رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 21-27 محرم1421هـ - 26أبريل-2مايو2000
العدد 1424

"نحزن حزناً عميقاً لأن نهضة الآباء آلت إلى ردة الأبناء فبدلاً من الدخول في العصر صمموا على الخروج منه"
جورج طرابيشي*: العولمة ليست ظاهرة محايدة بين الحضارات والثقافات بل هي حضارة بعينها.. وأهم أخطارها هو تعرض الديانات للقهر على يد المجتمع التكنولوجي*

·    حضارات العالم القديم رغم انتشارها فهي أشبه بجزر لا تتصل فيما بينها إلا عبر برازخ

·    إسرائيل متمسكة بأيديولوجيتها· · وترفض الانفتاح على الآخر

·    العولمة مؤامرة تقودها الشركات المتعددة الجنسيات وتنفذها  الأمم المتحدة

·     "غاندي" كاد ينجح في ابتداع شيء مختلف عن الحضارة الغربية في الهند

·     من أين يأتي  التضاد بين التقدم التكنولوجي والهوية؟

·      الشعور بالولاء لأمة أصبح من مخلفات الماضي

·      ما يميز الحضارة عن الثقافة نزوعها الدائم إلى تجاوز النطاق الجغرافي للأمة التي ابتدعتها

 

 

الخطاب العربي، كما تنتجه - وتستهلكه - شريحة واسعة من الإنتلجنسيا ( أي أهل الفكر والثقافة الذين يشكلون نخبة) العربية خطاب مريض· مريض بالغرب· أو بالأحرى بتقدم الغرب، مصدر الجرح النرجسي للثقافة العربية الحديثة التي اكتشفت نفسها متأخرة في مرآة تقدم الغرب الذي أخذ لقاؤها شكل صدمة بالمعنى النفسي العميق للكلمة·

أعراض المرض، أو ما سميناه في مكان آخر بالعصاب الجماعي العربي تكاد لا تحصى وبقدر ما أن موضع تظاهرها هو الخطاب، فإنه تتلون ـ من دون أن تفقد وحدتها الدلالية - بتلون الهوية الشخصية والفكرية لمنتجي هذا الخطاب·

وإذا كان أول ما يميز العرض المرضي هو عناده أي إصراره على اتخاذ كل ما يطرأ من الأحداث أو يسنح من الموضوعات تكأة لتظاهره فإن كتاب جلال أحمد أمين عن "العولمة" يقدم لنا نموذجا ممتازا لهذا التحويل القهري لمجرى الموضوعات المستجدة لتوظيفه في إشباع حاجة العصاب الجماعي المزمن إلى تجديد وتنويع أشكال التعبير عن نفسه·

 

طبيعة عنادية

 

فالعولمة كما طرحت نفسها في مطلع العقد الأخير من القرن العشرين كانت ولا تزال في الفكر العالمي، كما في الفكر العربي، موضوعا خلافيا، ومن ثم محلا أيديولوجيا، لنوع من "تكافؤ الأدلة" وخصومها فليس الانتصار للعولمة أو الاعتراض عليها يحمل في حد ذاته شبه عصابية ولكن عندما يتخذ انتقاد العولمة مطية إلى تجديد الهجاء للحداثة ولعاملها: الحضارة الغربية فلنا أن نشتبه في وجود معينات نفسية لا شعورية، من طبيعة عنادية وعصابية وراء هذا الموقف الرفضي·

وبوصفه مجرد نقد للعولمة فإن كتاب جلال أحمد أمين الجديد لا يكاد يأتي بجديد فهو يكرر بأسلوب صحافي لا يخفي نفسه، الأفكار المتداولة في سوق الأدبيات المعادية للعولمة بدءا بالتنديد بفرضية "فوكوياما" عن "نهاية التاريخ" وانتهاء بهجاء "قيم المجتمع الاستهلاكي" و"أحادية بعد" "القرية الكونية الواحدة" التي يقال لنا إن العالم آل إليها في ظل العولمة·

وكما في كل نقد صحافي متعجل فإن محاجَّة مؤلف "العولمة" غالبا ما تقوم على مغالاة كاريكاتورية وكما في كل مغالاة من هذا الصنف فإن الآلية المعتمدة في تصوير الأشياء هي التهويل والتهوين في آن معا ومن نماذج التهويل تضخيم "القدرة الكلية" للشركات المتعدية الجنسيات، عامل العولمة الاقتصادية كما لو انها "آلهة" الأزمنة الحديثة وهكذا يقال لنا إن هذه "الشركات العملاقة" هي التي تحرك كل شيء في العالم الحديث من وراء ستار أو من دون ستار ولكن دوما بمثل الخيوط اللامرئية التي تحرك بها الدمى في مسرح العرائس، فالشركات المتعدية الجنسيات "تحل اليوم محل الدولة" أو "تفرض ما تشاء من سياسات على الدولة نفسها" وهي إذ تتخطى "حدود السلطة السياسية" فإنها لم تعد في حاجة إلى أتفعل ذلك "بالغزو المسلح كما يحدث في الماضي بل عن طريق استبدال رئيس برئيس أو زعيم بزعيم آخر، أو حتى مع الإبقاء على الرئيس أو الزعيم نفسه، ولكن بإجباره بطرق شتى على اتباع المسلك نفسه"·

 

مخلفات الماضي

 

