بقلم علي عبد الفتاح
جان بول سارتر (1905 - 1980).. الأديب الذي فلسف الحرية وأيقظ الإنسان من سباته ليعلمه معنى الالتزام، وقد اتخذ سارتر موقفا من الحياة والأنظمة والأحداث والحروب والنظريات القائمة ليبحث من خلاله عن معنى لهذا الوجود·
وأكد سارتر أن كل فرد في هذا العالم عليه أن يحدد طريقه وهدفه وفلسفته ويقدم تصوره عن نفسه بنفسه وليس كما يرى الآخرون فالإنسان قادر على تشكيل ذاته وحريته ويصبح مسؤولا عن هذه الحرية أمام المجتمع والناس والأنظمة·
وأنه من الخطأ أن يترك الإنسان ذاته للآخرين يقيموا حوله الفروض والتحليلات ويضعونه في شكل من خيالهم أو تصورهم فإن ذلك يعني إلغاء الحرية الفردية تماما· ولذلك يقول سارتر:
أن الإنسان محكوم عليه بالحرية لأن الطبيعة الإنسانية لايمكن تعريفها إلا في إطار الحرية
لقد رفض سارتر نظريات التحليل النفسي التي أطلقها فرويد عن اللاشعور والجنس وكذلك رفض ما تنادي به الماركسية بأن القوى الاقتصادية هي التي تتحكم في الفرد، وأطلق سارتر حديثه عن الوجود والحرية صفة "الوجودية" وأطلق المثقفون عليه بأنه الوجودي الكبير·
ولكن كيف ارتبطت الوجودية بالغضب على هذا العالم والأوضاع القائمة؟
عاش سارتر وحيدا بعد وفاة والديه مع جده لأمه· واكتشف حوله مكتبة عامرة بشتى أنواع الكتب فقرأ كتابات كورني وجوته وشاتوبريان وهوجو وموباسان وفلوبير واستطاع أن يخلق لذاته ثقافة وفكرا جامعا بين الأدب والفنون والفلسفة·
ويقول عن ذلك:
لقد عرفت الكون في الكتب واختلطت في ذهني تجربتي غير المنظمة المستمدة من الكتب بأحداث الحياة الواقعية، ونجم على ذلك نوع من المثالية التي تطلبت مني أن أخلص لها·
وعندما قامت الحرب العالمية الثانية وجد نفسه جنديا في حرب لم تقم لا على أنقاض الشعوب ودمائهم، ووقع أسيرا في يد الألمان عام1940 وكتب مسرحية أثناء الاعتقال وظل يناقش زملاءه في فلسفة هيدجر ونظرته للوجود وحرية الشعوب وكرامتها وتميز الفرد واستقلال شخصيته·
وبعد أن أطلق سراحه عام 1941 تفاقمت جبال الغضب في ذاته وتفجرت ثورته ضد الأنظمة الفاشية وطغاة الحروب وقرر أن يكوّن جماعة اسمها:المقاومة الفكرية·
ومن هنا بدأت شلالات الغضب والسخط والنقمة تجتاح وجدان وفكر سارتر واخذ يدعو إلى المقاومة والبحث عن الحرية ودعوة المثقف إلى الالتزام بمسؤوليته تجاه هذه الحرية فالقلق يمزق البشر والضياع يقودهم إلى طرق مغلقة ولم يعد هناك تبريرا معقولا لما يحدث في الواقع·
وفكرة الالتزام نبعت لدى سارتر بعد تجربة الأسر والظروف السياسية والاجتماعية التي واجهت مجموعة المثقفين والأدباء والمفكرين وتعهد سارتر أن يرشد الناس إلى طريق الحرية فهي الهدف والحقيقة الواضحة في كثافة ضباب الأنظمة المتعثرة المنهزمة التي تشيد أمجادها من عظام ودماء الشعوب·
انغمر سارتر في السياسة والأدب وكتب مسرحيات ومقالات كثيرة وعرف في الواقع الثقافي والعالم السياسي بأنه الوجودي الغاضب الباحث عن معنى لهذا العالم من خلال ثورة تقف ضد التخلف والاعتقال والمصادرة·
وأدى به هذا إلى إدانة النظام الفرنسي السياسي وهاجم الخلل والفساد والتناقض في هذا النظام وبدأ يكشف حقائق كانت خفية ولم يتراجع عن موقفه وكان يتمنى أن تعتقله فرنسا ليصل صوته إلى كل أحرار الأرض والثوار في كل وطن وتمنى حقا الاستشهاد من أجل مواقفه وآرائه ولكن حكومة ديجول كانت يقظة وواعية لهذه الفكرة ورفضت اعتقال سارتر كي لا يصبح أكثر شهرة وظاهرة خطيرة، وقد وقف ديجول يوما وقال:
إننا لا نستطيع القبض على فولتير الغاضب!!
