· "الإخوان المسلمون" الحركة السياسية الوحيدة التي عملت في العلن بعد قرار حل الأحزاب في العام 1957
· لم يلجأ أعضاء الجماعة لاستخدام العنف مع النظام لخوفهم على مصالحهم
· قدرة "الإخوان" على التعايش مع نظام الحكم جعلها قادرة على النمو والانتشار
· شعبية عبدالناصر جعلت التأييد الشعبي للجماعة يتراجع
· الجماعة تأسست عام 1946 وأصولها الفكرية ممتدة من الجماعة الأم في مصر
· علاقة الجماعة بالحكومة لم تتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لها
· المرحلة الأولى للجماعة اتسمت بعلاقة ود قوية مع الملك عبدالله
· الملك عبدالله تعاطف مع الجماعة بسبب صدام الجماعة الأم في مصر مع الملك فاروق
· الجماعة تأسست في كنف الحكم وحظيت برعايتها وتعاطفها
· الملك سمح للجماعة بنشر دعوتها في المساجد والأماكن العامة دون تدخل من السلطات الزنية
· عداء الملك عبدالله للشيوعية جعله يساند الجماعة في الأردن
· الملك حسين افتتح المؤتمر الرابع للجماعة في العام 1960
مخلص عبيد المبيضين **
هذه الدراسة محاولة للإسهام في رصد العلاقة القائمة بين جماعة الإخوان المسلمين في الأردن ومؤسسة الحكم فيها لعدة اعتبارات أهمها، طبيعة مؤسسة الحكم وعلاقتها المتميزة مع الحركات الإسلامية، مثل الجهاد الإسلامي وحزب التحرير وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والحركة العربية الإسلامية الديمقراطية بشكل عام وجماعة الإخوان بشكل خاص، وكذلك حتمية العلاقة بين الحركة ونظام الحكم، فلم يعد مقبولا ولا مستساغا الحديث عن قدرة النظام الأردني على اجتثاث أو استئصال الحركات الإسلامية، قد يكون قادرا على تحجيمها من الناحية السياسية بعد النهج الديمقراطي الذي يسير عليه الآن· وكذلك فإن قدرة جماعة الإخوان على التعايش مع نظام الحكم قد أمدها بطول البقاء والقدرة على النمو والانتشار· بالإضافة الى قدرتها على تجنب الصدام العنيف مع النظام كما حصل في بلدان عربية أخرى سواء أكان مواجهة عسكرية أم عمليات تصفية أم تعذيب أم اضطهاد· ولهذا فإن الاعتدال الذي تميزت به مؤسسة الحكم أضفى نوعا من الحكمة على تعامل هذه المؤسسة مع جميع القوى وبخاصة جماعة الإخوان· وأخيرا فإن الخلفية الدينية والتاريخية لمؤسسة الحكم أوجدت حالة من التوازن والانسجام السياسي بينهما في فترات عدة، واستخدمها النظام في حالات أخرى دعامة يستند إليها في مواجهة خصومه·
ولتلك الاعتبارات فقد امتازت تجربة الإخوان في الأردن في جميع ممارساتها - السياسية والاجتماعية - بالتعايش مع النظام الحاكم، وذلك يعود لأسباب عدة من أهمها: قدرتها على التكيف مع الحفاظ على ثباتها واستمرارها الى حد كبير على المبادئ والأطر الفكرية نفسها التي تستمد منها مواقفها وتطلعاتها· وأيضا التعامل معها على اعتبار أنها جمعية إسلامية "في البداية" وليست حزبا سياسيا، وأن احتضانها من قبل السلطات مبني على وظائفها الإيجابية التي تؤديها في عملية التوازن للممارسة الأدائية للنظام السياسي في علاقته مع القوى المختلفة·
وعلى الرغم من حدوث بعض التوترات المحدودة فإن القاعدة العامة التي طبعت العلاقة بينهما كانت مرتكزة على الوئام، وهذا يخالف الحركات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية الأخرى التي تحاول تغيير الأنظمة الحاكمة لتحقيق هدفها في إقامة النظام الإسلامي المطلوب· ويبدو أن طابع الاعتدال مستمد من الأصول الاجتماعية للجماعة في كونها قد تأسست على أيدي عدد من التجار وأصحاب الأعمال والمهن، وليس على يد مثقفين، مما أضفى عليها مزيدا من الاعتدال والموادعة مع النظام· مع أن بعض الباحثين يرى أن الجماعة كانت تنتهز الفرص في علاقتها مع النظام لأنها كثيرا ما كانت تخرج على مبادئها، وترد الجماعة على ذلك بأن المواقف والظروف هي التي كانت تملي عليها بعض التغيير في البرامج والتكنيك، ولكن ليس على حساب المبادئ والثوابت·
كل هذا أو معظمه قد غفلت أو تغافلت عنه الأبحاث والدراسات التي درست جماعة الإخوان في الأردن· لذلك جاءت هذه الدراسة محاولة لإلقاء المزيد من الأضواء على هذا الموضوع ما أمكن ذلك، وهذا هو الهدف الأول للدراسة·
أما بالنسبة للهدف الآخر، فقد كان نتيجة لانطلاق العملية الديمقراطية في نهاية الثمانينيات "حيث نجحت في الفوز باثنين وعشرين مقعدا في مجلس النواب" فارضة نفسها باعتبارها التيار السياسي الأهم في الحياة الأردنية، وذلك قبل قرارها بمقاطعة الانتخابات عام 1997 الذي أدى الى انحسار تأثيرها وتراجعه في الحياة البرلمانية· وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الجماعة وعلاقتها بالنظام السياسي لم تحظ بعد بدراسات شاملة وافية لتبيان طبيعة العلاقة والعوامل التي أثرت في هذه العلاقة، وما كتب أو نشر في هذا المجال قليل لم يتعد بعض الكتابات والتحقيقات الصحفية وبعض "فصول" في كتب لم تلتزم في معظمها بالشروط الأكاديمية، وبعضها الآخر كان ذا طبيعة انتقائية، مما أدى الى ترك فراغ تحاول هذه الدراسة تلافيه ما أمكن·
