منذ ذلك المساء الذي عرف فيه خبر الفجيعة والحبر يتلعثم، والوقت منخور بالأسئلة والحيرة·· من الصعب أن تصدّق أن ما حدث قد حدث، أن بلادة الحديد تقضم وردة الشعر بمثل هذه البساطة والبرودة! أية قسوة تلك التي تنتهك فيها مصادفة غبية جمالا واشراقا بحجم علي الصافي؟! أي صقيع يجتاح حياتنا حين تتكسر "المرايا"؟!·
كيف تُختصر ثلاثون سنة بخبر لاذع في صحيفة، وكيف توجز أحلام وتطلعات ومشاريع ثقافية في كلمة "الموت" السوداء؟!
أيها الشاعر الذي كان يحمل مشعله نحو أعالي الهم والحزن، أوقدت الآن صمتك فينا: أسئلة تتلظى، وذكريات تخز، وحيرة مديدة·· كيف تشيح الآن بدمك عن كل من أراد أن يطفىء حلمك النبيل، وتغادر الساحة سريعا تاركا هذه الحياة تعلك قوانينها وتجتر دساتيرها بغباء·· تغادر مشيعا بدموع الأحياء والأصدقاء وأزهار الكلمات ورنين الضوء في جنبات أشعارك التي ستظلّ ظلك الأخضر على الأرض·
تغادر ضجيجنا إلى هدوئك الأزرق، تاركا فينا كلماتك المضرّجة بالشموس·· حلمك الفسيح الذي صغر عنه الحاضر وكبر فيه المستقبل··
وداعا أيها الفارس الشاب·· أيها الشاعر الجميل!
لقد حركت فينا كل ساكن!
ر·ص
* * *
لخديجة.. لليل.. للطرق الإسفلتية
نشمي مهنا
كالعادة لا نستوعب نبأ وفاة عزيز إلا بعد مضي أيام، أو حتى أشهر··· يلح بعدها علينا مكان ما، زمان ما، مناسبة ما، مواقيت حضور، أو توقع لقاء، بأسئلة الغياب والفقد الحادة، يسكب علينا ماء الصحو، لنواجه النبأ بوعي· هل كنا نمارس حيلاً نفسية، وهروبا من المواجهة؟ هل كنا نكذّب بها النبأ، أم نكْذب على أنفسنا لنخفف وقعه؟، نعللها بأعذار غياب، وللغياب أبواب عدة أوسعها الرحيل والسفر، والموت رحيل، والموت سفر·
كذلك تلقيت نبأ وفاة علي الصافي·· وكذلك استوعبته، أو لم أستوعبه، هذا الزميل الشاعر الذي امتدح منيته قبل رحيله، بل عنوّن للمنية الحديدية إحدى قصائد ديوانه "خديجة لا تحرك ساكناً"··
"لها وثبة في برد النهارات وسكينة في الأرصفة، ولها ما خبّأ التبغ في قربة الصدر،
وخيط دخان أسود كشعر حبيبي"
ووصف وصوّر فضاءاته التي لا تحد في أغلب قصائده باعتبار الشوارع والطرق الأسفلتية يداً يفتتح بها هذه الفضاءات والعوالم·· ولم يكن يعلم أنها سوف تفضي به إلى عالم آخر مختلف· "يا الصوفي في ليل طويل: أما أتعبتك الحوادث والانتظارات"؟! مضى وبنفسه غصة، وملء عينيه شوق للتي لا تحرك ساكناً، خديجة/ البلاد "يسهر الليل بيني وبين البلاد"·
كما أعتقد وكما أحب أن أعتقد فالأسماء ما هي إلا لافتات نرفعها لأعين المارة لتكون دالة على تعريف وتميز، فإن تشابهت وتمازجت بين بعضها صفات محبة وعشق، فلا فرق بين شقيقة، وأرض أو وطن·
خديجة / الوطن رأت ألمه، وحزنه الشفيف، ورغم كل هذا الحب، لم تحرك ساكناً، فكان عتاباً بين أحبة، تحت جنح ليل، وهو الكائن الليلي كما يعرّف نفسه "أنا ملك الليل منحدرا من عرش الشوارع أجيء أبوح الحب والطيبة والمغفرة"·
الآن تفتقده خديجة·· ونفتقده ويفتقده زملاؤه وأحباؤه، ويبقى سفر الأيام الضخم يطويهم ويطوينا بين دفتيه·· وإن تساقطت بعض أوراقه في بدء بياضها ودون أن يلوثها حبر، سيعود كل إلى شأنه·· زملاؤه في الصحيفة سيعودون إلى ضجيج مطابعهم·· أصدقاؤه إلى بحور أشعارهم و·· أحباؤه إلى أهليهم وشؤون دنياهم·· وستبقى في ذاكرة كل منهم ذكرى عطرة·
