رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 20-26شوال 1410هـ - 26يناير-1فبراير2000
العدد 1412

حرب الشيشان نذير لأعمال غزو محتملة
هل ترتد روسيا في عهد بوتين إلى النهج السوفييتي داخلياً وخارجياً؟

كان الزعماء الغربيون مقتنعين بأن نظيرهم الروسي المقبل، عقب الانتخابات الرئاسية في يونيو من السنة ألفين سيكون يفغيني بريماكوف· وهذه الشخصية المعروفة منذ زمن في الاتحاد السوفييتي برزت في لجنة أمن الدولة "كي· جي· بي" قبل أن تتولى قيادة أحد الأجهزة المنبثقة منها· لكن بريماكوف كان أيضا متخصصا في العلاقات الدولية وذا مفهوم شديد الواقعية عن العلاقات بالعالم الخارجي· وهو كان يبدو مطمئنا أكثر من إصلاحيي "الحرس الشاب" الذين رعتهم الولايات المتحدة عقب انهيار الشيوعية·

بعد انتخابات التاسع عشر من ديسمبر الماضي، صار من المناسب التفكير في النوايا الحقيقية لرجل "استخباري" محترف هو مزيج من رجل الشرطة السياسية والعميل السري الذي أقام سيرته المهنية في البلدان الناطقة بالألمانية قبل أن يتحول الى ظل "الليبرالي" أناتولي سوبتشاك في ليننغراد ثم ظل الرئيس بوريس يلتسين في الكرملين· وإذا كانت ضربات الحظ شائعة في السياسة الروسية فإن فلاديمير بوتين يبدو في مكانة جيدة تؤهله ليكون الرئيس الثاني لروسيا ما بعد الشيوعية·

فأي روسيا يعلن فلاديمير بوتين؟ فالحرب في الشيشان التي حقق بفضلها نصره الانتخابي تؤثر حتما في الحكم الجوابي عن هذا التساؤل لكن ينبغي أن لا تغطي على بعض عناصر التفكير الأخرى، فإذا حقق بوتين غاياته، يكون الزعيم الأول في الكرملين منذ عهد فلاديمير ايليتش لينين الذي عاش في الغرب وتحدث لغة أجنبية· وربما يكون الاستثناء غير المؤكد هو الزعيم السابق يوري أندروبوف الذي كان سفيرا في بودابست عام 1956 وكان يفهم اللغة الهنغارية وبعض الجمل الإنجليزية·

غير أن الرجل القوي في روسيا يبدو وكأنه كان يضمر احتراما عظيما لرئيسه السابق "اندروبوف" في الـ "كي· جي· بي" الذي مات بعد بضعة أشهر من توليه السلطة العليا في الاتحاد السوفييتي السابق· وهذا عنصر ينبغي ذكره من دون استخلاص استنتاجات نهائية منه·

أحد التصريحات الأولى التي أدلى بها بوتين عقب الانتخابات التشريعية يفيد بأن على مجلس الدوما الجديد أن يصادق على اتفاقية "ستارت - 2" الخاصة بخفض الأسلحة الاستراتيجية· وليست غاية بوتين من هذا التصريح أن يفرح الولايات المتحدة إنما بأن يتسلح بذرائع أفضل في مواجهتها في وقت تريد أن تعدل من جانب واحد اتفاقية "إيه· بي· إم" التي تمنعها من تطوير نظام مضاد للصواريخ· وإذا اتخذ الرئيس الأمريكي قرار بناء النظام المضاد للصواريخ يخشى الروس من أن يتحولوا الى "ديناصورات" (منقرضة) نووية حسب تعبير أحدهم· وواقع الحال، أن بضعة آلاف الرؤوس النووية العابرة للقارات تشكل واحدة من البقايا النادرة لمكانة الدولة العظمى·