تحاول هذه الدراسة الإجابة عن التساؤل التالي: ما الظروف الداخلية "البيئة الداخلية" والخارجية "البيئة الخارجية" التي أدت الى حالات التبدل والتغير أو الاستمرار في العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام السياسي الأردني "مؤسسة العرش"، أو حالات التذبذب في العلاقة بين الطرفين، على الرغم من احتفاظ الجماعة بطابعها المحافظ والتغير الذي طرأ على أسلوب عملها؟ والإجابة ستكون بتقسيم الدراسة الى فترات تاريخية وفقا لتطور نمط العلاقة والظروف التي أحاطت بها منذ تأسيس الجماعة عام 1946 وحتى الانتخابات البرلمانية لعام 1997 ومقاطعتها لها، آخذين بعين الاعتبار التغير الذي حدث في نهج الجماعة وعملها مع الاحتفاظ بطابعها المعتدل، وكذلك استمرار تميزها عن القوى اليسارية والتقدمية·
المنهج
سوف نستخدم المنهج التاريخي الذي يعتمد على متابعة تطور العلاقة منذ نشأة الجماعة لتقديم الوصف الدقيق عن طريق توفير كم من المعلومات حول هذه العلاقة والعوامل التي أثرت فيها سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية· وذلك بتتبع التطور التاريخي لهذه العلاقة في محاولة لاستقصاء وجهات النظر المختلفة وتحليلها بما يخدم موضوع الدراسة· كما سيكون للمنهج التحليلي دور في تحليل أسس هذه العلاقة لتبيان أسبابها ومحدداتها المختلفة في محاولة لمعرفة عناصر تميزها عن غيرها·
هنالك عدة مفاهيم أساسية لا بد من توضيحها:
1 - الإخوان المسلمون: المقصود بجماعة "الإخوان المسلمين" في هذا البحث، هو جماعة الإخوان المسلمين في الأردن التي تأسست على الرأي الأرجح عام 1946، والتي تعود في أصولها الفكرية الى الجماعة الأم في مصر والتي تأسست على يد الشيخ حسن البنا في عام 1928·
2 - النظام السياسي، مؤسسة العرش: المقصود هنا بـ "مؤسسة العرش" هو "الملك" فقط، وذلك لأن الواقع الأردني أثبت اقتصار العلاقة بين الجماعة ومؤسسة العرش على التفاعل بين قيادة الجماعة والملك فقط· وكما يقال: إنه يكاد يندر "أن تعثر على ما يؤكد وجود علاقة أو تفاعل بين أي شخص آخر - غير الملك - من مؤسسة العرش وبين الجماعة" (الشقران، 1997:62)· ومن ناحية أخرى فهناك اختلاف بين مؤسسة العرش من جهة، والسلطة التشريعية (الملك ومجلس الأمة "البرلمان" بعد عام 1947) من جهة أخرى، والسلطة، والسلطة التنفيذية (الملك والحكومة) داخل النظام السياسي من جهة ثالثة· والملاحظ أنه في تاريخ التطور السياسي للنظام السياسي الأردني كانت العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية تخضع لحالة المد والجزر، فقد كانت الغلبة في معظم الأوقات للسلطة التنفيذية وخصوصا إن مؤسسة العرش "الملك" هي القاسم المشترك بين السلطتين· ولهذا فإنه من الصعوبة بمكان الفصل التام في الواقع العملي بين مؤسسة العرش من ناحية، والسلطة التنفيذية والتشريعية من ناحية أخرى·
3 - علاقة الجماعة بالحكومات الأردنية: كانت علاقة الجماعة بالحكومات الأردنية المتعاقبة محكومة بتقلبات مواقف الإخوان من السياسات الداخلية والخارجية لهذه الحكومات· لذلك لم تكن هناك قواعد وأسس ثابتة واضحة للطرفين كما هي العلاقة مع رأس النظام· لهذا فقد مرت بحالات من الشد والجذب والتناقض والاختلاف والوئام والخصام· ولكن الميزة الأساسية لجماعة الإخوان في الأردن - والتي تميزت بها عن غيرها - هي أن علاقتها لم تصل في أية مرحلة من المراحل الى الصدام مهما بلغت حدة المواقف المختلف عليها بينهما، فأحيانا تقوم الحكومة بإجراءات التضييق على الجماعة، كاعتقال بعض أعضاء الجماعة أو إغلاق صحفهم ومجلاتهم··· ولكنها لم تصل الى حد حل الجماعة أو تعذيب أعضائها بشكل جماعي أو اضطهادهم· ويكمن سبب ذلك في قوة الموروث التاريخي ومتانته من خلال التعاون بين الجماعة ورأس النظام السياسي والذي كان دائما يتدخل لفض الخلافات بين الجماعة والحكومة· من هنا فإن طبيعة العلاقة لم تكن سلبية دائما ولا إيجابية وإنما كانت تتباين بين الأمرين وفقا لطبيعة الحكومة ونوعية الأحداث التي يمر بها الأردن بشكل عام· ومن ناحية ثانية لم تكن العلاقة بين الطرفين تبتعد أو تتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة لها، أو تبتعد عن سير العلاقة بين الجماعة ورأس النظام السياسي الأردني (الملك)·
لكل هذا فإن هذه الدراسة سوف تنطلق من المحاور السالفة الذكر، وبخاصة عند الحديث عن الحكومة وعلاقتها بجماعة الإخوان وكيفية معالجة الاختلاف بين الطرفين من قبل رأس الدولة، ليرسم في النهاية العلاقة مع الجماعة· لذلك فقد تم الحديث عن سياسات الحكومة لاستيضاح دور الملك فيها ولتبيان حقيقة العلاقة بين الجماعة ورأس الدولة·