* * *
يشعل ذاكرة الآخرين
علي حسين الفيلكاوي
مخالبه السوداء تطرق أبواب وجوهنا، تفتح أمام بقائنا هوة البعد الأخير وتمشي بنا خطوة نحو مسار اللاعودة حيث تذوب الأجساد ويتلاشى حضورها بين سماء اللامرئي وأرض اليومي المستمر، ولا يتبقى بعد ذلك إلا ما يشبه الهواء المفعم بالأصداء أو ما يشبه الصور الغائمة في مدارات الذاكرة وهل ستسعفنا الذاكرة المحاصرة بين قوس أيامنا على إنهمار نبض الحياة وعودة اليوميّ الذي اعتدناه، وكم ستسرد وكم سنتعايش حقيقة مع تفاصيل الدقائق التي تناءت وراء أبواب الغياب··
حين يقف الموت بجانبك لا تمتلك سوى أن تنظر إليه بعينين جامدتين وتنتظر بعد ذلك من يصرخ بك·· وداعاً·· أي عينين يحب أن يمتلكهما الإنسان لمواجهة خطوط النهاية··؟ أي قوة يتوجب عليه أن يتحلى بها لعبور رهبة فجائيتها؟ وكم تحتاج هذه القفزة المهيبة بين الحركة والسكون من قوة الاحتمال؟ لابد إنه حينها يتحول إلى طاقة تختزل الألم وينعدم من خلالها كل أثر للجسد، ولا يتبقى بعدها سوى الضوء الذي يشعل ذاكرة الآخرين، ليتجسد بين إدراك أغوار مشاعرهم ويصبح الكامن الأبهى ويكون جزءاً مطلقاً في امتداد وجودهم، سوف يشرق بين سطور أيامهم أو يجلس معهم في المقهى أو ربما يراقبهم من بعيد وهم يدخلون بيوتهم، في كل مرة يدخل معهم، ويخرج معهم، وفي كل يوم يتوزع بينهم من جديد·
في عمق ذاكرة أصدقائه ومحبيه يبقى ضوءاً صافياً يعلو فوق منارات أحداقهم ذلك "علي الصافي" الإنسان والشاعر الذي أطلق "خديجة لا تحرك ساكناً" إلى الوجود فتحركت·· وركضت وراء قصائده بمشاعره وها هي الآن تقف رغبته في إصدار ديوانه الثاني بن يدي أصدقائه الحميمين··
* * *
ورأيتني يحملني حفار القبور في بطن نعش كل يوم مثل العيد رحل الصافي في شتائه الأخير
محمد مرزوق
أذهلنا - نحن زملاءه - خبر وفاة علي الصافي، الذي ألقى العيد خارج قلوبنا مستبدلا به الحسرة والحزن الشديد، علي، الصديق الذي مرّ سريعا كوردة في عنفوان ازدهارها بعذوبته وهدوئه وابتسامته الحانية، وانكساره الواضح في شعره الذي تمرد به على واقعه الطافح بالمآسي·
تهجَّ لنا دفتر العمر
إذ يستفيق الغلام على قلق والسنون زجاجْ
وكل العيون حصىً وسياجْ
تمنت خطاك دروبا غريبة
ولكن··
إلى الشارع المستريب
تؤدي الخطى المستريبة
ويمضي الصافي بأحزانه وكأنه يقرأ قرب نهايته، ملوناً حزنه ليبدو لمن يراه جميلاً:
ما الذي يجعل هذا الحزن جميلا؟؟
سأموت على حد حربك
سيفك، طعنتك الثانية
غير أني سأصحو عما قريب
وأمشي على حد السيوف الجانية
سأصحو عما قريب
وأتلو فاتحة المراثي
وأتلو البلاد البعيدة
وأتلو حزناً أرهف من حد الموت
ورأى وتنبأ بموته فهو كان يراه كل يوم حتى باغته في يوم عيد، وكذلك رأى أيضا جميع أحبابه يودعونه·· من فرط حزنهم عليه، أو ربما يحظون منه بآخر لحظة دفء في شتائه الأخير:
ورأيتني
يحملني حفّار القبور في بطن نعشٍ كل يوم ويلعنوني
ومرة كنت تسيرين في جنازتي وحيدة
كالغريبة·
كلهم كانوا هناك·
* * *
علي الصافي.. وصلابة الجوهر!
