· إن العقائد لا دخل لها بما يمكن أن يقال في قضايا غيرها عن ديمقراطية الحوار، ففي مجال الدين لا توجد أقلية أو أغلبية تحصى بها الأصوات في نهاية المطاف، ولحسم الأمور بحيث تخضع أقلية لرأي أغلبية، أو تواصل الأقلية عرض حججها كي تتحول هي يوما إلى أغلبية
· هكذا فإن الخط غير المرئي (في ظروف العافية) يتحول بإثارة الحساسيات حوله إلى علامة ظاهرة أشبه ما تكون بخيط أو شعرة· ثم يزداد الضغط على مواقع الحساسيات، وتتحول العلامة (خيطا أو شعرة) - إلى مساحة واضحة تباعد بين ناحيتين· وتبلغ الأحمال والأثقال مداها، ويتحول الفاصل إلى خط، ويتحول الخط إلى شرخ، ثم إلى فلق، ثم إلى ما يشبه الكسر!
· لم يكن "الوفد" يضم بين أعضائه حتى هذه اللحظة أقباطا، وهنا ذهب عدد من أقطابهم إلى "سعد زغلول" (باشا) الذي برز كزعيم لا ينازع للوفد المصري يسألونه: "إذا كان مبدأ استقلال الشعب المصري هو المطلوب فكيف يجوز تشكيل الوفد المصري المطالب به - دون أقباط مصر؟"
طال ترددي أمام الموضوع الذي أحسست أنني أريد التوقف معه، وليس مع غيره، في هذا الحديث!
وطال ترددي - أيضا - أمام الجهة التي ينبغي توجيه الحديث إليها بظن - أو باعتقاد - أنها الأولى به من غيرها، وأنها المسؤولة عنه قبل الجميع·
والحاصل أن الموضوع الذي طال ترددي أمامه هو ما تبدى وتصاعد في السنوات الأخيرة من ضغوط على العلاقات بين المسلمين والأقباط من أبناء الشعب المصري·
والحاصل كذلك أن الجهة التي طال ترددي في توجيه الحديث إليها هي رئاسة الدولة بالتحديد، لأني أظن - وأعتقد - أنها الأولى به من غيرها وأنها المسؤولة عنه قبل الجميع·
والسبب الذي طال من أجله ترددي أمام الموضوع في حد ذاته أن الخوض فيه استبيح أمره - رغم جلال خطره - لكل ماسك قلم أو حجر أو سيف، ولكل مطل على الناس من صفحة جريدة أو سماعة مذياع أو شاشة تلفزيون، ولكل من اعتلى منصة كلام أو منبر وعظ· أو أمسك بحبل ناقوس في برج كنيسة·
وكانت النتيجة حالة من الفوضى أحاطت بالموضوع وقد حسبت أنها تسد الطرق إليه بالزحام، أو تصد عنه بإيثار البعد "عن الزحام"!
وأما السبب الذي طال من أجله ترددي أمام الجهة التي أوجه إليها هذا الحديث - وهي رئاسة الدولة - فهو الحساسية من تجاوز الحدود:
من ناحية فإن لدي ظنا - بل واعتقادا - أن موضوع الوحدة الوطنية - هو وموضوع مياه النيل معها دون غيرهما وقبل غيرهما - هما اختصاص أصيل لرئاسة الدولة، ومسؤولية غير قابلة للقسمة تحت أية دعاوى - بما في ذلك دعوى الفصل بين السلطات، أو دعوى الممارسة الديمقراطية - ذلك أن مسألة دينين على أرض وطن واحد، وكذلك مسألة نهر هو المصدر الوحيد للحياة تجيء موارده من خارج الحدود - هما مما لا يجوز فيه التفويض، ولا طول الجدل والتزيُّد!
كلتا المسألتين في ظني - واعتقادي - أهم وأخطر من أي مسألة أخرى، حتى مسألة الحرب والسلام، وحتى مسألة التنمية والتكنولوجيا، ذلك أنه بدون سلامة القاعدة الوطنية، وبدون حماية مياه النيل والمحافظة عليها - يصبح أي كلام عن الأمن وعن المستقبل سبقا للأوان بالقفز على الحقائق! ومن ناحية أخرى فإن داعي الحساسية من تجاوز الحدود ينشأ من أن توجيه الحديث الى رئاسة الدول قد يرد عليه بأن رئاسة الدول ليست في حاجة الى من يلفت نظرها لما هو في الصميم من اختصاصها ومسؤوليتها·· وهذا منطقي ومشروع!
على أنه في النهاية كانت دواعي التردد - هي نفسها دواعي المجازفة بالإقدام، لأن الأمور لم تعد تحتمل·
ففوضى الزحام من حول موضوع من الموضوعات لا تمنع أحدا أن ينادي من بعيد بصوت الضمير، حتى وإن لم يكن واثقا من إمكانية التأثير·
ثم إن اختصاص جهة بأمر ومسؤوليتها عنه لا يصد عن توجيه الحديث إليها في شأنه، فتوجيه الحديث الى طرف لا يعني بالضرورة تنبيه هذا الطرف الى غياب، وإنما قد يكون القصد تأكيد وتأييد اختصاصه وتدعيم قيامه على مسؤوليته·
وفي كل الأحوال، ومهما كانت الاعتبارات، فإنني بعد طول التردد جازفت وتقدمت!
ذلك أن الموضوع متصل بمستقبل وطن، ثم إن التوجه بالحديث الى الجهة المسؤولة عنه - رئاسة الدولة - حالة ضرورة وليس حالة اختيار!
وفيما يتصل بالموضوع نفسه واعتباره موصولا بمستقبل وطن، فليست هناك حاجة الى إعادة قراءة أو استقراء التاريخ العام - أو حتى تاريخ الأفكار - لكي يتفق الناس جميعا على مركزية الدين في حياة مصر بالذات، ذلك أن هذا البلد هام تعلّقا بفكرة الدين حتى من قبل أن تتنزل كلمة السماء!