تعتبر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن امتدادا للجماعة الأم، التي تأسست في مصر عام 1928 على يد مؤسسها الشيخ حسن البنا· وقد تعددت الروايات التي تتحدث عن تاريخ تأسيسها، ويؤكد الإخوان المسلمون أنها تأسست في سنة 1946· تم افتتاح المركز العام للجماعة في الأردن تحت رعاية الملك عبدالله في 1945/11/19 بعد أن تقدم على يد مؤسسها، الشيخ عبداللطيف أبو قورة، بطلب الى الحكومة الأردنية من أجل السماح لهم بممارسة أعمالهم تحت مظلة جمعية إسلامية "تحمل اسم جمعية الإخوان المسلمين"· وقد وافقت الحكومة على إقامتها وفقا لقانون الجمعيات تحت امرة الشيخ عبداللطيف أبو قورة بعد انتخابات الهيئة الإدارية للمكتب العام في عام 1947 كأول انتخابات لها في البلاد (عبدالكاظم، 1997)· وفي عام 1953 استقال أبو قورة وخلفه محمد عبدالرحمن خليفة، مراقبا عاما للجماعة في 1953/12/26· وبدأت نشاطات الجماعة تتخذ الطابع التنظيمي وأصبح لها فعالية في المجتمع· لذلك أصدرت الجماعة - عندما اجتمع مجلس الشورى - قانونا أساسيا ونظاما داخليا لها، وتحددت القيادة العليا بمجلس الشورى الذي كان من أهم وظائفه انتخاب المراقب العام وانتخاب المكتب العام (المكتب التنفيذي)·
وقد عملت الجماعة في أماكن مختلفة أهمها المساجد، وامتد نشاطها بين الشباب بصورة علنية بتشجيع من السلطات الأردنية ودعمها، وقد حرصت على عرض أهدافها وتوجهاتها وطموحاتها لتتفق مع أهداف النظام السياسي الأردني، كما حرصت على أن تعقد اجتماعاتها بصورة علنية وبحضور ممثلين رسميين من الحكومة وضباط الجيش وبعض القادة الدينيين المهمين (الكخن، 1990، 19988، Munson)·
وبذلك استمرت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام السياسي في العقود التالية بالتوافق والتآلف السياسي مع وجود التوترات في فترات محدودة (الحواراني وآخرون، 1997)· وقد حكمت هذه العلاقة عدة محددات: محددات حكمت موقف النظام من الحركة الإسلامية بشكل عام، ومن أهمها منهجية الاعتدال في السياستين الخارجية والداخلية، وعدم التصعيد في التعامل مع القوى السياسية، وذلك بإضفاء نوع من الحكمة والمرونة، وكذلك الخلفية التاريخية والدينية لمؤسسة العرش وقدرتها على احتواء الحركات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان المسلمين· وفي المقابل كانت هناك عوامل عدة أثرت في منهج الحركة الإسلامية بشكل عام وجماعة الإخوان بشكل خاص، ومن أهمها إدراك الجماعة للظروف والمتغيرات على الساحة الأردنية، من موقع سياسي وجغرافي وتركيبة سكانية وطبيعة النظام السياسي ومحاولة الابتعاد بالبلاد عن أي نوع من أنواع الفوضى والمحافظة على نفسها وإنجازاتها وأبنيتها التنظيمية (أبو غزلة، 1996)· وفي أواخر الثمانينيات حكمت العلاقة بين الطرفين متغيرات وعوامل جديدة تعلقت بالتحولات الدولية ومواقف بعض الدول الكبرى مما يسمى بالصحوة الإسلامية، وكذلك المسيرة السلمية مع إسرائيل وانعكاساتها المختلفة في مجال الديمقراطية والتعددية التي أضحت خيارا مهما لمؤسسة الحكم·
من ذلك المنطلق سوف يتم تقسيم فترات الدراسة وفقا للمراحل التالية مجيبين على فرضية الدراسة راصدين أهم العوامل والظروف التي أدت الى تذبذب العلاقة بين جماعة الإخوان ورأس النظام السياسي الأردني، وذلك ضمن المحددات سالفة الذكر والتي حكمت العلاقة بينهما وبخاصة تجنب العنف، والعنف المضاد بعد أن أدت مؤسسة العرش دورا مهما ودقيقا في إنجاح تجربة التعايش مع التيارات الإسلامية ومنها جماعة الإخوان، وفي محاولة لتتبع عناصر الخصوصية والتميز لجماعة الإخوان المسلمين في عملها وأدائها: المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس (1967-46) والتعايش بين الجماعة والنظام· المرحلة الثانية: مرحلة المد القومي (1967-54) وتتسم بالتذبذب الواضح في العلاقة· المرحلة الثالثة: مرحلة المد الإسلامي (1996-89)· المرحلة الخامسة: مرحلة الانحسار (تراجع دور الجماعة) ومقاطعة انتخابات عام 1997· وتجب ملاحظة أن اختيار هذا التقسيم لهذه المراحل ليس دقيقا، وفي الوقت نفسه ليس اختيارا جزافيا وإنما كان نتيجة لأسباب وعوامل موضوعية كان لها السمة الغالبة في كل مرحلة من هذه المراحل·
المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس 1953-46: تميزت هذه المرحلة بالتعايش مع النظام والمساندة القوية من النظام ممثلا في الملك عبدالله، وكذلك التحول الذي رافق طبيعة عمل الجماعة بحيث أصبحت هيئة إسلامية عامة وشاملة· وذلك لطابع الجماعة المحافظ ولتميزها عن سائر الأحزاب والجماعات الأخرى التي كانت - حسب اعتقاد الطرفين - تحاول النيل من أمن البلاد واستقرارها· ومن ناحية أخرى كان إيمان الجماعة "بأن النظام الدستوري هو الأقرب للنظام الإسلامي من بين الأنظمة المختلفة"، (الشقران، 1997:60) قد قارب بين الطرفين·