وليس رؤساء الدول والزعماء السياسيون هم وحدهم من يتجردون من كل قوامية ويغدون محض دمى "بلا حول ولا قوة" بين أيدي عمالقة العولمة بل يمتد هذا "التدمي" (اشتقاقا من الدمية) وهذا "التأليل" المعدم للقوامية الذاتية إلى كل ما في العالم من مؤسسات ومن أفراد ليغدو الجميع - وهنا تتدخل آلية التهوين - مجرد لوالب في الآلة الكبرى للشركات المتعدية الجنسيات وهكذا يقال لنا بجرة قلم واحدة "إن الشركات متعدية الجنسيات لا تقوم بإحداث هذه التغييرات والتعديلات وحدها، بل تستعين بجهود هيئات ومؤسسات أخرى منها المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي ومنها وكالات الأمم المتحدة المختلفة العامة في ميادين التنمية والثقافة، ومنها أجهزة المخابرات في الدول الكبرى ومنها مختلف وسائل التأثير في الرأي العام كالصحف والمجلات السيارة وشبكات التلفزيون والمؤسسات المانحة للجوائز الدولية المهمة أو المشتغلة بحقوق الإنسان··· إلخ· كما أنها لا تدخر وسعا في تجنيد مفكرين وكتاب في مختلف البلاد، ينظرون ويروجون لأفكار العولمة والكونية، ويؤكدون أن الشعور بالولاء لأمة أو وطن قد أصبح من مخلفات الماضي"·

 

تصور بارانويائي

 

هذا التصور البارانويائي "من البارانويا" للعولمة بوصفها مؤامرة كونية كبرى يقودها فاعل مطلق واحد هو الشركات المتعدية الجنسيات وتتولى تنفيذها فواعل "أداتية" من قبيل صندوق النقد الدولي ووكالات هيئة الأمم المتحدة وأجهزة المخابرات وشبكات الصحف والتلفزة، يصطدم مع ذلك بتناقض وهو تناقض نابع من داخل المنطق التآمري نفسه في نزعته إلى الغلو والإطلاق·

فقبل "مؤامرة" العولمة كانت اسرائيل هي التي تمثل التجسيد الأتم للمخطط التآمري في الخطاب العربي، ومن ثم يطرح سؤال نفسه: ماذا يحدث عندما تلتقي مؤامراتان؟

 

هدم الأسوار

 

إن أول ما يذهب إليه الظن هو أن الإشكال سيحل عن طريق تعميد العولمة نفسها بأنها مؤامرة صهيونية ولكن جلال أحمد أمين يفاجئنا - لنقر له بذلك - بعدم اختيار هذا الحل السهل فعنده أن إحدى النتائج الرئيسية لسيادة تيار العولمة وبزوغ نجم الشركات المتعدية الجنسيات هو اضطرار "الدولة القوية في العالم الثالث أن ترخي قبضتها شيئا فشيئا على الاقتصاد والمجتمع تحقيقا لمصالح هذه الشركات فالأسوار الجمركية يجري هدمها ونظام التخطيط يتم تسريح الجيش أو على الأقل تخفيض الانفاق عليه وهذا التحول التام من سياسة إلى نقيضها يجب أن تقوم به الدولة نفسها إن عليها أن تقوم بتفكيك نفسها، وعليها اقناع الناس بتفاهتها وقلة حاجتهم إليها، وعليها أن تسلم مهامها ووظائفها القديمة لتتولاها الشركات الدولية العملاقة"·

وبدهي أنه يمكن للمرء أن يتساءل حالا: هل هذه الشرور التي يرجعها النص إلى تيار العولمة ارخاء قبضة الدولة على الاقتصاد والمجتمع وهدم الأسوار الجمركية وإلغاء نظام التخطيط المركزي والفوقي وتخفيض الإنفاق على الجيوش هي شرور فعلا أم هي بالأحرى خيور؟ ولكن لندع هذا التساؤل جانبا لنتتبع الكيفية التي يحل بها جلال أمين إشكال التلاقي أو التصادم بالأحرى بين مؤامرة العولمة ومؤامرة الصهيونية·

 

الدولة الرخوة

 

يقول: "هذه المهمة تحتاج إلى دولة من نوع خاص فهي دولة تفكك ولا تبني وهي تسلم أهلها للأجنبي ليفعل بهم ما يشاء وكل هذا يتطلب سمات قد يعبر عنها اسم "الدولة الرخوة" هذه السمات، سمات الدولة الرخوة، تنطبق مع الأسف على كثير من دول منطقتنا العربية لكن هناك مع ذلك دولة واحدة في هذه المنطقة تبدي السمات العكسية تماما وأقصد بهذه الدولة بالطبع الدولة الصهيونية فهذه الدولة ليست فقط أقل رخاوة بكثير من الدول المجاورة لها ولكنها لا تبدو وكأنها تنصاع لتيار العولمة الذي يطغى على بقية العالم فالدولة الصهيونية ما زالت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد والمجتمع وبينما تسرح دول أخرى الجيوش تخفض انفاقها على السلاح تتمسك هي بجيشها وتزيده قوة وهي لا تتلقى التوجيهات من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو لا تعطي لهذه التوجيهات اعتبارا·· أما ما يقال من حجج في الدفاع عن العولمة: اعتبارات الكفاءة ورفع معدلات النمو ومزايا التخصص وتقسيم العمل وانتهاء عصر الايديولوجيا ومزايا الانفتاح على الآخر والتفاعل معه وخطأ التمسك بالولاء التقليدي لأمة أو وطن ومزايا السلام وأضرار الحرب إلخ فإن الدولة الصهيونية تفعل عكس ذلك بالضبط تتمسك بأيديولوجيتها وترفض الانفتاح على الآخر وتضحي بالاعتبارات الاقتصادية إذا تعارضت مع الأهداف السياسية وتتمسك بالولاء التقليدي للأمة والوطن وتماس الحرب باستمرار"·

