عن النص الروسي: موتزارت وساليري (العبقرية والشر"من تأليف : الكسندر بوشكين·
اقتباس وصياغة شعرية: جنة القريني
المشهد الأول
ساليري: هناك شهدتُ ولادة بتلك الكنيسةِ
طارت تراتيلُ "أورغن" شفيفه
فشدتْ عروقي إليها
وهلّتْ دموع انجذابي عذاباً
نبذتُ المسرات، أضمرتُ كرها لكل العلوم
وهبتُ أنايَ لربة كل الفنون "الموسيقى"
عسير هو البدءُ دوما
ولكنْ،
قفزتُ على كل خيبات عمري المبكر
روضتُ فنّي، وعوّدتُ أذني
على كل لحن رهيفٍ،
وشرَّحت أنغامَ هذا الجنونِ الجميلِ
بكفَّيَّ هاتين، قُدتُ الخيالَ
العنيد لمجدي، سكرت بطعمِ
بعيدا عن الخلق،
أقضي الليالي بمحراب صمتي
وزادي رمادي
ودمعُ اتقادي
فمن أينَ جئتَ
لتكشفَ أسرارَ كل الخبايا
ترشُّ المنايا
على كل درب
فأمسي شريداً، كمن ضل عن دربه بعد لأيٍ
أنا من قطفت نجومَ النجاحِ
وما اسطاع غيرك أسري
أزٌدو وحسودا؟ وما كنت يوماً حسوداً
أأغدو حسوداً
أيغدو ساليري الذي لم يكن قط يوماً حسودا،
أيغدو حقيرا كأفعى؟
كأفعى تجوس الرمال بوهنً،
وأقدام كل البرايا عليها؟
نعم، صرتُ حقاً حسوداً
وأحسدُ من عمق أعماقِ قلبي
فيا كلَّ تلك السماءِ
أعدل لديك؟
أعدل هياتكِ تهجرُ عقلَ أمرء ضارعٍ
بالصلاة، مشع، محب، مثابر؟
وتختار عقل امرءٍ خاملٍ
ليسَ يعرف غير التهور،
غير التسكع
عقل أمرء مثلَ موتسارت؟!
أموتسارت؟، وتسارت!!
موتسارت: "ضاحكا" نعم ساليري العزيز
ساليري: أأنت هنا؟ مذ متى؟ كيف جئت؟
موتسارت: إني هنا مذ قلت موتزارت ، ناديتني فحضرت
ساليري: "يدير وجهه" أنا لم أنادك، لم أقلْ··
موتسارت: هل تذكر المارش الذي زلقته مذ كنت في سالزبورغ؟
المارش التركي "بدندن فيه مع تحريك يديه"
ساليري : يلي، ما به؟
موزارت: قم كي تمتع مسمعيك وناظريك بمن يقوم بعزفه·
ساليري: أراك سعيدا، فمن هو قل لي··
موزارت: خمن، تراه من يكون؟
ساليري: أوه، ومن أين لي أن أخمن موزارت؟
موزارت: أسرع معي كيما تراه·
ساليري: (يفقد صبره" أنا لا احتمال لدي لهذي الدعابات،
قل لي···
موزارت: (ضاحكا) هل تعرف السكير "يوهان" العجوز؟
ساليري: يلي أخرق الحي، ذاك الرقيع··
موزارت: كم أنت تبدعُ في الهجاء··
ساليري: وما باله قل بحق السماء··
موزارت: إني مررت جوار حانة ذلك المسكين "يوهان" الرقيع،
شدت رداءةُ عزفة سمعي، فقادتني خطاي وإذ به لحني تصدقُ ساليري، لحني توقعه أنامل أخرق الحانه
يوهان العجوز؟
ساليري: أتضحك موتسارت؟
موزارت: شاهدت حلقات السكارى يرقصون ويسكبون عليه أوشال الكؤوس ويضحكون (ضاحكا)
ساليري: وما زلت تضحك··؟
موتسارت: لم لا ساليري، كيف لا يدعوكَ هذا للضحك؟