1 - التعايش والمساندة من النظام (البدايات الأولى): نشأت علاقة قوية بين الجماعة والنظام ممثلا في الأمير عبدالله، مما أوجد الظروف الملائمة لعمل الجماعة ولتسهيل نشاطاتها في الأردن، وتمثلت تلك العلاقة الحميمة في افتتاح المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن تحت رعاية الأمير عبدالله (التل: 1997، العبدالات، 1992)· وكان ذلك عندما قابل مؤرخ الجماعة، محمود عبدالحليم، الملك عبدالله مبديا إعجابه بدعوة الإخوان وقادتهم "وأنه ينتظر الخير للأمة الإسلامية على أيديهم، ثم قال الملك: إن الأردن في حاجة الى جهود الإخوان ولتكن أولى خطوات هذه الجهود أن يعين الأستاذ عبدالحكيم عابدين وزيرا في حكومة الأردن، على أن ينعم عليه وعلى الأستاذ البنا برتبة الباشوية· وقد رد عليه الأستاذ البنا (على الملك عبدالله) برسالة استنهضه فيها للعمل للإسلام مشيدا بانتسابه الى العترة الهاشمية الشريفة، وأثنى فيها على حسن ظنه بالإخوان، واعتذر إليه بأن العمل غير الرسمي أحوج الى جهود الإخوان، وأنه يأمل أن تلتقي الجهود الرسمية وغير الرسمية في سبيل هذه الدعوة" (العبيدي، 1991: 37، التل، 1997)·
ومن أبرز الدلائل على العلاقات الودية بين الملك عبدالله وجماعة الإخوان مشاركة وفد من الجماعة في كل من مصر وفلسطين في احتفالات تتويج الأمير في عمان في الخامس والعشرين من آيار سنة 1946، وقد قدم مندوب الإخوان الشيخ عبدالمعز عبدالستار شارة الإخوان للملك عبدالله بعد إلقائه كلمة في هذه المناسبة "الضبيان، 1994"· لذلك فقد كان هنالك تعاطف وتشابه بين إخوان الأردن ونظرائهم المصريين "لكنهم لم يكونوا لهم صورة طبق الأصل" (مسعد، 1991، 55: 1995 Meguid,)·
وتفسير تلك العلاقة في هذه الفترة يعود الى أسباب كثيرة من أهمها: 1 - أن تعاطف الملك عبدالله مع الإخوان يعود الى طبيعته الدينية· وهذا ليس غريبا على رجل مثله كما يقول عوني العبيدي: "إن رجلا كعبدالله بن الحسين تحدر من سلالة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، ونشأ نشأة دينية كريمة بجوار بيت الله الحرام وفي كنف والد جليل عرف بالتقوى والصلاح ورسوخ العقيدة··· لا يعقل أن يسلك طريقا لا ينسجم مع هذه العوامل والاعتبارات أو يسير إلا على ذلك النهج الإسلامي القويم···" (العبيدي، 1991: 39)·
ومن ناحية أخرى كان من الطبيعي أن يقوم الملك عبدالله بحكم نشأته وتربيته الدينية بمقاومة الشيوعية باعتبارها داء يهدد المجتمع العربي الإسلامي، وكذلك المدارس الأجنبية التي تحاول أن تفرق صفوف الأمة العربية، مما أدى الى ميله الى حركة الإخوان المسلمين "العبيدي، 1991"· مع العلم بأن الشيوعية كحركة منظمة لم تكن قد وفدت الى البلاد إلا بعد وحدة الضفتين، ولكن الأمير كان ضد الشيوعية كعقيدة لأنه كان يعتبرها غريبة عن التراث العربي والإسلامي·
وناحية ثالثة تمثلت في وجود قواسم مشتركة خلال هذه الفترة بين جماعة الإخوان والملك عبدالله أدت الى التقارب بينهما تمثلت في "الموقف الذي اتخذه الإخوان المسلمون من الملك فاروق في القاهرة سنة 1945 و1946 و1947· فهذا الصدام بين الإخوان المسلمين في مصر والملك فاروق جعل "الأمير عبدالله يتعاطف مع الإخوان المسلمين في مصر والملك فاروق جعل "الأمير عبدالله يتعاطف مع الإخوان المسلمين في الأردن" "الكيلاني، 1990: 28، التل، 1997"· وهذا هو الطابع المميز لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن عن نظرائهم في مصر والذي أضفى عليها نوعا من الاعتدال والوادعة مع مؤسسة الحكم·
وترتيبا على ذلك يمكن القول إن جماعة الإخوان في الأردن قد تأسست في كنف مؤسسة الحكم وحازت على إعجابها وحظيت برعايتها وتعاطفها منذ بداية تأسيسها، مما انعكس على عملها ونشاطاتها، وقد أدى ذلك بدوره الى انتشار فروعها في مختلف مدن المملكة· وكذلك فإن تسجيلها كجمعية قد أبعدها عن السلبية التي كانت لصيقة بالأحزاب بصورة عامة - حسب اعتقاد النظام - مثل التفرقة والانقسام لأنها كانت بمثابة "جمعية خيرية" (العبيدي، 1991)· فكما تقول الباحثة نيفين مسعد واصفة تلك العلاقة بين الجماعة ومؤسسة الحكم خلال هذه المرحلة: "··· فلا خصومة لهم مع حاكمين يعود نسبهم الى آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام ولا دورهم منازع في مجتمع قبلي تقليدي كالمجتمع الأردني، وتلك نقطة فارقة في تميز إخوان الأردن عن إخوان مصر" (مسعد، 1991: 56)· وبمعنى آخر فقد كان كثير من عوامل التقارب والتعايش - خلال هذه الفترة - موجودة، تلك التي انعكست إيجابيا على العلاقة بين الإخوان ومؤسسة العرش، ومنها دعم النظام للجماعة ممثلا في الأمير عبدالله، مما أعطاها القدرة على نشر أفكارها ومبادئها في البلاد، وكذلك عدم اعتبارها حزبا سياسيا· هذا بالإضافة الى نسب الأمير الممتد الى الرسول عليه الصلاة والسلام، والطبيعة القبلية للمجتمع الأردني آنذاك، حيث كان يغلب عليها طابع التدين·