1 - الدين والنيل فكرة الأبدية
وأتذكر حوارين متصلين ذات يوم في باريس "ربيع سنة 1971 - مع أديب فرنسا الحديثة ومفكرها الكبير "أندريه مالرو" "وزير الثقافة في عهد "شارل ديجول" - وكان الدين - وفي مصر بالذات - هو مالىء حديثنا، وكان "أندريه مالرو" هو الذي بادر بطرح الموضوع·
كان الحوار الأول على الغداء في مطعم "لاسير"، وكنا في صدد الحديث عن إسهام مصر في محيط الحضارة الإنسانية الأكبر، ووجدت "مالرو" يقول: لا بد أن نتذكر أن الحضارة المصرية هي التي "اخترعت" فكرة الأبدية·
وعلقت بملاحظة قلت فيها: "لنتفق على أن نكون أكثر تحديدا ونقول إن الحضارة المصرية لم "تخترع" وإنما "أهدت" الى الإنسانية فكرة الأبدية· أي نقول بأن مصر "أهدت" بدلا من أن مصر "اخترعت"·
وكان رد "مالرو" قوله: "إنه دون تعنت في تدقيق الكلمات فإن الحضارة المصرية هي التي طرحت فكرة البعث بعد الموت، وفكرة العالم الآخر بعد هذه الدنيا التي نعيش فيها، وفكرة الحساب والثواب سيرا على صراط مستقيم في يوم معلوم·
وفي الحوار الثاني - على العشاء - في بيت صديقته الكبيرة السيدة "فيلموران" في حي "سان جيرمان دو بري" - عاد "مالرو" الى استئناف ما انقطع بعد الغداء وكأننا بقينا في نفس المجلس من الظهر الى الليل، وهكذا فتح من جديد قصة غرام مصر وهيامها بفكرة الدين، وكان بين ما قاله أن تعلق مصر بفكرة الدين وصل بها الى درجة جعلت منها البلد الوحيد في الدنيا الذي اعتنق ثلاثة أديان على التوالي: من العقائد الفرعونية المغرقة في الأساطير، الى المسيحية المستعدة للشهادة، الى الإسلام المكلف بالجهاد·
فيض وغيض
ومن اللافت للنظر أن "مالرو كان يربط في حديثه بين ديانات مصر المختلفة وبين النهر الواحد، ورأيه أن "مصر كانت في حاجة الى النظر فيما وراء الطبيعة لأن حياتها كلها تعتمد على نهر لا ترى منابعه وتجهل كل شيء عن مساره، ثم إن مياه هذا النهر تزيد وتنقص، ومجراه يفيض أو يغيض لأسباب تحس بها مصر حين مجيء خيرها أو شرها، لكنها في الحالتين لا تستطيع أن تجد تعليلا غير أن حركة النهر "المعبود" إرادة علوية فوق أي إرادة إنسانية، وكانت تلك دوافع مصر الى الرجاء والى الدعاء والى الصلاة، والى الربط بين المعبد والمجرى!
وناقشت "مالو" طويلا تلك الليلة، وكان طرحي عليه أن هناك أسبابا أبقى لتعلق مصر بفكرة الدين·
قلت إنه بصرف النظر عن كل الأسباب والعلل - مما ذكر ولم يذكر - فإن تعلق مصر بفكرة الدين مؤسس على أن هناك خالقا وخلقا، وهناك رسالات ورسلا، وهناك عقائد ليس من الضروري أن يبحث لها الناس عن أسباب مادية أو "مائية"، حتى وإن احتكموا في كل ثقافتهم الى العقل وجعلوه مرجعا وسلطانا، باعتبار أن العقل هو القوة الفاعلة في المادة وليس العكس، وتلك هي ميزة العقل وقدرته على الإدراك المستمر لقوانين الطبيعة ومطالب الحياة·
وقد ظل تباين التفسيرات بيننا قائما على الغداء والعشاء، لكن اتفاقنا واتفاق من شاركوا في الحوار معنا - وبينهم كبير مراسلي "النيويورك تيمس" في أوروبا "ساي سالزوبورجر"، ورئيس تحرير "الموند" "بوف ميري"، والمفكر الكبير صاحب العمود الشهير في "الفيجارو" "ريمون آرون"، الى جانب مضيفتنا الكريمة السيدة "فيلموران" - انعقد على الأهمية المركزية لقضية الدين في مصر، سواء بدأت الفكرة بسر النهر مانح الحياة والنماء، أو بسبق الرسالات الإلهية مانحة الإيمان واليقين·
الدين في القلوب
وفي مطلق الأحوال فقد كانت تلك الحوارات في باريس نظرة جديدة على حقائق راسخة من قديم في حياة مصر: "النيل والدين" حسب "مالرو" - أو "الدين والنيل" حسب ما طرح غيره عليه!
بالنسبة للنيل لم يظهر تحد له شأن يهدد وصول مياهه الى مصر، وتلك قضية يطول الحديث فيها وليس هنا مكانها رغم أهميتها ورغم ما ظل ساكنا فيها حتى القرن التاسع عشر، ثم تبدى مشكلة في القرن العشرين، وهو على الأرجح سوف يصبح قضية القضايا وصراع الحياة ذاتها في الحقب الأولى من القرن الواحد والعشرين!
