رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 5-11ربيع الأول 1421هـ - 7-13يونيو2000
العدد 1430

التحقيق الصحفي الذي كشف لأول مرة سر حيازة إسرائيل للأسلحة النووية
فانونو وامرأة الموساد*

·         في لحظة أدرك فانونو غباءه، فقد هجم عليه رجلان وضرباه على رأسه وألقياه على الأرض، ثم ربطاه من يديه وقدميه،ثم جاءت المرأة التي فتحت الباب وأعطت فانونو حقنة في ذراعه، فغاب عن الوعي

·         أدرك خلال سنوات عمله أن الأجهزة الكيميائية الموجودة تحت الأرض - والتي ساعد في تركيبها - كانت تقوم بإعداد البلوتونيوم وهو مادة أساسية في صناعة القنبلة الذرية· ثم أدرك فيما بعد أن أجزاء من الأسلحة النووية كانت تصنع في غرف تحت الأرض

·         قبل انتقاله إلى الفندق الجديد، لاحظ فانونو امرأة شقراء فاتنة بالقرب من الفندق، فاقترب منها، وتحدث معها، ثم دعاها إلى فنجان قهوة فوافقت، ثم اتفقا على اللقاء في اليوم التالي، وقالت الفاتنة إنها أمريكية وتدعى سندى

·         أدرك خلال سنوات عمله أن الأجهزة الكيميائية الموجودة تحت الأرض - والتي ساعد في تركيبها - كانت تقوم بإعداد البلوتونيوم وهو مادة أساسية في صناعة القنبلة الذرية· ثم أدرك فيما بعد أن أجزاء من الأسلحة النووية كانت تصنع في غرف تحت الأرض

·         إن فكرة خطف فانونو بعيداً عن بريطانيا كان مقصوداً بها عدم إحراج مارجريت تاتشر صديقة إسرائيل الحميمة

·       جاءت أنباء من إسرائيل تقول: إن رئيس الوزراء شيمون بيريز، اجتمع برؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية، وأخبرهم أن قضية أساسية تتعلق بإسرائيل سوف تنشر في "الصنداي تايمز"، ورجاهم باسم الأمن القومي أن يتعاونوا معه في محاصرة الضرر المترتب على النشر

 

عبدالعظيم أنيس **

تعرض موردخاي فانونو لمصير مفزع؛ لأنه كشف أسرار الأسلحة النووية لدى إسرائيل، لصحيفة بريطانية هي "الصنداي تايمز" ولمحررها بيتر هونام مؤلف هذا الكتاب·

ولقد قامت امرأة شقراء فاتنة تدعى سندي بغواية فانونو، وأخذه من لندن إلى روما بحجة قضاء إجازة ممتعة سوياً هناك، حيث قام عملاء الموساد بإفقاده الوعي بضربة على الرأس في شقة بالعاصمة الإيطالية، ثم حقنه بمادة مخدرة وتهريبه إلى إسرائيل على ظهر سفينة بضاعة·

وفي محاكمة مثيرة بالقدس، وجهت لفانونو تهمة الخيانة العظمى، وحكم عليه بالسجن ثمانية عشر عاماً، ومازال فانونو في السجن رغم الحملة الدولية للإفراج عنه· هذه هي القصة المأساوية لرجل صحا ضميره (فانونو) فقرر فضح كل ما يعرفه، ولامرأة جاسوسة حاولت أن تدمر فانونو، وللخداع السياسي الذي مازال مستمرا لإخفاء الدور الذي لعبته فرنسا وبلجيكا وجنوب أفريقيا ثم الولايات المتحدة لمساعدة إسرائيل في الحصول على أسرار المعرفة النووية وتوفير تكنولوجياتها·

 

"يوميات هتلر"

 

يحكي مؤلف الكتاب بيتر هونام قصة صلته بموردخاي فانونو في أغسطس عام 1986 قائلاً: إنه وزملاءه في قسم التحقيقات في صحيفة "الصنداي تايمز" كانوا مشغولين بمناقشة قضية غريبة عن صحفي كولومبي يدعى "أوسكار جيريرو" قال لمحرري الصحيفة، إنه ساعد عالماً ذرياً من إسرائيل على الهرب، وأنه خبأه في سيدني بأستراليا، وأن هذا العالم الذري الإسرائيلي لديه القصة الكاملة عن أسلحة إسرائيل النووية، وطبعاً ساورت بيتر هونام وزملاءه الشكوك فيما إذا كانت قصة هذا الصحفي الكولومبي مزيفة من أولها لآخرها ومفبركة للحصول على مكافأة مالية ضخمة من "الصنداي تايمز"، وساعد على ذلك أن الصحيفة كانت قد وقعت في شرك مماثل، عندما اشترت منذ سنوات ما قيل إنه "يوميات هتلر"، ثم اتضح أن هذه اليوميات كانت مفبركة من أولها لآخرها·