2 - عوامل التعاون والتعايش: من دلائل حسن التعاون والعلاقة المميزة بين الجماعة ومؤسسة الحكم أن الملك عبدالله عندما زار مصر في عام 1948، خرج الإخوان لاستقباله "المجالي، 1960، الغرايبة، 1997"· دلالة على حسن العلاقة بين جماعة الإخوان في الأردن والملك· وكذلك فإن الاحتفالات والمحاضرات التي كان يدعى إليها الناس والمسؤولون، ومنها ما عرضته صحيفة الجزيرة من هذه النشاطات والتي تحدث في واحدة منها عبدالمنعم الرفاعي "رئيس الوزراء فيما بعد" ممثلا للملك عبدالله، وهذه الاحتفالات والنشاطات التي تقام في مناسبات كثيرة كالهجرة النبوية والمولد النبوي والإسراء والمعراج كانت تبدأ وتختم بالنشيد الملكي "الغرايبة، 1997"· وفي هذه الفترة أيضا وعلى أثر التعاون بين الجماعة والنظام سمح لهم بإصدار مجلة الكفاح الإسلامي والتي أغلقها فيما بعد غلوب باشا "التل، 1997، مسعد، 1991"· ومن عوامل الالتقاء فيما بينهم عداؤهم المشترك تجاه عبدالناصر أيام صراعه مع الإخوان في مصر (العبيدي، 1991)· ويدل على التعايش والانسجام أثناء هذه الفترة بين القصر والجماعة حضور الملك حسين لمؤتمر القدس عام 1954 بدعوة من الجماعة "العبيدي، 1991"·
وقد أثمرت تلك العلاقة الحسنة بين الطرفين، فصدر قرار من رئيس الوزراء - بناء على الإرادة الملكية - يسمح للجماعة أن تنشر دعوتها في المساجد وفي الأماكن العامة وفي دور الجماعة وفروعها في المملكة ومن دون تدخل من السلطات الأمنية إلا في حالة وقوع ما يسبب مخالفة للقانون "العبيدي، 1991"· ومن سمات هذه العلاقات الحميمة بين الملك وجماعة الإخوان، أن الملك كان يلتقي وضيوف الجماعة من العلماء ويستضيفهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لقاؤه بالشيخ محمد أمين الشنقيطي والشيخ محمد يوسف البرقاوي وغيرهما (الغرايبة، 1997)·
وختاما يمكن القول إن العلاقة بين الطرفين في هذه الفترة، منذ تأسيس الجماعة نالت عطفا ومساندة من العرش، وكانت علاقة حميمة من التعايش نتيجة لظروف البيئة الداخلية والخارجية للأردن، تلك المتمثلة في العداء لأعداء الإخوان في مصر، والعداء للشيوعية والذي شكل قاسما مشتركا بين الإخوان والحكم·
هذا إضافة الى طبيعة الملك عبدالله الشخصية، حيث كان من الطبيعي أن يشجع اتجاهات الدعوة الى الإسلام باعتباره من المتدينين· ولكن هذه العلاقة، كما يقول إبراهيم غرايبة لم تنقل في "صيغة تنسيق ظاهر أو احتواء أو تأييد واضح" (الغرايبة، 1997، 58، الشاعر، 1987)· وفي المقابل كانت هنالك بعض الفترات التي تنتقد بها الحكومة وموقفها من الوجود البريطاني ولكنها لم تكن الطابع العام للعلاقة في هذه الفترة· علما بأنهم باركوا فيما بعد خطوة تعريب الجيش عام 1956·
المرحلة الثانية: مرحلة المد القومي 1967-54: امتازت هذه الفترة باتساع المد القومي واليساري وتوجت بحظر الأحزاب السياسية، ولكن جماعة الإخوان المسلمين حافظت على بقائها بعد حل الأحزاب عام 1957، وبقيت الحركة السياسية الوحيدة العاملة في العلن، ذلك لأن الجماعة لم تكن مرخصة بوصفها حزبا سياسيا، والسبب الأكثر أهمية "أنها لم تشارك الأحزاب السياسية في المعارضة "غير السلمية" للحكم· وعدم محاولتها تجنيد منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية· هذا بالإضافة الى كونها تعمل لصالح الحكومة في الوقوف ضد الشيوعيين والقوميين "الغرايبة، 1997"· وكان من أهم سمات العلاقة المميزة بين الجماعة والنظام عدم وجود تنظيم سري عسكري كما هو الحال في مصر، وذلك رغبة منها ولأنها لا تؤمن بأي عمل عدواني ضد النظام "الغرايبة، 1997، الكخن، 1990"· ومن ثم فقد ساندوا الحرس الوطني بحماس "حتى عام 1956" وأقاموا مجموعة من التدريبات العسكرية المساندة رسميا مع الجيش·
1 - عوامل التقارب بين الحركة والنظام: من أهم علامات التقارب بين الطرفين، السماح للحركة بعودة المؤتمر عام 1959 "مؤتمر القدس" بعد إلغائه عام 1955، بأمر من غلوب باشا بحجة المحافظة على مصالح البلاد، والسماح لجميع الممثلين من أنحاء العالم بالحضور لتدارس أوضاع فلسطين والقدس· وقد وزع المؤتمر كتاب كامل الشريف "الحرب المقدسة" وكان الملك حسين قد كتب مقدمة هذا الكتاب "الغرايبة، 1997، نسيبه، 1990"· ونتيجة لذلك التقارب فقد شاركوا في العمل السياسي والعمل العام، ففي الانتخابات النيابية لعام 1956، نجح منهم أربعة بعد ترشيح ستة أشخاص، خمسة في الضفة الشرقية وواحد في الضفة الغربية، ونتيجة لهذه العلاقة الحسنة فقد سمح الملك للإخوان بالعمل العلني، وذلك "تعبير عن امتنان النظام لدعم الإخوان للملكية" "الغرايبة، 1997: 67، حداد، 1991"، وبخاصة بعد دعم الإخوان للنظام في أزمة 1957 عندما وجه الاتهام الى عناصر قومية من الأحزاب والجيش والحكومة بمحاولة تدبير الانقلاب العسكري ضد النظام· ففي تلك الفترة يذكر المراقب العام للإخوان المسلمين آنذاك الأستاذ خليفة أن الملك قد عرض عليه - عن طريق رئيس ديوانه - أن يشكل الحكومة، وقد اعتذر المراقب العام، "لأن الجماعة ما زالت فتية ولا تملك أن تكون فريقا وزاريا، فمعظم الإخوان كانوا شبابا قليلي التجربة" "الغرايبة، 1997: 68"· وقد توجت تلك العلاقة - عند عقد المؤتمر الرابع للقدس عام 1960 - بافتتاح الملك حسين لها·
