامية والتراث الثقافي الإسلامي، وبالأخص مدن مثل دمشق وبغداد، ثم القاهرة بعد ذلك، وهي المنطقة التي شكلت، تاريخاً ورمزاً، مركز الوحدة السياسية العربية والإسلامية المفقودة والمأمولة في الوقت ذاته· وهي المنطقة التي شهدت المعارك الكبرى في التاريخ العربي الإسلامي، أي المعاك التي شكلت الوجدان السياسي والتاريخي للفرد العربي البسيط، ناهيك عن تنظيرات أصحاب التيارات، فلا غرو، والحالة هذه، أن أصبحت هي مركز العالم العربي، سواء من حيث الواقع التاريخي، أو من حيث الصورة الذهنية الرمزية المنطبعة في الذهن بشكل راسخ لا يتغير، حتى إن تغيرت الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية·

 

الفقه الإسلامي

 

ومن الناحية الثقافية البحتة، يمكن القول إن ما نسميه اليوم بالثقافة العربية، أو التراث الثقافي العربي الإسلامي، إنما كان بداية نتاج هذه المنطقة المركزية من عالم العرب، فالفقه الإسلامي، الذي استقر في النهاية على المذاهب أو المدارس الخمس المعترف والمعمول بها (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية، والجعفرية)، إنما هو نتاج مشرقي أولاً وأخيراً· والفلسفة العربية، ومن ضمنها علم الكلام ونحوه، إنما كانت نتاجاً مشرقياً·

والتيارات والأحزاب السياسية والاجتماعية العربية الإسلامية، ظهرت وانتعشت بداية في المشرق العربي، ثم وجدت طريقها للأطراف، لذا لا عجب في أن تصبح هذه المنطقة هي المركز في عالم العرب، في مقابل الأطراف، التي هي كل ما عدا ذلك·

القضية حقيقة ليست هنا· فتاريخياً لا مجال لمناقشة مركزية المشرق العربي في صنع التاريخ والثقافة العربية الإسلامية· ولكن القضية تكمن في استمرار الاعتقاد بهذه المركزية، وهيمنة هذه المركزية ذهنياً ومفهومياً، حتى بعد أن ذوت أو انتهت تلك العوالم الموضوعية التي جعلت منها منطقة مركزية، مع التركيز على المجال الثقافي بصفة خاصة، فجزء كبير من عدم انتشار فقه ابن حزم الأندلسي مثلاً، وعدم تحوله إلى مذهب واسع الانتشار أسوة بالمذاهب الأخرى، أو فلسفة ابن رشد العقلانية كمثل آخر، في المشرق العربي، راجع إلى هيمنة الفكرة المركزية المشرقية في الأذهان، حتى بعد زوال العوامل الثقافية لمثل هذه المركزية· بل يمكن القول إن فقه ابن حزم وفلسفة ابن رشد مثلاً، لم ينتشرا حتى في بيئتهما الأولى (المغرب العربي) بشكل كبير، بسبب هيمنة فكرة مركزية المشرق الثقافية حتى في الذهن المغربي، بغض النظر عن القيمة الثقافية أو المعرفية الفعلية لهذا النتاج، وخاصة تلك الأيام الأخيرة للحضارة العربية الإسلامية· أما بالنسبة لمنطقة الجزيرة العربية، فقد كانت في مجملها منطقة طاردة للسكان، نتيجة ظروفها البيئية، بالتضافر مع التهميش السياسي اللاحق لها، وغير مهيأة بالتالي لأي نوع من الإنتاج الخلاق في مثل تلك الظروف، فلم يعد لديها حقيقة ما تقدمه، سواء ثقافياً أو غير ذلك، وبذلك بقيت منطقة طرفية مهمشة حتى ظهرت الحركة الوهابية في نجد، متزامنة تقريباً مع الثورة الفرنسية في أوروبا·

