· مجلة العربي ساهمت في يقظة الوعي القومي وارتباط الوجدان العربي بقيم العروبة والإسلام
· المحن التي واجهت الكويت لم توقف مسيرتها الثقافية لأنها ثقافة أصيلة نابعة من جذور النهضة الكويتية
· المثقفون العرب لم يؤدوا في حياة أوطانهم الدور المنتظر منهم
حوار منى زين الدين
الدكتور محمود السمرة أحد المثقفين والكتاب العرب الذي شهد مولد مجلة "العربي" وساهم في تحرير العدد الأول منها وظل مدة ست سنوات يعمل فيها، وعندما غادر الكويت منذ عام 1964 ظل على اتصال بالمجلة وثقافة الكويت مختزنا في قلبه ذكريات عشق حميم لهذا الوطن والأصدقاء من الشعراء والفنانين والأدباء الذين ما زالوا يحتلون في قلبه مكانه كبيرة·
والدكتور السمرة خريج جامعة لندن ورئيس الجامعة الأردنية سابقا وزيرا للثقافة سابقا ورئيس جامعة البنات حاليا·
وأصدر أكثر من ثلاثين كتابا في الأدب والنقد: "القاضي" الجرجاني الأديب الناقد وفي النقد الأدبي والابداع في الشعر وغريبون في بلادنا وأدباء الجيل الغاضب" و"متمردون أدباء وفنانون" و"فلسفة الفكر واللغة" وفلسطين أرضا وشعبا وقضية" وغيرها من الكتب الأخرى· وكان لنا معه الحوار التالي:
وضوح الرؤيا
هل يمكن تلخيص بعض الآثار الثقافية التي أحدثتها مجلة العربي في تقريب أفكار المثقفين ووضوح الرؤيا القومية أمامهم من وجهة نظركم؟
- رسالة مجلة العربي كانت منذ البداية قومية ولكل العرب وكان مبدؤها أن تدخل كل بيت عربي ولا تشغل نفسها بالخلافات العربية وكانت ولا تزال مجلة تثقيفية للمثقفين في غير تخصصاتهم ولهذا كان الاقبال عليها كبيرا جدا·
وأذكر أننا عندما فكرنا في إصدار العدد الأول كان تقديرنا أنه إذا بلغ توزيعها نحو عشرة آلاف نسخة فإنها تكون ناجحة ولكن طبع من العدد الأول ثلاثون ألف نسخة ونفدت جميعها وآخر عدد مطبوع منها تزايد حتى استقر في الأذهان أنك لم تحصل على نسختك في أول يوم من أيام توزيعها فإنه سيكون من الصعب عليك أن تحصل عليه فيما بعد·
وعندما تركت مجلة "العربي" بعد ست سنوات أي في أول سبتمبر 1964 كان توزيعها قد تجاوز الربع مليون نسخة، وكان بالإمكان أن يكون التوزيع أكثر من ذلك لولا أن الحروف على الصفائح كانت تتآكل وهذه هي الطريقة التي كانت تطبع بها العربي آنذاك·
كان ولم يزل لمجلة العربي دور بارز في نشر الفكر القومي وتوضيحه للقراء وتفسير مدى أهميته للأمة العربية وكانت بهذا تريد أن تؤكد أن العرب لا مستقبل لهم إلا بتعاونهم في هذا الوقت الذي أخذ فيه دور الكيانات الصغيرة يتضاءل·
وإذا تصفحت أعداد مجلة "العربي" تجد أن نسبة عالية من مقالاتها تركز على هذا الجانب القومي ومن أجل تقريب العرب من بعضهم بعضا وتعريفهم بأوطانهم، فقد قامت بنشر استطلاعات خاصة بها إما عن بلاد عربية أو جانب معين لبلاد عربية، ولعل القارىء لم يكن يعرف شيئا عن إمارات مثل أبو ظبي ودبي والشارقة وأم القوين وغيرها قبل أن يقوم فريق مجلة العربي بزيارة هذه الأماكن ونشر استطلاعات عنها في الأعداد الأولى منها·