أما الدين - على خلاف مع النيل حتى الآن - فقد كان باستمرار مكمنا مشحونا بالخطر· بمعنى أن مياه النيل لقرون طويلة ظلت في أمان··
أما عقائد الدين فقد كانت باستمرار في الميدان·
والتفسير واضح، فالنيل في حضن الطبيعة، أما الدين ففي قلوب البشر· وفي حين أن الطبيعة مستقرة على أحوالها، فإن قلوب البشر تتنازعها تقلبات الأيام·
إن مصر القديمة المغرمة بفكرة الدين "على رأي "مالرو" سارت وراء الفرعون الإله ثلاث آلاف سنة تبني له أهراماته ومعابده، وتدفن معه كنوزه - أو كنوزها! "وكانت صلة الفرعون بالنيل حميمة، بل إن الصور اختلطت الى حدود يصعب تمييزها في بعض الأحيان بين النهر والإله والفرعون"·
وعندما وصلت المسيحية فإن مصر لم تتبعها فقط، وإنما قادت أحد مذاهبها الكبرى وراء "مرقص" قديسها الأعظم·
وعندما أقبل الإسلام فإن جيش "عمرو بن العاص" لم يكن قويا بسلاحه "أربعة آلاف جندي بالسيوف والحراب" - وإنما كانت قوته الحقيقية هي الشريعة التي سبقت السيف وغاصت الى أعمق من الحربة، وكانت قوة الشريعة - مع عوامل أخرى فعلت فعلها - هي التي شدت الجماعة الأكبر من سكان مصر، في حين أن جماعة أخرى "لها وزنها" آثرت أن تظل حيث كانت على عقيدتها المسيحية·
هكذا تجاور دينان على أرض الوطن الواحد، وبالتجربة الحية وعبرتها أدرك أتباع الديانتين - من الشعب الواحد على أرض الوطن الواحد - أن الحياة المشتركة فرض ومكتوب، وذلك تحقق على مسار التاريخ رغم اختلاف الدين·
خطوط الطول والعرض
ومع أن هذا الاختلاف في الدين ظل حقيقة اجتماعية وسياسية، مقبولة بالفكر ومعاشة بالواقع، فإن هذا الاختلاف - شأنه شأن أي اختلاف - كان قابلا للاستغلال، معرضا لكل ما تتأثر به قلوب البشر من نوازع تجيء بها تقلبات الأيام·
وذلك الاستغلال وقع فعلا في فترات من التاريخ تعرضت مصر فيها لحملات الغزو، ولمحاولات الاختراق، ولتربص الأغراض والمطامع خصوصا عندما كان ذلك يتوافق مع عوامل التراجع والانحطاط، فتلك بالطبيعة فاتحة الثغرات ومحرضة الأهواء·
وكان الذي يحدث في تلك الفترات أن الاختلاف في الدين - وهو موجود في كل الأحوال، وغير مرئي مثل خطوط الطول والعرض على كوكب الأرض مع أنها تدل على اختلاف مناطق الزمن وتباين مواسم الطبيعة - يجري التركيز عليه·
وهكذا فإن الخط غير المرئي "في ظروف العافية" يتحول بإثارة الحساسيات حوله الى علامة ظاهرة أشبه ما تكون بخيط أو شعرة·
ثم يزداد الضغط على مواقع الحساسية، وتتحول العلامة "خيطا أو شعرة" - الى مساحة واضحة تباعد بين ناحيتين·
خارج السياق
وتبلغ الأحمال والأثقال مداها، ويتحول الفاصل الى خط، ويتحول الخط الى شرخ، ثم الى فلق، ثم الى ما يشبه الكسر!
ثم يتنبه الكل الى أن الفتنة استيقظت، ويكتشف الكل قبل أن يفوت الأوان - أحيانا بشبه معجزة - أنهم تخطوا حدود الأمان!
وفي العادة "تتنبه رئاسة الدولة في مصر" لأنها المسؤولة عن تماسك الوطن وعلى أرضه ديانتان "بينهما خط غير مرئى في ظروف العافية" - بمقدار ما أنها المسؤولة عن النهر الواحد تتدفق مياهه الى أراضيها قادمة من وراء حدودها مع أنه بذاته كل حياتها·
خارج السياق
وفي هذه الظروف تحتاج الأمور الى إرادة الفعل المتمثلة في سلطة السيادة، وهي المستجدة - بالدرجة الأولى - في رئاسة الدول·
والواقع أنه حين تظهر بوادر الفتنة، ناشئة من اختلاف العقائد، مع وجود رغبة أو تصميم على استغلالها من الخارج أو حتى من الداخل - فإن الوطن - أي وطن، وليس الوطن المصري وحده - يجد نفسه أمام ظرف لا يصلح فيه منطلق الحوار لأن العقائد بطبيعتها متعلقة بالإيمان، وما يتصل بها مشبوب بالعواطف، وطول الأخذ والرد يحرك في القلوب ما تصعب السيطرة عليه·
ومن ناحية أخرى فإن العقائد لا دخل لها بما يمكن أن يقال في قضايا غيرها عن ديمقراطية الحوار، ففي مجال الدين لا توجد أقلية أو أغلبية تحصى بها الأصوات في نهاية المطاف ولحسم الأمور بحيث تخضع أقلية لرأي أغلبية، أو تواصل الأقلية عرض حججها كي تتحول هي يوما الى أغلبية·
مثل ذلك كله في غير محله، وخارج السياق·
وكذلك تنشأ الحاجة الى سلطة الدولة العليا، مع ملاحظة أن المطلب الديمقراطي في أي سياسة هنا يستمد قوته من شرعية السلطة وليس من ممارسة شعائر الديمقراطية "على فرض وجودها!"·
يضاف الى ذلك أن شعائر الديمقراطية ربما - ربما تكون لها فرصة قبل أن تطل الفتنة·
لكن كل هذه الشعائر تصبح عبئا حتى على روح الديمقراطية وما تكفله من الحقوق - إذا أطلت الفتنة·
وذلك شيء من نوع ما يحدث في ظروف الحرب: شعائر الديمقراطية تسبق السلاح، فإذا كانت إدارة الحرب موكولة الى إدارة شرعية حق لها أن تدير شؤون الحرب دون أن تتعطل أو تنتظر·
وفي الفتن شيء قريب الشبه بذلك خصوصا في مجال العقائد - وهي في بعض الأحيان براكين نار - وهنا وكما يحدث في الحرب فإن الإدارة لا بد أن يقع تكليفها على قيادة شرعية تتصرف بالمسؤولية قبل أن تتصرف براكين النار وهي غير مسؤولة·
هندسة الفتن
والشاهد أنه في الأزمنة الحديثة فإن صناعة الفتن - الى جانب عوامل الفتن - لم تعد عود ثقاب يلقى - بالمصادفة أو بالعمد - على حطب، وإنما صناعة الفتن تحولت الى "هندسة" بمعنى الكلمة!:
- الخط الافتراضي (مثل خطوط الطول والعرض) يمكن هندسته ليصبح مسافة وفاصلا (خيطا أو شعرة)·
- والفاصل "خيطا أو شعرة" يمكن هندسته ليتحول الى خط - الى شرخ - الى فلق - الى كسر·
- وطول الجدل الى حد الصخب، وتبادل الاتهامات وتوزيع المسؤوليات في حوادث متصلة بالعقائد - قادر لوحده أن يحول "خطا غير مرئي" الى "أخدود عميق بلا قرار"، وأن يحرك من المشاعر والغرائز ما يجعل الوهم نفسه يتجسد قضية حياة وموت·
ولقد كان زمن الحرب الباردة جامعة كبرى تعلمت فيها القوى "هندسة" الفتن، وأكثر من ذلك فإن البراعة في "الهندسة" وصلت أحيانا الى إعادة "هندسة الماضي" وإعادة تركيب تاريخ المجتمعات بما يوافق مقاصد الأقوياء!