ساليري: أأضحكُ حينَ يلطخُ رسام بوسٍ
وقاراً لعذرا دافنشي؟
أأضحكُ حين يهينُ حقير قداسة "دانتي"؟
موتسارت: إضحك ساليري، سوف لن تضحك فيما بعد بل تبكي من الحسرات·· اضحك قبل أن نمضي كلّ في طريق
ساليري: أتعلم شيئا أنا أجهله؟
موزارت: إني أرى في الأفق عصراً ليس لي فيه مكان
ساليري: (متوترا) بربك أفصح··
موزارت: لا تبتئس، فلربما يدنيك ذاك العصر من قمم الخلود
ساليري: (يتخيل بانتشاء)
موزارت: والخلد للشيطان أيضا، لا تنسَ ذاك··
ساليري: أتلهوا أم أنك جاد··؟
موزارت: خذ نخب صحتنا عزيزي ساليري·· أتود أن تصغي إلى ·· شيء جديد··؟
ساليري: لديك جديد وتخفيه عني··؟
موزارت: لا لست أخفي أي شيء·· ها إنني قد جئت أعرضُ فكرة طافت ببالي ليلة عضَّ السهادُ بها جفوني
هل لديك الوقت أم··
ساليري: متى كنت لا أستطيع استماعا إليك؟
تفضل عزيزي فإني أنا الاستماع الحقيقي دوماً إليك، تفضلْ تفضلْ
موزارت: (يضحك بمرح) شكراً، وقبل البدء أرسم في خيالك روضة من بهجة، وأنا كأسعد عاشق قربي فتاة ترتدي الحان قلبي، تقرأ الحلم المخبأ في عيوني، بغتة·· كالسهم يمرق طائف الموت المهيبْ ويشدني نحو المغيب، فتسربل الدنيا سحابات الظلام،
··· هيا تخيل مثل هذا واستمع ··(يبدأ العزف)
ساليري: (بإعجاب) إلهي، إلهي··
أهذا الذي جئت تسمعنيهْ؟
وكنت تريد المكوث بحانة ذاك الدعىَّ الحقير؟
وتضحك تضحك·· من عزفه بانتشاء؟
أتجهل من أنتَ موتسارت؟
أتجهل هذا السموَّ؟ أتجهلُ هذا البهاءْ؟
أأنت جدير بنفسك موتسارت؟
كلاّ·· إلهي··· إلهي
موزارت: (بمرح) هذا السموَّ يئن من جوعٍ شديد ·· هيا لنبحثَ عن مكان للغداء·
ساليري: أحقا تجوع وأنت مليء بعذب السحاب
موزارت: دوما تبالغ ساليري أو لم تجع، قل لي ودعْ
لغة الخيال···
ساليري: أجوع إلى الفن موزارت، ولكن إلى حيث تنوي الذهاب
سآتي معك
موزارت: حسناً، إذن، فلأذهب، الآن، لأخبر زوجتي كي لا تطيل الانتظار
ساليري: أنا في انتظارك أسرعْ
(لنفسه) ستأتي إليّ سريع، مصيرك قد حان،
ما عدت أسطيع صبراً·· عليكَ ستهوي،
أيمكن أن يستمر صعودكَ نحو الذري، بينما
نحن نبقى بحلم التراب الوضيعْ، نتوقُ ولا نملكُ
الريشَ كيما نطير؟
هو السم آخر شيء سأهديه لك
فطر حيثُ شئتَ ستهوي أخيرا
لأبقى أحلق وحدي بفني
أنا لم أتق للحياة كثيرا، ولكنْ
لعلّ الحياةَ ستأتي "بهايدن" جديد··
سأمضي فقد حان وقت اللقاء الجميلِ
المشهد الثاني
ساليري: أراك عبوسا فهل بك شيء؟
موزارت: لا شيء بي
ساليري: ولكنّ شيئا يكدر صفوك·· أراك تلوذُ بخمر سكوتك
ما بكَ قل لي
موزارت: آه، صديقي ساليري·· قلقي يمزقني··