هذا يصدق على عام 1965 ولا يصدق على أيامنا هذه فقد أصبحت هذه الإمارات معروفة وأحيانا كانت تنشر استطلاعات عن أشياء محددة في البلاد العربية مثل قلعة حلب والجامع الأزهر ودار الكتب في تونس، وكان لهذه الاستطلاعات أثر كبير في تعريف العربي بأجزاء من وطنه لا يعرفها ويجهلها أو كانت معرفته بها ناقصة·
اختلاف وتباين
هل تعتقد أن هناك تباينا واختلافا بين آراء المثقفين ومواقفهم واتجاهاتهم نحو العرب من بلد إلى آخر؟ وما الحل لإزالة هذه الاختلافات التي من شأنها أن تعوق مسيرة الحضارة العربية؟
- هناك اختلاف في الآراء حول العلاقات العربية وفي رأيي أن هذه الخلافات جعلت الدولة القوية تطمع فيهم وبهذا قل تأثير العرب في مجريات الأحداث·
وفي اعتقادي أن كل البلاد العربية يجب أن يجمعها جامع واحد ولكني أقول إنه لا مستقبل للعرب إلا بتعاونهم وتآلفهم ويمكن أن يبدأ هذا التعاون والتآلف في دائرتين تضم مناطق بعينها مثل دول الخليج العربي ومنطقة بلاد الشام والعراق وأضيف إليها "مصر" لأن صلة مصر بالمشرق أكبر من صلته بالدول الإفريقية ويمكن أن يكون هناك تعاون بين الدول العربية في شمال أفريقيا وعندهم تعاون يسمى الدول المغاربة والدول العربية الأخرى يمكن أن تنضم إلى أي من هذه الدول ثم يكون بعد هذا تعاون عام بين هذه التجمعات فلا مكان في عصرنا الحالي للدول الصغيرة والدول الضعيفة·
دور المثقفين
ما زلنا حتى اليوم رغم التقارب الشديد إعلاميا وتكنولوجيا إلا أنه يوجد غياب حقيقي لدور بعض المثقفين العرب إما غيابا متعمدا أو قهريا عن الساحة الثقافية فما رأيكم؟
- هذا التساؤل يجب أن نجيب عنه بصراحة بأن المثقفين العرب وهم كثر لم يلعبوا في حياة أوطانهم الدور الذي كان منتظرا منهم حتى أن المواطن العربي أصبح لا يثق بالمثقفين العرب فالمثقفون العرب أصبحوا خارج دائرة اهتمام المواطن العربي وليس لهم اهتمام إلا بمصالحهم الخاصة والمواطن العربي يدرك أن المثقف يعرف الكثير ولكنه يلوذ بالصمت أحيانا وبعضهم يزين الباطل ويبذل جهده ليثبت أن هذا الباطل حق وصحيح·
ونتمنى على المثقف العربي أن يكون ملتزما بقضايا بلاده وأمته العربية في الحق والحرية والعدل والقضايا الوطنية والمصيرية وأن يظل مشاركا بإيجابية كبيرة·
دور المرأة
رغم هذا التطور الحضاري لماذا يظل دور المرأة المبدعة هامشيا وحتى المرأة نفسها تستسلم لهذا الدور الهامشي؟
- واضح أن المرأة العربية خطت خطوات جيدة خلال السنوات العشرين الأخيرة وأصبحت مدرسة وصاحبة شركات ومديرة وطبيبة ومهندسة وقاضية وبدأ الحجاب في الرحيل وإن كان عاد مرة أخرى لكن هذا لا يعيق مسيرة المرأة إطلاقا·
