رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 20-26شوال 1410هـ - 26يناير-1فبراير2000
العدد 1412

تجربة ملك في الشباب وما بعده(الجزء الثاني 2-2)

·         كل التعليقات التي تكررت في صحف الغرب وإسرائيل كانت تذهب إلى أن الدليل الحي على غياب، أو غيبوبة - الرأي العام العربي هو ذلك الفارق الهائل بين المعلومات المثيرة التي نشرت في العالم بعد إعلان وفاة الحسن، مركزة على علاقاته مع إسرائيل والموساد بالذات، وبين العناوين المؤثرة التي ظهرت عن جنازته وسالت دموعا ساخنة على صحف العالم العربي وشاشات فضائياته

·         خلال مقابلة مع الملك على هامش القمة العربية في ديسمبر 1969، قال لي: أنتم لم تدرسوا المغرب، لم تعرفوا شيئاًعن يهود المغرب، هل تعرف أن لي حزباً سياسيا يكاد يكون أكبر الأحزاب في إسرائيل، ساسة إسرائيل كلهم يحسبون حسابنا كمالو كنا في قلب مجتمعهم· ومن الغريب أن ساسة العرب لا يعرفون

·         في جنازة الحسن بدا الوجود الأمريكي كثيفا بأكثر مما هو لازم، وبدا الحضور الإسرائيلي مزعجا بأكثر مما هو محتمل· وكان بين الصور التي روجتها وكالات الأنباء صورة للملك الشاب الجديد، جالسا ومن حوله نطاق من 3 رجال: وايزمان جالسا بجواره، وبيريز مائلا عليه من اليسار، وباراك مائلا عليه من اليمين

 

محمد حسنين هيكل

(1)

 

كانت الصفقة التي روى لي "بن بركة" قصتها، وهي صفقة فتح الباب لهجرة يهود المغرب إلى إسرائيل - في مقابل عودة سلطان المغرب إلى عرشه - اتفاقاً بسيطاً في شروطه، مُعقداً عند تنفيذ هذه الشروط·

وبصرف النظر عن تأثير هذه الصفقة - على المدى البعيد - في مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي - فإن الصفقة صنعت شيئاً ما بين الأب "محمد الخامس" وابنه الأكبر "الحسن" - مع وجود شواهد على أن السلطان "محمد" لم يكن يعرف الحقيقة كلها داخل "ربطة" الاتفاق·

كان السلطان يعرف أن ابنه يحاول اسعمال يهود المغرب عنصراً ضمن عناصر في حل أزمة منفاه وفي تحقيق عودته إلى العرش· ولم يكن في ذلك ما يتعارض مع تكوينه الفكري، فهو يعتبر نفسه صديقاً ليهود المغرب وحامياً لهم، وهم من العناصر النشيطة في السلطنة، وبراعتهم في شؤون المال مشهودة، وصلاتهم بفرنسا نافعة في حل كثير من العُقد - ولكن أي يهود؟!

والراجح أن السلطان كان يفكر في "اليهود" وفي ذهنه يهود المغرب - لكن خياله لم يتسع لما هو أبعد·

وفي الغالب فإن السلطان لم يكن يُعلق أمله الأكبر على المحاولة اليهودية، وإنما تعلق تفاؤله أكثر باستمرار غضب الشعب المغربي، وحيوية الحركة الوطنية فيه، ومعرفته بعدم رضاء عناصر فرنسية فاهمة - عن سياسات المقيم العام الفرنسي الذي قرر خلعه ونفيه· إلى جانب ذلك كان هناك تأثير حركة القومية العربية وقد بدت وقتها إعصاراً جارفاً من الخليج إلى المحيط·

والذي حدث أن المحاولة اليهودية نفعت، ومع أنها لم تنفع وحدها - اعتبر أنه صاحب انتصار العودة إلى الرباط·

ومن المقطوع به في ذلك السياق أن المحاولة اليهودية لم تجر بالتنسيق مع يهود فرنسا أو يهود أوروبا، وإنما جاء النجاح من أن المحاولة اليهودية نسقت مع يهود أمريكا - وبالتعاون مع السياسة الأمريكية التي اشتد ضغطها كي تنفذ إلى الشرق الأوسط خلفاً لبريطانيا في المشرق العربي ولفرنسا في مغربه·

وعندما اتخذت باريس قرارها بعودة "محمد الخامس" إلى عرشه فإن السلطان دُعي إلى فرنسا كخطوة على الطريق إلى عاصمة ملكه، وكانت هذه خطوة لازمة للتفاهم وإعلان معاهدة وضع عليها وزير خارجية فرنسا "انطوان بينيه" توقيعه وإلى جانبه توقيع "عظمة السلطان محمد الخامس" الذي غير بعدها مباشرة لقبه من سلطان إلى ملك·

ووراء كل الأضواء، وخلف كل الأوراق، وفوق كل المراسم - كان الأمير "الحسن" على ثقة من أنه "مهندس العودة من المنفى" - وفي الغالب فإن السلطان - الملك الآن - راح يشعر أن ابنه الأكبر أصبح قوة مؤثرة··· ربما قوة ضاغطة·

إن الحكومات المغربية التي تولت الحكم بعد العودة من المنفى - وطبقاً لمعاهدة "سان كلو" مع فرنسا - وجدت نفسها تواجه أوضاعاً شبه مستحلية·

وكان بين الأوضاع شبه المستحلية وضع الأمير "الحسن"·

وباختصار فإن الأمير راح يطالب بديون عليه تعثر سدادها وكان صرفها ضرورياً في باريس لتحقيق الأهداف الوطنية (وبينها العودة من المنفى)·

ثم أضاف الأمير إلى مطالب سداد ديونه - أنه يتحمل الآن بأعباء مالية باهظمة لأنه أقام مكتباً في باريس يجري من خلاله اتصالات مع الجهات المتنفذة هناك "حتى لا نواجه بمفاجآت لم نكن مُستعدين لها" - وهذا المكتب يلتزم بمرتبات شهرية لشخصيات سياسية وإعلامية وأمنية· وزاد ولي العهد في تأكيد ذلك "أنه حقق عن طريق هذا المكتب اختراقاً عميقاً في أجهزة الأمن الفرنسية بما في ذلك البوليس والأمن السياسي والمخابرات الخارجية"·

وهذه كلها "مسائل" تكلف مالاً، ثم إن الدولة لا تستطيع أن تتولاها وإلا أفسدت كل شيء، وهو مصمم على الاحتفاظ بهذا المكتب في باريس و"مولاي صاحب الجلالة يعرف أهمية ذلك"·

(وكان هناك قدر كبير من الصحة في دعاوى الأمير "الحسن" عن اختراقه العميق للأمن الفرنسي سواء في البوليس أو في المخابرات، وفيما بعد ظهر أن عناصر كثيرة من هذه الأجهزة كانت تدين بالفضل لولي عهد المغرب أكثر مما تدين بالولاء لأوامر صادرة لها من الحكومة الفرنسية")· ثم تعقدت الأمور لأن ولي العهد راح يتوسط في صفقات وامتيازات لشركات مختلفة فرنسية وأمريكية، والحجة أنها جميعاً ساهمت في تمهيد طرق وفتح جسور إلى مواقع النفوذ والتأثير سواء في باريس أو في نيويورك·

وفي نفس الوقت فإن ولي العهد راح يدعو من يشاء إلى المغرب، وينظم رحلات لأصدقاء من الرجال والنساء، ودعواه أنهم أيدوا وناصروا، وكانت كلفة ذلك عالية·

وطلب الملك "محمد الخامس" رئيس وزرائه ذات يوم يقول له: "إن مرتب الأمير الحسن لا يكفيه، ولا يليق بالمغرب أن يكون ولي عهده مُطارداً في باريس بديون لا يستطيع الوفاء بها، ودائنوه يلاحقونه حتى في حجز طلبات بيته وتعطيل مشترواته العادية"·

واستجابت الوزارة لكن استجابتهالم تكن كافية، بينما ديون الأمير تتراكم، وفوق الديون فوائدها!