وكدليل على جديته، قدم الصحفي الكولومبي أوسكار سبع صور فوتوغرافية أخذت داخل مفاعل ديمونا بإسرائيل وخارجه، وفي مركز البحوث النووية الإسرائيلية في صحراء النقب، وقال أوسكار: "إن هذا العالم الإسرائيلي يستطيع أن يبرهن أن لدى إسرائيل ليس فقط عدداً من القنابل الذرية، وإنما استطاعت أيضاً تطوير قنابل هيدروجينية"·

 

شكوك

 

ظهر أوسكار لأول مرة في  مكتب الصحفي البريطاني "تيم بروان" الذي يعمل لحساب الصنداي تايمز في مدريد، وبالطبع ساورته الشكوك عندما استمع إلى القصة· لكنه مع ذلك اتصل بقسم الشؤون الخارجية في الجريدة، وأوضح لهم شكوكه وإن كان قد قال إن أوسكار يحمل معه صوراً فوتوغرافية مثيرة· وهكذا قررت الصحيفة تكليف مراسلها في باريس (جون سواين) بالتحقيق من القصة كلها· وطار سواين إلى مدريد، وأقام في الفندق الذي يقيم فيه الصحفي الكولومبي أوسكار، لكنه اكتشف صعوبة التحقق من كلام أوسكار في هذا الفندق بمدريد، فقرر إحضار أوسكار معه إلى لندن·

وهكذا وقعت على قسم التحقيقات في الصنداي تايمز مهمة التعامل مع أوسكار جيريرو، ولما كان بيتر هونام (مؤلف الكتاب) يتولى مسؤولية هذا القسم تحت إشراف روبن مورجان، الذي كان شديد الشك في الموضوع برمته، فقد كان من الطبيعي أن يكلف بيتر هونام بسؤال أوسكار واستجوابه، خصوصاً أنه (أي بيتر) حاصل على بكالوريوس في علم الفيزياء، ويقول بيتر هونام في الكتاب: "إن شكوكه في الأمر قد استمرت حتى بعد استجواب أوسكار، لكن الصور التي معه كانت تؤيد قصته"·

 

السفر إلى سيدني

 

وبالطبع دارت مناقشات مستفيضة بين المسؤولين في الصحيفة، وانتهت إلى أنه ليس هناك ما يمكن عمله غير السفر إلى سيدني (أستراليا) لمقابلة العالم الإسرائيلي "البروفيسور" موردخاي فانونو، واستجوابه للتحقق من صحة قصته·

وهكذا سافر بيتر هونام - ومعه أوسكار - إلى أستراليا يوم 30 أغسطس، ونزلا في الهيلتون، وكان شعور بيتر هونام بعد حوار مطول مع أوسكار خلال رحلة الطائرة عن كيفية تعرفه على العالم الإسرائيلي، أن الموضوع مزيف، وبالتالي لم يتوقع هونام الشيء الكثير من مقابلة هذا العالم الإسرائيلي·

ولكن بعد وصولهما الفندق بساعة، اتصل أوسكار بهونام وطلب منه أن يحضر إلى غرفته لمقابلة "البروفيسور" فانونو، الذي حضر خصيصاً لمقابلته· وبالطبع عندما دخل هونام الغرفة، توقع أن يرى رجلاً عجوزاً أبيض الشعر، لكنه فوجئ بشاب في الواحدة والثلاثين، يقف بجوار نافذة الغرفة، هو موردخاي فانونو· وعندما بدأ هونام يوجه أسئلة، أجاب فانونو في هدوء، واكتشف أن معظم ما قاله أوسكار عن فانونو هو من قبيل المبالغات، ولا يحتوي إلا على جزء ضئيل من الحقيقة· لقد عمل موردخاي حقاً في مفاعل ديمونا، لكنه كان مجرد "فني"، يساعد على تشغيل عملية فصل البلوتونيوم هناك، واعترف فانونو بوضوح أنه ليست لديه معرفة مفصلة بتصميم الأسلحة النووية، وإنما لديه ذاكرة قوية عن العمليات الكيميائية، وأنه قادر على أن يصف بالتفصيل الصور التي لدى أوسكار (وعددها سبع) والصور الخمسين التي في جعبته هو·