وعند الانتقال من التاريخ العربي والإسلامي القديم والوسيط إلى التاريخ العربي الحديث والمعاصر، نجد أن المركزية العربية المشرقية مازالت فاعلة وراسخة في الأذهان، ولذلك ما يبرره تاريخياً وثقافياً أيضاً، فمن ناحية، كانت هذه المنطقة هي أول من احتك بالغرب الحديث المتقدم، الذي كان مجهولاً كل الجهل منذ اندحار القوات الصليبية في "معركة حطين"· عاد الغرب بعد كل تلك القرون مستعمراً هذه المرة، وحاملاً معه بذور حضارة وثقافة جديدة، مباشرة أو بشكل غير مباشرة، سوف تعيد تشكيل الخريطة الثقافية العربية المعاصرة· وتحولت نتيجة هذا الاحتكاك مدن مثل القاهرة وبيروت ودمشق، إلى مراكز ثقافية وحضارية تحاول نشر الثقافة العربية الجديدة في مختلف أرجاء العالم العربي· بل إن القاهرة تحديداً، وبفعل الانفتاح الثقافي الذي كانت تعيشه آنذاك، قد تحولت إلى مدينة جاذبة على كل المستويات، وتحولت إلى شبه المركز الأوحد لصنع ونشر الثقافة العربية الجديدة، حيث كانت محط الهجرات الثقافية من بقية المراكز الأقل أثراً (وخاصة الشامية)، وكذلك الأطراف العربية الأخرى· وتماهى والحالة هذه كل ما هو مصري وعربي بالضرورة·

فالحديث عن الثقافة المصرية هو حديث عن الثقافة العربية، والعكس صحيح· بإيجاز، فقد لُخص العرب (ثقافيا) في مصر، وانتشرت مصر (ثقافياً) في العرب· وكانت هذه الحالة معبرة عن واقع الحال فعلاً، فكل رموز الحركة الثقافية الجديدة تقريباً كانوا من المصريين، ومن لم يكن مصرياً بالمولد والجنسية، كان مصرياً بالإقامة والثقافة والهوية المكتسبة،فلم يعد هناك فرق بين صاحبي العروة والوثقى، محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، أو صاحب المنار رشيد رضا، أو يعقوب صروف أو جرجي زيدان أو غيرهم، وطه حسين لم يكن عميداً للأدب المصري، بقدر ما نصب عميداً للأدب العربي عامة، وأحمد شوقي عُمِّد أميراً للشعراء، المصريين والعرب عامة، فلم يكن هناك حدود بين العروبة والمصرية في هذه الحالة· هذا الوضع أعاد تأكيد المركزية الثقافية المشرقية عامة، والمصرية خاصة، مأخوذاً في الاعتبار التاريخ الحديث والقديم معاً، حيث بدا التاريخ الحديث وكأنه نهضة جديدة، أو بعث للمجد القديم·

 

نضج الحركة القومية

 

ومن الناحية السياسية، فإن تقسيم الاستعمار "الفرنسي والإنجليزي" لتركة الدولة العثمانية، ومنطقة الهلال الخصيب العربية تحديداً،وفق معاهدة "سايكس ـــ بيكو"، قد عجل في نضج "الحركة القومية العربية" وأيديولوجيتها في تلك المنطقة، التي تحولت إلى أيديولوجيا عربية شاملة، رغم أن أساسها الاجتماعي، ومضامينها الفكرية، متعلقة بمشكلات المنطقة (سوريا الطبيعة، أو الهلال الخصيب)، ولم تكن بالضرورة معبرة عن مشكلات المجتمعات العربية الأخرى بشكل شامل أو حصري· فمن المتفق عليه بين الباحثين والدارسين أن الحركة القومية العربية، أو أيديولوجيا القومية العربية، (أو القومية وخطابها المؤسس كما أفضل أن أسميها حقيقة)، إنما نشأت تحديداً، وتشكل جهازها المفهومي في منطقة المشرق العربي (سوريا الطبيعية تحديداً)، وذلك وفق مراحل تاريخية كانت العلاقة فيها مع الآخر تحدد نقاط البدء والانتهاء لكل مرحلة من تلك المراحل·

 

الصراع من العثمانيين

 

