بدأ عصر ظلام العرب···
ركان الصفدي
(1)
بدأ عصر ظلام العرب والمسلمين·· نحن الجانب المظلم من تفاحة العالم المعاصر، فقد حققنا رقما قياسيا في الهزائم العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى آخر هذه السلسلة المملة من المصادر الصناعية· وفي حين يمضي العالم نحو مستقبله بسرعة أشعة الليزر ما زلنا نحن لم نحسم أمورنا جميعا، بل إننا لا نعرف حتى الآن كيف نأكل وكيف نشرب وكيف نلبس··· ليس في الأمر مبالغة، فمنذ مطلع القرن العشرين والعرب في حيرة من أمرهم، تخلوا عن العمامة والجلباب ولبسوا الطربوش والبدلة الأوروبية، ثم تركوا الطربوش التركي ولبسوا القبعة الإفرنجية ثم تخلوا عنها، وهناك من يرى أن الثباب رمز للأصالة وآخرون يرون أنها مظاهر تتغير بتغير العصر، وحتى يحسم الأمر سيظل هناك اللباس المدني والغترة والعقال والدشداشة والبشت والعمامة والقنباز والفوطة والشورت··· أمة لا تعرف كيف تلبس ثيابها، متى تفكر في أمور الحضارة والتقدم؟!
(2)
بدأ عصر ظلام العرب·· صار على الكاتب أن يمر أولا على محكمة جنائية أو جزائية أو أمنية أو اقتصادية أو عسكرية، الى آخر هذه المصادر الصناعية المملة، قبل أن يمر على دار نشر لطباعة كتاب أو رواية أو ديوان شعر، كما أن عليه أن يقرأ عمله المخطوط على شيخ الجامع ومختار الحارة وعلى شرطي السير وبائع الفول والطعمية وصبي الحلاق وعامل المقهى وبائع الطوابع وطلاب المدارس المتسكعين والهاربين من دروسهم، ولا بأس أن يطلع بعض الجزارين والعطارين وماسحي الأحذية، ويأخذ من هؤلاء جميعا "براءة ذمة" أو تصريحا بالموافقة على طبع العمل ونشره، أما وزارات الثقافة والإعلام فلتذهب الى الجحيم ولا سيما أن الذين سبق ذكرهم صاروا أكثر اهتماما ومتابعة للمنشور منها!
لم نصل في يوم من الأيام الى الوضع الكاريكاتيري هذا، حتى في زمن المماليك والعثمانيين سيئي الذكر والصيت·
(3)
بعد أن تكررت حوادث محاكمة الكتب والكتاب بدعاوى مرفوعة ممن لا تتعدى ثقافتهم كتب الأرصفة والملصقات المعلقة على جدران المشافي والمجمعات، وأشرطة التسجيل الموزعة بسخاء على المراهقين والعواطلية··· لم نعد تستغرب أن تصدر فتاوى ضد زنادقة البنيوية، وهراطقة التفكيكية، وكفرة الواقعية الاشتراكية، ومهووسي السريالية، ومضللي الصورة الشعرية، ومشعوذي السيميائية، ومرجفي اللامعقول، وطغاة الرواية الحديثة، وخطاة النص المفتوح، وعصاة اللسانيات، وعملاء الأدب المقارن·· لا غرابة في ذلك، أليس الناس أعداء ما جهلوا؟!
(4)
بدأ عصر ظلام العرب·· فعندما كان الفكر الإسلامي قائما على عباقرة عمالقة اتسم بالانفتاح والتعددية والتنوع المثير والرائع، فلم نسمع أن أديبا أو كاتبا حوكم بسبب آرائه وشطحاته الفكرية والفنية، إلا في لحظات ظلامية نادرة وفي ظروف خاصة جدا، ولذلك احتفظ لنا التراث بكل ما خطته الأقلام وجادت به القرائح دون تعديل أو تغيير حتى لو خرج الكثير منها على العقيدة السائدة·· وأي كتاب عربي يخلو من قصائد الخمر التي يصل بعضها الى حد تقديسها والتباهي بخطيئتها "كأبي نواس"، وأي كتاب كان يتأبى على إيراد قصص الخلاعة والفسق والفجور وأشعارها ككتاب الأغاني وألف ليلة وليلة وسواهما وأي كتاب يتمنع على ذكر أشعار الكفر والزندقة، فهذا بشار بن برد يمدح ابليس وذاك ديك الجن الحمصي ينكر البعث ويسخر منه، وذلك شاعر ينكر الصلاة ما دام فقيرا دون غيره من المصلين، والمتنبي يصيح بقرمطية صارخة: شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ويستحل دم الحجاج في الحرم وهناك مئات الشواهد بل الآلاف·· ولكن لم تكن هناك محكمة واحدة، ولا مظاهرة واحدة! كان الفكر الإسلامي قويا لا تهزه شطحة شاعر ولا مزاج أديب ولا نزق كاتب·
(5)
عندما تضعف أمة أي أمة تأكل نفسها، وما مظاهر التعصب والتطرف إلا تعويض عن النقص الذي تحس به هذه الأمة·· فلو كنا أمة منتجة متقدمة قوية لما رأينا أثرا لضجة الطبل الفارغ هذا·· هل انتهى زمن العلماء وجاء زمن الغوغاء؟!
لا يسود فكر، أي فكر، بالعنف والإرهاب، كما لا يموت فكر، أي فكر، بالعنف والقمع·
البشرية ولادة، والأفكار شُعَلُها المتقدة، وإذا خبا بعضها اليوم فإنه سيتأجج غدا، فلا حل إذن إلا بالقبول بالتعددية، واختلاف الأفكار الى ما لا نهاية·
(6)
هل يفكر العرب على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، يساريين ويمينيين، إسلاميين وعلمانيين، اشتراكيين ورأسماليين، مستقلين وحزبيين، أنهم لون واحد في نظر أعدائهم المتربصين بهم عند كل منعطف؟
هل يفكر هؤلاء أن جنزير العولمة أو الأمركة لن يفرق بين الوردة والشوكة، والأخضر واليابس؟
(7)
إن ظلام الدنيا بكاملها لا يقوى على وميض·· فكرة!