 

في غرف تحت الأرض

 

بعد استجواب فانونو، أصبحت المسألة لدى بيتر هونام هي كما يلي: هل لدى هذا الفني الإسرائيلي المتواضع قصة تثير الاهتمام؟ وهل هو يقول الحقيقة؟

لقد تبين من هذا الحوار أن أوسكار وفانونو تقابلا لأول مرة في كنيسة سان جورج في سيدني، وكان موردخاي قد تحول إلى المسيحية، وأخبر مجموعة نقاشية في الكنيسة بما يحمله من أسرار، وسمع أوسكار بالموضوع، فاتصل بموردخاي فوراً، موقناً أنه وقع على صيد ثمين·

ورغم إنجليزية موردخاي الضعيفة، إلا أنها كانت كافية لوصف العمليات الكيميائية المعقدة التي تجرى في ديمونا· لكن الشيء المقنع في قصته هو استعداده للاعتراف بأنه لا يستطيع الإجابة عن كل الأسئلة الموجهة له، وذلك بسبب وضعه الوظيفي المتدني في مفاعل ديمونا·

وقد شرح موردخاي كيف أنه عين في نهاية عام 1976، بمركز البحوث النووية للعمل في التطبيقات السلمية لهذه البحوث· وبعد تدريبه أرسل للعمل في ديمونا بمرتب جيد، وفرصة للدراسة، لكنه أدرك خلال سنوات عمله أن الأجهزة الكيميائية الموجودة تحت الأرض ــــ والتي ساعد في تركيبها - كانت تقوم بإعداد البلوتونيوم وهو مادة أساسية في صناعة القنبلة الذرية· ثم أدرك فيما بعد أن أجزاء من الأسلحة النووية كانت تصنع في غرف تحت الأرض·

صور وأدلة

وقد التحق فانونو بالجامعة في وقت فراغه لدراسة الفلسفة· وهناك اختلط بطلاب عرب، وبدأ يستمع إليهم؛ فأصبح أكثر قلقا مما يفعله في ديمونا وقال إنه قرر أن يتكلم عندما اكتشف أن إسرائيل لم تكن تصنع أسلحة ذرية فحسب، وإنما كانت تصنع قنبلة نيتروجينية وقنبلة هيدروجينية أيضاً بقدراتهما الهائلة في الدمار·

وهكذا ترك فانونو ديمونا في أكتوبر سنة 1985، تحت ستار التخلص من العمالة الزائدة، وقد توافرت لديه نحو عشرة آلاف دولار كمكافأة نهاية الخدمة، ومن بيع سيارته وشقته، وسافر إلى أستراليا عن طريق اليونان وبلدان آسيوية أخرى، حاملاً معه فيلمين أخذهما سراً في ديمونا، ولم يقم بتحميضهما إلا في سيدني، وكانت الفكرة من أخذ هذه الصور الفوتوغرافية سراً، هي دعم روايته إن قرر أن يتكلم علناً·

رغم كل القصص المعقولة التي تحدث عنها فانونو، ظل بيتر هونام يفكر أن موردخاي قد يكون مدفوعاً بهذه القصة لإيقاع "الصنداي تايمز" في مصيدة· فهذه الصحيفة كانت في وضع حرج جداً من قبل عندما اضطرت إلى الاعتراف بأن "يوميات هتلر" التي اشترتها للنشر كانت زائفة تماماً·

 

فصل البلوتونيوم

 

لذا قامت "الصنداي تايمز" بإرسال أحد محرريها إلى إسرائيل للقاء أي أشخاص يعرفون فانونو للتحقق من صدق كلامه، بينما تولى محررون آخرون مهمة الاتصال بعلماء بريطانيين وإطلاعهم على التقارير التي كان هونام يرسلها من سيدني عن استجواباته لفانونو، وذلك لتقدير ما إذا كان وصف موردخاي المفصل لعملية فصل البلوتونيوم صحيحة أم لا· وقد استطاع هونام أن يختلي بفانونو بعيداً عن الصحفي الكولومبي أوسكار، فإذا بفانونو يعترف أنه لم يعد سعيداً مع  هذا الرجل أوسكار· وقال إنه قلق على أمنه، فالموساد يمكن أن تكون وراءه، وهو لا ينسى أن الموساد قتلت شاباً مغربياً أمام زوجته الحامل، ظناً منها أنه واحد من رجال "أيلول الأسود"، ثم تبين أنه مغربي يعمل جرسوناً في أحد مطاعم النرويج·