فقبل الحرب العالمية الأولى، كان الصراع مع السلطة العثمانية هو المحدد لاتجاه ومضمون الخطاب القومي العربي الوليد، وبعد الحرب، وخاصة مع انكشاف أمر معاهدة "سايكس ــــ بيكو" بعد الثورة البلشفية في روسيا، وبداية تطبيقها الفعلي،كان الصراع مع الغرب المستعمر والمتآمر هو مفتاح ومحدد اتجاه الخطاب القومي العربي· وبعد الحرب العالمية الثانية، تمركز هذا الخطاب وتمحور حول القضية الفلسطينية، والصراع ضد الدولة القطرية العربية في آن معاً، وهي، أي الدولة القطرية، قد بدأت تتحول إلى واقع سياسي ملموس، مع حصول العديد من الأقطار العربية على استقلالها القطري إلا أنه كان يشجب في الوقت ذاته القطرية والكيانات القطرية· فالحصول على الاستقلال القطري بالنسبة لهذا الخطاب، لم يكن إلا خطوة نحو هدم القطرية ذاتها، وإعادة الوحدة المفقودة منذ انهيار دولة آل عثمان، ولكن بمضمون مختلف·

فكأي أيديولوجيا أو خطاب سياسي معين، فإن أيديولوجيا القومية العربية، كانت تعبيراً عن واقع اجتماعي وتاريخي معين، فاجتماعياً كان التجار وكبار الأعيان العرب في سوريا الطبيعية هم أصحاب المصالح الذين وجدوا في السلطة العثمانية وتنظيماتها عائقاً في سبيل تحقيق طموحاتهم وتوسعهم، كما أن المسيحيين العرب وجدوا في السلطة العثمانية، ذات الشرعية القائمة على أيديولوجيا إسلامية سنية، عائقاً في طرق تمتعهم "بحق" المواطنة الكاملة، وهو الحق الذي بدأ الإحساس به، ومن ثم انتشار المفاهيم الغربية الحديثة، وبذلك شكل التجار والأعيان والمسيحيون العرب، القاعدة الاجتماعية للدعوة القومية (سواء كانت عربية أو سورية بعد ذلك)، الداعية إلى تميز العرب عن بقية قوميات الدولة العثمانية،وكان مفهوم "العرب" بالنسبة لتلك الفئات آنذاك، مقتصراً في مضمونه على عرب الهلال الخصيب بصفة خاصة، دون مصر والمغرب العربي·

بل إن الجزيرة العربية ذاتها لم تشكل في ذهن الرواد الأوائل للحركة القومية، سوى مرجعية ثقافية تاريخية معينة، ورومانسية في غالب الأحوال، دون النظر إليها كواقع اجتماعي أوسياسي معين، فسكانها هم من "الأعراب" وليسوا "عرباً" وفق المفهوم النظري والأيديولوجي المهيمن على الذهن لمعنى العرب· فالعرب في الخطاب القومي العربي ليسوا كل العرب، بل هم جزء من العرب· ومن هنا فإن العرب و"العروبة" عبارة عن مفهوم ذهني معين، قبل أن يكونا علماً أو صفة عامة لأناس محسوسين· إنه بالضبط شيء مثل مفاهيم "الأمة" و"الشعب" في الحركات الانقلابية العربية وغيرها، حيث الشعب والأمة ونحوهما مفاهيم أيديولوجية، وليست الإنسان المحسوس بالضرورة، أو ذاك الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء·

ومن هذا المنطلق، نجد أنه في النهاية لا فرق حقيقياً أو في المضمون، بين الحركة القومية العربية وبين حركة القوميين السوريين اللاحقة مثلاً اللهم إلا في الاسم، أما المضمون فهو واحد، وإن كانت الحركة الرقمية السورية أكثر إفصاحاً عن مضمونها في هذه النقطة، بينما بقي المعنى كامناً في اللاشعور بالنسبة للحركة القومية العربية· ولعل أفضل مثال على هذا "اللاشعور" الكامن في العقل القومي العربي، ما أورده محمد حسنين هيكل، في معرض تحليله لأزمة الخليج وحربها عام 1991 - 1990· يقول هيكل إن منطقة الخليج بعد الخلافة العباسية، "سقطت في ظلام تحول إلى نوع من العزلة عن مجرى التاريخ العالمي بدت فيه العزلة وكأنها نوع من الفراغ التاريخي والحضاري ولم يكن ذلك دقيقاً لأن المنطقة بموقعها بين حضارتين وأمتين (العرب والفرس)، كانت مستعصية على الفراغ وعلى العزلة"· المضمون البعيد لمثل هذا الكلام، وإن كان فلتة لا شعورية وهو المهم، أن منطقة الجزيرة والخليج لا تنتمي لأي من الأمتين، العربية أو الفارسية، مادامت واقعة "بينهما"، وهذا هو بالضبط المقصود آنفاً حين الحديث عن "العرب" كمفهوم ذهني وأيديولوجي في أيديولوجيا القومية العربية، قبل أن يكون مجرد صفة مطلقة، فإذا كان عرب الجزيرة ليسوا عرباً كما يجب ، وفق هذا التصنيف، فلا أدري هنا ما معنى العروبة·