ودعا الملك "محمد الخامس" بعضاً من كبار المسؤولين وقال لهم ما مؤداه - أو نصه - تقريباً:

"يا جماعة، اشتروا ولي العهد لصالح مستقبل المغرب··· ومستقبلكم"·

وخرج الذين حضروا الاجتماع مع الملك (وبينهم الآن أحياء مازالوا) يبحثون عن وسيلة لحل مشاكل ديون ولي العهد، واقترح أحدهم أن يدفع له مبلغ من "الصندوق الأسود" (وتلك هي التسمية التي تطلق في المغرب على اعتماد المصروفات السرية الموضوع تحت تصرف رئيس الوزراء) - لكن رئيس الوزراء عاد يبلغ أصحابه الآخرين أن "الصندوق الأسود" ليس فيه من الدراهم إلا مبلغ لا تزيد قيمته على ثلاثين ألف دولار، وهذه قطرة من بحر في ديون الأمير "الحسن"·

وكان بين المسؤولين المغاربة من يعرفون معرفة يقين أن ديون الأمير ليست كلها سياسية، ولكن أكثرها - طبق ما يسمعون - متعلق بحياة الأمير الشخصية خصوصاً في باريس، ومن أيام كان فيها طالباً يدرس الحقوق والاقتصاد، إلى أيام أخذه شبابه إلى عاصمة النور وشرد به إلى مغاني الجمال ومفاتن الحب في باريس·

وكان رأي بعضهم (وبينهم أحياء حتى الآن) - أنه لا فائدة من أي محاولة لوضع حد لزيادة ديون الأمير إلا بالاستقرار والزواج· وكان الزواج تلك الأيام كابوساً بالنسبة للأمير الشاب·

وتحدث إليه كثيرون في أمر زواجه، وبينهم والدته "لالا عبلة" - ولكن الأمير اكتفى بأن قال لأمه "أنه سوف يتزوج إذا عثر على عروس لها مواصفاتها" - مواصفات أمه·

وكان بين الذين تحدثوا إلى ولي العهد - سياسي مغربي (أطال الله عمره)، وكان الأمير معه أكثر صراحة - إذ قال له:

"إنكم جميعاً بما فيكم أبي وأمي تريدون توريطي في الزواج· وأنا لن أتزوج لأني "بعد أن عرفت كل من عرفت" لم أعد أثق في امرأة···

كيف يمكن أن أضمن أن أي بنت أختارها زوجة لي - طاهرة لم يلمسها أحد قبلي بشفة أو حتى بيد؟!

····  سوف أكون مضطراً للزواج يوماً حتى تتصل ولاية العهد، لكني سوف أفعل ذلك حين أجد امرأة "لا تعرف الحجر من الشجر"·

(وكان "الحسن" موفقاً في زواجه بأكثر مما تمنى، فقد تزوج - يوم وفاة والده - من شابة تنحدر من أسرة عريقة من بربر قبائل الأطلس، وكان أخوها الكولونيل "مأمون حسن") ياوراً له· وفيما يظهر فإن "لالا  كنزة" كانت ذكية ومتعلمة "تعرف كيف تفرق بين الحجر والشجر"، كانت هي التي أنجبت له أبناءه: "لا مريم" - والأمير "محمد" ("محمد السادس" الآن) - و"لالا أسماء" - ولالا حسنة" - ثم الأمير "رشيد")·

وعلى نحو ما فإن الأمير "الحسن" كان قاطعاً في التفريق بين ما يطلبه عقله وما يهفو إليه قلبه· وفي التحقيقات التي جرت في باريس (لاحقاً) اعترف ضابط أمن فرنسي كان يعمل مرافقاً خاصاً للأمير أثناء تردده الدائم على باريس - أنه دُعي على عجل إلى الرباط قبل الإعلان الرسمي عن وفاة الملك "محمد الخامس"· وتوجه من المطار فوراً إلى القصر الملكي يقابل ولي العهد الذي بويع بالملك قبل إعلان الوفاة، وساعتها كلفه الملك الجديد همساً أن يشرف بنفسه على ترحيل ضيفة باريسية في بيته (بيت الأمير  "الحسن")· ويروى الضابط الفرنسي في التحقيق (الذي جرى بعد ذلك سنة 1965) أن الملك الجديد أحس بارتباك الرجل الذي كلفه بالذهاب إلى صديقته وهو يعرفها من قبل، والظاهر أنه كان متردداً فيما يقوله لها؟

وأعفاه الملك الجديد حين أصدر له الأمر قاطعاً: "قل لها أن بيت "ولي العهد" يعرفك، ولكن قصر "الملك" لا يستطيع استقبالك"!

وقد اطلع الجنرال "ديجول" سنة 1965 على هذه الواقعة في التحقيقات، وأشار إليها أثناء جلسة لمجلس الوزراء رأسها في ذلك الوقت وكان البند الأول على جدول أعمالها مُتعلقاً بالعلاقات مع القصر الملكي المغربي!

إن الأمير "الحسن" ولي عهد المغرب، الذي لم يجد لدى وزرائه بعد الاستقلال من يتطوع لتأمين دفع ديونه، ومن يتقدم لتسهيل حصوله على ما هو ضروري لتمويل مكتبه في باريس - لم يلبث أن وجد الظروف تواتيه سواء جاءت الظروف تلقائية بتطور الحوادث أو جاءت مرتبة بفعل فاعل رتب ودبر·

والذي حدث (في مايو) سنة 1960 أن الملك "محمد الخامس" ارتأى أن الأحزاب التي قادت الحركة الوطنية إلى الاستقلال لم تعد قادرة بما فيه الكفاية على مسؤوليات الحكم، ثم اقتنع بأن يتولى رئاسة الوزارة بنفسه، واقتنع أن يكون ولي عهده نائباً لرئيس الوزراء·

وهكذا أصبح الأمير "الحسن" نائباً لرئيس الوزراء مع ولايته للعهد، إلى جانب كونه قائداً عاماً للقوات الملكية، وبطبيعة الحال فإن الضباط الذين كانوا الأقرب إليه في القيادة العامة أصبحوا في الأوضاع الجديدة هُم الأقرب إلى قمة السلطة· وكان هؤلاء الأقرب إلى الأمير من العسكريين الذين خدموا في الجيش الفرنسي، لأن جيش المقاومة الوطنية الذي كان يقوده السيد "محمد البصري" كان أقرب إلى الأحزاب الوطنية - في حين أن الضباط المغاربة (الفرنسيين) سهل عليهم بسرعة تحويل ولاءاتهم منالحاكم الفرنسي المقيم، إلى البلاط الملكي الشريفي الذي يعلو فيه بسرعة نجم "الحسن"·

وكان الأبرز بين هؤلاء الضباط (المغاربة - الفرنسيين) الجنرال" محمد أوفقير" - الذي أصبح وزير داخلية "الحسن" ثم وزير حربيته - وكان مع "أوفقير" مساعده الجنرال "أحمد الدليمي" وقد قدر له أن يسير على خطوات رئيسه وأن يصل بعده وراءه إلى نهاية مشابهة!