حتى ذلك الوقت، لم يكن فانونو، ولا محررو "الصنداي تايمز"، يعرفون أن أوسكار جيريرو (كما كشف الصحفي الأمريكي لويس توسكانو فيما بعد)، كان على اتصال بالقنصل الإسرائيلي في سيدني· فوفق رواية توسكانو، اتصل أوسكار هاتفياً حوالي 12 أغسطس بالبعثة الإسرائيلية، ثم قابل في كليمان مسؤولي المخابرات الإسرائيلية في مقهى مجاور، وقام أوسكار بحكاية قصة فانونو، وقدم اسمه الكامل ورقم جواز سفره· وهكذا وصلت القصة إلى الموساد، وبدأ الإعداد لاغتيال فانونو الذي كان يعمل سائق تاكسي في سيدني·

 

فرانك برنابي

 

لقد قرر بيتر هونام أن يعود إلى لندن ومعه موردخاي فانونو تاركين أوسكار وراءهما في سيدني، ولم يتصورا أنه سيلحق بهما على وجه السرعة·

عندما وصل بيتر هونام وصاحبه فانونو إلى لندن، اكتشف الصحفي البريطاني الذي أرسلته الصحيفة (ويدعى برانجيل) إلى تل أبيب، قد عاد بعد أن تأكد أن هناك فعلاً شخصاً اسمه موردخاي فانونو، تنطبق أوصافه على هذا الإسرائيلي الموجود في لندن· ثم بدأ استجواب موردخاي عن طريق العالم البريطاني فرانك بيرنابي، وهو أحد العلماء البريطانيين الذين اشتركوا في صناعة القنبلة الذرية، ثم استقال بعد ذلك، وتخصص في أعمال السلام ومناهضة البحوث النووية الحربية·

ولقد عبر بيرنابي لرئيس تحرير "الصنداي تايمز" عن شكوكه في قصة فانونو، ثم عاد بعد أيام ليقول إنه يعتقد أن فانونو صادق، وهو يستنتج من كلام فانونو أن إسرائيل لا تنتج أسلحة ذرية فقط· وإنما لديها إمكانيات لصناعة قنبلة هيدروجينية أيضاً·

وقد بدأت صحيفة "الصنداي تايمز" في اتخاذ إجراءات لحماية أمن فانونو إبان إقامته في لندن، إذ أخذت تنقله من فندق لآخر، تجنباً لرصده في أحد الفنادق، ثم قامت بتكليف أحد محرريها بمصاحبة فانونو خلال جولاته في لندن· ففي يوم يصحبه برانجيل وفي يوم آخر تصحبه الصحفية الإنجليزية ويندي روبنز· وفي بعض هذه الجولات التقى فانونو ببعض الإسرائيليين الذين يعرفهم ويعرفونه، وظن أن هذا اللقاء كان بالصدفة، ثم تبين بعد ذلك أنه لم يكن كذلك، وإنما من ترتيبات الموساد، وكان هدف الموساد من ذلك هو محاولة إقناع فانونو بالعودة إلى إسرائيل·

 

إعداد الفخ

 

وكانت مشكلة فانونو في لندن هي إحساسه بالوحدة وبالكبت الجنسي وهو في الحادية والثلاثين، حتى أنه اقترح على ويندي روبنز أن ينام معها، لكنها اعتذرت قائلة: إنها تريد أن تكون صديقة فحسب· وبالطبع كان بيتر هونام قلقاً من جولات فانونو في لندن ومحاولاته التعرف على الناس على قارعة الطريق، حتى اضطرت الصحيفة إلى نقله إلى فندق في كوفنت جاردي، وطلبت منه أن يعدها ألا يقول لأحد عن مكان إقامته·