آخذين هذا الواقع التاريخي والاجتماعي في الاعتبار، كانت المحاولات الأيديولوجية الأولى للتنظير لمثل هذا الواقع، حاوية مفاهيم  تعكس في لبها طموحات وآمال عناصر ذاك الواقع، وهذا ما يبدو واضحاً في الكتابات القومية الأيديولوجية الأولى، وخاصة كتابات ساطع الحصري، وزكي الأرسوزي، ونجيب عازوري ومحمد عزة دروزة وجورج أنطونيوس، ومن أهم المفاهيم التي شكلت الخطاب القومي آنذاك، يبرز مفهوم العلمانية كمفهوم محوري، فهذا المفهوم يعبر في جذوره عن طبيعة الصراع مع السلطة العثمانية المهيمنة، ومحاولة الوصول إلى شرعية سياسية واجتماعية جديدة، في نوع من القطيعة مع تلك التي تقوم عليها الدولة العثمانية، حقيقة أن الخطاب القومي العربي حاول لاحقاً أن يعيد اللحمة بين الدين والقومية (العروبة والإسلام)، وخاصة مع الانتشار الجماهيري للخطاب الديني الأصولي، ولكن الفصل مازال واضحاً في مضمون الخطاب، بغض النظر عن الشعار السياسي المرفوع·

 

الصهيونية

 

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع قيام إسرائيل، دخلت الصهيونية كمفهوم محوري جديد في الخطاب القومي العربي، تشكل مع المفاهيم الأخرى "الاستعمار والمؤامرة تحديداً"، مضمون "الآخر" في هذا الخطاب·

والوحدة العربية، ذات المضمون العلماني الحديث، هي الرد الوحيد على مؤامرات الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وهي الطريق الأوحد لتحرير فلسطين، كما أن تحرير فلسطين هو طريق الوحدة العربية المنشودة· ولكن لا الوحدة، ولا تحرير فلسطين ممكنان دون القضاء على واقع التجزئة، الذي لا يمكن تجاوزه دون قطع دابر مؤامرات الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، التي لا يمكن قطع دابرها إلا بالوحدة العربية المنشودة· وهنا ندخل حقيقة في متاهة من المفاهيم والأهداف والأساليب، بحيث لا نستطيع بعدها أن نميز بوضوح بين السبب والنتيجة، والغاية والوسيلة·

وقد شكلت المفاهيم السابقة، وتداخلها مع بعضها بعضا وفق العرض السابق، الهيكل النظري للخطاب القومي العربي، سواء كنا نتحدث عن فكر الرواد الأوائل مثل الحصري أو عازوري، أو أصحاب الحركات والأحزاب مثل عفلق والبيطار، أو كنا نتحدث عن الأحزاب والحركات مثل حزب البعث أو حركة القوميين العرب أو الناصرية· فالخطاب القومي العربي إنما يعبر في جذوره الأولى، عن الوضع الاجتماعي والسياسي للمشرق العربي، وعبر المشرق تحديداً، ثم تسامى هذا الخطاب لاحقاً بشبكته المفهومية الآنفة الذكر، في محاولة لتجاوز ظروف النشأة الأولى، وليتحول وفق ذلك معبّراً عن العرب، كل العرب من المحيط إلى الخليج، رغم أن خصوصيته المشرقية مازالت قابعة في ثنايا مفاهيمه الهيكلية الأساسية، ومن أجل ذلك نجد أن مثل هذا الخطاب كان أكثر انتشاراً في الأطراف نتيجة قلة الوعي السياسي مقارنة بالمركز في المقام الأول، ولا لأن أهل الأطراف أقل "عروبة" من أهل المركز، بقدر ما إن السبب يكمن في عدم تعبيره عن الواقع السياسي والاجتماعي المختلف في بلاد الأطراف·