ولقد كان ظهور ضباط الأمير - نائب رئيس الوزراء - قائد القوات المسلحة - ولي العهد - ثم الملك - وراء سيدهم الجديد مدخلاً إلى صدام واسع في المغرب بين العرش وبين القوى الوطنية في البلاد·

وكان هذا الصدام بالضبط هو النقطة التي افترقت عندها الطرق بين "الحسن" وبين زعماء الأحزاب الوطنية المغربية، وضمنهم "المهدي بن بركة" زعيم الاتحاد الوطني للقوى الشعبية في المغرب·

ثم كان أن سجل حقوق الإنسان في المغرب أصبح أسوأ ما عرف العالم الثالث على سوء ما عرف العالم الثالث وقاس وتعذب وتشرد!

 

(2)

 

كان "المهدي بن بركة" هو الموضوع الرئيسي في لقائي التالي مع الملك "الحسن"، وكان في الدار البيضاء (سبتمبر 1965) وعلى هامش أول قمة عُقدت في المغرب (ونعرف الآن نقلاً عن أعلى المصادر في إسرائيل أن الموساد (جهاز المخابرات الإسرائيلي) كانت له آذان وعيون واصلة مباشرة إلى القاعات التي اجتمع فيها ملوك العرب ورؤساؤهم)·

وكان لقائي مع الملك في مكتب خاص أعد له في مقر بلدية الدار البيضاء (وهو من نماذج العمارة المغربية في خيال المهندس الفرنسي الذي وضع رسومه وأشرف على بنائه فترة ما بين  الحربين العالميتين)·

وفي بداية ذلك اللقاء أشار الملك بسرعة إلى جدول أعمال القمة العربية وأبدى تشاؤمه من نجاح المؤتمر بسبب "المزايدات الرخيصة"، وكان نقده لاذعاً لمن أسماهم "إخواننا العقائديين من عرب المشرق"، وكان لومه للفلسطينيين قاسياً "لأنهم يعرفون حقيقة ما جرى لقضيتهم ولكنهم يكذبون على أنفسهم وعلى إخوانهم، وسوف يورطون الجميع"!

وعندما فرغ من ذلك دخل إلى موضوع "المهدي بن بركة"، وبدا أن حديثه في كل ما سبق وتحدث فيه كان مجرد تمهيد لما هو قادم بخصوص "بن بركة"·

ولم يداور الملك فيما أراد أن يقوله وإنما بدأ مباشرة:

"بلغني أنك قدمت المهدي بن بركة إلى الرئيس عبدالناصر"؟

وقلت: "إن ما بلغه صحيح، والداعي إليه أن المهدي هو مسؤول اللجنة الدولية المنظمة لـ "مؤتمرشعوب القارات الثلاثية" (آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) - وهذا مؤتمر مهم لحركة التحرير الوطني في العالم الثالث (مقرر له سنة 1966)، وعلى حد علمي فإن المغرب مدعو إلى المؤتمر"·

وسكت الملك لثوان بدا فيها وكأنه يحاول انتقاء كلماته بعناية، وقال:

"المهدي كان شريكاً في مؤامرة انقلاب ضد النظامالملكي في المغرب، وكانت أول خطوة فيه قتلي· زملاؤه في المؤامرة هم البصري يقصد محمد البصري قائد المقاومة المسلحة ضد القوات الفرنسية) واليوسفي (يقصد عبدالرحمن اليوسفي وهو آخر رئيس للوزراء اختاره الملك الحسن قبل وفاته، ولايزال إلى اليوم رئيساً لوزراء المغرب)·

إننا اعتقلنا معظم المتورطين في المؤامرة، وضبطنا السلاح وكان مرسلاً من الجزائر، وقد عرفنا المحرضين وهم من المشرق وبينهم عضو بارز في حزب البعث السوري (سماه الملك بالاسم)· البصري حاول الاتصال ببعض ضباط الحرس، والمهدي قام بتوريد السلاح وكان يوجه حركة التآمر من جنيف"·

وقلت للملك: "إنني أستطيع أن أتكلم في نقطة واحدة وهي لقاءاتي مع المهدي بن بركة، ثم تلك المقابلة له مع الرئيس عبدالناصر وقد حضرتها - وأستطيع أن أقطع أن كل ما دار فيها كان محصوراً في دائرة محددة هي التحضير لمؤتمر القارات الثلاثة (1966)"·

وقاطعني الملك يقول: "إنه هو شخصياً يصدق ما أقول، فهو يعرف مصر ويعرف "فخامة الرئيس" - لكن هناك آخرين ينقولن إليه صورة مختلفة····"·

(···· ونعرف الآن أن "الموساد" كان الأنشط في نقل الصورة - دون أن تكون بالضرورة دقيقة)·

واقترحت على الملك أن يقطع أي شك عنده باليقين ويفتح الموضوع مع الرئيس جمال عبدالناصر·

ورد الملك بأنه "تحدث معي، وهو يعرف أنني سوف أتحدث بدوري فيه مع الرئيس عبدالناصر - وإذا وجد "فخامة الرئيس" أنه يريد أن يفتح الموضوع فلتكن المبادرة منه لا منا وهو ضيف علينا في المغرب····"·

لم تكد تمضي بعد هذا الحديث أسابيع إلا وكان الملك "الحسن" هو المتهم بقتل "المهدي بن بركة"، ولم يكن "المهدي بن بركة" هو المتهم بالتآمر على الملك "الحسن"·

وأول المفاجأة أن الذي قام بتوجيه أصبع الاتهام إلى الملك مباشرة هو رئيس الجمهورية الفرنسية، وقائد فرنسا الحرة الجنرال "شارل ديجول"· وقد وجد "ديجول" أن اختطاف "المهدي بن بركة" من قلب باريس (شارع "سان جيرمان") وأمام واحد من أشهر معالهما (مطعم "ليب") وفي وضح النهار (فترة الغداء)، تم استجوابه وتعذيبه وقتله بعد ذلك بحضور واشتراك وزير الداخلية المغربي "محد أوفقير" - هو عدوان صارخ على هيبة الدولة في فرنسا، وعلى القانون، فضلاً عما فيه مما يتصل بالأخلاق وضوابط الممارسة السياسية في عوالم متحضرة·

ثم إن الأمر إلى "أوفقير" كان مباشراً من الملك· ثم إن الملك كان يتابع التنفيذ في باريس خطوة بعد خطوة· (وكان هناك تأكيد موجود في تسجيلات تليفونية التقطتها المخابرات العسكرية الفرنسية)·