 

مقاطعة العصر

 

إذا صح ذلك فإن العولمة لا تعود ذلك الشر المطلق الذي يحاول مؤلف كتاب "العولمة" تلبيسها إياه فهي تصلح على الأقل لأن تكون سلاحا في مواجهة ذلك الشر الذي تمثله سياسة إسرائيل التوسعية والشوفينية وإذا كان من شأن العولمة أن تحقق على هذا النحو للعرب ما لم تحققه لهم خمسون سنة من الصراع ضد المشروع الصهيوني وأن ترغم الدولة الاسرائيلية على التنازل عن أيديولوجيتها الصهيونية الانغلاقية وعلى أن تنفتح على الآخر - وهم هنا حصرا العرب وعلى الأخص الفلسطينيون - وعلى أن تمارس السلم بدل الحرب فكيف لا يكون العرب في هذه الحال "عولميين" وكيف يكتب جلال أمين كتابه عن "العولمة" ليدعوهم تحديدا إلى القطيعة مع هذه العولمة وإلى محاكاة الدولة الصهيونية في عدم انصياعها لتيارها؟ أفلا يكون بذلك قد أساء إلى قضية العرب مرتين مرة عندما يطالبهم بمقاطعة عصرهم بحجة أنه عصر العولمة ومرة ثانية عندما يطالبهم بمقاطعة السلاح الذي يتيحه لهم عصر العولمة مع أن قد يكون السلاح الوحيد الفعال - بعد فشل سائر الأسلحة بين أيديهم ـ في مواجهة التوسعية والشوفينية والخصوصية الانغلاقية الصهيونية؟

 

الخروج على الغرب

 

والواقع أن ما يدعو جلال أحمد أمين العرب إليه ليس مقاطعة عصر العولمة وحده بل الخروج من العصر بإطلاق فنقد العولمة ليس عنده في حقيقة الأمر إلا ذريعة لنقد الحداثة نفسها وذلك بقدر ما أن عامل هذه الحداثة هو الغرب فما تعولمه العولمة "ليس إلا سلعا وخدمات بعينها ذات طبيعة وخصائص معينة، أفرزتها ثقافة بعينها "ص" فـ "العولمة ليست ظاهرة محايدة بين الحضارات والثقافات" بل "هي عولمة حضارية بعينها أو ثقافة بعينها هي "الثقافة الغربية" أو "الحضارة الغربية ليست حضارة إنسانية عامة" بل هي تعبير خاص "عن ثقافة مجموعة معينة من الأمم" و"صحيح أن هذه الحضارة قد توفر لها منذ زمن طويل يرجع إلى ما يقرب من خمسة قرون وسائل فعالة مكنتها من فرض نفسها على أمم أخرى غير الأمة أو الأمم التي أنجبتها ولكن هذا وحده لا يجعلها تستحق وصف الإنسانية أو العالمية ولا يزيل عنها خصوصيتها"·

 

ظاهرة حتمية

 

وبوصفها حضارة أو ثقافة خصوصية فإنه ليس فقط من حق أبناء الثقافات الأخرى بل من واجبهم أن يرفضوا انتشارها وأن يقاوموه فليس "انتشار هذه الحضارة ظاهرة حتمية إلا بالنسبة إلى الأمم التي ابتدعتها أصلا" وأقصى نطاق مقبول لحتمية انتشارها إنما هو "في أوروبا الغربية ثم في الولايات المتحدة" و"قد يقال مثل ذلك - ولكن بدرجة أقل - عن انتشار هذه الحضارة في أمريكا اللاتينية مثلا أو أوروبا الشرقية" و"لكنه يكون أقل حتمية بالنسبة إلى روسيا الآسيوية أو اليابان التي لم يتم تركيعها تماما كثقافة الصين أو الهند أو العرب فلا عجب من أن الصين تبدو وكأنها تحاول ابتداع شيء مختلف عما فعلته اليابان مثلا مع الحضارة الغريبة ولا عجب من أن "غاندي" في الهند كاد ينجح في ابتداع شيء مختلف تماما عن الحضارة الغريبة ولا عجب من أن العرب يبدون هذه الدرجة العالية من المقاومة للحضارة الغربية مقاومة ربما لا يرى فيها بعضهم إلا إصرارا على التخلف ولكن من الممكن أن نرى فيها صمودا جديرا بالثناء"·

 

البقاء على التخلف

 