حميد المالكي
كان غياب شهيد الكلمة علي الصافي، خسارة يصعب تعويضها في هذا الزمن الذي تشوّهت معظم أشيائه والعبث بمعظم معالمه ودبّ النفاق والرياء والهراء في معظم أوصاله وعقمت أرحامه "إلا ما ندر" أن تنجب الأصلاء الذين يحتفظون بصفائهم ونقائهم حتى النهاية مثلما فعل علي الصافي وهو يجاهد ليكون سجل حياته أبيض ناصعاً كالثلج·
وتذكرت ذلك الفيلسوف الذي قال: على المرء أن يكون صلبا في الجوهر وليّنا في المظهر ووجدت أن هذا خير ما ينطبق على الصافي، فقد كان صلبا في جوهره وكتاباته وليّنا طيبا صبوح الوجه أليفا شفافا، شغوفا، حنونا في معاشرته للناس· التقته مرتين فقط· المرّة الأولى كان لقاءً عابراً وقصيراً وفي الثانية كان طويلا غزيرا· كان معجبا بصفحة العراق وخصوصا التعليق الذي أكتبه أسفل الصور التي تعبر كل واحدة منها على ظاهرة من ظواهر ومشاهد مأساة العراق، رحمه الله·
* * *
يا الولد البهي من اختطفك من منتصف الطريق؟
كريم الهزاع
علي الصافي، الطيب، النقي، البشوش، المشاكس، الحالم، الثائر الرومانسي على "خديجة لا تحرك ساكنا" في أي بحر كنت تعوم؟··" كانت آخر قصيدة كتبها من الشعر العمودي "بحر البسيط" أيها البسيط جدا والمتواضع حبا لقد ظل أحبتك يبكونك، وكم تمنوا لو دموعهم لامست جسدك المسجى أمامهم وغسلوه بدموعهم، لقد كان الاغريق والرومان إذا ساروا في جنازة يبكون في أوعية صغيرة يدفنونها مع الفقيد·
وكان أبطال مثل أخيل، يبكون كما بكى شيوخ روما، ولم نقرأ أن أحدا من هؤلاء فقد هيبته بسبب بكائه·
وكان للحسين بن زيد علي لقب هو "ذو الدمعة" لكثرة دموعه وعندما عوتب قال: وهل ترك لي السهمان مضحكا؟ وكان يشير إلى السهمين اللذين قتلا زيد بن علي ويحى بن زيد في خراسان·
ونحن الآن نبكيك يا علي الصافي· نبكي أحلامك التي لم تحققها بعد، نبكي اشياءك التي تبحث عنها:
عم تبحث في قصيدتك وماذا تريد وإلى أين أنت ذاهب؟
- ابحث عني كي أجد الآخر الإنسان، وابحث عن الآخر كي أجد "الصافي (آآآآه أيها الصافي) وأعتقد أني قبضت على الروح المتلبسة بالشعر (لقد قبضت روحك الطاهرة) فهي ذاهبة بالشعر إلى اللاشعر، المنطقة المحظورة والملغمة(نعم، هي منطقة الموت، الراحة الأبدية)·· أحيانا أشعر أن ألف كلب ينبح ورائي لذا سأموت) وتظل الكتابة مستمرة وأبدية·
وأحيانا يتراءى لنا أننا نمسك بالخيوط الرئيسية لأنفسنا نفهمها لكن يظل خيطا واحدا نتبعه وننسجه ليفضي بنا إلى قصيدة جديدة، هذا الخيط يكون بحجم الحياة، فأنا أبحث عن الحياة في قصيدة، أرى بعين الشاعر عمق الحياة وحوافها، مجرياتها، وانعطافاتها، انتصاراتها، وانكساراتها وهزائمها وعشقها، أرى ما لا يراه غير الشاعر، إن أرى فذلك يعني أن أكون أكثر شعرا وإنسانية·
* والليل هذا الخالي من نبض الناس.. (الذي ودعتنا به) ما الذي حرضك تفتح حوارا مع عوالمه؟