ولقد ثبت من التحقيق أن "المهدي بن بركة" استدرج - أو أرغم - على ركوب سيارة تابعة للبوليس الفرنسي تولى اثنان من الضباط فيها تقييد حركة أسيرهم داخليا، ثم تحركت السيارة ذاهبة إلى بيت في ضواحي باريس، وهناك وجد في انتظاره وزير داخلية المغرب الرهيب وعدداً من أعوانه المغاربة والفرنسيين! وكان بين "بن بركة" و"أوفقير" مواجهة بالكلام انتهت طعناً بحراب من حديد كان "أوفقير" يضعها فوق ألسنة النار في مدفأة تتوسط الغرفة التي جرت فيها المواجهة، وحينما يحمى الحديد ويحمر لونه باللهب المتوهج على أطرافه كان "أوفقير" يبدأ في توجيه طعناته إلى خصمه المقيد بالسلاسل تحت أقدامه·

ثم اختفت جثة المناضل القديم ولم يعثر لها على أثر·

وأكثر من ذلك فإن عميلاً للبوليس - ضالعاً في العملية - اسمه "جورج فيجون" خاف (بعد اتضاح موقف الجنرال "ديجول") وطلب المثول أمام قاضي التحقيق في باريس (القاضي "زولينجر) مبدياً استعداده ليكون شاهد ملك يقول الحق، ولكن "جورج فيجون" قُتل بالرصاص في حمام بيته قبل أن يمثل أمام التحقيق، وتبين أن الرجل سجل سراً شهادته تحوطاً· وكان أن آخرين من المشاركين في عملية "بن بركة" آثروا أن يبدأوا بتسليم أنفسهم لقاضي التحقيق وهناك تدفقت اعترافاتهم بالتفصيل· وكان ذلك ما دعا "ديجول" إلى عقد اجتماع خاص لمجلس الوزراء الفرنسي برئاسته يوم 10 نوفمبر 1965، ليعلن بعده وبنفسه أن فرنسا تعتبر ملك المغرب مسؤولاً مباشرة عن انتهاكات قانون الإنسانية، وقانون فرنسا، وحرمة الأراضي الفرنسية أيضاً - بالتحريض على جريمة قتل على ترابها وبالتواطؤ مع عناصر من الأمن الفرنسي باعت ضميرها وواجبها"!

(ونعرف الآن من ملفات التحقيق الفرنسية في قضية "بن بركة" أن جهاز "الموساد" شارك بدور نشيط في تتبع تحركات "بن بركة" وفي خطة الإيقاع به حتى ألقي القبض عليه···

وقد ظهرت فيما بعد تقارير من إسرائيل اعترفت بدور "الموساد" في مطاردة "بن بركة"، ولكنها أنكرت المشاركة العملية في اغتياله··)·

وفي مقابلة أخرى كان الملك "الحسن" بنفسه هو الذي فتح معي موضوع اغتيال "بن بركة" في الرباط (ديسمبر 1969) - وكان قوله أن "العالم بالغ في أهمية بن بركة، وهو لم يكن خطراً إلى هذه الدرجة التي أسندها الجميع إليه، ولم يكن في أعماله ما يخيف الملك أو يزعجه بحيث يأمر بقتله خلاصاً منه، فقد كان فاشلاً في مؤامراته واحدة بعد الأخرى لأنه لا يُحسن تدبير أي شيء"· وأضاف الملك: "كنت أعرف المهدي·· وأعرفه أكثر من كل هؤلاء الذين يثيرون حتى الآن قضيته"!

وأشرت بأدب إلى موقف "ديجول"، وقال الملك بنفاد صبر:

"ديجول رجل ينتمي إلى عالم آخر ولى زمانه وانقضى·

ثم هو يكرهني شخصياً·

يتصور أنني منحاز لأمريكا·

يعرف أن المغرب له نفوذ في فرنسا لا يستطيع هو كرئيس أن يوقفه أو يحجمه، وذلك يضايقه لأنه يعتبره إهانة لكبريائه·

يقول الناس عن "ديجول" أنه رجل متدين، وأنا أراه رجلاً متعصباً وحتى عنصرياً"·

ثم أضاف الملك:

"المهدي قضية انتهت بخيرها وشرها، وديجول لم يعد هنا بأساليبه العتيقة - وعلى أي حال فليس هذا ما دعوتك اليوم لأحدثك فيه - هناك ما هو أهم"·

كنا في مكتب الملك الخاص في قصره في الرباط، وقد صحبني "مولاي عبدالحفيظ" رئيس التشريفات الملكية إلى "الحضرة الملكية" وطربوشه مكبوس على رأسه وملامحه بالغة الصرامة، وأحسبه لم يكن راضياً عن كثير أكتبه، وقد أبدى لي بتقاطيع وجهه امتعاضة من بعض ما لاحظه من خروجي على تقاليد البلاط الشريفي! (وكان "مولاي عبدالحفيظ" رقيباً متزمتاً على مراسم دخلت إلى البلاط المغربي وأشاعت فيه جواً قريباً من العبودية، ففي هذه المراسم ينحني الكبار بلا استثناء نزولاً لتقبيل يد أمير المؤمنين "المتنعم على عرش آبائه وأجداده"، وفيها أن يتراجع ضيوفه أمامه بظهورهم حتى تظل وجوههم الناطقة بالولاء أمامه إلى حين يخرجون من حضرته!)· وفي ذلك الوقت كان القصر مقراً للقاء مؤتمر القمة العربية (ديسمبر 1969) لبحث مرحلة ساخنة في الحرب مع إسرائيل، وكانت مدافع حرب الاستنزاف تدوي على جبهة السويس، وكان مشروع "روجرز" (وزير الخارجية الأمريكي في إدارة "نيكسون") باقتراح تسوية سلمية للأزمة مجرد صياغات يجري تداولها همساً في أروقة القمة لأن النقاط العامة في مشروع "روجرز" وصلت إلى بعض العواصم العربية قبل انعقاد القمة، وإن لم تكن على هيئة مشروع مكتمل البنود، وكانت هناك مناقشات في الاجتماعات الثنائية حول الصياغات، وكان واضحاً أن مصر لا تقبل بما عرفت عن المشروع وإن لم تعلن بعد رفضها الرسمي له مؤثرة انتظار مداولات القمة·

وأشار الملك إلى أوراق على مكتبه وقال: "أظنك اطلعت على النقاط المهمة في مشروع روجرز، وهو مطروح علينا جميعاً الآن، وقد أحسست من فخامة الرئيس أنه لا يريد مناقشة عامة حوله في المؤتمر ولا يريد حتى مشاورات غير رسمية· وأستطيع أن أفهم بعض أسبابه، فهو لا يريد مناقشة علنية تقيد قدرته على المناورة والحركة في أي اتجاه يشاء بعد أن يقيس الوضع العربي من خلال القمة، وهو أيضاً لا يريد أن يسمع المزايدات الرخيصة التي نسمعها من البعض عادة، وأنت تعرف من أقصد!