إن المقت الذي تنضح به هذه السطور للحضارة الغربية لا يخفي نفسه فخير لروسيا أن تبقى "آسيوية" أي منغلقة على مقومها التتري من أن تتأورب وتتغرب وخير لليابان أن تبقى قروسطية من أن ترقى إلى مقام ثاني أكبر قوة اقتصادية وتكنولوجية في العالم على الطريقة الغربية، وخير للهند أن تبقى "غاندية" تغزل قطنها باليد من أن تصير "نهروية" تتطلع إلى استبدال المغزل اليدوي الهندي بالمغزل الآلي الغربي، بل خير للعرب - وهذا بيت القصيد - أن يبقوا على تخلفهم الذي طالما أرق بالمناسبة رجالات عصر النهضة الذين ينتمي إليهم أحمد أمين والد جلال أمين من أن يتقدموا بالطريقة التي تقدم بها الغرب·

 

ابستمولوجيا

 

ومع أن مثل هذا المقت للحضارة الغربية لا يقبل التفسير النهائي إلا بالإحالة إلى معيناته النفسية التحتية فإننا لن نتوقف هنا إلا عند معيناته الابستمولوجية فهذا المقت يقوم ابستمولوجيا على مصادرتين لا ثالثة لهما: أولاهما أن الحضارة ينبغي أن تبقى وقفا على الأمة التي ابتدعتها ومحصورة النطاق الجغرافي في الأمم التي أنجبتها وثانيتهما أن ثمة بدائل ممكنة للحضارة الغربية ومنها تلك التي حاولها "غاندي" في الهند و"لينين /ستالين" في روسيا و"ماو" في الصين، والحال أن هاتين المصادرتين المعرفيتين تقومان بدورهما على جهل مزدوج بقانون الحضارة فضلا عن قانون الحداثة·

 

تجاوز النطاق الجغرافي

 

فقانون الحضارة - وهذا ما قد يميزها عن محض الثقافة - نزوعها الدائم إلى تجاوز النطاق الجغرافي للأمة التي ابتدعتها وميلها شبه القهري إلى تعميم نفسها على أوسع جناح ممكن من العالم المحيط وهذا ما يجعل الحضارات - الكبرى على الأقل - لا تصنع بلدانا وأوطانا بل عوالم كاملة تابعة لها كالعالم الهلنستي والعالم الروماني والعالم الهندي "البوذي والعالم الصيني الكونفوشي ومثال الحضارة العربية الإسلامية هو هنا مثال نموذجي، فلو كان على هذه الحضارة أن تبقى محصورة في الأمة التي ابتدعتها لما كانت تعدت شبه الجزيرة العربية ولما كانت امتدت من المشرق الأقصى إلى المغرب الأقصى ولما كانت كانت صارت ـ بكل بساطة - هي الحضارة العربية الإسلامية·

هذا عن قانون الحضارة أما قانون الحداثة فيقوم على تمييز حاسم بين العالم القديم الذي كان يتسع لتعدد من الحضارات وبين العالم الحديث الذي ينزع أكثر فأكثر إلى أن يكون موحد الحضارة متعدد الثقافات·

 

جزر متفرقة

 

فحضارات العالم القديم كانت - مهما بلغ من سعة انتشارها - أشبه بجزر لا تتصل فيما بينها إذا اتصلت إلا عبر برازخ أو مضائق أما العالم الحديث فأشبه ما يكون ببحيرة حضارية واحدة "قرية ماك لوهان الكونية" وإن تكن هذه البحيرة تتسع لأرخبيل لا متناه من الثقافات القومية والمحلية وإذا كانت هذه الثقافات تغني الحضارة الكونية الواحدة وترفدها بأصالتها وخصوصياتها وتعطيها تلوينا عيانيا لا متناهيا فإنها في الوقت نفسه تنحد بها فلم يعد بوسع أي ثقافة في ظل قانون الحداثة أن تؤسس نفسها في حضارة مستقلة وكم بالأحرى في حضارة بديلة وليس من قبيل المصادفة أن تكون جميع المشروعات التي سعت إلى تأسيس حضارة بديلة بدءا بالمشروع الستاليني ومرورا بمشروع الخمير الحمر وانتهاء بمشروع الأصوليين الأفغان قد تكشفت عن أنه محض همجية وإذا كان مؤلف "العولمة" لا يزال يبشر بحضارة بديلة ويتغنى باليابان لا بقدر ما تحضرت بل بقدر "ما لم يتم تركيعها تماما حتى الآن" ويشيد بغاندي لا بقدر ما قاد الهند إلى الاستقلال عن طريق مبدأ اللاعنف بل بقدر "ما كاد ينجح في ابتداع شيء مختلف تماما عن الحضارة الغربية" فإنه لا وظيفة أخرى لخطابه التبشيري سوى تسويق الوهم أو مديح التخلف، وهذا وذاك ما يفعلهما معا عندما يعقد كل رهانه عالميا على "ابتداع شيء مختلف تماما" وعربيا على "الدرجة العالية من المقاومة للحضارة الغربية" وعنده أن البقاء خارج الحضارة خير من "إعلان الهزيمة أمام حضارة الغرب" والصمود أمام هذه الأخيرة يبقى أجدر بالثناء حتى لو كانت كلفته "إصرار على التخلف"·

 

المفتونون بالحضارة الغربية

 