لكنه قبل انتقاله إلى الفندق الجديد، لاحظ فانونو امرأة شقراء فاتنة بالقرب من الفندق، فاقترب منها، وتحدث معها، ثم دعاها إلى فنجان قهوة فوافقت، ثم اتفقا على اللقاء في اليوم التالي، وقالت الفاتنة إنها أمريكية وتدعى سندي·

أعطى أوسكار جيريرو القنصل الإسرائيلي في سيدني كل أخبار فانونو يوم 10 أغسطس، وبذلك كان للموساد الوقت الكافي لتحريك عملائها في الأماكن المناسبة·

وفي 7 سبتمبر، كانت السلطات الإسرائيلية على علم بمناقشات فانونو مع "الصنداي تايمز" فقد اتضح فيما بعد أن عميلين من "شيف بيت" زارا شقيق فانونو الأكبر "ألبرت" وسألاه عن مكان موردخاي، فقال إنه لا يدري· عندئذ قال أحد العميلين: "إن موردخاي تحدث إلى صحيفة بريطانية عن عمله في ديمونا، فإن اتصل أخوك بك قل له إنه يضع نفسه في متاعب ضخمة بهذا الحديث"· ثم طلبا من ألبرت أن يوقع على وثيقة تمنعه من الكلام في هذا الموضوع وإلا تعرض لعقوبة السجن خمسة عشر عاماً·

 

محاولات الموساد

 

وكانت محاولة الموساد الأولى هي إقناع فانونو بالتراجع عن الحديث مع "الصنداي تايمز"، ولهذا دبرت هذا اللقاء الذي تم "بالصدفة" بين فانونو وبعض معارفه القدامى في شارع ريجنت بلندن كمحاولة أخيرة لتراجع فانونو· فإذا فشلت هذه المحاولة، فالحل الباقي عند الموساد هو إزاحة موردخاي، وترك "الصنداي تايمز" في حالة من الحيرة دون شاهدها الأساسي·

وكان على الموساد أن تعمل في حرص بعد حادث آخر عصف بسمعة مخابرات إسرائيل منذ عامين· ففي عام 1984، خطف وزير نيجيري سابق من أمام منزله في بورشستر تراس، وكان هذا الوزير السابق عدواً لدوداً للانقلاب الذي وقع في نيجيريا· ولقد انتبهت سكوتلاند يارد للحادث وأرسلت تحذيراً إلى كل الموانئ والمطارات باحتمال تهريبه سراً إلى نيجيريا·

 

سكوتلند يارد بالمرصاد

 

وفي المطار لاحظت سكوتلاند يارد صندوقين كبيرين يحملان على طائرة متجهة إلى لاجوس، فأسرعت سيارة الشرطة إلى مدرج الطائرة وأوقفتها، وبالتفتيش وجد الوزير السابق في الصندوق الأول وهو في غيبوبة ومقيد من يديه وقدميه، وبجانبه دكتور ليفي شابيرو الطبيب المختص في التخدير وضابط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي· أما الصندوق الثاني فقد اختبأ فيه إسرائيليان آخران هما ألكسندر باراك وفيلكس أبيتول، وهما اللذان قاما بعملية الخطف· وقد اتضح أن باراك هو قائد المجموعة وقد حكم عليه في أولد بيلي بالسجن 14 سنة، كما حكم على الآخرين بعشر سنوات لكل منهما· وقال القاضي ماكون إنه واثق أن العملية من تدبير الموساد·

لهذا، كان على الموساد أن تعمل في حرص، ولذلك قررت أن تجرى عملية اختطاف فانونو بعيداً عن بريطانيا· ولهذا أيضاً كانت "الصنداي تايمز" تسعى من جانبها لإخفاء فانونو على الأقل حتى يتم نشر تحقيقاتها عن الأسلحة النووية الإسرائيلية، فكانت تكثر ــــ كما أسلفنا ــــ من نقل فانونو من فندق لآخر، وكانت تنقله أحياناً من الفندق إلى مكان الجريدة في حقيبة السيارة، عندما يكون مطلوباً للإجابة عن الاستجوابات الموجهة له· لكن فانونو لم يكن مطيعاً دائماً، فهو لم يوقع عقداً مع الصحيفة ولم يكن ملزماً باتباع نصائحها، على أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الجريدة بحسن نية، هو أن فانونو أقام في لندن خلال زيارته·

 

نظرات الشقراء

 