ما تعانيه روسيا فلاديمير بوتين هو أنها انهزمت في الحرب الباردة· فهي لم تعد تتعلل بالوعود، وهي لا تتصور نفسها دولة بين الدول الأخرى محشورة في نظام دولي يتمحور حول الولايات المتحدة· والقدرة الروسية تراجعت كثيرا في العقد الأخير· وهي لا تعترف من ناحية أخرى بخسارة امبراطورية كانت تتبع لها قبل ثورة 1917· وهي مريضة بالحنين الى الماضي· وهي لم تفهم على نحو ما فعلت تركيا أن خسارة الامبراطورية ربما تكون طريقا نحو دخول العصرنة· وعلى نحو ما قال أحد الزعماء السوفييت السابقين "ما زالت روسيا تشعر بآلام في أطرافها المقطوعة"· وهي لا تفهم أن الجمهوريات التي انفصلت عنها، في القوقاز كما في آسيا الوسطى، تريد أن تمارس استقلالها· وهي لا تفهم أيضا أن الأمريكيين يستغلون هذه الرغبة بكل ما فيها حتى يوسعوا نفوذهم· وكانت روسيا تحلم بتكوين ثنائية مع الولايات المتحدة في القضائية العالمية، على نحو ما يقول زيغينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي لدى الرئيس الأسبق جيمي كارتر، لتقترح عليها أن تلعب في نفس خانتها· وكل الجهود التي بذلها الغربيون لضم روسيا، منذ نشوب حروب البلقان حتى تكوين "مجموعة الثماني" "بمشاركة روسيا بدلا من مجموعة الدول الصناعية السبع" مرورا بالمساعدات المالية صارت ترتد على الغربيين· ففي البلقان سعي الغرب الى توفير ضمانات لروسيا من دون أن يأخذ بالاعتبار رأيها· ثم توسع باتجاه الشرق "الأوروبي" من دون التعويض الذي طالبت به روسيا بصورة نظام أوروبي شامل للأمن يكون فيه للروس حق النقض· وبذريعة متابعة "علاج الصدمة" ساهمت مليارات الدولارات الآتية من المؤسسات الدولية في تدمير الأسس السوفييتية للاقتصاد الروس، فالخصخصة لم تثمر غير إثراء طغمة مالية من دون أن تخلق سوقا داخلية، والأزمة المالية لأغسطس من عام 1998 دمرت طبقة وسطى كانت في طور التشكل من دون أن يجد الغربيون شيئا يقولونه· وفوق ذلك ساهموا في تعبئة خزائن الدولة الروسية كما لم يحصل من قبل·

على هذه الأرضية المناسبة لجميع أنواع الاستياء وجميع أنواع المشاعر المنبعثة من جديد ضمنت حرب نجاح فلاديمير بوتين· وهو جعل الجميع يفهمون كيف يفكر بما في هذا، زيادة الانفاق العسكري "وهذا أحد البراهين الذي يجعل زيغينو بريجنسكي يرى أن زعماء موسكو ما زالوا يفكرون كما كانوا في الماضي" وإعطاء الأولوية للمجمع الصناعي - العسكري في السياسة الاقتصادية للدولة، السيطرة على توزيع البضائع ورؤوس الأموال "بوتين لم يتحدث عن ذلك صراحة لكن ذلك هو النتيجة المنطقية لانتقاده إدخال روسيا في سوق عالمية والأولوية التي يضفيها على السوق الداخلية" فهل يتحدث في ما يخص السياسة الخارجية عن حرب باردة جديدة؟ هذا السؤال غالبا ما يتردد، وهذه السياسة تعارض فكرة التعاون التي برزت عقب انهيار جدار برلين· وهي فكرة خاطئة إذا كانت تحاول إحياء لحظات العداوة الحادة بين النظامين الأيديولوجيين غير المتصالحين (أزمات كوبا وبرلين واجتياح أفغانستان وغيرها) وهي فكرة قد تكون مقنعة إذا تذكرنا أن الحرب الباردة عرفت مراحل انفراج· فالخصومة الجوهرية بين الغرب والشرق لم تتلاش، لكن المعسكرين وجدا توافقا بشأن حدود التسلح ومنع الانتشار بل التعاون الاقتصادي وكل ذلك في محاولة لكل منهما أن يسجل نقاطا بحق الآخر في مسرح العمليات·

بناء على ذلك، قد تشهد السنوات المقبلة تعاقب مراحل توتر ومراحل انفراج وتعاونا منتظما في المنظمات الدولية "فغياب الروس مثلا عن التصويت في مجلس الأمن بخصوص العراق يؤكد أن روسيا لا تسعى بانتظام الى المواجهة" مع السعي الدائم الى البحث عن حلفاء في البلدان المضطربة، وتصدير التكنولوجيا الحساسة من دون الأخذ بالاعتبار مخاطر انتشار الأسلحة، وإبرام تحالفات "استراتيجية" تقوم تحديدا على رفض الهيمنة الأمريكية·

من أجل تنفيذ هذه السياسة، لا تملك روسيا الأوراق التي كانت لها في الماضي· فهي خسرت اتباعها ودفاعاتها الأمامية وقدرتها الاقتصادية - العسكرية· فالدول التابعة تحررت الى الأبد والقدرة الاقتصادية - العسكرية قد تتهاوى الى ما دون إذا تفكك الاتحاد الروسي بعد الاتحاد السوفييتي· وفي هذا المنظور، تبدو الحرب في الشيشان وكأنها ضربة لوقف هذا الاتجاه بل نذير استرجاع مناطق أخرى· إما بالنسبة الى إعادة البناء الاقتصادية الأولوية الأولى لقادة ما بعد يلتسين· وقد تشكل إعادة فرض النظام الجديدة خبرا جيدا ما لم تكن مصحوبة بالداخل، نقيضا لكل المؤشرات، بانعطافة سلطوية في الداخل وبلهجة معادية للغرب في الخارج·

(لوموند)

طباعة  

الجذور التاريخية والوقائع الدولية للحرب
روسيا لن تستطيع الانتصار في الشيشان وواشنطن عاجزة عن فرض رغبتها