- الليل أبو الدنيا تزوج النهار فولدت الدنيا أحيانا أتصور الدنيا ولدت في حالة ليل، ولدت حينما تغط بليل هادىء وعميق فلذلك تجدها تلقائية صادقة بلازيف أو خداع كمرآة بهكذا رؤية فانتازية وأرى إن أخلصت لليل منحنك أسراره ومنحك عمق الناس والأشياء، المسلحات الكونكريتية والزجاجية والحديد والشوارع والبحر والصحراء والسماء والناس في عالم النوم تنظر إليهم وهم ليسوا بنيام، إنما في عالم النوم عناصر الليل هي التي تحاورك في محاور المكان والعالم والنفس البشرية والشعر المكمون في داخلها·
ودعتنا في ليل فجعت فيه قلوب الأحبة وتركتني:
"1"
أجهش بالبكاء
أتكور فوق سريري
أغطي نفسي بالليل والرمال
اجفل
وأتجه للنافذة
أنظر إلى السماء ثم إلى الشرفات
ابحث عن وجهك وعندي سؤال:
- لماذا قررت تركنا لماذا قررت الرحيل؟
لماذا تناسيت ذاك الحلم الجميل؟
"2"
الصمت· الصمت الصمت المريب
غفوت واقفا ورأيت مقصلة ما بين عيني
رأيت المراكب تأخذ الحبيب
ناديت:
يا مراكب أخذوني معاكم··
وأطرحوا بي على دروب المحبين··
خذوني ارتق ثوب نعشه
خذوني لأنزل الدرج خطوة خطوة
أني أشعر بالرعشة كلما اقتربت منه في العالم السفلي
يا علي هل تسمح لي أن استضيفك هذه الليلة؟
يا علي، أجلس القرفصاء أمامي·· لأعطيك أيامي·· هذه لك، هذه لي،
يا علي سأزرع الغاردينا البيضاء عند رأسك،
سيدي سأكون أحد حراسك·
"3"
يا علي حينما أنبسط جسدك البسيط أمامي
لعنت أبو العمر الذي مضى لعنت أيامي
انكسرت يا علي وتبددت أحلامي
النملة تدب فوق ساقي في حالة الخشوع
احتضنك أزفر بحرقة وأشم جسدك رائحة البن
واستفيق لأصيح:
قفوا لا تأخذوا مني هذا الجسد الحبيب
قفوا ويرتفع البكاء، يرتفع النحيب
الصراخ، النشيج الحريق،
يا الولد البهي من اختطفك من منتصف الطريق؟
"4"
ويمر اليوم الأول
الثاني، الثالث، الرابع
الخامس، السادس، ويأتي السابع
وفي اليوم السابع لرحيلك
لم تسترح عالية
لم يسترح الظفيري
لم يسترح نشمي
لم يسترح الخالدي
لم يسترح العتيبي
لم يسترح عباس منصور
لقد كان القلق يتناهشه،
ما بين الحزن وبين الحب
لم تسعه أرضه ولا سماؤه
بل يسعه القلب
وقلبك في القبر قد اينع
وزرع النعناع على طول الدرب·
* * *
قراءة نقدية لصلاح دبشة نشرت في الزميلة القبس بعد صدور ديوان الصافي منذ اكثر من عام
في مجموعته "خديجة لا تحرك ساكناً" مسارات القصيدة لدى علي الصافي
صلاح دبشة
يمكن وضع نصوص علي الصافي تحت ثلاثة مسارات لتصور كتابة القصيدة تتمثل في الأجزاء الثلاثة التي قسم إليها ديوانه تحت ثلاثة عناوين "المدن النائمة الطريق الساحلي - الغرف الضيقة" التي ترخي دلالات كانية موحية بالسكون،المرادف النفسي للطأنينة، وبا أن هذا المكان حاضر بأدنى عطاءاته "المدن نائمة" وهامشيته "الطريق ساحلي" وقسوته "الغرف ضيقة" كتأشير رمزي على رياح قلق كامنة خلفه، تأتي القصائد لتحطم الارتباك الشائع بين