وفي 23 سبتمبر كانت الصحيفة جاهزة لنشر أقوال فانونو، وذهب محرران من الجريدة إلى السفارة الإسرائيلية في لندن ومعهما خطاب من "الصنداي تايمز" يحتوي على أقوال فانونو المعدة للنشر طالبين من السفارة أن تعلق على هذه الأقوال· وقد وعد الملحق الصحفي بالسفارة بالرد في اليوم التالي· وبالفعل أملى الملحق على الجريدة في اليوم التالي  تكذيباً لكل أقوال فانونو· واستعدت الصحيفة لنشر أقوال فانونو وتكذيب السفارة· كان فانونو في مكاتب الصحيفة عندما وصل رد السفارة، وأعيد إلى فندق مونتباتن في المساء· كان الجو دافئاً وقرر فانونو التعرف على محيط الفندق الجديد·

ما حدث بعد ذلك عندما وقع موردخاي في المصيدة، أصبح جزءاً من أسراره، لكن اليوم اتضح أبعاد ما حدث· لقد أخذ يتطلع إلى المجلات المعروضة في بعض المحلات عندما لاحظ امرأة شقراء كثيفة المساحيق تنظر إليه، ثم تركت المكان الذي تقف فيه وذهبت إلى فاترينة محل مجاور، وذهب فانونو إليها، وقال: مرحبا·· هل أنت سائحة مثلي؟ ثم دعاها إلى فنجان قهوة· وفي الطريق عرف أنها أمريكية وأن اسمها سندي·

أما لماذا لم يشك فانونو في أنها عميلة الموساد، فلأنه هو الذي حاول الاتصال بها، بينما كانت هي تبتعد عنه، فأي واحد تحاول اصطياده لابد أن تبدأ الخطوة الأولى، هكذا فكر فانونو وكان خطؤه مأساوياً·

 

متحف التيت

 

ولقد اتفقت سندي مع فانونو على زيارة متحف التيت، في اليوم التالي، وسعد فانونو بذلك· لكن في هذا اليوم وصل ماكس برانجيل إلى الفندق ليخبر فانونو أنه مطلوب في الصحيفة لاستجواب آخر، وكان فانونو مستاءً من كثرة الاستجوابات، وقال لبرانجيل إنه لابد من أن يعمل زيارة في الطريق إلى الصحيفة، وذهبا سوياً إلى المتحف وانتظر برانجيل عودة فانونو· وقد لاحظ أن سيدة شقراء كثيفة المساحيق تتحدث مع فانونو عند باب المتحف، وقال موردخاي عند عودته إنه اتفق معها على الذهاب إلى السينما الساعة السادسة·

وقد اعترف فانونو بعد ذلك أنه عندما سأل سندي عن الفندق الذي تقيم فيه، امتنعت عن الإجابة، وعندما سألته أين يقيم اعترف لها أنه يقيم في فندق مونتباتن تحت اسم مستعار (جورة فورستر)، وقال لها إن رقم غرفته 105، وطلب منها الحذر لأنه ليس من الفروض أن يخبر أحدا بكل ذلك·

وفي اليوم التالي، بدأت الصحيفة تأخذ مسألة سندي باهتمام، ونبه بيتر هونام صديقه موردخاي فانونو إلى احتمال أن تكون عميلة للموساد، لكن فانونو استبعد ذلك، فاقترح عليه بيتر دعوته معها إلى العشاء في منزله في اليوم التالي، فوافق ثم اعتذر بعد ذلك لأنه هو وسندى مرتبطان بموعد آخر، واتفق مع هونام على قبول الدعوة يوم الثلاثاء·

 

رجاء بيريز

 

وبعد الظهر اتصل فانونو ببيتر هونام ليخبره أن خططه للسفر خارج لندن هو وسندى قد اكتملت، وأنه لن يتراجع، وأنه سوف يعود بعد ثلاثة أيام، ليوقع عقد الصنداي تايمز· وقد طلب منه هونام أن يتصل به مرتين يومياً في مكتبه أو في منزله فوافق على ذلك·

وفي اليوم التالي، حزم فانونو أمتعته وغادر الفندق واختفى، وكان تحقيق فانونو جاهزاً للنشر، لكن قسم التحقيقات في "الصنداي تايمز" كان في قمة القلق لاختفاء الشاهد الأساسي· ثم جاءت أنباء من إسرائيل تقول إن رئيس الوزراء شيمون بيريز، اجتمع برؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية، وأخبرهم أن قضية أساسية تتعلق بإسرائيل سوف تنشر في "الصنداي تايمز" ورجاهم باسم الأمن القومي أن يتعاونوا معه في محاصرة الضرر المترتب على النشر·

