اللغة الحية
ركان الصفدي
(1)
اللغة هوية الإنسان، الأمة·· مرآة الروح والعقل، نافذة الذاكرة·· واللغة العربية صورة عنا، نحن العرب، فهي مثل حالنا: بعضها جامد ويابس ومتخلف، وبعضها حي ومتطور، بعضها ممزق مشوه، وبعضها متماسك وقوي، بعضها قبيح وبعضها جميل· وهي مثلنا أيضا تعاني التجزئة والغزو والاستلاب والخوف، وتصاب، مثلنا، بجميع أمراض العصر الحديث والقديم أيضا، ويتسلل إليها المخربون والإرهابيون، وتقتحمها الميليشيات·· وهي مثلنا أيضا طبقات ومستويات، فلغة المسؤولين غير لغة الشعب وإن ضمهما معجم واحد، ولغة فئة غير لغة فئة أخرى·· باختصار، ليس هناك أمة تعاني لغتها كما تعاني لغة العرب، لأن الأمة العربية تعاني معاناة لا مثيل لها أيضا·
(2)
علي الرغم من إيماني بأن كل لغة جميلة، ولكني أومن أن اللغة العربية هي الأجمل، وبعيدا عن عاطفية هذا الحكم فإن العربية ذات خصائص تجعلها متفردة فيها حقا، ولست هنا في صدد استعراض كتب فقه اللغة ولا مقولاتها، ولكن أشير فقط الى خاصة المفردة العربية، إذ إنها أشبه بالكائن الطبيعي، كالحيوان والنبات، تنمو من الداخل، بدءا من المادة اللغوية الى اشتقاقاتها الكثيرة، فهي تكاد تخلو من السوابق واللواحق، ولها قدرة كبيرة على التكيف والتحول والنحت، ولذلك فهي تميل الى الاختزال والتكثيف والاختصار لفظا وكتابة ودلالة·· لغة استوعبت منتجات الفكر والأدب والفنون بطواعية عجيبة حيث كان الإنسان العربي الحامل لها قادرا على هذه الأمور كلها·
(3)
اللغة العربية لغة إحساس عميق، تفكر في ذاتها، ولذلك نرى مثلا كيف تقيم منظومات وأنساقا تعتمد على الحس الداخلي كالأفعال المتشابهة المتدرجة في دلالتها (فصل، فصم، فصد، فصل، قصم، قصر··) بل إن عالما كبيرا كابن جني لاحظ أن من خصائص هذه اللغة ارتباط المعنى باللفظ أو الصوت، فنجد معنى مشتركا في تقاليب المادة اللغوية مثل: جبر، رجب، بجر··
إنها لغة "ترعش" كما يصفها يوسف اليوسف، الى درجة أنها تقرن العذوبة بالعذاب وهما من مادة واحدة، على الرغم من تباين المعنيين ظاهريا، ولذلك كانت عجينة ممتازة للشعر، وكانت لما يحيط بأعماقها من الأسرار دغلا كثيفا لمغامرات الشعراء والأدباء والفلاسفة··· من يقرأ المعري يحس أن هذا الشاعر كائن لغوي يعيش في أدغال اللغة·
(4)
أية لغة تربط لفظا بين الشعر والشعور، وبين القصة واقتفاء الأثر والبحث، وبين المرأة والمرآة (وهما مادتان مختلفتان)، وبين الرواية والريّ، والقصيدة والقصد (الهدف)، وبين الوجد والوجود والوجدان، والرقابة والرقبة؟! أية لغة تفصل في درجات الدلالة الى هذا الحد، كما في درجات المطر، ودرجات الضحك ودرجات البكاء·· وغيرها من الأشياء التي ذكرها الثعالبي وابن سيدة وسواهما من مؤلفي معجمات المعاني؟!
(5)
في العصر الحديث، نجد أنفسنا أمام مشكلات لغوية متعددة: ازدواجية اللغة، أزمة المصطلحات، أزمة التعريب، أزمة النحو·· إنها مشكلات ثقافية تدل على القاع الذي وصلنا إليه حضاريا حتى على صعيد اللغة، حتى إننا بتنا نستورد المصطلحات والأسماء من الغرب كما نستورد المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية، والأدهى من ذلك أننا أحيانا نعطي الغرب لغة "خاماً" ونعيد استيرادها مكررة، كما هي حال نفطنا وثرواتنا، فقد أعطينا الغرب ألفاظا مثل: خوارزم، الغَوْل، دار السلاح، القفل أو القفلة·· ثم أخذناها ثانية ملوكة بألسنة الأوروبيين: لغارتم، الكحول، ترسانة· الكوبليه (في الموسيقى)، ومثل ذلك عشرات الكلمات·
(6)
الأمم المتقدمة تهتم بلغاتها بحثا ودراسة وجمعا، وتهتم بتصنيف المعجمات بحسب المراحل العمرية وبحسب الفروع المعرفية وبحسب تاريخية اللغة، ونحن ما زلنا نراوح عند "مختار الصحاح"· في فرنسا مثلا تقوم مؤسسات لغوية على رصد أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة فئة من الناس، لمساعدة المؤلفين والتربويين على تأليف كتب تناسب هذه الفئة، ونحن ما زلنا ندرس ونلقن تلامذة المدارس لغة "ضرب زيد عمرا" وألفية ابن مالك وغيرها من الطلاسم والتعاويذ!
(7)
الكاتب الحقيقي يحترم لغته، فمن يقرأ لنجيب محفوظ أو عبدالرحمن منيف وغيرهما من الكتّاب الذين لا يقضمون اللغة قضما، يشعر بأن اللغة العربية قادرة على التغلغل في مساحات الحياة كلها، ومن يقرأ أدونيس أو درويش يدرك أن اللغة تتفتح كأزهار المروج، وأن الأدعياء فقط هم الذين يفصلون أنفسهم عن اللغة··· اللغة هي الإنسان ذاته·
(8)
مجاميع اللغة العربية كمؤسسات الجامعة العربية··· إحدى خرافاتنا المعاصرة!