فمفاهيم التجزئة والوحدة وعلمانية السلطة والمجتمع، هي عبارة عن تعبير نظري وأيديولوجي لتجربة منطقة الهلال الخصيب التاريخية مع السلطة العثمانية، ثم الهيمنة الغربية بعد ذلك، فالسلطة العثمانية حافظت على وحدة المشرق العربي، ولو شكلياً على الأقل ككيان سياسي واحد في ظل سلطتها لواحدة، أو مرجعيتها المباشرة على أقل تقدير· غير أن الشرعية الدينية للسلطة العثمانية، ثم الاتجاه إلى سياسة التتريك بعد ذلك، بعد أن هيمنت العناصر القومية التركية على مقاليد الأمور في الدولة، أدى إلى ازدياد الفجوة بين السلطة والمجتمع المتعدد قومياً وطائفياً وفئوياً، مما أدى إلى نشوء حركات مضادة، وتيارات فكرية أيديولوجية معاكسة، ترفض الدين أساساً لشرعية الكيانات، وتنشئ حركات قومية مضادة للحركة القومية التركية الجديدة (الطورانية)· ومن هنا نشأت الحركات القومية في أرجاء الإمبراطورية الآيلة للسقوط، ومن ضمنها حركة القومية العربية في المشرق العربي تحديداً، ونتيجة العوامل المتحدث عنها آنفاً·

 

التحالف مع الغرب

 

وقد حاولت الحركة الجديدة، للقومية العربية، أن تتحالف مع الغرب في بداية الأمر، رغبة في التخلص من السلطة العثمانية، إلا أن هذا التحالف انتهى في خاتمة المطاف إلى حلول الهيمنة الغربية محل السلطة العثمانية، وحلول التجزئة محل الوحدة، وما أدى إليه ذلك من بذر بذور الدولة الوطنية (القطرية) العربية في المنطقة، أي منطقة الهلال الخصيب تحديداً· وبذلك انتقلت المنطقة من الوحدة القائمة على أساس ديني، إلى التجزئة القائمة على أساس علماني، فكان الحل المنشود هو عودة الوحدة، ولكن على أسس علمانية، وذلك مما يذكرنا بالمنهج الجدلي الهيغلي حول الأطروحة والنقيض والتوفيق·

قد يقول قائل إن هذا التحليل على كل أرجاء العالم العربي، وليس منطقة الهلال الخصيب وحسب· ولكن الحقيقة التاريخية تقول إن مثل هذا التحليل لا ينطبق بشكل كامل إلا على منطقة الهلال الخصيب، أما بقية العالم العربي فلها شأن آخر· فالعلاقة العربية العثمانية، كانت مقتصرة بشكل مباشر وملموس على منطقة المشرق العربي، وذلك حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى· أما في بقية العالم العربي، فكانت العلاقة اسمية، أو مجرد مرجعية غير أثر فعلي أو عملي، منذ أن انتهى الوجود العثماني الفعلي في تلك المناطق مع الاختراق الاستعماري الغربي، وهيمنة القوى الغربية، مع بدايات القرن التاسع عشر· وعلى ذلك فإن الصراع العربي العثماني كان قاصراً حقيقة على منطقة المشرق العربي، أما بقية العرب فكانت تنظر أحياناً إلى العثمانيين كأمل إسلامي في تخليصهم من الهيمنة  الغربية المباشرة، وخاصة في منطقة المغرب العربي ولذلك فإن الإفرازات النظرية والأيديولوجية المعلقة بالصراع العربي - العثماني، كانت إفرازات خاصة بالوضع في منطقة المشرق العربي، وليس في كل المنطقة العربية· من ذلك مثلاً فإن العلمانية، التي تميز الخطاب القومي العربي، هي مفهوم معبر عن طبيعة الصراع مع السلطة العثمانية ذات الشرعية الدينية، ومن قبل فئات وطبقات تجد في هذه الشرعية عائقاً لحركتها والتعبير عن ذاتها· لذلك نجد أن هذه المسألة غير واردة عن دراسة مضمون الخطاب الوطني في المغرب العربي مثلاً· فهناك، يمتزج الديني بالوطني والقومي، دون الشعور بضرورة وضع حدود بين هذه الانتماءات، حيث إن الطرف المتصارع معه أجنبي مختلف الدين والقومية، ويحاول فرض مفاهيم علمانية مرفوضة، من حيث تهديدها للكيان التاريخي لتلك المجتمعات، على عكس الحالة المشرقية، حيث الحدود واضحة بين ما هو وطني أو ديني أو قومي·