وقد يدور في خلد القارىء أن هذا المقت الذي يكنه مؤلف "العولمة" للحضارة الحديثة من حيث هي حضارة غربية الأصول مقصور - كما درج الشأن في بعض الأدبيات المتداولة - على الجانب "المادي" من هذه الحضارة ولكن مؤلف "العولمة" يقشع بنفسه هذا الوهم عندما يؤكد أن عداءه للحضارة الغربية مطلق يطال "ليس فقط كفاءتها المنقطعة النظير في الانتاج المادي" بل كذلك كل ما يمكن أن يفتن به "المفتونون بالحضارة الغربية بوجه عام" سواء في مجال "نقل المعلومات وتخزينها وتوفيرها لمن يريد الانتفاع بها" أو في مجال "ما حققه الغرب في مضمار التنظيم السياسي والاجتماعي والانتاج الثقافي" أو حتى في مجال حقوق الإنسان التي لا تعدو في واقعها أن تكون قطعة لادن "علكة" يلوكها "أولئك المفتونون بالديمقراطية الغربية وبالعلاقات الاجتماعية الغربية"·

وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن مؤلف "العولمة " يستثنى من مقته الجانب المادي والتكنولوجي فليس العكس هو الصحيح فحسب بل إن ماقت الحضارة الغربية ينفذ قياسا إلى موقف رجالات النهضة العربية، ضربا من انقلاب كوبرنيكي فكل الاستراتيجية النهضوية للرواد الذي كان من أواخرهم أحمد أمين قامت، تماما كما في الأدبيات النهضوية اليابانية على إمكانية استدخال التكنولوجيا الغربية مع بقاء "الروح" عربية أو إسلامية أو شرقية وبدهي أن هذه الاستراتيجية لا تخلو من حد ذاتها من سذاجة ومن نزعة استسهالية إلى التوفيق فهي تفترض أن الحضارة الغربية قابلة للاختزال إلى تكنولوجيتها وأن هذه التكنولوجيا هي في حد ذاتها عارية من "الروح"·

 

الروح العربية

 

ومع ذلك فإن مؤلف "العولمة" يرفض إشكالية "التكنولوجيا الغربية والروح العربية" لا لأنه يرفض التوفيقية فحسب، بل لأنه يرفض التكنولوجيا الغربية أصلا وهذه مفارقته الكبرى بالنسبة إلى استراتيجية الرواد النهضويين فهو عدو بكل ما في الكلمة من معنى للتقدم التكنولوجي الذي يدفع الإنسان دفعا إلى مزيد من العولمة ينطوي بطبيعته على تهديد للهوية الثقافية إن هذا التقدم التكنولوجي الذي يظنه كثيرون شيئا محايدا تماما إزاء الهوية الثقافية يحمل دائما خطرا يهدد هذه الهوية وهذا هو ما أريد أن أنفق بعض الوقت لاقناعكم به"·

 

أداة القهر

 

وبناء عليه وتحت عنوان "التقدم التكنولوجي كأداة للقهر" يكرس مؤلف "العولمة" أربعة فصول من كتابه لتجريم التكنولوجيا بما فيها التكنولوجيا القديمة أو حتى البدائية أولا، لأن أي تقدم في التكنولوجيا، مهما يكن أوليا، ينطوي على تعارض وتضاد مع الطبيعة الإنسانية والهوية الإنسانية "من أين يأتي إذن هذا التضاد بين التقدم التكنولوجي والهوية؟ هناك في رأيي فرص كامنة لهذا التضاد منذ قام الإنسان بصنع أولى أدواته وأكثرها بدائية أي منذ أولى مراحل التطور التكنولوجي، فمنذ صنع الإنسان أولى أدواته الحجرية لتسهيل عملياة الصيد ضمانا لبقائه وتحقيقا أكبر لذاته كان هناك دائما خطر في أن تستبد به هذه الأدوات نفسها وتتحول إلى أداة لقهره بدلا من أن تكون أداة لتحريره" ثم ثانيا وعلى الأخص، التكنولوجيا الحديثة: "من المؤكد أن التكنولوجيا الحديثة أي ما طوره الإنسان من وسائل للانتاج والاستهلاك خلال القرنين الماضيين وعلى الأخص خلال نصف القرن الأخير كانت تحمل خطر إخضاع الإنسان للقهر، وتهديدا لهويته وآدميته أكبر مما تعرض له الإنسان طوال تاريخه الطويل·

 

قلق المتدينين

 

وأول الأخطار التي يتوقف عندها مؤلف "العولمة" هو ما تتعرض له الديانات كلها من القهر على يد المجتمع التكنولوجي الحدي وهو إذ يقر بأن المتدينين على حق تماما في القلق مما يهدد دينهم وعقيدتهم للخطر نفسه والاعتداء ذاته ولو بدرجات متفاوتة من جراء المجتمع التكنولوجي الحديث إن ما تفعله التكنولوجيا الحديثة مثلا باحتفال المسلمين بشهر رمضان اليوم من تحويله من مناسبة دينية إلى مناسبة استهلاكية فعلته هذه التكنولوجيا من قبل، وما زالت تفعله أكثر فأكثر باحتفال المسيحيين بأعياد الميلاد وقل مثل ذلك على ما ينطوي عليه المجتمع التكنولوجي الحديث من تهديد وقهر لأي عقيدة دينية·

وبالاضافة إلى تهديد الدين "الذي هو بالطبع مكون أساسي من مكونات هوية الأمة" فإن "المجتمع التكنولوجي الحديث يحدث آثاره المدمرة - أكثر ما يحدثها - على الهوية الثقافية" ودفاعا عن هذه الهوية الثقافية المهددة بالتدمير من قبل التكنولوجيا الحديثة يتقدم مؤلف "العولمة" من عندياته، بنظرية كاملة في الثقافة ولنترك له الكلام:

