رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 20-26شوال 1410هـ - 26يناير-1فبراير2000
العدد 1412

تجربة ملك في الشباب وما بعده(يتبع)

ومهما يكن فإن واشنطن سبقت إلى أجواء البلاط الشريف الملكي في الرباط وراحت تراقب عن قرب وتبحث عن مدخل يتيح لها أن "تساعد" في التهيئة لانتقال هادىء إذا حانت اللحظة المتوقعة·

وكان داعي القلق وجود ضغوط على المغرب - فضلا  عن القلق مما يجري على جواره في الجزائر مثلا - وهي ضغوط ترجع إلى أسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية تكاد تختنق بها مدن المغرب المكتظة بكتل الناس إلى جانب تفاوتات طبقية بلغت مداها بين الفقراء والأغنياء إلى جانب تأخر مخيف في التنمية وفي التحضير لأزمنة مختلفة مضافا إلى ذلك كله ظهور حركة ثقافية صاعدة في المغرب تشعر أنها صاحبة محجوبة وشبه مصادرة!

وكل تلك ظروف وملابسات قد تنفلت في لحظة دون أن يتحسب لها أحد

وكانت طبائع الأمور تقتضي أن تكون التفاته الاهتمام الأولى موجهة نحو ولي العهد الأمير "محمد" فذلك هو التوالي الطبيعي في انتقال السلطة·

وكان معروفا من قبل أن علاقة الملك بولي عهده ليست سلسة "وهذا أخف وصف يمكن استعماله" فالملك بتجربته يعرف أن ولي العهد يستطع أن يتحرك بعيدا عن والده إذا وجد الفرصة "كذلك فعل الحسن الثاني مع محمد الخامس " ثم أن الملك "الحسن" أب متسلط يريد أن يصوغ ابنه وفق ما يريد ناسيا أن الأوقات متباعدة وكان أن أحس ولي العهد أنه معزول عما يجري حوله لأن الملك حجم دوره ودور شقيقه الأمير "رشيد" بحيث لا يتجاوز الظهور في المراسم الاحتفالية·

ورغم أن بعض أفراد الأسرة حاولوا بعد لف ودوران مفاتحته في الأمر كي يعهد لابنه ببعض المهام تدربه على مسؤولياته إلا أن الملك فيما يبدو "تشاءم" مما سمع وكأن قائليه يحصون عليه أيامه وأنفاسه·

ثم وصل بعض أفراد الأسرة بعد ذلك إلى حد أنهم وسطوا الرئيس "شيراك" لاقناع الملك أن يعطي الفرصة لولي عهده وتحت إشرافه وتوجيهه - لكن أحدا لم يعرف ما إذا كان الرئيس "شيراك" استجاب وفعل ولم ينجح او انه استمع لما قيل له بزدب ثم تحرج في التدخل بين الأب وابنه،

ثم حدث نقاش حاد بين الملك وولي عهده لأن الملك بلغه أو ولي عهده قابل واحدا أو اثنين من مثقفي المغرب في بيت صديق له في "سلا" وهي المدينة التوأم على الجانب الآخر من النهر أمام الرباض واستشاط الملك غضبا·

ثم جرت بعد ذلك واقعة "تأكدت لديّ من مصدرين كليهما عارف ومطلع على الدخائل" ومؤدى الواقعة أن مشهدا دراميا مؤثرا إلى الذروة جرى بين الملك وولي عهده ولسبب لم يظهر داعيه أمام شهوده الذين رأوا الملك يحتد على الأمير "محمد" بطريقة أحرجت وأزعجت هؤلاء الشهود·

لقد رأوا الملك يفقد أعصابه مع ولي عهده ثم وجدوا ولى العهد يواجه والده وهو يحبس الدموع في عينيه بصعوبة ويقول  له ما يكاد منطوقه أن يكون:

سيدي أنت أبي ومولاي وملكي ومن حقك أن تقول وتفعل معي ما تشاء لكني أتوسل إليك أن تتذكر أنني ولي عهدك في نفس الوقت فإذا أردت فليكن ما تريد بيني وبينك دون شهود وإلا فإن المسألة تتجاوزني إلى مهابة الأسرة ومهابة العرش"·

ويظهر أن الملك فوجىء بهذه العبارات يوجهها إليه إبنه وولي عهده ولثوان تأخر رد فعله وكان ولي العهد قد استأذن بإشارة وانصرف·

وعلى نحو ما فإن الأمير "محمد" أمسك لسانه بعدها ولم يعد يتكلم مع أحد وتعلم كيف يكبت أحاسيسه ومشاعره ويمسك ملامحه جامدة كأنها قناع مصبوب على وجهه·

وهكذا كان التقدير الأمريكي الابتدائي أن ولي العهد "مولاي محمد" ليس هو المدخل إلى محاولة ترتيب أمور الخلافة في المغرب - على الأقل ليس الآن!