ومتى بدأ التطور فمن الصعب جدا إيقافه وهذا هو ما حدث الآن للمرأة فقد بدأ التطور في بلاد مثل مصر والأردن ولبنان ولكنه كان مؤثرا في حياة المرأة في الكويت وإن كان وضع المرأة في الكويت لا يقارن به وضع المرأة في الجزيرة العربية ولكن دورها يبقى محددا جدا بالنسبة للرجل ولا غرابة في هذا فهذا الوضع قائم في أكثر الدول المتقدمة ذلك لأن للمرأة مسؤوليات عائلية تشغلها وهذه المسؤولية على جانب كبير من الأهمية لأنها هي التي تربي الأجيال القادمة وأنا في رأيي أن هذه مسؤولية لا تقل أبدا عن دورها في أي منصب مسؤول·
تخريب ثقافي
التخريب في ثقافتنا المعاصرة على ما أعتقد من اتجاهين أولا: دور الإعلام الغربي عن طريق منافذه الفضائية· ثانيا: الدور الذي تقوم به بعض الجماعات الأدبية بأسماء غريبة تنطوي تحت الحداثة ومن هنا يكون لهم حق الاعتداء على التراث والتغريب والتخريب فما موقفنا تجاه ذلك؟
- الفضائيات انتشرت كثيرا في هذه الأيام لاشك أنها نافعة وضارة وكثير مما يعرض فيها مخالف لقيمنا وأخلاقنا ومعتقداتنا ولهذا كان على الجامعات مسؤولية كبيرة وهي أن تخلق المثقف الذي يستطيع أن يميز بين الصالح والطالح·
وفي ميدان الأدب والفكر ظهرت في الغرب اتجاهات حديثة كثيرة مثل البنيوية والتكعيبية والحداثية وما بعد الحداثة إلى أخره رغم أن هذه مفاهيم ومصطلحات فكرية نبعت في بيئتنا ولكننا لم نول اهتماما بها إلا حين جاءت من الغرب مرة أخرى وانبهرنا بها·
وهذه الاتجاهات الفكرية أصلها فلسفي حاول أصحابها أن يطبقوا آراءهم على الفن والأدب ولكنهم فشلوا فلم تظهر حتى الآن أي دراسة تطبيقية على الأدب معتمدة على هذه المناهج وكانت ناجحة·
وفي البلاد الأوروبية لم تظهر أي دراسة تطبيقية لها تأثير في الأدب مستخدمة هذه الاتجاهات الفكرية وفي رأيي أن الحداثة وأخواتها تشبه أزياء السيدات تتغير باستمرار لأننا لا نقدم أي شيء له قيمه·
ولذلك فإن كثيرا من هذه المذاهب الفكرية الأدبية الفلسفية ماتت في مواطنها ولكن أصحابنا في الوطن العربي يريدون أن يحيوا الموتى·
ذكريات كويتية
هل يمكن التعبير عما ظل في وجدانك من ذكريات أدبية وصداقات جميلة على أرض الكويت؟
- لقد قدمت الكويت للتراث العربي وللقارىء العربي الشيء الكثير جدا فقدمت له مجلة "العربي" وسلسلة تحقيق كثير من التراث وهي عظيمة وقدمت له المعجم الشهير تاج العروس ومجلة عالم الفكر والمعرفة والبيان وكلها أعمال أثرت في الثقافة العربية ووضعت بين يدي القارىء العربي التراث والعصر والآداب الأجنبية وارتبطت في الكويت بصداقات كثيرة لا أنساها إطلاقا فهناك أصدقائي الشعراء والأدباء والمثقفون الذين تبادلنا معهم الحوار وتناقشنا في كيفية صياغة نظرية أدبية قائمة على الوحدة القومية والثقافية ومحاربتنا لكل ما يعرقل مسيرة الحضارة العربية الإسلامية·