2 - خطة كردينال ملكي!
سباق الامبراطوريتين
مسار التاريخ بلا نهاية، وعصوره ووقائعه سيل متدفق طوال الوقت، هادئ أحيانا، هائج في معظم الأحيان - لكنه فيما يتعلق بهذا الحديث فإن النصف الثاني من القرن التاسع عشر رأى مشاهد بالغة الأهمية فيما يتعلق بمصر، خصوصا فيما يتصل بجوار ديانتين على أرض وطن واحد·
في ذلك النصف الثاني من القرن التاسع عشر كانت مصر موضع سباق امبراطوري هائل: اقتصادي - عسكري - سياسي - وثقافي أيضا، لأن الثقافي وفيه العقائد قابل لأن يتحول بالمعالجة وإعادة التشكيل الى مصالح لها مكاسبها ومغانمها!
وفي المجال الامبراطوري "اقتصادي - عسكري - سياسي" كان السباق بين قوتين: بريطانيا وفرنسا - وفي حقيقة الأمر فإن السباق بينهما نحو مصر ملأ مساحة القرن تقريبا - من حملة "نابليون" الى حملة "فريزر"، ثم جاءت وقفة لتخفيف حرارة السباق اتفقت فيها القوتان على سيطرة مشتركة في عصر "إسماعيل"، ثم انقضت بريطانيا وانفردت بالغنيمة واحتلت مصر بحملة "ولسلي" سنة 1882·
وبطبيعة شبكة العلاقات بين القوتين فإن ما هو ثقافي في المجال الامبراطوري كان محركا الى الاهتمام - أو ادعاء الاهتمام - بالإسلام والمسلمين، وذلك بحكم نفوذ بريطانيا شرق وغرب الهند حتى أودية الفرات والنيل، وبحكم نفوذ فرنسا عبر الشواطئ الى شمال أفريقيا وسواحل الشام·
وهذا السباق بين امبراطوريتين ترك الباب مفتوحا لقوى أخرى - ولعله أغراها - بأن تحاول التدخل أو التسلل الى الميدان الثقافي، ولكن عن غير طريق الإسلام والمسلمين، بتحديد أكثر عن طريق المسيحية والمسيحيين من كل المذاهب، بما فيهم الأقباط الأرثوذكس في مصر·
تجارب وافدة
وكان هناك ثلاثة وافدين جدد رأوا الباب المفتوح وتقدموا يجربون حظوظهم، الوافد الأول هو الولايات المتحدة الأمريكية، الامبراطورية الجديدة المقبلة على أول الطريق - والثاني هو الكنيسة الأرثوذكسية الكبرى للامبراطورية الروسية، وهي امبراطورية وصلت الى آخر الطريق وكانت وقتها تجاهد السقوط وتبحث عن وسائل لتفاديه - وأخيرا الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وهي بدورها قوة امبراطورية بلا حدود - حتى وإن كانت لا تملك سلاحا أو اقتصادا مسيطرا أو مستعمرات خاضعة·
وجرب الثلاثة في مصر المسيحية - ولم يصلوا جميعا الى نتيجة تذكر·
الولايات المتحدة
- جربت الولايات المتحدة عن طريق بعثات التبشير، وكانت خطوتها "الرسولية" - أو "الإرسالية" وفق التسمية التي جرى اعتمادها تواضعا - هي العمل على تحويل أقباط مصر من الأرثوذكسية الى البروتستانتية، وتوافد المبشرون الأمريكان، أو تحت الرعاية الأمريكية، الى القاهرة ومنها نقلوا نشاطهم الى صعيد مصر بعيدا عن العين الساهرة للكنيسة القبطية المصرية وبطركها العنيد "ديمتريوس" الثاني·
روسيا
- وتصورت الامبراطورية الروسية أن تدخل من الباب بإذن رسمي، فذهب قنصل روسيا العام في مصر الى مقابلة البطرك الذي خلف "ديمتريوس" - وهو البطرك "كيرلس" الخامس - يهمس في أذنه بأنه "إزاء كل هذا الطمع في مصر فإن الأقباط الأرثوذكس فيها لا ملجأ لهم غير قيصر روسيا وهو حامي العقيدة الصحيحة"· ورد البطرك المصري بذكاء الفطرة فسأل القنصل الروسي: "ومن يحمي القيصر؟" - وجاء الرد: "يحميه الله " - وكان البطرك جاهزا فقال: "وهو أيضا يحمينا"، ثم أضاف عبارته المشهورة: "القيصر يموت وأنا أيضا·· ولا يحتاج ميت الى حماية ميت، وإنما يحتاج الكل الى حماية من لا يموت"·
الفاتيكان
- وأما الفاتيكان في روما فقد كانت محاولته قصيرة العمر، فما أن جاءت الرسالة الأولى من البابا الكاثوليكي الى البطرك المصري حتى كان الرد عليها: "منذ متى تهتم الكنيسة الرومانية في الغرب بأحوال المسيحيين في الشرق، وهي التي كانت تعتبرهم طول العمر هراطقة مرتدين"!