وقد لاحظ بعض المكلفين بالأمر من الأمريكيين سكوت الأمير "محمد" وغامر واحد منهم وسأل نظيرا له على الجانب الفرنسي عما إذا كان هناك شيء له قيمة وراء صمت ولي العهد أو أن هذا الصمت هو الظاهر والباطن من أمره"؟

وكان رد المسؤول الفرنسي أن وراء الصمت شيئا يستحق الاهتمام وأن هذا الصمت الذي يغطي ملامح ولي العهد وآراءه مجرد حاجز احتمى به ولي العهد في مواجهة ظروف آلمته وقرر أن يكبتها·

وفي ذلك الوقت بدأ "الحسن الثاني" تجربة سياسية جديدة وسواء جاءت التجربة بنصيحة من أصدقائه - أو باجتهاد من عنده - فإن "الحسن" أعلن فجأة قبل سنتين أنه سوف يعتمد نظاما جديدا في تنظيم تداول السلطة وبمقتضى هذا النظام فإنه سوف يعين زعيم أكبر أحزاب المعارضة رئيسا للوزراء· ووقع تكليف الملك على السيد "عبد الرحمن اليوسفي" وهو سياسي محترم ينتمي إلى أسرة تقليدية لكن توجهاته الثقافية قادته مبكرا إلى صفوف اليسار وكان طوال نشاطه السياسي "رغم اتهامه سابقا بمحاولة لاغتيال الملك بالتعاون مع "المهدي بن بركة" ملتزما في العمل السياسي بقواعد لم يخرج عنها وقد أكسبته احتراما واسعا·

وحين أبدى الملك "الحسن" لـ "عبد الرحمن اليوسفي" إشارة بأن يستعد لتأليف الوزارة تمهيدا لمحاولة ديمقراطية جادة فإن "عبد الرحمن اليوسفي" كان أول من يدرك أن القصر يصعب أن يكون مصدر الديمقراطية وإنما مصدر الديمقراطية هو الشعب ومع ذلك فقد بدا له أن للواقع أحكامه حتى وإن بدت عكس ما يقول به الفكر والفقه السياسي السليم·

واستشار "اليوسفي" أصدقاء له وزملاء وسمع الرأي ونقيضه·

وقيل له بين ما قيل:

1 - لقد آن الأوان لك حتى تخوض البحر وتعيش تجربة الحكم·

وفي الوقت نفسه فقد سمع من يقول له: أن تخوض البحر وليس لديك ضمانات - مخاطرة شديدة·· وتذكر أنك لست طارق بن زياد وراءك بحر وليس أمامك أندلس"·

2 ـ انك تستطيع أن تفعل في السلطة شيئا لجماهير سمعتك تتحدث عن آمالك ولم تشهدك تحقق شيئا من هذه الآمال"·

وفي الوقت نفسه فقد سمع من يقول له إنك لن تستطيع تنفيذ شيء لا يوافق عليه الملك - والملك لن يوافق إلا على قليل لا يرضيك ولا يرضي الناس"·

3 - إنك تعرف أحوال الملك الحسن وتستطيع إذا كنت في السلطة أن تساعد في انتقال سلمي مأمون وإلا فإن العواقب قد تكون وخيمة"·

وكانت هذه الحجة الأخيرة هي القول الفصل الذي أقنع "اليوسفي" بقبول رئاسة الوزراء ومعها القبول بواقع أن القصر الملكي قد يكون مصدر الديمقراطية هذه الأيام"·

وعلى أي حال فإن رئاسة "اليوسفي" للوزارة أضافت توازنا معقولا إلى أوضاع مقلقة!

