رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 13-19صفر 1421هـ - 17-23مايو2000
العدد 1427

بلدي اينينكايو

قصة: لطيفة بطي

 

سارية المفعول:

 

في ذلك الصباح المشرق، توجه لتجديد سارية المفعول، الزحام، الوجوه، الانتظار··· تقدم بضع خطوات، وضع سارية المفعول التي انتهت صلاحيتها أمام الموظف···

ضرب الموظف على بعض أزرار لوحة "الكي بورد"، تولدت بعض الكلمات على الشاشة، لطخ الأوراق ببعض المعلومات المستقاة من عملية الولادة تلك، ركز بصره نحو الواقف أمام مكتبه وتلفظ:

- عدل وضعك!

لم يستوعب - نعم؟!

عدل وضعك··· مضغها وهو ينهي العمل على الشاشة···

التفت خلفه، وضعه سليم، لم يتخط الدور، كان يقف في الطابور منتظما، تنحنح: عفوا، ماذا؟!

صر الموظف على أسنانه وتلفظ بحنق: عدل وضعك!

احتار في وقفته، اعتدل واقترب الى منتصف المكتب، حيث كانت وقفته تميل الى الشمال قليلا، أعاد نسف غترته على رأسه وأسدل يديه المكتفتين···

عاد صوت الموظف متأففا من جديد: عدل وضعك!··· وهتف باسم الشخص الذي يليه···

ابتلع حيرته وخرج، فتش جيوبه، لم يكن سوى نصف دينار يلوح له بلسانه المهدول، تلفت حوله، سيارة أجرة تبدو شيئا فارها أمام النصف دينار، نظر تجاه محطة انتظار "الباصات"، عاودته قشعريرة الطفولة، كان يعتقد دوما أن الحافلات أضخم المصنوعات وأعلاها صوتا وصخبا على وجه البسيطة، كثيرا ما شعر برغبة في التقيؤ كلما مر الباص في الشارع المحاذي لمنزله، وفي المدرسة احتاج لدروس أخرى ليعتاد بطن ذلك المدعو باص···

عاود النظر من جديد، عل أحدا من الأقارب أو الأصحاب يقضي شأنا بالقرب من وجهته· تمالك يده أخيرا من أن يلوح أو يؤشر لأي سيارة يطلب نقله تطوعا···

- مخجل في هذا الزمن ألا يمتلك الإنسان وسيلته الخاصة للتنقل··· تمتم متأففا··

حرجه كبير، يحاول حماية ملابسه من تلوثات الطريق، ما شعر بالخجل كما شعره يوم أن صاحت به حماته، أو تلك التي كان من المفترض أن تكون حماته معنفة··· الى متى ننتظر، حتى الفئران في الجحور لا تحتاج الى تصريح أو تجديد سارية المفعول، لتمارس شؤون الحب والحياة؟! ما لاحاجة إليك، لا شهادة ولا قيادة، ولا مستقبل مأمون!

بدا له صوتها يومها أفظع من كل أصوات الباصات التي يكرهها حتى الموت، لاح له النصف دينار من جديد، لم يبق سواه، المنقذ، ارتفعت يده تلوح·

 

تعديل وضع:

 

توقف "الوانيت" وكأنه وقع على صيد سمين، اتخذ مكانه قرب السائق وهمس بعنوان وجهته التالي···

كلمة الموظف ترن في أذنه، عدل وضعك!