··· وخيارات ثلاثة
وعندما دخلت مصر الى القرن العشرين استوقفها سؤال هوية تاريخي كان لا بد أن ترد عليه، ذلك أن تطورات القرن السابق "التاسع عشر" وقد انتهت بالاحتلال البريطاني لها سنة 1882 - طرحت عليها ذلك السؤال الحيوي، وكان عليها أن ترد، ثم تقاتل إذا اقتضى الأمر دفاعا عن اختيارها·
وكان المطروح على مصر ثلاثة خيارات:
1 - مقاومة الاحتلال البريطاني لطلب الاستقلال وإقامة دولة ذات سيادة من نوع ما عرفته أوروبا في أعقاب الثورة الفرنسية - وليس هناك ما يمنع هذه الدولة ذات السيادة من التعاون بصفة مميزة مع الامبراطورية البريطانية "صديق قوي يقدر في رأيهم على مساعدتها - وكان من أنصار هذا الرأي الشيخ "محمد عبده" ومدرسته"·
2 - مقاومة الاحتلال البريطاني بقصد العودة الى الخلافة العثمانية وهي الإطار الجامع للشعوب الإسلامية باعتبار أن ذلك مكان مصر الصحيح، ثم إنه الموقع الذي كانت فيه فعلا قبل الغزو البريطاني، وكان أهلها في حماه رعية عثمانية - "وأنصار هذا الخيار يرون أن مطلب مقاومة الاحتلال البريطاني يحتاج أيضا الى قوة أكبر من قوة مصر الذاتية، والحل هو الباب العالي - وكان من أنصار هذا الرأي "مصطفى كامل" وحزبه"·
3 - مقاومة الاحتلال البريطاني والإصغاء جيدا الى دعوة قومية جديدة تعطى للعرب بوحدة الثقافة وتواصل الجغرافيا وامتداد التاريخ خصوصية الأمة في المحيط الحضاري الإسلامي الأوسع·
وكان هذا الخيار نداء بعيدا خافت الصوت لا تساعده قوة ابمراطورية، ولا نداء خلافة قادرة أو عاجزة - وليس له بعد نصير قوى له صوت يمكن سماعه!"·
وكذلك كان مطلب مقاومة الاحتلال متفقا عليه·
سؤال الهوية
وأما سؤال الهوية فقد كان موضع اجتهادات متعارضة·
وربما أن سؤال الهوية كان أشد صعوبة بالنسبة للأقباط في مصر - أكثر مما كان بالنسبة للمسلمين، ولعلهم كانوا أقرب الى الخيار الأول - وهو خيار الاستقلال، لكن الهواجس ساورتهم من واقع أنهم كانوا منذ دخول الإسلام في ذمة الوالي أو الأمير أو الخليفة·
وبصرف النظر عن رواسب كثيرة فقد عرفوا "وضع أهل الذمة" وتعاملوا معه وخبروه - لكن الاستقلال حالة مستجدة، فالفرد في الدولة المستقلة "مواطن"، و"المواطنة" مفهوم مستجد - يحل محل مفهوم طالت العهود عليه، وهو وضع "الرعية" للفرعون، أو القيصر، أو الخليفة، أو السلطان، أو المملوك، أو الأمير - وهذا المفهوم المستجد للمواطنة سوف يأخذ وقتا طويلا حتى تثبت جذوره، والى أن يتأكد ذلك فالقلق وارد·
وبالتداعى من ذلك كان هناك محظور رآه بعض العقلاء من أقباط مصر، ذلك أن خيار الاستقلال مع علاقة متميزة ببريطانيا "وفق الخيار الأول" سوف يضع أقباط مصر أمام مأزق محتمل خصوصا إذا لم يستطع مفهوم "المواطنة" أن يؤكد قيمه وقواعده - ذلك أنهم في هذه الحالة سوف يجدون أنفسهم - بواقع الحال أو بضرورته - أقرب الى القوة الدولية ذات العلاقة المتميزة مع مصر المستقلة، وهي بريطانيا·
وفي بعض الأحيان فإن هذا الخيار رغم محاذيره تبدى أدعى الى السلامة من العودة الى الخلافة العثمانية "الإسلامية" - ثم أنه كان أكثر تحديدا من خيار عربي ما زال بعيدا لكنه يحمل هو الآخر بالحقائق الحضارية محتوى "إسلاميا" تظهر لمساته ولو من بعيد!
وكان التخوف - وهو مبرر - أن تكون من هذين الخيارين عودة بالعلاقات بين المسلمين والمسيحيين الى "عهود الذمة" بحكم الولاية بدلا من "حقوق المواطنة" في الدولة الحديثة·
ثورة 1919
ثم بقى سؤال الهوية في مصر معلقا وحائرا حتى جاءت ثورة سنة 1919 فأخذت بخيار الدولة الوطنية المستقلة، وكان نجاحها الأعظم هو تبنيها لمبدأ "المواطنة" من واقع أنه وطن واحد يتعايش على أرضه دينان، ومن الإنصاف أن يقال إن نقطة التحول في هذا التوجه جاءت من قيادات قبطية·
فقد حدث في بداية الثورة أن وفدا تشكل لمقابلة المندوب السامي البريطاني لإبلاغه بمطالب وطنية على رأسها مطلب الاستقلال· ثم تحول الوفد الى حزب حمل نفس الاسم وهو "الوفد"، تعبيرا عن أن المطالبة بالاستقلال ما زالت مستمرة· ولم يكن "الوفد" يضم بين أعضائه حتى هذه اللحظة أقباطا، وهنا ذهب عدد من أقطابهم الى "سعد زغلول" "باشا" الذي برز كزيعم لا ينازع للوفد المصري يسألونه: "إذا كان مبدأ استقلال الشعب المصري هو المطلوب فكيف يجوز تشكيل الوفد المصري المطالب به - دون أقباط مصر؟"·
وكانت تلك علامة فارقة في مسار الحركة الوطنية المصرية·
الدخول من باب الوفد
وبعد دخول أقباط مصر من باب "الوفد" بالدرجة الأولى الى المشاركة السياسية في تجربة الدولة الجديدة تحت مفهوم "المواطنة" "بدلا من مفهوم "الرعية" - فقد كان يمكن أن تنتكس التجربة كلها لسببين:
أولهما - أن الملك "فؤاد" راح يتطلع الى إرث الخلافة الإسلامية بعد سقوط الدولة العثمانية - وقد استطاع الملك دون عناء كبير أن يجند الأزهر لمطلبه، وبالتالي فإن العباءة الإسلامية جرى استعمالها سياسيا بأكثر من اللازم، وكان مطلوبا منها أن تكون غطاء لأحلام ملكية لا أمل لها في عصور جديدة لا يملك فيها رئيس دولة واحد أن يضع على رأسه عمامة الإسلام "والإسلام لا يعرف التيجان"·
لكن عباءة الخلافة كان في مقدورها أن تمتلئ برياح الأوهام - ومن ثم تظهر للناظرين إليها أوسع من حقيقتها!
