سوق الشعر... كاسد!
ركان الصفدي
(1)
للكتاب المطبوع سحره في نفس صاحبه، فهو يعني له المشروعية، الاستمرارية، الانتشار··· الكتاب المطبوع يصبح ملكا للجميع، يشب عن طوق مؤلفه، ينفصل عنه كما ينفصل الابن عن أبيه حين يكبر ويتزوج، إنه ابن حقيقي للكاتب: يرعى نموه أمامه مخطوطا، يختار له اسمه الذي سيعرف به، يضع فيه آماله··· بعض الكتب يجلب لأبيه الفخر والسمعة الطيبة وبعضها الآخر يجلب العار!
(2)
من الناس من يصاب بشهوة النشر، أو هَوَسه، حتى يظن أن جميع ما أراقه من حبر، وما نشره في صحيفة هنا أو مجلة هناك، كلام مقدس لا يحلّ له إهماله أو نسيانه، ولكن هل يعلم أن النشر في الصحافة أشبه بكلام الشارع أو المقهى، يُتَسامح فيه وتغفر أخطاؤه وهفواته ونزواته، أما الكتاب المطبوع فهو حجة لصاحبه وعليه، لأنه نتاج التفكير والتأمل والرويّة·· قيمة الكاتب لا تكون في عدد كتبه وإنما في نوعها، وتميزها، ومن كتب الجاحظ التي رَبَتْ على السبعين لم يخلد منها في ذاكرة الأجيال سوى ثلاثة أو أربعة، والكثير من الكتاب لم يُعرفوا إلا بكتاب واحد من عشرات كتبهم، فإذا كان هناك "بيت القصيد" في الشعر فما أحوجنا الى "كتاب الكتب" في عصر أصبحت فيه متابعة جميع ما ينشر من المحال!
(3)
من ينظر الى حال النشر في وطننا العربي يَرَ أن هناك موجات تجتاح مكتباتنا بحسب الدرجة "الموضة"، ففي مرحلة يسود الكتاب الأدبي، وفي أخرى يسود الكتاب السياسي، أو الفلسفي، أو النقدي، أو الديني، أو التاريخي··· أما الآن فنلاحظ كيف تروج كتب "العولمة" والشهادات التاريخية، بالإضافة الى الكتاب الديني والرواية، هذا إذا استثنينا الكتاب العلمي لأنه يمثل حاجة عملية، وكتب الطبخ والنفخ لحاجتها المنزلية، ولأننا لم نؤمن بعد أن "البطنة تذهب الفطنة"· ولا بد من وقفة عند ذلك المتسكع على أرصفة دور النشر، والمتشرد في المعارض والأسواق، ذلك هو ديوان الشعر الذي يزورّ عنه الناشرون، ويصعّر خده أمامه القارئ، وأنى طرق الأبواب ووجه بعبارة "سوق الشعر كاسد!"·
(4)
إن الشعراء الذين لا يعانون أزمة نشر وتوزيع وقراء يعدون على أصابع اليد الواحدة، أما البقية منهم فإنهم إن وجدوا ناشرا فقد لا يجدون قارئا، وإن وجدوا الاثنين فقد لا يجدون موزعا، وإن وجدوا الثلاثة فقد لا يجدون··· أنفسهم!
والشعراء الشباب أكثر الناس تضررا من هذه المعادلة "كثيرة المجاهيل"، فلا يجدون دار نشر تغامر بطرح اسم جديد في الساحة لأن حساب السوق لا ينطبق على حساب الإبداع· وأذكر كيف كان الشعراء الشباب في سورية أو مصر يتضورون نشرا الى أن يتاح لهم بعد انتظار طويل الوصول الى مطابع وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب العرب، وهما هيئتان لا تستطيعان استيعاب جحافل المنتظرين، أما دور النشر الخاصة فتنظر الى جيوب هؤلاء المساكين المعوزين قبل أن تنظر الى عناوين دواوينهم الشعرية·
(5)
ينبغي أن نعترف بأهمية القطاع العام في عملية النشر، فعلى الرغم من مساوئه وبيروقراطيته إلا أنه أكثر ديمقراطية من دور النشر "الشعبية"، إذ يتبنى طباعة الكتب مجانا، وينشر أنواعا مختلفة من الكتب و"السلاسل" الثقافية التي لا يقوى عليها القطاع الخاص الذي يُخضع اختياراته في النشر لقوانين السوق فقط· أما الادعاء بأن "النشر الحكومي" يخضع لرقابة مشددة، ولمعايير سياسية أو فكرية معينة، فإنه على ما في ذلك من مبالغة بما يتعلق بكتب الأدب والفن، يغفل أن دور النشر الخاصة تخضع لتلك المعايير والقوانين نفسها في مجتمعاتنا أو أنظمتنا الديمقراطية جدا!
(6)
بعض الشعراء والكتاب ينشئ دار نشر خاصة بأعماله فقط! لعل ذلك يكون هربا من "روتين" عملية النشر وتعقيداتها الإدارية والقانونية والفنية، وقد يكون نرجسية وبطرا··· ولكن هل يفلح مبدع تاجر؟ ربما، فقد يفلح تاجر مبدع، ولا سيما إذا عرض لزبائنه "النخب" نفائس "ماركاته"!
(7)
قد يكون أجدى للشعراء أن يوزعوا صناديق في الجمعيات والمشافي والبقالات والمجمعات على غرار الجمعيات الدينية "تبرعوا للشعراء···" بإضافة كلمة "الشيشان" لجلب العطف والمال··· أو أن تقدم دور النشر "تنزيلات" خلّبية كما تفعل المحلات التجارية لتسويق بضاعتها الكاسدة··· ولكن قبل أن يحدث هذا ينبغي أن نعترف أن سوق الشعر كاسد، ولكن الشعر الحقيقي لم يكن في يوم من الأيام··· سلعة في محلات الـ"نصف دينار"·