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن التركيبة الاجتماعية للمغرب العربي لم تكن تسمح بإفرازات مفاهيم علمانية صريحة، لما لذلك من أثر على الهوية التاريخية المهددة· ومن هنا يمكن أن ندرك لماذا كان الإسلام والعروبة والوطنية كلاً واحداً في الخطاب الوطني المغاربي، في حين أنه كان هناك نوع من الانفصال، أو التمييز على الأقل، بين الدين والقومية والوطنية في الخطاب السياسي المشرقي بصفة عامة· ويمكن القول إن ما قيل عن المغرب العربي ينطبق نسبياً على منطقة الجزيرة العربية· فالظروف التاريخية والاجتماعية للجزيرة العربية ما كانت تسمح بانفصال، ولو شكلياً، بين الديني والقومي والوطني، حيث تمتزج كل هذه الأمور، لتشكل بوتقة الهوية في تلك المنطقة· فالمغرب في هذه المنطقة من العالم، لم يكونوا مفهوماً ذهنياً، كما في الحالة المشرقية، بقدر ما كانوا يعبرون عن رجل الشارع الذي لا تختلط عروبته أو إسلامه بأي مصادر أيديولوجية أخرى للهوية·

 

مفهوم التجزئة

 

وبمنطق التحليل السابق ذاته، يمكن فهم اختلاف مفهوم التجزئة في خطاب الهوية المشرقي، وفي خطاب الهوية في بقية مناطق العالم العربي· فالهلال الخصيب وحده هو الذي عانى من عملية تجزئة واضحة وصريحة، نتيجة "مؤامرة" ملموسة، هي معاهدة سايكس - بيكو، التي جزأت "سوريا الطبيعية"، أو بلاد الشام، وليس كل العالم العربي، كما هو مطروح في الخطاب القومي العربي في حالته  التعميمية· من أجل ذلك، كانت التجزئة نوعاً من الهاجس في ذلك الخطاب، وكانت المؤامرة حالة من "الفوبيا" فيه· أما في بقية المنطقة العربية، فلم تكن التجزئة نتيجة مؤامرة واضحة المعالم، بقدر ما كانت في مقامها الأول نتيجة عامل داخلي، ساعده عامل خارجي على التجسد والتكرس· فلفترات تاريخية طويلة، كانت هناك مناطق نفوذ أو سيادة لهذه النخبة السياسية أو تلك ، في مختلف أرجاء المغرب العربي وجزيرة العرب· وعندما جاء الاستعمار الغربي، لم يفعل أكثر من أن ثبت هذه النخب في مواقعها، وعندما رحل، تحولت مناطق نفوذها وسيادتها إلى دول مستقلة· بمعنى أن بذور التجزئة كانت موجودة تاريخياً، قبل أن يأتي المهيمن الغربي ويثنيها· وفي حالات أخرى، كانت الدولة العربية القطرية نتيجة عمل وحدوي ذاتي المنشأ، ومن ثم تأتي العوامل الخارجية في الاعتبار، كما في الحالة السعودية الوهابية، أو الليبية السنوسية، أو السودانية المهدية· وفي أحوال أخرى، كان المستعمر هو الذي يوحد ولا يجزئ، كما في الحالة العراقية· والقضية هنا ليست في كون الاستعمار مع "الأماني القومية" أو ضدها، بقدر ما أن المصلحة المباشرة تفترض ذلك· فالعراق الحديث مثلاً، هو مثال على عملية التوحيد الاستعمارية، في مقابل عملية التفتيت في الجانب الغربي من الهلال الخصيب، وكل ذلك نتيجة حسابات سياسية خاصة بدول الاستعمار ومصالحها آنذاك·