هذا بالإضافة الى عوامل أخرى أدت الى التقارب بين الجماعة والنظام ومنها، طبيعة المجتمع الأردني التقليدي المحافظ وغياب الصراع الاجتماعي، وهذا عكس ما هو موجود في مصر، لقد استطاعت الجماعة أن تستقطب أعضاءها من جميع فئات الشعب وكان توزيعهم كما يلي، 40 في المئة من التجار والملاك، و20 في المئة طلابا، و20 في المئة من المدرسين، و20 في المئة من المهنيين والحرفيين ومعظمهم من بيئات دينية محافظة، وكان الاختلاف بين تنظيم الإخوان المسلمين في الأردن ومصر هو أن تنظيم الإخوان في مصر تشكل فيه فئة العمال والحرفيين والمدرسين النسبة الغالبة "أبو غزله، 1996"· ويقول أحد قادة الإخوان: "لم يثر الإخوان على الملك··· لأنه لم يكن في مقدورهم فتح جبهات مع جميع الأطراف في آن واحد··· وقفنا مع الملك لأن عبدالناصر لم يكن عقلانيا في هجومه عليه، فكنا نحن نشك في علاقات عبدالناصر بأمريكا، وقفنا مع الملك لحماية أنفسنا··" "عمرو، 1989: 27"· وتفسير ذلك أن النسبة الغالبة المشكلة لإخوان الأردن كانت من التجار وملاك العقارات تدفعهم مصالحهم في أحيان كثيرة الى عدم المواجهة العنيفة مع النظام، وعلى الرغم من علاقة النظام مع الغرب وبخاصة أمريكا وبريطانيا، فإن الإخوان كانوا في بعض الأحيان يوجهون النقد لهذه العلاقة غير المتكافئة مما ينتج اختلافا بين الطرفين·
2 - الاختلاف بين الجماعة والنظام: في هذه المرحلة تذبذبت العلاقة بين الطرفين وذلك لعوامل أتت في معظمها من البيئة الخارجية· بالإضافة الى بعض الحوادث المتفرقة بين الحكومة والجماعة مع محاولة تجنب الأخيرة المواجهة مع النظام· ففي الوقت الذي كانت تنتقد الجماعة الحكومة واليساريين والقوميين، كانت تدعو الى مساندة الملك والالتزام الإسلامي والوطني·
ففي عام 1954 انتقد الإخوان علاقات الحكومة الأردنية مع الدول الغربية وبخاصة بريطانيا، وذلك باحتجاجهم المستمر على قيادة الجيش المتمثلة في وجود غلوب باشا وبعض الضباط البريطانيين، والمطالبة بترحيلهم والقيام بمظاهرات معادية للاستعمار بشتى صوره· وكانت نتيجة ذلك أن اعتقل مراقبهم العام فترة وجيزة· فهاجم الإخوان حلف بغداد الذي عملت الحكومة جاهدة للمشاركة فيه، وعلى أثر ذلك تم اعتقال المراقب العام عام 1955، ثم فر الى سوريا وعاد بعد مدة قصيرة، وكذلك عارض الإخوان مبدأ ايزنهاور عام 1957 الذي يقضي بالتحالف مع أمريكا كحيلف بديل عن المملكة المتحدة وذلك في إطار سياسة الولايات المتحدة لاحتواء الاتحاد السوفييتي في ظروف الحرب الباردة في أي منطقة من العالم·
لذلك، فقد انتقدوا هذا التقارب من خلال مظاهرات احتجاجية، وكان ثمار ذلك اعتقال المراقب العام مرة أخرى عام 1958 "وكان عضوا في مجلس النواب"، وقد أدى ذلك الى انهيار العلاقة بين الحكومة والجماعة في عام 1959 حين أوقفت صحفهم ونشراتهم، واعتقل كذلك المراقب العام "الغرايبة، 1997"· وعلى الرغم من هذه الحوادث فإن جماعة الإخوان لم تتعرض للخطر أو الملاحقة، ولكن تأييدهم ودعمهم الشعبي تراجع منذ نهاية الخمسينيات بسبب المد القومي واليساري الذي اجتاح الوطن العربي بسبب شعبية الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان في حالة عداء مع إخوان مصر· ومن مؤشرات هذا التراجع في شعبية الإخوان تناقص عدد نوابهم من أربعة الى اثنين عام 1963 "النفيسي، 1992"·
وفي خلال هذه الفترة التقى الإخوان مع النظام حول حادثة تأميم قناة السويس· وقد شاركوا في المظاهرات المؤيدة لمصر خلال العدوان الثلاثي· ومن ثم فقد كان موقف الإخوان في الأردن من النظام المصري منسجما مع موقف النظام الأردني والحكومة الأردنية التي كانت على خلاف شديد مع مصر آنذاك، وذلك عندما تم إفساح المجال لقيادات الإخوان الهاربين من مصر للجوء الى الأردن، ومن هؤلاء كامل الشريف "الغرايبة، 1997"· ففي حادثة التأميم هذه التقى كل من الإخوان والنظام على ضرورة تقديم العون لمصر على الرغم من حالة العداء التي كانت بين البلدين· وبمعنى آخر، فإن هذا الظرف الإقليمي قد أثر في العلاقة بين الإخوان والنظام مدة قصيرة·