 

الرأسمالية

 

قرأت مرة لسمير أمين عبارة ترجمتها أن "الرأسمالية هي نفي للثقافة أصلا" وإن أستأذنه "وإن كنت أعرف أنه لن يأذن لي" في أن استبدل بكلمة الرأسمالية هنا عبارة "المجتمع التكنولوجي الحديث" فالغزو الثقافي الذي يتم في ظل التكنولوجيا الحديثة يمكن أن يعتبر حقا غزو ثقافة لثقافة ولكن فيه أيضا سمة "نفي الثقافة أصلا" ذلك أن الثقافة الغازية في هذه المرة تتسم بعدائها المستحكم للتفرد أي بعدائها لأية هوية وهذا هو ما أفهمه من عبارة "نفي الثقافة" وهذه الثقافة الغازية، وإن كانت بالطبع صادرة عن أمة بعينها، فإنها أيضا تعبر عن عداء شديد لأي صورة من صورة التفرد والتميز بل تسحق هذا التفرد وهذا التميز سحقا"

آية ذلك - وهذا هو حجر الزاوية في نظرية جلال أمين الثقافية - أن "الهوية معناها في الأساس التفرد والهوية الثقافية هي التفرد الثقافي (ص 53) والحال أن التقدم التكنولوجي ينطوي بطبيعته على تهديد للهوية الثقافية" إذ إن "أي تقدم تكنولوجي ينطوي على إمكانية القهر" وتفسير هذه القدرة الكامنة في التكنولوجيا وبخاصة في التكنولوجيا الحديثة على أن تصبح أداة قهر هو ما تنطوي عليه من زيادة درجة النمطية أو التقنين في عملية الانتاج ومن ثم في عملية الاستهلاك كذلك إذ إن النمطية بطبيعتها نقيض التفرد·

فتسهيل عملية الانتاج ينطوي على زيادة درجة تقسيم العمل أو التخصيص وميكنة الانتاج وتقسيم العمل والميكنة ينطويان بالضرورة على زيادة درجة التكرار والتماثل فيما يجري انتاجه واستهلاكه فإذا بالانتاج المتفرد يحل محله الانتاج الكبير أو الواسع أي الانتاج النمطي وإذا بالاستهلاك المتميز يتحول الى استهلاك جماهيري تدفع الهوية من أجله ثمنا باهظا"·

 

مبدأ الندرة

 

ومع أن المفروض بهذا النص أنه يمثل النواة الصلبة لنظرية جلال أحمد أمين في عدوان التكنولوجيا على الثقافة فليس يصعب علينا أن نلاحظ أولا أن محاكمته تقوم على تلاعب لفظي فهو توكيدا منها على نمطية نماذج الانتاج والاستهالك في المجتمع التكنولوجي الحديث يقصد أن يطلق صفة "المتفرد" على الانتاج وصفة "المتميز" على الاستهلاك في المجتمع ما قبل التكنولوجي والحال أن الانتاج في المجتمعات ما قبل التكنولوجية كان إما رقيا وإما فلاحيا وإما حرفيا وفي الحالات الثلاث لم يكن يتسم بأي "تفرد" وعدا أنه يستغرق جماع وقت العمل والحياة المتاح لإنسان تلك المجتمعات فقد كان يجري على وتيرة واحدة ويتوارثه الأبناء عن الآباء من دون أي تعديل في أدوات الانتاج أو في طرائقه أو في معدلات الانتاجية فقد كان بألف ولام التعريف، انتاجا نمطيا مكررا لنفسه بإيقاع ثابت لا يتغير جيلا بعد جيل·

وبدوره لم يكن الاستهلاك يتميز بأي تميز فقد كان محكوما بمبدأ الندرة ومن ثم بقانون الكم قبل الكيف بل حتى بقانون الكم السالب في حالات المجاعة التي كانت دورية الايقاع· وبقدر ما كان إنسان المجتمعات ما قبل التكنولوجية - ونتكلم هنا عن السواد لا عن النخب - إنسانا جائعا أو شبه جائع فإن الحديث بالإحالة إليه عن استهلاك متميز هو ضرب من الأسطرة والواقع أن الشرط التاريخي لاستهلاك متميز كان مرهونا بالانتقال من وضعية الندرة إلى وضعية الوفرة، وهو انتقال لم تتوافر مقدماته إلا في مجتمعات الحداثة التكنولوجية·

 

فيض الألفاظ

 

وثمة ملاحظة ثانية تفرض نفسها، فخلافا لما تحاول محاكمة مؤلف العولمة أن ترسخه في ذهن قارئه من خلال أخذه في فيض الألفاظ فإن التقدم التكنولوجي الحديث لم يكن للفرد والتفرد لحدا بل كان لهما على العكس مهدا فجميع الحضارات والثقافات السابقة على المجتمع التكنولوجي الحديث كانت بالإجمال ذات طابع جماعي وتجهل مفهوم الفرد والتفرد والمجتمع التكنولوجي الحديث بتوفيره لوفرة نسبية وبما أتاحه من ضغط ليوم العمل ومن تمديد لوقت الفراغ والثقافة هو وحده دون سائر المجتمعات السابقة، الذي أتاح إمكانية ولادة الفرد ومفهوم التفرد ووسع الحق في امتياز التفرد من مستوى النخبة إلى مستوى الطبقة الوسطى في طور أول ثم إلى مستوى القاعدة الجماهيرية في طور لاحق مع توطد المجتمعات الديمقراطية·