وأما السبب الثاني فهو أن أحزاب الأقلية "الأحرار الدستوريين في ذلك الوقت" وقد نشأت بالخروج على "الوفد"، لم تجد لها في الشعب المصري نصيرا يعطيها شرعية تغطيها - وكذلك فإنها لم تلبث أن احتمت بالعرش تستعمله للوصول الى الحكم أو يستعملها في طموحات وأغراض الملك "فؤاد" في الخلافة·
التواجد القبطي الظاهر
ومع أنه كان بين "الأحرار الدستوريين" من عارض الملك "فؤاد" في مطلب خلافة المسلمين - فإن الحزب نفسه - وغيره من أحزاب الأقلية - لم تجد في عدائها لـ "الوفد" دعوى تقدم بها نفسها الى الشارع المصري غير دعوى التواجد القبطي الظاهر في قيادة "الوفد"· وهكذا كانت أحزاب الأقلية التي أسست دعاواها على وعد الديمقراطية هي التي قبعت في الخندق الملكي يحميها من نتائج وعدها!
وكذلك لم يعد أمام أحزاب الأقلية التي تراجعت عن دعوى الديمقراطية - إلا أن تشتد في تظاهرها بادعاء الغيرة على الإسلام مستغلة ظهور الأقباط في "الوفد"، ومركزة على هذا الظهور، وكانت تلك مأساة كبرى لأن بعضا من أكثر العناصر في مصر استنارة لم تجد سبيلا الى مقاومة "الوفد" غير "تحريض قبطية "وجدت المكان الأكثر ملاءمة لها في حزب الأغلبية"!
وعندما بدأ تراجع "الوفد" حتى في حياة "سعد زغلول" باشا بعد قبوله بالإنذار البريطاني الذي تلقته مصر في أعقاب اغتيال السير "لي ستاك" سردار الجيش المصري وقائد القوات في السودان - فإن ذلك القبول بالإنذار أحدث آثاره رغم أن "سعد زغلول" ترك مطالب هذا الإنذار ينفذها غيره - وإن برضاه وتحت حمايته·
مكرم عبيد
وفي هذه اللحظة كان يمكن أن يكون ضعف "الوفد" وتهالك خصومه رغم استنارة بعضهم - حدثا يؤثر على الوعاء الأكبر للوطنية المصرية الجامعة لولا بروز شخصية "مكرم عبيد" بدوره الكبير في "الوفد" وفي الحياة السياسية المصرية بعموم·
والحقيقة أن "مكرم عبيد" أخذ أقل مما يستحق في الاعتراف بدوره في تمتين رابطة الوطنية المصرية "وفي صميمها فكرة "المواطنة" من حيث إنه المسيحي القبطي المتمثل لروح الحضارة العربية "وهي إسلامية" - الذي استطاع لسنوات طويلة من أواخر العشرينات وطوال الثلاثينات وحتى بداية الأربعينات أن يجعل من نفسه ومن دوره رمزا بالغ الأهمية في الحياة السياسية المصرية·
مصطفى النحاس والمجاهد الكبير
كان "مصطفى النحاس" هو زعيم "الوفد"، لكن قيادة "الوفد" الفعلية كانت لـ "مكرم عبيد"، وفي حين أن "مصطفى النحاس" كان يلقب في قاموس "الوفد" بـ "الزعيم الجليل"، فإن "مكرم عبيد" كان يلقب بـ "المجاهد الكبير"، وكان الرجل يستحق هذا الوصف من ناحية فكرية بحتة، حتى قبل الناحية السياسية الأوسع، وكان ذلك حتى باللاوعي تجسيدا حيا لتجاور دينين على أرض وطن واحد في ظروف لم يترسخ فيها بعد مفهوم الوطنية، ولم يتأكد فيها بعد معنى المواطنة·
كان وجود "مكرم عبيد" على قمة "الوفد" - في حد ذاته - يغني عن اجتهادات كثيرة تثير بالطبيعة أسبابا للاختلاف·
وكان الأمل أن يظل الرمز قائما بدوره ريثما تتمكن المفاهيم والمعاني من مد وتعميق جذورها·
لكن أحوال السياسة، وأهواء البشر، وضغوط ظروف دولية طاغية - تكاتفت كلها لمحاصرة الحلم الوطني المصري، ولم يكن هذا الحلم - لسوء الحظ - قادرا على مواجهتها·
وكان "مكرم عبيد" رمزا ودورا ضمن قائمة الضحايا في أزمة الحلم الوطني المصري·
كان "مكرم عبيد" - وهو الشخصية النافذة في "الوفد" - قد بدأ يحس بما طرأ على الحزب بعد زواج زعيمه "مصطفى النحاس" وهو في الخامسة والخمسين من عمره بفتاة شابة جميلة في العشرين من عمرها عند إتمام الزواج، وفي أبسط الأحوال وأهونها فإن "مكرم عبيد" مع أنه أكثر الساعين في زواج "النحاس" باشا وفي اختياره لشريكة لحياته - بدأ يحس أن هناك تأثيرا منافسا له على وقت "الزعيم" واهتماماته، وكذلك فكره! ومع تزايد "سلطان البيت" فإن "سلطان الحزب" راح يتناقص، و"مكرم عبيد" بواقع الحال أول من يحس بالتغيير·