المكان والطمأنينة وتنحرف به إلى أن يكون البعد المجسد للقلق· وهذه المسارات ليست منفصلة عن بعضها أسلوبيا بل تتداخل أحيانا كثيرة كدليل على قرب هذه المسارات من بعضها زمنيا، ولم يأخذ كل منها شفافية الرعب الخاصة به في شكل تام، المكتسبة ن الزمن الكافي للحوار مع طبيعة الأشياء، والتي تجعل تصوره يرجع إلى محتوى رؤية ولغة خاص، تحديدا للمسارين الأخيرين مما يفتحها على وعي المسار الأول، وقد تبرر ذلك الوحدة النفسية للديوان التي تمنع الفروق الحاسمة في التعبير بتضافر خلفي·
المدن النائمة
يتجه علي الصافي في المدن النائمة إلى لغة عليا للتعبير عن معاناة كبرى، ترتكز على أفعال الزمن ومشاهد الطبيعة "السنين الخطوات الأرض البحر···" ذات الاكتساء الدلالي البطيء في سيرورة الثقافة الإنسانية، مما يكرس موقفا مستقرا منها لا يلبث أن يصبح نمطا واللغة العليا ذات علاقة وشيجة بالنمط فكلاهما يحتل مساحة وافرة من البشر، فهي لا تتكلم عن هم إلا ويكون مشتركا، ولا عن معاناة إلا وتكون شاملة لأنها لا تشير إلى الهم ولا تسمي المعاناة، لتتجاوز نصوصها الفرد إلى الجماعة، وتصبح ردة فعل كلية على ظروف الحياة بدلا من أن تكون ذاتية، فيمكن أن تعرف بأنها تصعيد رمزي عام لواقعية القسوة وأشكال الألم وأصبح هذا التصور في الكتابة موقعا مستأنسا يسيطر علىه الإيحاء الليلي نظرا لانجذاب الكثير من الشعراء إليها بأحلامهم، مما يجعل نصوصه ذات أثر موضوعي مألوف، وهو يزيح الحالة أو الرؤية عن تسيد أجواء النص ويحصر البريق والتميز في: التلاعب بالألفاظ ومدى تحريف مواضع الكلام ويكون جمال اللغة وانزياحاتها موضوعه النهائي·
الطريق الساحلي
يبتعد علي الصافي في الطريق الساحلي عن النفس الماراثوني في كتابة القصيدة ويخفف قليلا من الظلال الرومانسية متوجها إلى اللقطة الشعرية التي تمسك بلحظة التجلي وتبرزها في لغة لا تكتظ بنفسها وتقترب من علاقتنا بالحياة والأشياء، وذلك دون أن تدرك تخلصها النهائي من أطياف التفعيلة وأشباح الوزن، هذه اللغة التي تترسم الحالة دون أن تسعى إلى إخصابها بالمتشابه والمختلف من الصور والانعطافات التعبيرية مما يجعلها تختزل مسافة حضورها وتسلم من تحميلها أعباء الانتظار والاستيهام والشرود ولذلك فهي قنص لا استدعاء ولحظة إيحاء لا مشروع قلق، ولذلك أيضا فهي يومية لا مصيرية·
الغرف الضيقة
في الغرف الضيقة يمنحنا علي الصافي ذاته العالية التي ترى الواقع غير مرغوب فيه لارتفاع معاييرها عنه ويأتي خطابها الشعري بانحرافات أسلوبية أكثر إدهاشا يتضح من خلالها مدى اتساع هامش الحرية في كتابته وكون النصوص هنا ترتكز على ضمير المتكلم ولا تضع نفسها في الأماكن الغائبة وتطمئن إليها فإنه من خلالها يحدد موقعه دائما لتكون خطابه الأعلى تميزا والأكثر اقترابا منه إنها نزعة إنسانية نحو إسقاط العالم في الذات، وتعبير عن خصوصية الحوار مع الكارثة، وهذه الخصوصية تتمدد عبر قضية قد اتسع مجالها لخصوصيات أخرى·