وعلى الرغم من التذبذب في العلاقة بين الجماعة والنظام فإنهم كانوا في هذه الفترة عونا للنظام في أحلك الأيام "خلال أزمتي 1957 و1958" وفي المقابل كان النظام ملاذهم مع أقرانهم عندما كانت بعض الحكومات العربية تختلف معهم· لذلك وكما تقول نيفين مسعد: فإن تحالفهم "الإخوان في الأردن" مع نظامهم كان خطا استراتيجيا في سياستهم كما في سياسة المملكة، ولم يكن من قبيل التعاون اللحظي الذي يزول بزوال مبرره· وعندما كان يحدث ما يعكر مثل هذا التحالف "الخلاف حول تطبيق الشريعة أو حول العلاقة مع الغرب"، بل عندما كان يخرج النظام عن مألوف عادته في التعامل مع الإخوان "اعتقال مراقبهم العام محمد عبدالرحمن خليفة في العام 1955 ومصادرة نشراتهم بعدها بأربع سنوات"، فإن آليات التشابك بين مصالح الطرفين، وميراث التعاون المشترك فيما بينهما، سرعان ما كانا يقضيان بعض الاستثناء والعودة مجددا للأصل"، "مسعد 1991: 56" لهذا فإن دخول الإخوان للبرلمان بموافقة من النظام كان دلالة على احترام دورهم ورصيدهم التاريخي أمام الجهات الأخرى وبخاصة الشيوعيون والناصريون· وكما يقول بعض الباحثين فإن استثناءهم من الحظر عام 1957 كان بسبب دعمهم للحكم "الحوراني وآخرون، 1997"· وهنا أيضا تظهر الطبيعة المميزة للعلاقة بين النظام والجماعة وتميز الأخيرة عن سائر القوى السياسية الأخرى كالشيوعيين والقوميين وغيرهم·
وختاما يمكن القول إن عوامل البيئة الداخلية والخارجية قد وجهت العلاقة وطبعتها بطابعها الخاص، وبخاصة بالنسبة للظروف الخارجية المتعلقة بالمد القومي العربي خلال هذه الفترة وبعد أن أتاحت لها البيئة الداخلية تحولها الى صيغة تنظيمية وقانونية جديدة· فأصبحت تنظيما له فروعه المنتشرة ومؤسساته القيادية المنتخبة· وبناء على ذلك فقد شاركت مشاركة فعالة تمثلت في إنشاء المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس وتنظيم المعارضة للحكومة، مثل حلف بغداد ومشروع أيزنهاور أو بسبب أي تصرف مناف للتعاليم الإسلامية، حيث شاركت في الحياة البرلمانية بدءا من عام 1956 عندما رشحت مجموعة فاز منهم أربعة، وشاركت في عام 1963 وعام 1967 ولكن بنسبة أقل من عام 1956· ومع ذلك فقد حافظوا على خصوصية علاقتهم بالحكومة في الأردن بسبب التزامهم بالعمل السلمي وتأييد النظام في حالات عدة ومعارضة الحكومة في إطار العمل القانوني المتاح· لذلك فإن النظام اتخذ منهجا وسطا في التعامل مع جماعة الإخوان لضمان المحافظة على اللحمة الوطنية وبخاصة بعد أخذه الدروس والعبر من التجارب العملية لبعض الدول العربية والإسلامية في معاملاتها مع الجماعات والحركات الإسلامية· ونتيجة لذلك فقد ترابطت العوامل المختلفة "الداخلية والخارجية" في تحديد علاقتهم بمؤسسة العرش دون تعرضهم لخطر الإبادة أو الملاحقة مما انعكس إيجابيا على مستقبل العلاقة بين الطرفين كما سنرى لاحقا·
المرحلة الثالثة: المد الإسلامي وتأثير البيئة الخارجية 1988-68: وسعت هذه المرحلة الفترة من هزيمة حزيران عام 1967 حتى أواخر الثمانينيات، وبالتحديد بدءا من انحسار المد القومي وبداية المرحلة الجديدة من المد الإسلامي، وبخاصة بعد الانكسار النفسي وانتهاء الشعارات القومية عندما عجزت عن تلبية الطموحات الشعبية، وبدء الحركات القومية والاشتراكية في التراجع لكي تفسح المجال أمام الحركات الإسلامية بالنمو والانتشار·
فعلى المستوى الإقليمي والدولي حدثت أحداث لها تأثير كبير في المنطقة منذ حرب الأيام الستة، وحرب 1973، والمد الإسلامي المتصاعد في أواخر السبعينيات، وزيارة السادات التاريخية للقدس عام 1977، وإطاحة الثورة الإسلامية الإيرانية بالشاه عام 1979· كذلك واجه الانقلاب اليساري في أفغانستان ثم الاحتلال السوفييتي ثورة إسلامية شاملة استمرت ما يقرب من عشر سنوات حتى سقوط النظام اليساري في أفغانستان وانسحاب القوات السوفييتية منها· أيضا فقد اقتحمت مجموعة إسلامية المسجد الحرام في مكة وتناوشت مع الجيش السعودي، ودخل الإخوان المسلمون في سوريا في نشاطات مسلحة ضد نظام الحكم· هذا بالإضافة الى الحرب العراقية الإيرانية التي استعرت بينهما ثماني سنوات·
كل هذه العوامل والظروف الخارجية انعكست على العلاقة بين النظام وجماعة الإخوان في الأردن وكانت هذه الآثار في معظمها سلبية، وسنتحدث عن أهمها·
في البداية وبعد حرب 1967 ونتيجة للأحداث المؤسفة بين المنظمات الفدائية والحكومة الأردنية عام 1970، كان الإخوان في حالة من التخوف والقلق، وذلك لأن الساحة الأردنية كانت مملوءة بالتنظيمات المسلحة التي كانت في أكثرها معادية لهم حيث كانوا يخشون من التعرض للتصفية الجسدية على أيدي البعثيين والشيوعيين والناصريين· لذلك فقد حملوا راية الدعوة الى إنشاء قوة إخوانية مقاتلة مسلحة تتخذ لها قاعدة في الأردن لمباشرة العمل والجهاد ضد إسرائيل "الغرايبة، 1997، أبو عزة، 1992"· وقد كان الإخوان يدركون أن المنظمات تفكر وتتصرف بطريقة قد تجعل الحكومة الأردنية تبعدها من الأردن "أبو عزة، 1992"· لذلك فقد وقفوا موقف الحذر في التعامل مع هذه الأحداث· ومن ثم فقد اتهمت المنظمات الإخوان بأنهم