ثم لخص الملك:

"فخامة الرئيس لا يريد مناقشة يظهر فيها الميل إلى الرفض لأن هذا يأخذ الأمر من يده، ولا يريد مناقشة يظهر فيها الميل إلى القبول لأن هذا يضعف موقفه·

كل ذلك أفهمه، ولكن ماذا بعد"؟

ثم قطب ملامحه وهو يقول: "لابد من حل، والتفكير في حل عسكري استحالة مطلقة· إسرائيل أقوى منا، ثم أن الأمريكان وراءها دون قيد أو شرط"·

ثم أضاف الملك: "ولقد حضرت بنفسك بعض الجلسات ورأيت من هم سعداء بورطتكم في حرب 1967، ولا أظنكم تستطيعون الاعتماد على مساعداتهم"؟

وسكت الملك مرة أخرى حاول انتقاء كلماته، ثم استطرد على مهل إلى ما ملخصه:

"إنكم لا تحسنون استخدام ما لديكم من أرصدة في صراع يهم المسلمين والعرب جميعاً، وأنا لا أريد أن أعرض عليكم شيئاً ولكن أريد أن تدرسوا·

أنتم لم تدرسوا المغرب· لم تعرفوا شيئاً عن يهود المغرب· لم تتابعوا بالقدر الكافي مواقع التأثير في إسرائيل·

هل تعرف أن لي حزباً سياسياً يكاد يكون أكبر الأحزاب هناك؟ - يهود المغرب عمود أساسي في بناء سياسي في إسرائيل· ويهود المغرب جميعاً يعتبرونني ملكهم الشرعي لأن تجربتهم في المغرب اختلفت عنها في أي بلد عربي بسبب ظروف معينة·

ساسة إسرائيل كلهم يحسبون حساباً لحركتنا في قلب المجتمع الإسرائيلي، ومن الغريب أن ساسة العرب لا يعرفون"·

وانتظر الملك وقد أحس أنه أبلغ رسالته بأشد ما يكون كثافة ونفاذاً، ثم عاد يسأل بما مؤداه أن "ما ذكره الآن زاوية قد تكون من أهم الزوايا في تكييف المرحلة القادمة من الصراع العربي الإسرائيلي لأن السلاح لن يحقق هدفاً" (أضاف الملك: "سلاح سنة 1967" تحول في أيام إلى "مخلفات ورشة حدادة!")·

واستطرد الملك يسألني "إذا كان ما سمعته منه يفتح مجالاً لحركة سياسية من نوع أكثر جسارة وخيالاً من كل ما حدث حتى الآن - وما إذا كان "فخامة الرئيس" مستعداً لسماع ما عنده"؟

(ونعرف الآن أن "الموساد" كان هناك··)·

في عهود أخرى، ومن منطق مختلف، كان الرئيس "أنور السادات" مستعداً لمساع الملك "الحسن" وباهتمام· وقد أعطى الرئيس "السادات" للملك ضوءاً أخضر بعد قرار وقف إطلاق النار في أكتوبر 1973، وبادر الملك بإجراء اتصالات مع جهات ما لم تكن معروفة في القاهرة (وربما كانت معروفة للرئيس "السادات" وحده، ولو أني أشك في أن الرئيس "السادات" اطلع في ذلك الوقت على تفاصيل محددة) - لكن اتصالات الملك كانت هي السبب الذي دعا وزير الخارجية الأمريكي "هنري كيسنجر" إلى التوقف في المغرب ومقابلة الملك "الحسن" - قبل أن يصل إلى القاهرة في أول زيارة له إلى العاصمة المصرية·

وفيما بعد، وفي لقاء في فندق "كريون" في باريس (بداية خريف 1974) قال لي الملك أن "هنري كيسنجر" توقف في المغرب لمقابلته لأسباب لا علاقة لها بأي اتصالات محددة في ذلك الوقت، وإنما كان سبب توقفه أنه - كما قال للملك - يريد منه أن يعطيه مفاتيح للتعامل مع شخصيات عربية كان على وشك أن يقابلها لأول مرة في حياته· وكان هناك بالتحديد ثلاثة رجال أراد "هنري كيسنجر" أن يعرف عنهم أكثر من الملك "الحسن" وهم: "أنور السادات"، و"فيصل آل سعود" و"حافظ الأسد" - حتى يتعامل معهم أفضل!

وفي ذلك اللقاء مع الملك في فندق "كريون"، وبينما الملك يتحدث عن ساسة المشرق ورد في حديثنا ذكر "جمال عبدالناصر"، وقال الملك أنه أحس بأسى حقيقي عندما بلغه نبأ رحيل "جمال عبدالناصر"، وكان يتمنى لو عاش الرجل ليرى يوم عبور جيشه الذي أعاد بناءه - إلى سيناء!

لكن المستغرب بالتناقض مع ذلك أن الجنرال "موشى ديان" في مذكراته نقل عن الملك قوله له "إن جمال عبدالناصر لم يكن صادقاً معه··· ولم يكن صادقاً مع غيره، وإنما كان مخادعاً مع أعدائه ومخادعاً مع أصدقائه على السواء"·

وأظنني لا أستطيع أن أكذب "ديان" في روايته، كما لا أستطيع في نفس الوقت أن أصدقه، ولعل الحقيقة في موقع ما بين دقة ما فهمه "ديان" من الملك وما قصده الملك فعلاً· ومع ذلك فقد أضيف أنني أثناء ذلك اللقاء في فندق "كريون" سمعت من الملك - بعد أبداء أساه على رحيل "جمال عبدالناصر" - ما ملخصه: "إن رحيل جمال عبدالناصر بصرف النظر عن أية مشاعر إنسانية كان لحظة فارقة في العلاقات العربية ــ العربية خصوصاً علاقات المشرق بالمغرب"·

وزاد الملك قوله تفصيلاً فأضاف أنه "في مراحل سابقة - في حياة جمال عبدالناصر - كان المغرب يستمع من بعيد إلى طبول المشرق، فإذا سمعها راح يرقص على دقاتها بغير مساءلة أو انتظار"· وعقب الملك: "كان المغرب باستمرار يرقص على طبول المشرق"· وأعجبته الصورة فيما يبدو، وألحق بها قوله وهو يبتسم ابتسامة حلوة كانت تتبدى على شفتيه بمرح حقيقي بعض اللحظات:  "كان يرقص عشرة بلدي!" - وحسبت هذا الملحق من عبارة الملك لمسة من تأثيرات صداقاته الكثيرة مع فنانين وفنانات من عرب المشرق، وكان دائماً كريماً معهم وحفياً بهم في سهرات قصوره خصوصاً قصر الصخيرات الذي كان يعتبره مقر احتفالاته الخاصة·

وفي تلك المرحلة التالية على حرب أكتوبر - وفي وسط خريف سنة 1974 - قام الملك بواحد من أهم الأدوار التي قام بها ولم تظهر أهمية هذا الدور إلا بعد سنين طويلة·

في حينه بدا ذلك الدور لغزاً غير مفهوم - لكننا الآن ندرك أن الملك كان يتحرك وفق مخطط مرسوم·

في ذلك الوقت، وفي التمهيد لمؤتمر عربي على مستوى القمة في الرباط (أكتوبر 1974) - صرح الملك "الحسن" مشروع قرار أصبح شهيراً فيما بعد، وهو "اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني"·

ومن الأسباب التي كانت تجعل من هذا القرار لغزاً غير مفهوم في حينه - أنني سمعت معارضة لمشروع هذا القرار من الرئيس "السادات" ومن "هنري كيسنجر" ومن الملك "حسن"، وهم أهم الأطراف الذين كان يتحتم أن يكون الملك "الحسن" قد نسق معهم فيما اعتزم طرحه على القمة العربية·