وفي ظروف الحرب العالمية الثانية "التي بدأت سنة 1939" فإن الأحوال الاجتماعية في مصر شهدت دخول عناصر كثيرة وافدة بوسائلها على ساحة التأثير والنفوذ، والسياسة كذلك·
عودة "الوفد"
وعندما عاد "الوفد" الى الحكم في حادث 4 فبراير 1942 فقد كانت عودته مأساوية، ذلك أن "الوفد" عاد نتيجة لتدخل السفير البريطاني بحصار قصر "عابدين" واقتحامه، بفصيل دبابات، وإبلاغ الملك "فاروق" أنه "إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة مساء بأن النحاس باشا قد دعي لتشكيل الوزارة فإن الملك فاروق يتحمل تبعة ما يحدث"· وكان علي الملك "فاروق" أن يوقع بقبول الإنذار أو يتنازل عن العرش، وقد وضع الملك توقيعه على الإنذار بيد مرتعشة، ثم جاء "الوفد" - وهو من الناحية الفعلية ممثل الأغلبية الشرعية الى الحكم - ولكن بقوة الدبابات البريطانية، وكانت تلك هي المأساة·
ولم يكن "مكرم عبيد" سعيدا بما جرى على النحو الذي جرى به - كما لم يكن سعيدا بما طرأ على محيط "النحاس" باشا سواء بظروف زواجه مع تفاوت الأعمار، أو بالعناصر الاجتماعية المستجدة مع أجواء الحرب على الحياة الخاصة لزعيم "الوفد"·
انتقام الملك
وكان الملك "فاروق" الذي قبل الإنذار البريطاني مرغما يشعر بالمهانة، ولم يكن له عزاء إلا ثقته في أن رئيس ديوانه "أحمد محمد حسنين" "باشا" يرتب له خطة تعيد إليه حقه وتمكنه من خصومه - وكان أسوأ هؤلاء الخصوم في نظره "مصطفى النحاس" الذي لم يكتف بعداء قديم مع القصر من عهد والده وعهده "وكان "النحاس" فيه على حق" - وإنما أضيف الى ذلك قبول "النحاس" بتأليف الوزارة من يد ماسورة مدفع على ظهر دبابة بريطانية تحديا للملك ومشاركة في تحقيره أمام شعبه وجيشه، وإذلاله حتى أمام نفسه وداخل قصره!
وبالفعل فإن "أحمد محمد حسنين" باشا وضع خطة انتقام للملك قلد فيها عصور الكرادلة من ريشليو الى مارتزيني وكلهم وقفوا وراء ملوك في الصبا، وقاموا بالوصاية عليهم، وعشقوا أمهاتهم، وحاكوا الدسائس والمؤامرات في تصفية خصوم العرش أو خصوم الكرادلة بمعنى أصح!·
وكانت خطة الكردينال "أحمد محمد حسنين" انتقاما لكرامة الملك الصبي الذي قام بنوع من الوصاية عليه تحت وصف أنه رائده، وتزوج أمه سرا كما فعل الكردينال "ماتزيني" مع "كاترين دي مديتشي" والدة ملك فرنسا القاصر "لويس" الثالث عشر - خطة طويلة ومعقدة والبنود الرئيسية فيها كما يلي:
1 - العمل على إنهاء خدمة اللورد "كيلرن" السفير البريطاني الذي قدم الإنذار في مصر كي لا يظل وجوده فيها تذكرة للملك بلحظة هو أنه وهو يريد أن ينساها!
2 - القصاص - ! - من "مصطفى النحاس" الذي فرض عليه قهرا، والأفضل أن يكون القصاص تصفية جسدية لرئيس "الوفد" ورميا بالرصاص وبالفعل جرت أكثر من محاولة لاغتيال "النحاس" باشا قام بها ضباط من تنظيم الحرس الحديدي الذي أنشأه الملك أداة لإرهاب خصومه!·
3 - إنزال العقاب بكل من ساعد في توثيق العلاقات بين السفارة البريطانية وزعيم "الوفد"، وأول هؤلاء "أمين عثمان" وبالفعل فقد تم اغتيال أمين عثمان بتوجيه ورعاية من القصر، وبأسلحة ضباط الحرس الحديدي·
4 - وهذا هو البند الأهم - كسر "الوفد" كحزب والتركيز بالتحديد على "مكرم عبيد" سكرتيره العام باستغلال ما طرأ على مشاعره الداخلية في السنوات الأخيرة، سواء من إحساسه ببعد "مصطفى النحاس" عنه وعن الحزب - أو من ضيقه بمأزق عودة "الوفد" الى الحكم نتيجة إنذار بريطاني·
وكان نجاح الكردينال "أحمد محمد حسنين" في بند كسر "الوفد" بالتركيز على سكرتيره العام كبيرا، فقد كان "مكرم عبيد" حتى من قبل فبراير سنة 1942 متأزما، ثم زادته الظروف التي رافقت عودة الحزب الى الحكم تأزما، لأن تكالب العائدين الى السلطة بدا له مزعجا وخصوصا أن هذا التكالب كان يجد له سندا داخل دوائر مؤثرة في الحزب أو عليه - بل إن هذا التكالب وجد منطقا يغطيه بادعاء أن البعد عن السلطة سنوات جعل الحلوق شديدة الجفاف بقسوة الظمأ!