 

مستوى القرار التحكمي

 

وتنضاف هنا وجوبا ملاحظة ثالثة فالتكنولوجيا الحديثة تقوم بكل تأكيد على مبدأ التنميط على نحو ما يصوره مؤلف "العولمة" الذي يستشهد محقا في هذا الصدد بفيلم شارلي شابلن "الأزمنة الحديثة" ولكن ما يغيبه بالمقابل عن وعي قارئه أن فيلم شابلن يعود لا إلى "الأزمنة الحديثة" بل إلى عام 1953 حصرا وان التكنولوجيا الحديثة - المحكومة بقانون التطور الدائم - تخطت منذ زمن بعيد المرحلة التايلورية التي يشنع عليها فيلم "الأزمنة الحديثة" فالتكنولوجيا الحديثة فعلا، من دون أن تستبعد مبد أ التنميط توكله أكثر فأكثر إلي الآلة نفسها ناقلة في الوقت ذاته الإنسان العامل من مستوى التنفيذ الآلي التكراري إلى مستوى القرار التحكمي بل إن التكنولوجيا المعاصرة في طورها الإلكتروني الأكثر حداثة هي في سبيلها إلى إلغاء مقولة العمل بمفهومها الكلاسيكي وإلى إبدال العمل العضلي النمطي بالعمل الذهني الذي يتعارض بطبيعته مع التنميط ويتطلب من العامل التشغيل الدائم لمبادرته·

 

التفرد الثقافي

 

وباختصار فإن التكنولوجيا وليس أي شي غير التكنولوجيا هي التي تصنع الإمكانية التاريخية لعمل غير منمط وإن تكن عمدت في إحدى مراحل تطورها - هذا صحيح - إلى تأليل الإنسان نفسه·

وإنما في سياق هذا التثبيت القصدي للحضارة الغربية التكنولوجية عند إحدى مراحلها التاريخية - مرحلة الغلو في التنميط ـ يأتي تعريف جلال أمين للثقافة أو لوظيفة الثقافة بالأحرى بأنها "التفرد الثقافي" وبدهي أن هذا التعريف ليس من النوع الجامع المانع بل هو تعريف واحد من مئة تعريف آخر ممكن ولئن يكن مؤلف "العولمة" اختار هذا التعريف دون سواه فلأنه يخدم غرضه في هجاء الحضارة التكنولوجية الغربية بوصفها في عبادتها المزعومة للنمطية نفيا للثقافة وللتفرد الثقافي·

ونحن لا نماري بطبيعة الحال في أن للثقافة وظيفة تمييزية تفريدية على صعيد الهوية ولكننانماري في أن تكون هذه كل وظيفة الثقافة ونماري على الأخص في تغييب الوظيفة الدمجية أو حتى التنميطية للثقافة، فالثقافة لا تفرد المجموعة البشرية التي تنتمي إليها عن المجموعات البشرية المحيطة إلا بقدر ما توحدها وتصبها في قالب واحد·

 

التحول إلى حضارة

 

للثقافة إذن وظيفتان تفريقية بالنسبة إلى الخارج وتجميعية بالنسبة إلى الداخل وهاتان الوظيفتان المتجادلتان غير ثابتتين إذ إن الثقافة ليست هي المحدد الوحيد للهويات الجماعية فهناك أيضا الحضارة وقانون الحضارة هو إلى حد كبير غير قانون الثقافة فهذه بطبيعتها انطوائية وميلها الأول هو إلى الداخل لإعطائه لحمته وتسويره أما الحضارة فهي من طبيعة انفتاحية وتوسعية بالأحرى وقانونها هو السعي الدؤوب - طالما توافرت لها الحيوية - إلى إدماج أكبر عدد ممكن من الثقافات المحيطة تحت جناحها وأوضح ما يكون اشتغال هذا القانون عندما تتحول الثقافة نفسها إذا ما واتتها الظروف إلى حضارة·

والمثال الأسطع تقدمه في هذا المجال الحضارة العربية الإسلامية فمن ثقافة حجازية نجدية محلية وشظفة انداحت نحو مواقع الحضارة المترفة وأسست نفسها انطلاقا من مركزين شامي وعراقي "وثالث أندلسي في زمن لاحق" في دائرة حضارية كبرى لا يقل طول شعاعها مشرقا أو مغربا عن خمسة آلاف كيلو متر وقد مارست الحضارة العربية الإسلامية على طريقتها ضربا من "العولمة" إذ دمجت بها ما لا يقل عن عشر من الثقافات الكبرى "القبطية والبربرية والنوبية مغربا، والسريانية واليونانية والفارسية والخراسانية وقطاعات من الثقافتين الهندية والصينية فضلا عن الثقافتين العربية المسيحية والعربية اليهودية اللتين عاشتا في كنفها في نوع من ارتشاح غذائي" بل إنها تعدت أفاعيل العولمة المعاصرة بما استحدثته من انقالابات جذرية ونهائية "عدا الحالة الأندلسية" في ديانات شعوب تلك الدائرة الكبرى وفي لغاتهم وحتى في طبيعة تكوينهم الإثني·