فرغم أن العالم العربي كله كان تحت السيطرة العثمانية إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، إلا أن السلطة العثمانية كانت اسمية وروحية في المغرب ومعظم الجزيرة، في حين كانت أكثر وجوداً فعلياً في منطقة المشرق العربي، كما قيل آنفاً· نعم كانت هناك مناطق نفوذ لهذه النخبة السياسية أو تلك في المشرق العربي، ولكن ذلك كان في إطار السلطة العثمانية المباشرة، الذي قد يضعف في فترة تاريخية معينة وقد يقوى في فترة أخرى، مقارنة ببقية أرجاء المنطقة العربية· ولكن، قد يعترض معترض هنا، ويقول: "ماذا بشأن مصر؟ فهي ليست جزءاً من المشرق العربي، الذي اقتصر تعريفنا له على منطقة الهلال الخصيب، ومع ذلك فإنها من دول المركز في إنتاج الخطاب القومي العربي، فكيف نفسر ذلك؟

 

الحالة المصرية: من الخطاب الوطني إلى الخطاب القومي

 

الدارس لتاريخ مصر الحديث والمعاصر، سيلاحظ أن الوطنية هي التي تشكل المحور الرئيسي الذي يدور حوله الخطاب السياسي المصري بشكل عام، فسواء تحدثنا عن الخطاب السياسي العلماني والليبرالي، أو الخطاب السياسي الديني، فإن مصر ومحورية مصر هي الأساس في الخطاب العام· فالخطاب السياسي المصري، على اختلاف تفرعاته وتشظياته الأيديولوجية، يتوجه إلى المصريين على اعتبار أنهم يشكلون أمة مصرية كاملة، ليس من الضروري أن تكون جزءاً من أمة أشمل كي تكتمل، كما في الخطاب القومي العربي أو السوري في سوريا الطبيعية· بل أنه وحتى الخطاب الثقافي المصري، ورغم أنه يشكل لب الثقافة العربية المعاصرة، إلا أنه يتوجه إلى مصر والمصريين أولاً· بل إن حركة محمد علي، التي يصنفها الخطاب القومي العربي على أنها حركة قومية عربية حديثة، هي في التحليل الأخير محاولة لبسط سيادة محمد علي خارج الإطار المصري، ولكن باسم مصر، وبمركزية مصرية، ولدواع أمنية مصرية، دون أن تكون محاولة واعية لتحقيق وحدة حديثة، كما هو المطروح في الأدبيات القومية العربية· ولكن، ورغم كل ذلك، فإن لمصر موقعاً مركزياً خاصاً في التاريخ العربي المعاصر، وفي الوجدان الثقافي العربي بصفة خاصة·

ولعل لهذه "المركزية" المصرية على المستوى العربي ما يبررها على كافة الأصعدة: الثقافي منها والتاريخي والاجتماعي والاقتصادي· فمصر هي البلد العربي الأول الذي اكتشف الغرب، واكتشفه الغرب لأول مرة، في أعقاب الحملة النابليونية المعروفة، وفي مصر كانت بداية حركات وتيارات الحداثة والتنوير في المنطقة العربية وفي مصر، كانت بداية الطباعة العربية· وفي مصر، كانت بداية الصحافة العربية· وفي مصر، كان البنك العربي الأول· وفي مصر، كان التعليم الرسمي الحديث لأول مرة، في عهد محمد علي باشا· وفي مصر، كانت السينما العربية في نشأتها الأولى· وفي مصر، كان بعث الأدب والشعر العربي من رقاده· وفي مصر، كان المطرب العربي· وإلى مصر، كانت أفئدة المثقفين العرب تتجه· وفي النهاية، جاءت حركة يوليو عام 1952، وكاريزما جمال عبد الناصر، لتشرعن لهذه المركزية المصرية، المؤسسة على كل هذا الإرث الحديث، عن طريق نقلة نوعية للخطاب السياسي، من الوطنية، من الوطنية شبه المطلقة، إلى مفهوم القومية العربية الشاملة·