صدى مرثيتي يجتاح رأسي··
ساليري: (بتعجب وفضول لا يخلو من الغيرة" أأنت تؤلف مرثية مذ متى؟
موزارت: من مّدة·· لكن شيئا ما يثير هواجسي
ساليري: وما ذاك؟ قل لي··
موزارت: في ليلة من قبل شهر أو أقل، أتيت نشوانا إلى بيتي وكان الوقت يعتق الصباح ليدفىء الأوصالَ من بردِ المساء، وإذا بمن في البيت يخبرني بأن هناك شخصا جاء يطلب رؤيتي·· من؟ لست أودري··
جاء ثانيةَ، ولما لم يجدني جاء ثالثة··
وبينا كنت ألهو في فناء الدار مع ابني، خرجتُ وجدتهُ:
شخصاً تلفعَ بالسوادْ··
أدى التحية باحترامٍ، ثم كلفني بترتيل جنائزي،
وبدأتُ أكتبُ منذ ذاك الحين ولكنْ··
لم أر الشخص الملفّع بالسوادْ
وإنني حقا لمسرور، ولكني أسفت على غياب الحالة النوراء، تعلمُ يا صديقي كيف يغدو المرءْ حيثُ الوحيُ يرخى بردةَ الإبداع حينا ثم يرفعها،
ساليري: أتعني انتهاءك منها؟
موزارت: تمت نهائيا
ساليري: (مشيرا للورق" ولكنها لم تتم·
موزارت: تمت هنا (مشيرا إلى رأسه)، لكنني··
ساليري: مابك··؟
موزارت: أصابني ذلك الملفع بالقلق، إني أحس بأنه خلفي، أمامي حيثما أمشي أراه·· أني أحس بأنه معنا، كشخص ثالثٍ··
ساليري: (مقاطعا) كفاك مخاوف حسبك يقول "بومارشيه"·
إذا ما عتراك القلق، فخذ كأس شامبانيا أو "زواج فيغارو"
موزارت: حقا هنالك دائما لحن أكرره إذا ما كنت مسرورا سعيدا لا لا، لا لا·· لكن يقال بأن "بومارشيه" أراق السمَّ
يوما ما لشخص؟
ساليري: هراء·· لأن بومارشيه كثير المزاح، بعيد عن الشر·
موزارت: قد كان عبقريا، مثلي ومثلك، غير أن العبقرية لا تطيق الشر، فالاثنان ينفي الأول الثاني·· ألست معي صديقي ساليري؟
ساليري: أتحسب ذلك (يريق السم في الكأس
اشرب عزيز نخب الصداقة
موزارت: نخب الصداقة، نخبُ موتسارت الوفي لساليري
اسمان بينهما التناغمُ، والتفاهم والوفاء (يشرب)
ساليري: توقف، توقف·· كفاكَ انتظر··
موزارت: إني اكتفيت الآن·· فلأكمل إذن ترنميتي
(يكتب ويعطي ساليري صفحة)
موزارت:(في الثانية) ماذا؟ أتبكي ساليري؟
ساليري: أحس بشيء ثقيل قد انزاح عني،
أحس بطعم السرور وطعم الألم،
وهذي دموعُ ارتياحي، فتابع رثاءك واصعد بروحي كيما
تعانقَ هذا السموَّ الجميل
(لنفسه) هذا السمو الذي لن أراه·· طويلا طويلا
هنا الشر والعبقرية، صنوان ي هذه النفس
تعساً لمن لم يقل غير هذا·
موزارت: لو أن من حولي لديهم قوة الإحساس بالجوهر،
إذن لسمو بأغراض الحياة، لكرس الإنسان منهم نفسهُ
للفنِّ، للإبداع لكنْ
قلةٌ نحن الأُلى جزنا بأنفسنا الصعابَ
لكي نكون الرائدين،
نكونَ كهانَ الجمال·
(يجلس أمام البيانو ويعزف بانتشاء)