في أجزاء غرفته
علي حسين الفيلكاوي
"1"
لم يكن يبصر أبواب الطريق، فقط تتمدد عيناه، دون أن تلمس وجه الوقت، تمر أمامه النوارس خضراء·· زرقاء·· اعتقد ذات نشوة أنه غيمة وتكوّن مطراً واكتشف في كثير من الأحيان أنه جسد يتكون بالأمنيات، يخطر في حقول اليباب، تخضرّ السماء، تتبع آثار أقدامه السفن التائهات، في مداراته يتمزق الكائن المرئي، وتختفي ألوان الكلام ودون أن يتسرّب الصوت بينه وبين كل ما هو موجود، تحدثا مرة، ففهم كل منهما الآخر بإشارة واحدة·
"2"
كان صديقا للإنسان لمركز الأرض، يرتحل بين مقامات الهواء ويسافر في شرايين التراب، تصهره النار يبلله ماء الرجوع ويبدأ بالدوران من جديد، يتلمس الأجساد الجائعة والأشجار الآيلة للسقوط، يتوزع بينهما وبين كل مدار ومدار تدوخ الأرض من تحته فتحمله الرياح ويرتدي الضوء ليصبح المطلق الكوني في أقصى نهاياته، كاشفا عن فناءات السرد المتخفي وراء حجب الرؤية، منطلقا في الحقيقة إلى حد الغناء·
"3"
كائن هو في كونه متلبسا جسد الزمن في مضيه وعودته، له فورة الحالات وديمومة الحركة، كتب ذات مرة "شاهدت صيرورة الابتداء وتشكلت في أثري ذرات الهواء" كانت أرواحه تمتلك شهوة التطواف، في كل يوم تتسلل من أسوار أجسادها، تراودها متعة التجول في امتداد الجهات، تطوف بين الرؤوس المنحنية، والأحزان التي نبتت فوق جدران المنازل، تفتح نوافذ الحرية وتعتق الأرض من عبوديتها·
"4"
كاد أن يكون، كاد أن يستريح قليلا ويتوقف حتى النهاية عن هذيان الحياة، لكن خلود الحقيقة في نسيجة، كشف له عن خواء الفناء، فليس هنالك سوى رجفة الخيال وارتدادها في ذهن الأشياء، فاقترب من حقيقته·
أدار ظهره للنافذة
والأرض تنطفىء بين جفنيه
ابتعدا مثل ضفتين
أقدامه لا تفكر في الرجوع
ظلال من الأشجار
تطرق أبواب حرائقه
وليس هنالك ثمرة احتمال
تسقط من أغصان رماده
أسدل شباك رؤيته
تمدّد تحت جسده تماما
وقبل أن ينام
أطفأ في زوايا الغرفة أصابعه
ورأسه ما زال منذ المساء
يدور في السقف كمروحه