ناوله السائق سيجارة، التقطها بين أصابعه، لم يهمس بشيء، مجرد قبولها كان يعني الشكر···

- ريح راسك··· قالها السائق وهو يمد يده بشعلة الولاعة···

اشتعلت السيجارة وكان رأسه يشتعل بالتفكير···

ذلك الزوري كان يحمل أختام الإياب دون أن يقابلها أختام الذهاب، عدل وضع الشوارع، والعلب السردينية، والكواليس الخلفية، مهرجان تعديل وضع صاخب ذاك الذي أجراه، ربما استحق تسمية مشروع "تعديل الوجوه المحلية"··· طاف بذهنه الهامور الأكبر الذي أجروا عنه تحقيقا في الصحيفة من دون إشارة الى اسمه بطبيعة الحال، فساد رائحته نم عنه··· ما الذي قاده الى ذهنه، فرك رأسه بيده·· ربما اسمه الذي تزينت به البنايات المقابلة، بنايات "الكيف والكم" كان يطلق عليها سرا، آسيا السمراء، وآسيا الصفراء، اسم سري آخر، مساحيقه البيضاء دائما ما تخرجه ناصع البياض معدل الوضع تماما كضلع مستقيم في مثلث قائم الزاوية·

- ريح رأسك·· قالها السائق مرة أخرى وهو يمد يده بسيجارة جديدة التقطها بين أصابعه وأشعلها بباقي جذوة السيجارة السابقة المقاربة لرحلة الانطفاد·· زفر بعمق، ذلك الحوت عدل وضعه جيدا، بامتياز، تورمت جيوبه بمدخرات الأعقاب القادمة والسابقة واللاحقة، عدل وضعه في بنوك سويسرا واستثمارات لندن ومضاربات ومساهمات نيويورك، تعديل وضع ضخم، ضخم جدا، لا يليق به سوى اسم الحوت···

هز رأسه ساخرا، طاف بذهنه من جديد كلام تلك التي ما عادل لها أن تكون حماته بعد اليوم···· عندما تعتقد أنك أصبحت أفضل حالا من فأر، نستطيع حينها أن نبحث لك عن فأرة أخرى·· صفقت الباب بوجهه، تماما كصفقة باب الموظف··· عدل وضعتك!

 

بلدي اينينكايو:

 

تناول الصحيفة التي رفعها قبل أن يحتل موقعها على المقعد، أو كما سخر متمتما في نفسه "قبل تعديل وضعها" قلبها بين يديه، وقع على الخبر، التهمه بعينيه، انتفض في جلسته، صفق يدا بيد، قهقه ساخرا، ألقى بنظره نحو الصحيفة وتجاه السائق الذي شاركه ببلاهة أو عفوية قهقهاته وزاد أن ضغط على منبه السيارة جلجل صوته: هل قرأت؟!

قهقه السائق: أجل، سأعلن نفسي الممثل الرسمي هنا للمقاومة الحرة تجاه الأطماع غير المشروعة للولايات المتحدة تجاه الأرخبيل، حيّ على الجهاد يا شعبي

- وأنت أيضا؟!··· قالها وكأنه يوليوس قيصر يتلفظ عبارة "حتى أنت يا بروتس"·

مال السائق يلتقط نظرات الى الصحيفة المفردة بين يدي الراكب المجاور

- ما اسمها؟

- من؟

- بلادنا الجديدة!

راح الاثنان يتهجيان الأحرف·· اينـ ·· اينيـ ·· يكا·· يو·· اينينكايو··· علق السائق: سيجد الأطفال صعوبة في تلفظ الاسم في مدارسهم!

- وسيجد الأموات صعوبة في استنشاق ترابها!

قهقه الاثنان من جديد، راحت يد السائق تدير جهاز التسجيل، انطلق صوت "عبدالكريم" صادحا بإحدى الأغنيات·

طباعة  

أفق
 
رواية "وليمة لأعشاب البحر" قميص عثمان انتخابي
خفافيش الظلام وعناكب الجهل "تؤبن" نفسها

 
أيام ثقافية كويتية في الشارقة
وزير الإعلام: نستعد بجدية للعاصمة الثقافية

 
غنى في قصائده للخفجي والكويت
الشاعر محمد طاهر العبدلي ورحلة الشعر في مدائن الغربة ونهر الأحزان

 
في أمسية برابطة الأدباء عنوانها "الشعر... الصوت والنغم"
سعيد شوارب وسالم عباس يعزفان قصائد تحتفي بالإنسان والوطن والحياة

 
ضوء
 
نافذة
 
أجراس