ومن دون أن نتوقف أكثر من ذلك عند مثال "العولمة" ـ ونضع الكلمة هنا بين مزدوجين تحفظا من الخلط في المفاهيم - الذي تقدمه الحضارة العربية الاسلامية، فسنلاحظ أن أكثر ما تتجاهله عبادة "التفرد الثقافي" كما يحاول تأسيسها مؤلف "العولمة" هو جدلية الحضارة والثقافة·

 

السعي إلى التوحيد والتفريد

 

فالحضارة تسعى إلى التوحيد حيث تسعى الثقافة إلى التفريد والتفريد يبقى مطلقا ما دامت الثقافات بدائية أو بتعبير أدق شفاهية ما دامت الثقافات العالمية والحضارات لم تر النور بعد لكن التفرد الثقافي يغدو نسبيا حالما تنطوي الثقافة المعنية تحت جناح حضارة بعينها وعندئذ يغلب قانون التفاعل على مبدأ التمايز ولا يعود يسري مفعول التنوع الثقافي إلا ضمن نطاق الوحدة الحضارية ومن دون أن نتوسع في مزيد من التفاصيل فلنقل إن العولمة المعاصرة تقدم أتم نموذج - وليس بالضرورة أكمل وأمثل نموذج ـ لهذا الجدل المنعقد بين وحدة الحضارة وتنوع الثقافات ويخيل إلينا - وهذا ما نريد أن نختم به - أن هذه الجدلية يمكن أن نوقف أو تختل أو ترتكس إذا ما نزلقت في واحد من مسارات ثلاثة·

 

بضعة مزالق

 

1 - فقد تنزلق الحضارة إلى مسلك استئصالي فتنزع - بدلا من دمج الثقافات المتنوعة بها وبدلا من الاغتناء عن طريق هذا الدمج - إلى إحلال نفسها محل هذه الثقافات عن طريق ممارسة نوع من سياسة الأرض المحروقة ومضرب المثل من هذا المنظور هو مسلك الحضارة الغربية بطبيعتها الأمريكية إزاء ثقافات السكان الأصليين للقارة التي اكتشفها كولومبوس ويلاحظ اجمالا أن هذا المسلك الاستئصالي من قبل الحضارة الغالبة تجاه الثقافات المغلوبة هو رفيق درب دائم للاستعمار الاستيطاني ففي الجزائر "الفرنسية" جرت محاولة مماثلة للاستئصال الثقافي ولكنها لم تتوج بمثل "النجاح" الذي توجت به عملية استئصال الثقافات الهندية الأمريكية لأنها لم تقترن مثلها - بحكم تغاير الشروط التاريخية والجغرافية - بعملية إبادة للجنس البشري وفي فلسطين ودوما في ركاب الاستيطان الاستعماري نفذت عملية أكثر نجاحا للاستئصال الثقافي لأنها اقترنت خلافا أيضا للتجربة الفرنسية في الجزائر بعملية تهجير مكثف للسكان الأصليين·

2 - ومقابل هذه الاستراتيجية الحضارية الإحلالية قد تنزع بعض الثقافات إلى اتباع استراتيجية إبدالية فتنساق وراء إغراء تأسيس نفسها في حضارة بديلة والدور الذي يقوم به الاستعمار الاستيطاني في الاستراتيجية الإحلالية يقوم به الحافز الأيديولوجي في الاستراتيجية الإبدالية والشواهد التاريخية على ذلك تقدمها التجربة البلشفية في روسيا والتجربة النازية في ألمانيا وتجربة الخمير الحمر في كمبوديا وفي الحالات الثلاث فإن مشروع حضارة بديلة لم يتمخض في المحصلة الختامية إلا عن همجية جديدة وربما أشد قسوة من همجيات التاريخ القديم·

3 - وأخيرا فقد تنزلق بعض الثقافات إلى استراتيجية انغلاقية تضع رهانها كله على القطع مع الحضارات وبقدر ما تتعين الاستراتيجية الإبدالية بدوافع أيديولوجية علمانية فإن الاستراتيجية الانغلاقية تتعين هي الأخرى بدوافع أيديولوجية ولكن من طبيعة دينية هذه المرة وهذا هو المشهد الذي تقدمه اليوم مختلف الأصوليات الداعية إلى القطيعة مع الحضارة الحديثة ولا سيما منها الهندوسية واليهودية والإسلامية·

 

ماذا يريد؟

 

ونحن لا ندري - ختاما - في خدمة أي من هاتين الاستراتيجيتين الأخيرتين يريد مؤلف "العولمة" أن يوظف كتابه؟ أفي خدمة الاستراتيجية الإبدالية الحالمة بحضارة أخرى أم في خدمة الاستراتيجية الانغلاقية الحالمة بقطيعة مع الحضارة؟

ولكن ما نعلمه علم اليقين بالمقابل أننا عندما نقارن بين أحمد أمين وجلال أحمد أمين بين جيل الآباء وجيل الأبناء فإننا لا نملك أن ندفع عن أنفسنا شعورا بالحزن العميق فنهضة الآباء آلت إلى ردة على يد الأبناء وبقدر ما كانت نهضة آباء مطلع القرن تتميز بتصميم هائل على دخول العصر فإن ردة أبناء نهاية القرن تتميز بتصميم هائل على الخروج من العصر·

 

* مفكر سوري مقيم في باريس

** عن مجلة العلوم الاجتماعية - المجلد 27 العدد 4

طباعة