والشاهد أن "اليوسفي" من موقع رئاسة الوزارة أعطى للتيارات السياسية المدنية في المغرب دورا في توجيه الأمور ينفع إذا ما استجدت طوارىء·

وكانت هناك ثلاثة مراكز حساسة للسلطة غير الوزارة:

المركز الأهم هو وزارة الداخلية وفيها السيد "إدريس البصري" ولأن الملك "الحسن" في زمان ما بعد "أوفقير" و"الدليمي" لم يعد يثق بالجيش فإن سلطات كثيرة - سيادية وأمنية - انتقلت إلى وزارة الداخلية·

وكان "إدريس البصري" رجلا عاش تجربة حافلة وأنشأ صداقات وعلاقات متشعبة وبكل السلطات التي تركها له الملك ومع تجربته وعلاقاته - فإن وزارة الداخلية في المغرب أصبحت أهم أركان الدولة·

وكان ذلك داعيا إلى قلق عناصر كثيرة لكنه في الظروف الموضوعية الراهنة وفي الاحتمالات العملية الواردة - فإن وزارة الداخلية أصبحت مركزا بالغ الأهمية في ساحة وعرة وخطرة!

وكانت القوات الملكلية المسلحة هي المركز الحساس الثاني للسلطة - لكن ذلك المركز كان ولا يزال يشعر - برغم كل ما قام به من تأمين الثقة فيه لم تعد إلى ما كانت عليه قبل "أوفقير" و"الدليمي" وكان كبار القادة يراودهم الشعور بأنهم موضع اختبار طول الوقت كما أن شباب العسكريين تولدت لديهم حساسية صورت لهم أن ضباط البوليس أكثر تميزا منهم·

وكان المركز الحساس الثالث هو البلاط الملكي من حول الملك وبالقرب من ولي العهد الأمير "محمد"·

وفي هذه الظروف فقد برز دور السيد "محمد الشرقاوي" وهو زوج إحدى شقيقات الملك·

وكان "الشرقاوي" بين الذين حاولوا اقناع الملك إعطاء فرصة لولي العهد وكان هو أيضا الذي حاول أن يقوم بدور ما بين الوزارات الحساسة "الداخلية ـ الحربية" وبين القصر لأن الكل كان يخشى غضب الملك خصوصا في الشهور الأخيرة من حياته·

وبرغم ذلك فإن الملك لم يتردد أثناء مناقشة في كتبه حضرها آخرون أن يقول للسيد "الشرقاوي" بحدة ما معناه: اسمع ·· إنني زوجتك أختي ولكن لم أزوجك المملكة"!

ومع ذلك فإن "الشرقاوي" راح يواصل جهوده - حتى من وراء ستار - لأن النهاية لاحت شواهدها وكان التسرب من ساعة الرمل يجري متسارعا ومتدافعا!

ويوم 23 يوليو 1999 وقع ما كان منتظرا

وبدا الوجود الأمريكي في الجنازة كثيفا بأكثر مما هو لازم·

وبدا الحضور الاسرائيلي مزعجا بأكثر مما هو محتمل وكان بين الصور التي زوجتها وكالات الأنباء صور للملك الشاب الجديد جالسا ومن حوله نطاق من ثلاثة رجال: رئيس الدولة الإسرائيلي "إيزر وإزمان" جالسا بجوار الملك الجديد و"شيمون بيريز" مائلا عليه من اليسار وإيهود باراك" مائلا عليه من اليمين·

ولقد كانت التعليقات التي تكررت في الصحف الغربية كلها وبينها "الإيكونوميست" و"الإندبندنت" في بريطانيا وكذلك في الصحف الاسرائيلية ومن بينها "ها آرتس" و"الجيروساليم بوست" - على سبيل المثال ـ تذهب جميعا إلى رأى مؤداه أن الدليل الحي على غياب - أو غيبوبة - الرأي العام العربي هو ذلك الفارق الهائل بين المعلومات المثيرة التي نشرت في العالم بعد إعلان وفاة الملك "الحسن" - مركزة على علاقاته مع إسرائيل وبالذات جهاز "الموساد" وبين العناوين المؤثرة التي ظهرت عن جنازته وأسالت دموعا ساخنة على صحف العالم العربي وموجات إذاعاته، وشاشات تلفزيوناته وفضائية·

وفي النهاية فإن هذه المسافة بين ما هو "مثير" وما هو "مؤثر" هي بالضبط المساحة المتروكة كي يقيم فيها التاريخ قضاءه وينطق بأحكامه أو ربما يظهر أن الكلام عن التاريخ في العالم العربي  تعويل لا تتحمله الأحوال الراهنة فيه·

ثم يثبت أن الملك "الحسن" كان يعرف حينما قال ذات يوم للرئيس "شيراك" في قصر الإليزيه:

Plus ca change Plus cest la meme chose

لا شيء سوف يتغير وكله باق على حاله"!!

* الكتب وجهات نظر - العدد العاشر نوفمبر 1999

_________________________

للعــــــــــــــــودة

طباعة  

تجربة ملك في الشباب وما بعده(الجزء الثاني 2-2)