ولكي لا يكون ما أرويه الآن عن الملك رواية جديدة في غيابه فقد أسمح لنفسي أن أنقل بعض ما كتبته عنها في حياة الملك في كتاب "سلام الأوهام" (1996) - وكان نصه كما يلي:

"وفي جلسة مؤتمر القمة التي خُصصت لمناقشة مشروع القرار تحدث الملك "حسين" ملك الأردن - طبقاً لمحضر الجلسة - فقال:

"إن الأردن آخر من يعترض علي حق الفلسطينيين في أن يتحدثوا عن أنفسهم، وإنما هناك قضية أمانة تاريخية، ومسؤولية حقائق مستقبلية·

بالنسبة للأمانة فإن هذه الأراضي الفلسطينية (الضفة والقدس) كانت عند المملكة الأردنية عندما احتلتها إسرائيل· ويشعر الأردن بواجب أن يتحمل أمانة استعادتها·

إن تحمل المملكة الأردنية بهذه الأمانة ليس ميزة تسعى للحصول عليها، ولكنها عبء هي على استعداد لمسؤوليته·

وبعد أن تعود الأمور إلى نصابها، وإذا كان ذلك رأي الإخوة من الملوك والرؤساء العرب، ورأي الفلسطينيين - فإن المملكة على استعداد للتخلي عن هذه الأراضي بحيث يكون الانتقال من يد عربية إلى يد عربية· المهم هو استخلاص الأراضي من اليد الإسرائيلية"·

واستطرد الملك "حسين" معززاً رأيه بحجج القانون:

"إن الأردن أكثر من غيره قدرة على استعادة الأراضي الفلسطينية، هو الطرف المعني بقرار مجلس الأمن 242 الذي لا يجيز الاستيلاء على الأراضي بالقوة·

ثم إن الأردن هو الدولة التي تملك شرعية التفاوض بحكم ما كان، مضافاً إلى ذلك أن علاقات الأردن وصداقاته تسمح له باتصلات لا تتوافر للمنظظمة· وهذه الشرعية في التفاوض مع علاقات الأردن وصداقاته، مازالت تمثل قيداً ولو معنوياً على إسرائيل تتمنى أن تتحلل منه لكي تجري على الأرض المحتلة ما تشاء من تغييرات· ومع أنها الآن فعلاً تقوم بصنع حقائق جديدة على الأرض، فإنها تفعل ذلك بخطى لاتزال وئيدة· ولكنه يخشى أنه إذا أصبحت المسؤولية في هذه الأرض الفلسطينية لمنظمة التحرير التي لا ينطبق عليها قرار مجلس الأمن242 ولا تنطبق عليها اتفاقية جنيف الرابعة (التي تمنع أي دولة محتلة من إجراء تغييرات كبيرة في أية أراضي تحتلها) -ـ أن إسرائيل سوف تعطي نفسها يداً طليقة دون قيود"·

وبدا كلام الملك "حسين"معقولاً، وقد أضيف منطقه إلى موقف المتحفظين أصلاً على مشروع القرار لأسبابهم، وبينهم مصر وسوريا والسعودية، ومال اتجاه القمة بوضوح إلى رأي الملك "حسين"· وفجأة تدخل الملك "الحسن" ملك المغرب في المناقشة وبطريقة غير متوقعة، فقد قال: "إنه يرى اتجاهاً في القمة إلى تأجيل النظر في مشروع القرار الذي يعتبر منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وهو لا يستطيع قبول التأجيل، وإنما يرى أن الواجب القومي يفرض أن يتحمل الشعب الفلسطيني مسؤوليته ويكون المعبرون عنه هم قادته··"·

وحاول الملك "حسين" أن يتدخل قائلاً للملك "الحسن": "يا ابن العم··"·

ولكن الملك "الحسن" لم يترك له أو لغيره فرصة، وإنما قال: "إنه إذا كانت القمة ترى تأجيل النظر في مشروع القرار، فإنه هو شخصياً سوف يترك قاعة المؤتمر ويخرج"· وساد الذهول بين الملوكو والرؤساء، فالرجل الذي يهدد بالانسحاب والخروج هو مضيف المؤتمر، وكلهم ضيوفه وفي قصره· واستطرد الملك "الحسن" قائلاً بنبرة أسى: "إنه حزين لهذا الموقف لكنه يرجوهم أن يعتبروا البلد بلدهم والقصر قصرهم··· هم أصحابه وهو الضيف عليهم، ولذلك فهو يستأذن منهم"· وتعالت نداءات الملوكو والرؤساء العرب تطلب من الملك "الحسن" أن يبقى في الجلسة·

وكان الملك "حسين" بين الذين ناشدوا الملك "الحسن"، وكان قوله "أنه قال ما عنده، وإذا شاءات القمة العربية أن تعفيه من مسؤوليته فهو على المستوى الإنساني يقبل ما يراه الأشقاء"!

وجرت الموافقة على مشروع القرار مختلطة مع النداءات إلى الملك "الحسن" أن يبقى في الجلسة"·

(ومرة أخرى نعرف الأن أن عيون "الموساد" كانت ترى، وآذان "الموساد" كانت تسمع، ومن القاعة مباشرة)·

وفيما بعد روى لي الملك "حسين": "أنه اعتبر في البداية أن قرار الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ضربة موجه له - لكنه ما لبث أن اقتنع بوجهة نظر الملك "الحسن" الذي شرح له أن "إسرائيل لن تتنازل عن شيء له قيمة في الضفة الغربية، وسوف تلام أنت على أي تنازل، وحتى إذا أكرمك الإسرائيليون وأعطوك كل شيء فسوف يظل هناك من يلومك لأنك لم تأت بما هو أكثر، وأنك قصرت بل وخنت"·

وكان الملك "الحسن" قد اقنع الرئيس "السادات" بمشروع قراره بقوله (طبقاً لرواية الرئيس "السادات" في لقاء معه بعد عودته من الرباط - في بيته بالجيزة في الأسبوع الأول من نوفمبر 1974): "لماذا تريد أن تعطل نفسك وتؤخر حركتك· إنك قمت باتفاق أول لفك الارتباط على الجبهة المصرية· وإذا كنت تريد أن تغطي نفسك باتفاق على تحرك ما في الضفة الغربية، فلابد أن تعرف أن إسرائيل لن تتحرك بهذه البساطة من الضفة، ولذلك فمن الأفضل لك أن تغطي نفسك بنقل المسؤولية إلى منظمة التحرير وهو - على أي حال - قرار سوف يصفق له كل "المهاويس" عندكم ويعتبرونه انتصاراً· دعهم وما يتصورون وتحرك أنت"!

وكان تعليق الرئيس "السادات" ومخلصاً فيما أحسسته: "إن الملك الحسن "ناب أزرق" لديه حس سياسي معتق"!