الرمز السياسي معبود
كان حلم كسر "الوفد" مشروعا سياسيا دائما للقصر· وقد تصور السلطان "فؤاد" عندما انشق الأحرار الدستوريون أن خروجهم بالجملة من الحزب - وأقطابهم صفوة أساطينه - أنها نهاية "الوفد"، ثم تبين أن الرمز السياسي في مصر كان - وسوف يظل - معبودا لا يطال الى درجة أن مدن مصر وقراها سمعت ورددت نداء يقول إن "الاحتلال على يد سعد ولا الاستقلال على يد عدلي" يكن، ثم شعارا ثانيا يقول "إنه لو رشح الوفد حجرا لانتخبناه" - أي أنه "سعد زغلول" بذاته وصفاته وليس غيره مهما كان من مزاياه، تم تبين أيضا أن "سعد زغلول" قادر بشعاراته على سحق منافسيه حتى بالتخوين، وكذلك ترددت أحكام قاسية بالإعدام السياسي من نوع وصف مفاوضات غير "الوفد" مع الانجليز بأنها "جورج الخامس يفاوض جورج الخامس "ملك انجلترا"، ثم إن كل هؤلاء الذين انشقوا عن "الوفد" هم: "برادع الانجليز"· وقد تمكنت هذه الشعارات في الحياة السياسية المصرية، وأدت الى عملية استقطاب حاد كان "الوفد" خلالها في الموقع الأعلى، وكان خصومه في الموقف الأدنى·
السعديون
وتكررت عملية الانشقاق على "الوفد"، والقصر يراهن كل مرة ويخسر الرهان، بما في ذلك الرهان المهم على "محمود فهمي النقراشي" باشا و"أحمد ماهر" باشا، وقد بدا ذلك انشقاقا حاسما، أصحابه هم وقتها أغلبية النخبة في صفوف القيادة الوفدية العليا، ثم إن "النقراشي" و"ماهر" كانا الأقرب الى "بيت الأمة" والأحب الى السيدة "صفية زغلول"، وقد اختارا لحزبهما الجديد الذي قام بالانشقاق اسم "السعديين"، ولم يكن هناك في رأيهما دليل على العودة الى شرعية الأصول أكثر من استعادة اسم "الزعيم خالد الذكر" عنوانا لحزبهما الجديد·
وعندما راهن "أحمد حسنين" باشا ضمن سياسة الانتقام للملك فاروق من خصومه واستقر رهانه على كسر الوفد بانتزاع مكرم عبيد نفسه من صفوفه - فإن الرهان بدا جديا وشبه موثوق بنتائجه لأسباب موضوعية ولأسباب ذاتية·
ومن الناحية الموضوعية فإن "الوفد" سنة 1942 لم يعد ذلك "الوفد" الذي ملأ الساحة المصرية في بداية العشرينات من القرن، فالحزب لم يستطع أن يقدم شيئا في قضية الاستقلال سوى أنه رفع علمها وردد شعارها، وكان هو الذي عاد بعد وصف دستور سنة 1923 بأنه دستور الأشقياء الى اعتبار هذا الدستور نصا مقدسا، وكان هو حتى في حياة "سعد زغلول" الذي قبل بالإنذار البريطاني بإخلاء السودان، وأخيرا وبعد عناء طويل فإن "مصطفى النحاس" خليفة "سعد" كان هو الذي وضع توقيعه على معاهدة سنة 1036، وهي وثيقة لا تختلف كثيرا عما توصل إليه غير الوفديين في مفاوضاتهم مع الإنجليز· ثم جاءت الورطة الكبرى بحادثة 4 فبراير 1942، ومع أن "النحاس" من الناحية النظرية كان زعيما لحزب يمثل الأغلبية لا زال، وهو مقصي عن الحكم بتعسف ملكي - إلا أن ملابسات عودته الى حقه الدستوري كانت "عورة" لا سبيل الى تغطيتها، وقد بدت العورة فاضحة عندما حمل السفير البريطاني علي أعناق الوفديين حين ذهب الى مقر مجلس الوزراء غداة تشكيل الوزارة ليهنئ رئيسها "مصطفى النحاس"· وكانت صورة اللورد "كيلرن" محمولا على الأعناق وصوت متظاهرين يهتفون له - إشهارا للفضيحة أكثر من تغطية عليها!
حسابات حسنين باشا
وإذن - هكذا جرت حسابات "أحمد حسنين" باشا - فإن "الوفد" سنة 1942 ليس هو "الوفد" سنة 1920 وبعدها·
وأما الأسباب الذاتية التي تخص "مكرم عبيد" شخصيا، فأولها أن "المجاهد الكبير" عيار آخر غير عيار كل من سبقوه الى الخروج من "الوفد"·
فهو بذاته - روح "الوفد السياسي، ومدير شؤونه الذكي، وصوته البليغ الناطق باستيعاب كامل للحضارة المصرية والعربية "ومحتواها الإسلامي"، وهو محرك تواجد "الوفد" وسط مواقع التأثير في الحياة العامة وأهمها تلك الأيام حركة النقابات المهنية، ثم هو المثقف الواعي اجتماعيا والذي استطاع أن يقول للكل في آخر ميزانية قدمها: "إننا حررنا المواطن المصري من استغلال الأجنبي، وآن أن نحرر المواطن المصري من الاستغلال المصري"·
وأخيرا وأهم - في نظر "أحمد حسنين" باشا وتلك من خطاياه غفر الله له تقديره أن خروج "مكرم عبيد" سوف يضع الأقباط جميعا أمام اختيار صعب، فمكان "مكرم عبيد" حيوي في "الوفد"، ودوره الواسع مظلة فوق كثيرين، ووجوده في حد ذاته ضمانة وعلامة على أن "الوفد" هو الباب المفتوح بوعي "لواحدة من الحقائق التاريخية الكبرى في مصر "شعب واحد ودينان"·
وتردد "مكرم عبيد" في الشهور الأولى من سنة 1942، ثم غلبته هواجسه، وكان الرجل - شأنه شأن كثير من المثقفين - شخصية بالغة الحساسية، شديدة التوتر، سريعة التأثر ليس فقط بالوقائع ولكن حتى بالإشارات والتلميحات·
* الكتب وجهات نظر - العدد الرابع عشر - مارس 2000