علامتان في الأسلوب
1 - استئناس الواو
ربما لا تبدو الواو ذات حدين إلى الدرجة التي تجعل علي الصافي منتبها لاستخدامها في نصوصه لكن يجدر القول إنها عند عدم الضرورة مجرد تنسيقات تخفف من الواقعة الشعرية لصالح الحكي ولا يعد الوزن مبررا جيدا للجوء إليها حيث إنها تصبح هنا عامل تمرير للقصيدة تحت شروطه المنتجزة أما إذا كانت الكتابة متحررة منه فإن الواو تصبح بوابة عبور لرضا الشاعر عن انسجام أجزاء القصيدة·
- (لتعرف أنك ما زلت تحيا
وها أنت تحيا وتطوي الدروب
وهذي الشوارع تولد في بعضها
والبيوت قلاع
رصاص عوى والبيوت قلاع
وقد رن في هدأة الكون
قرط
ورج الكلام
ومن قمة الروح جاء غلام)
- (وهب جمر المقاهي على السواحل يقطف
وردة الملح
وكانت ذراعاي قرية للغرباء
وأنا ضللت دربي
وفتحت دون القلب
عشرين بابا لقلبي
وقالوا)·
2 - الإمساك بالكلمة
نصوص الديوان تنحو إلى التوهج والمناكفة لكن علي الصافي يروضها في لحظات كثيرة عندما يمسك بكلمة أو أكثر خلال مساراتها، وقد يكون ذلك في سياق الضرورة أحياناً وربما يصحب عاملاً حاسماً في خلق الأثر الشعري، ويتوسع علي الصافي في هذا على امتداد مساحة الديوان إلى الحد الذي يتحول فيه إلى سمة بارزة لأسلوبه في الكتابة وتحديداً أن تظهر الكلمة أو اشتقاقها مرة أخرى وفي السطر التالي بالذات ولا نقصد هنا التكرار بمفهومه المستقر، فيفسر ذلك بأمرين: كونها استرجاعاً لغوياً ينظم الانفلات المقولي (أو) تمركز كتابي حول الكلمات ذات الاستقطاب الواسع للحالة الشعرية·
ويحسن بالشاعر ألاّ يكون مسايراً لهذه الكلمات دائما بل أن يتمرد عليها في أحيان كثيرة، ويجعل من اللغة مجالا مفتوحا لتجلياته حتى لا يصبح هذا المنحى الأسلوبي صفة واضحة له ومستمسكاً على نصوصه فيما بعد· نقول (الشاعر يمسك بالكلمة) وليس (الكلمة تحتوي الشاعر) لأن علي الصافي يؤكد مراراً من خلال نصوصه على القدرة في الوصول إلى تجسيدات لغوية غير متوقعة للوجود الشعري العائم في داخله وبصورة لافتة·
- لتعرف أنك مازلت تحيا
وهنا أنت تحيا وتطوي الدروب·
- واستوقفتني الشوارع حيث استفاق المنام
ونامت بيوت الخلائق
لكن بيتك ليس ينام
وليس ينام الصدى···
- كأن الدروب تذر النعاس بوقع الخطى···
دخلت في الغياب خطاك
وطال المغيب·
- صعدت سلم العمر، فتحت الأبواب
وسرني مفاتيحه·
ألف باب مفاتيحها أنا·
- تمرق الذكريات الطفلة
في الذاكرة العجوز·
- يرحل البحر إن لم يجد عابريه
وما شح في رحيل·
- وصوتي الذي بين احتمالين كان،
والصمت صوت الظنون· (تناص مع يعقوب السبيعي - الصمت مزرعة الظنون)
- المدينة حتف القرية
أخرج من قريتي، ألوذ بالحتف·
· ديوان (خديجة لا تحرك ساكناً)
علي الصافي 1998
المجموعة الإعلامية العالمية - الكويت