نعم كان هناك بعض توجهات عروبية (العروبة مسيسة) في الخطاب السياسي المصري قبل حركة يوليو، وبتأثيرات ثقافية بحتة في المقام الأول· ولكن تلك التوجهات لم تكن من الفاعلية أو التأثير الشعبي بما يقارن بالخطاب الوطني المصري التقليدي· كما كانت تلك التوجهات مقتصرة على بعض حركات وأحزاب ذات تأثير كبير على الشارع المصري· فالهاجس الرئيسي في الخطاب السياسي المصري قبل يوليو، كان التأكيد على الوحدة الوطنية، في إطار "الأمة المصرية"الواحدة، ثم تأتي بقية الطروحات بعد ذلك· أما الانتماء العربي، فهو انتماء حضاري وتاريخي وثقافي، ولكنه لم يصل إلى مستوى الخطاب السياسي المتكامل· وإذا تجاوز هذا الخطاب الحدود الوطنية المصرية، فإنه ينتقل إلى الأفق الإسلامي مباشرة، متجاوزاً الأفق العربي على اعتبار أنه جزء من الأفق الإسلامي· وحتى في هذه الحالة، فإن الخطاب، ورغم أمميته الإسلامية الظاهرة، يبقى خطاباً مصرياً في جوهره، وذلك كما  نلاحظ في خطاب الإخوان المسلمين مثلاً· فرغم أن هذا الخطاب إسلامي الشكل، إلا أنه في التحليل الأخير مصري المحتوى، من حيث العمل السياسي المباشر، ومن حيث الغايات السياسية المباشرة، وذلك بمثل ما أن الخطاب القومي العربي "سوري" المحتوى والمضمون، وبالرغم من الشكل العروبي الظاهر والمعلن· وعلى ذلك يمكن القول إن الخطاب السياسي المصري بشكل عام، مع تجاهل شوارد معينة خارجة على الخط العام هنا أو هناك، كان يتأرجح دائماً بين خصوصية الوطنية المصرية البحتة، وعمومية الأممية الإسلامية، التي تتجاوز الوطنية من أجل ذات الوطنية في النهاية·

ولعلنا نجد تفسيراً لهذه الوطنية المصرية الراسخة، في الحقيقة التاريخية بكون مصر ظلت، طوال تاريخها القديم والحديث· دولة مركزية واحدة، ولم تعان من مرارة التجزئة الاستعمارية المباشرة، كما في الحالة السورية، أو "الهلال خصيبية"· أما بالنسبة لما يمكن أن يقال عن المسألة السودانية، فإن انفصاله عن مصر كان نتيجة استفتاء شعبي، رضي به الطرفان، واكتسب شرعية معينة في البلدين· أما في الحالة المشرقية، فقد كان التقسيم يفتقر إلى أدنى درجات الشرعية في حينه، وقامت الثورات والانقلابات والنظم السياسية في المنطقة بعد ذلك باسم ووفق شرعية تستند إلى رفض التجزئة والتقسيم·

أما القاسم المشترك بين الخطاب الوطني المصري، والخطاب القومي العربي في المشرق العربي، فهو اشتراك الخطابين في الطرح العلماني· فكلا الخطابين يعبر عن قواسم اجتماعية مشتركة، وجدت في العلمانية تعبيراً أيديولوجياً ونظرياً عنها· فالتعددية الدينية، ونشوء نوع من الطبقة التجارية الوسطى، كونت الأساس الاجتماعي لعلمانية وليبرالية الخطاب السياسي في مصر، والعلمانية في المشرق العربي· وبذلك يكون ركنا الخطاب السياسي الوطني المصري العلمانية والليبرالية، فيما تشكل الوحدة العربية (والوحدة السورية)، والعلمانية ركني الخطاب السياسي المشرقي·

ومع مجيء "الضباط الأحرار" في أعقاب حركة يوليو، بدأ الخطاب السياسي المصري يتخذ اتجاهاً قومياً عربياً، لم يلبث أن تحول إلى أيديولوجيا قومية متكاملة، وخاصة في أعقاب معركة السويس عام 1956، ثم بعد قيام الوحدة السورية المصرية عام 1958، التي يمكن اعتبارها شهادة ميلاد الناصرية، بصفتها حركة قومية عربية· فهذه الوحدة، دمجت القطرين في دولة واحد، في الوقت ذاته الذي دمجت فيه بين الخطاب السياسي المصري، والخطاب القومي العربي· ثم أصبحت مصر الناصرية زعيمة للخطاب القومي الجديد، والمركز السياسي للعالم العربي، بالإضافة إلى مركزيتها الثقافية السابقة· وأصبحت مصر جزءاً لا يتجزأ من المشرق العربي، منظوراً إلى ذلك من زاوية سياسية، بغض النظر عن تحديدات الجغرافيا·، ولعلنا نتلمس هذا التحول في عوامل تاريخية وسياسية محددة·

 ______________

لمواصلة الموضوع

طباعة  

يتبع