ولم يكن الملك "الحسن" في حاجة إلى إقناع الفلسطينيين، فقد اعتبروا القرار نوعاً من عودة حقهم الطبيعي إليهم· كذلك لم يكن في حاجة إلى إقناع الإسرائيليين (طبعاً!)، فقد كانوا من اللحظة الأولى يريدون الخلاص من أي حرج مع الملك "حسين" لأنه وحده الذي يستطيع أن يطالبهم -ـ أخلاقياً وقانونياً -ـ بالعودة إلى خطوط ما قبل يونيو 1967 بنص قرار مجلس الأمن الذي صدر في وقت لم تكن فيه منظمة التحرير الفلسطينية طرفاً موجوداً على الساحة السياسية، وبالتالي فليس لها الحق - القانوني على الأقل - في الادعاء بشيء طبقاً للقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن قبل أن توجد منظمة التحرير الفلسطينية أو يسمع عنها أحد·

(كان الملك "الحسن" - بالتاوزي مع ذلك - قد أخذ رئاسة ومسؤولية لجنة الحفاظ على القدس إسلامية وعربية، وقد أخذها بقرار على مستوى القمة عهد إليه بأمانة أن يحافظ على عروبتها ويصون مقدساتها··· ونعرف الآن أن اللجنة العليا للحفاظ على القدس إسلامية وعربية ظلت وساماً على صدر صاحبه لا يشير إلى معركة أو إلى نصر· ونعرف أيضاً أن "الموساد" كان بعيونه وآذانه ضمن شهود القمة التي أولكت إلى الملك عهدة القدس)·

وكانت آخر مرة التقيت فيها بالمك "الحسن" هي ذلك اللقاء الذي استوجب المساجلة بيننا، أو بين "ذاكرة ملك" و"ذاكرة صحفي"·

لكني ظللت متابعاً مهتماً بحركته، وكانت الأحوال السياسية المستجدة في العالم العربي قد سمحت لحركته أن تكون جريئة، معلومة بعد أن كانت مكتومة·

وكان الملك "الحسن" هو الذي نقل إلى الرئيس "السادات" سنة 1976 أول رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين"، وقد حملها إليه الجنرال "أحمد الدليمي"، وقد نشرت نصها وتفاصيلها في كتاب "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل"·

ثم كان "الملك "الحسن" - برغم أحزانه لوفاة قربية منه حميمة - هي الأميرة "نزهة" - أوائل سبتمبر 1977 هو الذي رتب وشارك في أول اجتماع سري بين السيد "حسين التهامي" مبعوثاً للرئيس "السادات" وبين الجنرال "موشى ديان" وزير خارجية إسرائيل - مبعوثا لرئيس الوزراء "مناحم بيجين"·

والغريب بعد ذلك أن الملك "الحسن" اختار أن يقف مع معارضي الرئيس "السادات" عندما وقع على اتفاق "كامب دافيد" وحجته يومئذ دون إعلان "أن الرئيس السادات لم يخطره مسبقا بنيته في الذهاب إلى القدس وكان مفروضا عليه أن يفعل ذلك"!

ومع ذلك فقد كان الملك "الحسن"بعد ذلك أنشط الدعاة إلى عودة مصر إلى العالم الإسلامي، وإلى العالم  العربي بعد قطيعة "كامب دافيد" ثم كان الملك هو الأكثر حماسة لمؤتمر مدريد الذي شارك فيه كل العرب تقريبا وأريد تحويله إلى مهرجان للسلام وكان الملك أول الذين كرروا القول بأن مؤتمر مدريد هو رحلة عودة إلى الأندلس لقاء متجددا بين العرب والمسلمين وبيه اليهود - ومصالحة تاريخية عامة وشاملة بين الأديان السماوية والمؤمنين بها!!

ثم كان الملك "الحسن" - أخيرا - هو الداعي والراعي لأول مؤتمر اقتصادي بين العرب وإسرائيل سنة 1992 في الدار البيضاء، وكان هذا المؤتمر أول محاولة جريئة في تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل ولعل تقدير الملك كان ما سمعته منه قبل ذلك عدة مرات من أنه "لا مفر من زواج بين الثروة العربية والعبقرية اليهودية وتكنولوجيا العلم والإدارة الأمريكية"·

 

باريس بين أبريل ومايو 1999

"1"

عندما وصلت إلى باريس في الأسبوع الأخير من شهر أبريل الأخير "1999" لم يكن المغرب أو ملكه على جدول عملي في العاصمة الفرنسية وإنما كان اهتمامي موجها إلى ما يجري في البلقان - لكنه سواد الليل فقط وطلع الصبح وإذا "أحوال" الملك "الحسن" تطرح نفسها على!

كان ضيفي على الإفطار صباح ذلك اليوم "أول يوم كامل لي في باريس هذه الزيارة" أستاذا في العلوم السياسية من أصفى عقول جامعات "السوربون" ومن أكثر الخبراء اطلاعا على توجهات السياسة الفرنسية وحين بدأت معه حديث السياسة الفرنسية في "كوسوفو" - كان تعليقه أن مستقبل المغرب أولى "باهتمامنا" الآن من ماضي يوجوسلافيا!

ثم مال ضيفي علي ونحن جلوس في ركن من قاعة الطعام الرئيسية في فندق "الريتز" يقول همسا "الحسن يموت" وسوف تجد أن فرنسا الرسمية من الإليزيه "الرئاسة" إلى الكاي دورسيه "الخارجية" - مشغولة باحتمالات ما بعد الحسن - هذا أمر يهمهم تقليديا أكثر من غيره ففي البلقان يعرفون أن الولايات المتحدة هي السباقة، وأما في المغرب فهم لا يريدون أن يسبقهم أحد"!

وتحفظت إزاء ما سمعت منتظر أن أجد تأكيد له·

على الغداء - نفس اليوم - في نادي "أنتر أليانس" في "فوبورسانت أونوريه" الذي يقع فيه قصر "الإليزيه" - كان مضيفي مسؤولا فرنسيا مطلعا ونافذا وخطر لي قبل البلقان أن أسأله عن المغرب وجاءني على الغداء تأكيدا ما سمعته على الإفطار·

وسألني مضيفي "متى كانت آخر مرة قابلت فيها الحسن"؟

وأجبت بأنها من زمن طويل!

وقال مضيفي وهو على عادة الفرنسيين يزفر بضيق كلما قارب موضوعا مزعجا:

"الملك مريض·· سرطان في الرئة، والحالة ميؤوس منها رغم أنها طبقا للأطباء الأمريكيين الذي رأوا الملك أخيرا مستقرة على نحو ما لكن تقدير الأطباء الفرنسيين أنها يمكن أن تسوء في أي لحظة، "الحسن" لم يعد قط إلى حالته الطبيعية منذ خيانة أو فقير له·

أوفقير كان رجله وموضع سره والمؤتمن على حياته ـ لكنه تآمر على سيده مرتين مرة حاول قتله في انقلاب الجنرال محمد مذبوح سنة 1971 ومرة ثانية حاول قتله بإسقاط طائرته العائدة به إلى المغرب "1972" وإحراقه وسط حطامها·

الملك حضر بنفسه إعدام أوفقير والمشهد هده وأثر عليه، وبعدها لم يعد يثق في أحد، حاول أن يثق في أحمد الدليمي نائب أوفقير وكان هو الذي تولى عملية التحقيق مع رئيسه وتنفيذ إعدامه في ظرف ساعة واحدة، ورغم فشل محاولات "أوفقير" ورغم نهايته الدامية فإن الملك لم يستطع أن ينسى واتسع شكه غالبا حتى شمل الدليمي الذي لقي بعد ذلك مصرعه في حادث سيارة غامض"!