وأصدقائي واخواني في الكويت دائما في القلب خير الأصدقاء وخير الإخوان ولا يمكن أن أنساهم وكم سعدت عندما اجتمعت بهم بعد سنوات طويلة فأنا قد تركت الكويت من عام 1964 ولم أزرها إلا مرتين بسرعة ولكني شاهدت الكويت اليوم أجمل وأحدث من قبل خلال الزيارة التي كرمتني بها مجلة "العربي" وعلى رأسها الأستاذ الدكتور محمد الرميحي·
النقد الأدبي
النقد الأدبي مهم في تطوير المسيرة الإبداعية للكاتب · كيف تقيم علاقتك معه وكيف توضح دور الناقد؟
- النقد الأدبي مهم جداً لمن يريد أن يكون كاتبا ذلك لأن النقد يفتح ذهنه على أسرار الفن والأدب وبذلك يستطيع أن يكون كاتبا مبدعا لما يكتب· والنقد يجعلك تنظر إلى الفن من زاوية قريبة فترى الفن من جميع جوانبه وتكتشف أسراره فالشخص الذي يرى من نافذة واسعة مفتوحة ومن دون النقد فإن نظرته إلى الفن والأدب كمن ينظر من نافذة مسدلة الستائر·
ولا يكون المرء ناقدا إلا إذا أصبح صاحب نظرية نقدية أما معرفة النظريات النقدية الأخرى التي جاء بها الآخرون فهذه ثقافة نقدية ولكنها لا تجعل المرء ناقدا إلا إذا ملك موهبة النقد والنقد ليس نظريات تحفظ مثل حقائق التاريخ ولكنه مستويات من التذوق الفني والأحاسيس المرهفة والرؤيا الجمالية·
دور المثقف الكويتي
لقد مرت ثقافة الكويت بأزمات ومحن كثيرة فما هو الدور الذي يمكن للمثقف الكويتي أن يعمقه في تحقيق قيم الانتماء الأصيل للوطن والعروبة والإنسان؟
لقد قدمت كما قلنا الكويت للعالم العربي الكثير من العطاء الثقافي لكن يمكن للمثقف الكويتي أن يظل متواصلا مع دوره الذي اتخذه منذ بدايات النهضة الفكرية وهو في مواكبة قضايا الأمة العربية والدفاع عن الحريات وتحقيق أوسع دائرة علاقات ثقافية وإنسانية مع الشعوب الأخرى·
ولا ننسى أن الكويت الآن عاصمة الثقافة العربية والفكر القومي والعروبي وإنها في طليعة البلاد التي يشهد لها بأثرها الكبير في تعميق الانتماء الأصيل للقيم الإسلامية بما تقدمه من إطلاع واسع على التراث والتواصل مع الثقافات العربية والأجنبية الأخرى·
ومن الغريب أن المحن التي عاصرتها الكويت لم توقف مسيرتها الثقافية لأنها ثقافة أصيلة نابعة من جذور النهضة الكويتية بل إن الأمر اتخذ أكثر من ذلك حين وجدنا في فترة الغزو نهضة هذه الثقافة من جميع الجهات ففي داخل الكويت قام المثقفون بدور نضالي تمثل في النشرات ومجلات الحائط والقصائد والأغاني التي تغنت بالحرية ونضال الشعب الكويتي ورفضه للغزو وإصراره على التمسك بهويته وظهر في الكويت ما سمي بأدب الحرب وأدب النضال وأدب المحنة·
وقرأنا قصائد عبدالله العتيبي وخليفة الوقيان وأحمد السقاف وفاضل خلف وغنيمة زيد الحرب ونجمة إدريس وخالد الشايجي ويعقوب السبيعي وعدنان الشايجي وغيرهم·
وهناك من خارج الكويت كان النضال يواكب الحدث من خلال وسائل الإعلام استمعنا إلى قصائد سعاد الصباح وجنة القريني وقرأنا قصص ليلى محمد صالح وكتابات سليمان الشطي واستمعنا إلى أغنيات الرويشد وغيرهم·