ويقصد بذلك أن سارتر في موقف فولتير ولا يمكن أن تعاد التجربة مرة أخرى فقد وقفت الحكومة الفرنسية في وجه المفكر الفيلسوف فولتير وطاردته فأصبح بطلا من أبطال حرية الفكر والنضال ضد الفساد والرجعية والاستبداد ولذلك تركوا سارتر يمضي في مناقشاته وكتاباته ومقالاته الجريئة ورواياته العميقة ومسرحياته الثائرة·
وكان أبطال قصص سارتر يتألقون في ذهن ووجدان القراء يفلسفون الحياة ويوجهون الإدانة الشديدة لمحنة الفرد في مجتمع قاس لا يعرف سوى ضربات الغدر والخيانة والقهر· ولهذا شعر المثقف بأنه في عزلة تامة ووحدة جرداء وقد تولدت لديه حالة من القلق إزاء هذه الأحاسيس المتناقضة والحياة الجافة وقد عبر سارتر عن ذلك في رواية "الغثيان 1938 حيث يقول البطل انطوان روكنتان:
- أنا أعيش وحدي في عزلة تامة
ولا أكلم أحدا·· أبدا كما أني لا أحصل على شيء ولا أعطي أي شيء·
وهكذا يعيش البطل في ملل قاتل حيث يدور بلا هدف في المدينة ويكتشف عدم جدوى حياته وتنتابه حالة من الغثيان في مواجهة الخداع والزيف والخيانات والحروب والقهر والتسلط وعمليات الاستلاب الفكري والاعتداء على حرية الإنسان وكرامته·
ومن هنا يرى سارتر أن الإنسان لابد أن يغضب حين يشعر أن وجوده بلا فائدة وبلا معنى ولا أثر وعليه أن يبحث عن طريق آخر يمنحه هذا المعنى المفقود ليغزو العالم من جديد بفعل ثوري قائم على الحرية والمسؤولية والالتزام·
وينظر سارتر إلى الآخرين هؤلاء الذين لا يشعرون بالرغبة أن يعيشوا أحرارا من صنع أنفسهم ويخضعون للقهر والأنظمة الفاسدة فإنهم سوف يكونوا مرغمين على التمثيل وارتداء أقنعة العبودية والسقوط الدائم دون حس أو كرامة· إنهم يمثلون الجحيم الحقيقي للبشرية·
في رواية "سن الرشد" يبدو البطل قد فقد حريته في الاختيار وتطوير ذاته فلا يجد وسيلة سوى أن يلجأ إلى التمثيل ولا يدري كيف يقاوم هذا الملل وتلك الكآبة والسأم الذي يعتريه دائما وعندما يقترب منه شحاذ يطلب إحسانا ويعبر الشحاذ عن أسفه لعدم قدرته على الذهاب إلى أسبانيا للمشاركة في كفاح الشعب الأسباني من أجل الحرية والحياة·
يفكر البطل في ذاته التي بلا معنى وحياته التي بلا هدف وأنه بلا قضية يحيا من أجلها فقد عشق فتاة على وشك أن تنجب له ولدا ويخشى أن يتزوجها لأنه يخاف أن يتحمل مسؤوليتها ويرفض الالتزام بشيء حتى أنه لم يفكر في السفر إلى أسبانيا ليحقق أمنية الشحاذ ويدافع عن الحرية مع الشعوب ويقول في يأس:
أنا حر ولم يتبق لي أي سبب أعيش من أجله·
ولكن كان لابد لهذا البطل أن يغضب لأنه ما فائدة حريته دون التزام؟
أن سارتر لا يتوقف عند حدود الاختيار بل أن الوعي ضروري لاكتشاف هذا الوجود هنا ليست حالة وإنما فعل ويشترط لهذا الفعل الحرية وعلى الإنسان أن يختار حرية الفعل أو يرفضه ثم عليه الالتزام خلال هذا الاختيار·
إن سارتر يجتاحه نوع من الغضب الخفي الذي لا يبدو جليا إلا بعد تحليل معاناة الأبطال في أدبه السياسي فكل الشخوص حائرة تبحث عن يقين وخلاص من الأزمة التي تلاحقها فيقول أوريست بطل رواية "الذباب":
أنا إنسان ويجب على كل إنسان أن يختار طريقه·
وفي رواية "الحزن حتى الموت" يعترف البطل في حزن ويأس:
أن العالم مجرد مصادفة··!!
ولذلك يجب أن تشعر أن هناك دورا عليك اكتشافه وتحديده واختياره وهذا الدور يرتبط بالحرية ومسؤوليتك تجاه هذه الحرية ثم الالتزام نحو القضايا المصيرية ولذلك الأبطال لدى سارتر عاجزون حين يغيب الوعي لديهم ويفشلون في اكتشاف طريق الحرية الحقيقي·
ولذلك في مسرحية "الذباب" عندما يبدأ البطل أوريست في الانتقام من القائد الذي قتل أباه وتزوج أمه ونفاه صغيرا إلى إحدى البلاد ويستطيع تحرير بلده من الحشرات يجد نفسه في حالة اللامبالاة لأنه من البداية لم يكن يملك فرصة الاختيار وحرية الفعل أنه مدفوع باردة اللاوعي إلى هذه الانتقام ويقول:
إنني أشعر وكأنني شيء لا وزن له··!!
فقد كان البطل محروما منذ البداية من الاختيار حين سيطر عليه اللاشعور ولذلك إن اختيارنا للأفعال يجب أن يكون خاليا من تأثير اللاشعور أن يرتبط بالوعي الكامل لما يدور حولنا ولا سبيل إلى ذلك سوى أن تشعر في لحظة ما بالغضب على حياتك وموقفك فتحاول البحث عن معنى لوجودك·
ورحل سارتر غاضباً
وقد تعلمنا منه معنى أن يكون للإنسان هدف في الحياة نابع من إصراره على الحرية والتزامه مسؤوليته تجاه قضايا أمته ومعاناة البشر·