تخلوا عن حركة المقاومة في مواجهة النظام "الملك" "عمرو، 1989"· ولكن الإخوان يردون عليهم بأن اليسار قام بأعمال استفزازية خلقت المبرر لدى النظام الأردني لضرب المنظمات الفلسطينية، وكانت وجهة نظرهم تتثمل في ضرورة الابتعاد عن مثل هذه الأعمال لادخار قوتهم وسلاحهم "عمرو، 1989"، وبهذا حافظت الجماعة على العلاقة الحسنة مع النظام في موقفها الحذر هذا، وبخاصة بعد ابتعادهم عن كل العمل الفدائي "نقرش، 1992"· علما بأن بعض الإخوان كانوا قد انخرطوا خلال الفترة من عام 1966 الى عام 1970 في التنظيمات الفدائية في الأردن وبخاصة في حركة فتح "أبو غزلة، 1996"· وهي التي أدت الى التصادم بين التنظيمات والنظام السياسي الأردني· وبذلك فقد مارس الإخوان العمل السياسي دون أي عنف مركزين على العمل الاجتماعي والتطوعي، مما أعطاها مجالا كبيرا في العمل على الساحة الأردنية·
تعارض واختلاف: وكما أشرت سابقا فإن المد الإسلامي والأحداث في الخارج والداخل أعطت أهمية إضافية للجماعة، جعلت من الجماعة قوة مؤثرة وفاعلة في الساحة المحلية، فقد امتد نفوذها الى الاتحادات والجمعيات الطلابية في الجامعات والكليات والنقابات المهنية· وكان لأعضائها حضور مؤثر وفاعل ومميز في بعض الوزارات وخصوصا وزارتي التربية والتعليم والأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية· ومن ذلك المنطلق تعارضت مواقف الإخوان مع مواقف الحكومة والنظام من الأحداث العالمية والتي أثرت بدورها في العلاقة بين الطرفين، فقد تعارض موقف الإخوان مع الحكومة من الثورة الإسلامية في إيران والحرب العراقية - الإيرانية· وعلى الرغم من إعلان الحكومة الأردنية تأييدها للحكومة الإسلامية فقد بقيت علاقتها بإيران حذرة، ثم أصبح هناك خلاف كبير بعد الحرب عندما أيدت الحكومة الأردنية العراق، وذلك بسبب التهديد الإيراني للخليج العربي والذي يهدد بدوره الملاحة البحرية في خليج العقبة المهم في تجارته مع العراق "الغرايبة، 1997"· فالجماعة كانت ترى الحرب هلاكا ودمارا للأمتين العربية والإسلامية، ومن واجب الحكومة ألا تنحاز الى طرف على حساب آخر، إن لم تكن لها القدرة على التوسط لحل النزاع وبخاصة بعد التحريض المستمر ذي "التأثيرات الإيرانية والمضادة لاتفاق كامب ديفيد" "روبنسن، 1994: 38"·
كذلك كانت الحال بالنسبة الى سوريا، فعندما وقعت مواجهات الإسلاميين العسكرية مع الحكم وبدأت تخرج أفواجها الى الأردن وبعض الدول العربية وصفيت معظم قواعدها "كانت نهاية المطاف أحداث حماة عام 1982" حيث كان موقف الإخوان منسجما مع موقف الحكومة لأن علاقاتها مع سوريا تمر بأسوأ مراحلها وبخاصة بعد إيوائها للإخوان السوريين الفارين بتسهيل إقامتهم ونشاطهم السياسي· مما أدى الى حشد متبادل على حدود البلدين وإلقاء القبض على مجموعات سورية تحاول القيام بعمليات اغتيال لبعض الشخصيات الأردنية· ولكن نجاح الحكومة السورية في المواجهة مع الإخوان جعل الحكومة الأردنية مضطرة الى إعادة علاقتها مع سوريا والإخوان في الداخل، ومن أجل ذلك تشكلت حكومة زيد الرفاعي بعد استقالة حكومة أحمد عبيدات عام 1985، وانتقد الملك كثير من الوعاظ والخطباء في كثير من المساجد، وطالب حكومته بوضع قانون لضبط خطباء المساجد، وبعدها قدم الأردن اعتذارا رسميا لسوريا بسبب الأعمال التي كان يقوم بها الأخوان ضد النظام السوري "روبنسن، 1994: 85"· وكانت طبيعة الاعتذار واضحة خلال الرسالة التي وجهها الملك للحكومة· وتأكدا على ذلك فقد وجه الملك رسالة الى رئيس الوزراء ملقبا الإخوان بألقاب متعددة منها "الحفنة الفاسدة والفئة الضالة" (وزارة الإعلام الأردنية، 1986"· وبذلك عادت العلاقات الأردنية السورية الى سابق عهدها في عام 1985، وذلك على حساب الإخوان في الداخل·
وحتى في السودان بعد أن عقد النميري مصالحة مع المعارضة الإسلامية فسمح لهم بالمشاركة في الحكومة، صار لهذا الوضع أهمية إضافية للإخوان المسلمين في الأردن، حيث كانت مهرجاناتهم تستقطب كثيرين مما أعطاهم الدافع للصمود أمام التحديات الداخلية·
وعلي المستوى الداخلي، وبعد إجراء الانتخابات التكميلية عام 1984، شارك الإخوان في الانتخابات لملء المقاعد الثمانية الشاغرة ونجحوا في الحصول على اثنين منها، وكذلك الحال بالنسبة للانتخابات البلدية في إربد ومادبا وسحاب وفي اتحادات الطلبة والاتحادات النقابية "المهندسين، والأطباء، والمحامين···"· كما شارك الإخوان بفاعلية في حشد التأييد الشعبي لنشاطات الإسلاميين العسكرية في سورية، والثورة الإسلامية في إيران· كل ذلك انعكس على بياناتهم التي كانت توضح آراءهم في الأحداث المختلفة، مما أدى الي زيادة حركتهم في تعاملهم مع الحكومة والنظام·
يتبع
* عن مجلة "العلوم الاجتماعية"·
** أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية - جامعة مؤتة - الأردن