وبان على ملامحي فيما يظهر ما دعا محدثي إلى سؤالي عما إذا كانت لدي ملاحظة على شيء سمعته منه؟ ولم يكن لدي شيء لكني تذكرت واقعة كانت بالنسبة لي كاشفة·

في يوم من أيام شهر مارس سنة 1985 كنت في قصر "خوان كارلوس" ملك أسبنانيا "قصر زرزويلا" في ضواحي مدريد" جالسا معه في مكتبه ودق جرس التليفون وكان معنى ذلك أن مكالمة مهمة كانت للملك فليس من العادة أن يدق جرس تليفونه وأمامه أحد الزوار وعرضت على الملك أن أخرج ولكنه أشار بيده بما يعنى أن أبقى وبدأ حديثه مع طالبه على الناحية الأخرى وفهمت من مجرى الحديث أنه الملك "الحسن" ونهضت من مقعدي ومشيت عدة خطوات إلى رفوف الكتب المحيطة بجدران مكتب الملك مزيجا يضيف إلى الكتب تحفا رمزية بينها نماذج ذهبية وفضية للسفينة "سانتا ماريا" التي ركبها "كريستوفر كولومبس" في رحلته لاكتشاف أمريكا·

ومضت دقائق والحديث بين ملك أسبانيا وملك المغرب متصل وأنا أجول بعيني على عناوين الكتب وتفاصيل نماذج السفن من الذهب والفضة·

ثم وضع الملك "خوان كارلوس" سماعة تليفونه وعدت إلى مقعدي أمامه وكانت الحيرة بادية عليه وهز رأسه مبديا عجبه وقال لي "حسن يعاتبني لأنني أرسلت إليه برقية عزاء في وفاة قائد جيشه "الدليمي" في حادث سيارة ويقول لي أنه كان يجب أن أكون أذكى من ذلك"!

ولم أقل شيئا في التعقيب على ما سمعت ولكني أدركت وقتها أن حادثة السيارة التي أودت بحياة "الدليمي" لم تكن فعل القضاء والقدر·

وكان مضيفي الفرنسي - على الغداء 28 أبريل 1999 - يواصل حديثه - مستطردا من حيث قاطعني بسؤال لم أجب عليه·

الملك فقد ثقته بكل الناس أوفقير أولا ثم الدليمي·

ثم كل من تتصور حتى أقرب الناس إليه هو نفسه قال للرئيس ميتران "لقد كنت أغمض عيني عارفا أن عيني أوفقير مفتوحتان وكنت أنام الليل مطمئنا إلى أنه سهران·

ثم تآمر أو فقير عليّ ثلاث مرات على الأقل وكاد يقتلني لولا أن حماني الله"·

ثم أضاف الملك قائلا لـ "ميتران" لم أعد أثق في أحد"·

ويستطرد محدثي في نادي "أنتر أليانس" "إن الأرق أصبح رفيق الملك الدائم كل ليلة وقد حاول التغلب على الأرق بكل المهدئات شرابا أو أقراصا ومع سهر الليالي أصبح التدخين متواصلا سيجارة من سيجارة رغم الحاح الأطباء عليه أن يطرد الأرق بوسائل أخرى وأن يكف عن حرق رئتيه بالتدخين"!

ثم واصل محدثي كلامه:

"الحسن الآن في حالة إحباط ليس بسبب صحته فقط ولكن لاعتقاده أن أهم مشروعاته لم يتحقق وهو مشروع المغرب العربي الكبير والذي تصور أن تكون له قيادته بعد اختفاء الرئيس الجزائري بومدين من الساحة·

وقد فاجأته أحداث الجزائر وأخافته من انتشار "الحمى الإسلامية" إلى بلاده ومع أنه كان يعتبر دائما أن المغرب محصن ضد هذه الحمى باعتباره "أمير المؤمنين" الذي لا يزايد عليه أحد باسم الدين ـ فإن التطورات أقلقته ومع ذلك فقد حسبها فرصة انشغال جزائري يتيح له انتزاع حل لقضية الصحراء لكن الجيش الجزائري كان أصعب في التعامل مع هذه القضية بأكثر من "بومدين"·

وواصل محدثي كلامه:

الملك أيضا كان يظن أن دوره في تحريك عملية السلام بين العرب وإسرائيل سوف يعطيه وضعا دائما في إدارة هذه العملية إزاء الأمريكان وبين العرب، لكنه وجد الأطراف يتحركون مباشرة دون انتظاره وعندما يلتقي البعض منهم به فإنه يسمع منهم باعتبار المجاملة أكثر مما يسمع بحق المشاركة·

وفي النهاية فإن الملك لم يعد يهتم بشيء ولقد وجد الرئيس شيراك في لقاء أخير شبه يائس من عملية السلام وحين حاول أن يثير اهتمامه بها من جديد أدهشه أن الملك كان يرى أن الأمور سوف تراوح مكانها دون تقدم ودون تغيير وكان تعليقه بالفرنسية·

Plus ca change Plus cest la meme chose

لا شيء سوف يتغير وكله باق على حاله"!

واندهش الرئيس شيراك لكنه على نحو ما كان يحس ويرى أن تغييرا كبيرا قد طرأ على أحوال الملك الحسن"·

طوال الأيام الخمسة الأولى من مايو 1999 أصبحت شؤون المغرب وأمراض ملكه - شاغلي في باريس وقابلت وسمعت كثيرين من الخبراء الدارسين لأمور المغرب ومن أصدقاء الملك ومن الذين يعرفون داخائل السياسات الغربية "الفرنسية والأمريكية" بالذات ويتابعون باهتمام شؤون وشجون الشاطىء الآخر من البحر ثم أصدقاء من المغاربة تجذرت تجاربهم في وطنهم وتواصلت متابعتهم لأحواله من قريب·

وفي هذا الجزء من هذا الحديث فأنا لا أنسب قولا لقائل وإنما أعرض صورا عامة وخلاصات لأحاديث ممتدة بعضها في مكاتب رسمية وبعضها في فنادق شهيرة كما أن بعضها جرى أثناء المشي ـ ساعات - في حدائق "التويلري" وهي قريبة من فندق "ريتز" وكان البعض يفضلونها مكانا لحديث حر في الهواء الطلق اتقاء لأبواب عليها عيون وجدران لها آذان!

وفيما ظهر أمامي فإن الولايات المتحدة هي  التي بدأت تتحقق قبل غيرها من أن صحة الملك "الحسن" تتدهور بسرعة وقد ارتأى الأمريكيون أن أيقاع الحوادث يقتضي متابعة نشيطة وربما أن الفرنسيين أحسوا بما أحس به الأمريكيون لكنهم "الفرنسيين" قدروا أن أي حركة غير عادية يمكن أن تثير شكوك الملك بغير داع في أجواء أصبح فيها الملك زائد العصبية وقابلا لأن يستثار بكلمة أو إشارة·

____________________

للمتابعة من خلال هذا الرابط

طباعة  

تجربة ملك في الشباب وما بعده(يتبع)