وفي اجتماع بمقر صحيفة "الصنداي تايمز" ضم كل محرري الجريدة، نوقش من جديد موضوع نشر التحقيق، وكانت الأغلبية تحبذ التأجيل إلى أن يظهر فانونو، لكن بيتر هونام عارض التأجيل، وقال إن موقف شيمون بيريز يثبت أن "الصنداي تايمز" إزاء خبطة صحفية كبيرة، وأنه إذا ثبت أن فانونو قد خطف كما هو محتمل، فمعنى هذا تأجيل النشر إلى أجل غير مسمى· وفي النهاية قرر رئيس التحرير النشر فوراً ونظر إلى هونام وقال: يحسن أن يكون رأيك صحيحاً!!

 

أين ذهب فانونو؟

 

اتضح بعد أيام أن فانونو ذهب مع سندى إلى إيطاليا، ولم تكن الصحيفة تعلم أي شيء عن سندى·· أين تقيم؟ وما اسمها الحقيقي؟

 

الوصول إلى روما

 

وفي 28 سبتمبر، استطاعت الصحيفة أن تعرف من تحرياتها أن سندى اشترت تذكرة سفر إلى روما، وبدأت تلح على فانونو لمرافقتها، وقالت إنها لن تشعر بانجذاب إليه وهو في حالة القلق التي يمر بها، وأن الذهاب إلى روما سيجعله في حالة أفضل· وادعت أن لها أختاً في روما لديها شقة جميلة وأنه في هذا المناخ يمكن أن تزدهر علاقتهما، وفي الوقت نفسه، فقد اعتذرت عن أي علاقة جنسية معه في الوقت الراهن، ولتسهيل الأمور عليه، اشترت تذكرة سفر أخرى على الخطوط الجوية البريطانية وقالت له إنه يمكنه السداد فيما بعد·

إن فكرة خطف فانونو بعيداً عن بريطانيا كان مقصود بها عدم إحراج مارجريت تاتشر صديقة إسرائيل الحميمة·

أما ما حدث عندما وصل فانونو إلى روما، فقد ظل سراً غامضاً لم يعرف محررو "الصنداي تايمز" تفاصيله إلا فيما بعد· فعند الوصول إلى روما، وجد فانونو صديقاً لأخت سندى في انتظارهما في المطار، ثم ذهبت السيارة بالثلاثة إلى شقة من الشقق في ضاحية نائية، وقد فتحت الباب لهم امرأة ذات شعر أسود· وفي لحظة أدرك فانونو غباءه، فقد هجم عليه رجلان وضرباه على رأسه وألقياه على الأرض، ثم ربطاه من يديه وقدمنه، ثم جاءت المرأة التي فتحت الباب وأعطت فانونو حقنة في ذراعه، فغاب عن الوعي·

 

"لقد أخطأتم"

 

وعندما استيقظ، أعطى حقنة أخرى، ونقل في سيارة إلى مكان بعيد، حيث كانت سفينة شحن في انتظاره في المياه الدولية، نقل إليها بواسطة يخت، وعاد فانونو إلى وعيه وهو في الطريق إلى إسرائيل، وخلال ساعات كان في غرفة مظلمة في مقر الموساد بتل أبيب·

وأخيراً، فتح باب الغرفة ودخل رجل ألقى بنسخة من "الصنداي تايمز"، وعلى صفحتها الأولى قصة فانونو كما رواها، وصورة مفاعل ديمونا في وجهه وقال: "انظر إلى الدمار الذي صنعته"·

والغريب أن فانونو ظل يعتقد في براءة سندى حتى بعد أن أفلحت تحريات "الصنداي تايمز" في نشر صورتها وكشف شخصيتها الحقيقية، وظل يعاند ويقول: "لقد أخطأتم الاختيار، لكنه في الحقيقة كان خجلاً من أن يعترف أنه مخطئ إلى درجة الغباء"·

 

مطاردة سندى··

 

كان أول عمل لدى الصحيفة بعد نشر التحقيق، هو اكتشاف ما إذا كان فانونو قد تعرض لأي أذى·· لقد اختفى منذ صباح 30 سبتمبر، وكان قد وعد بيتر هونام أن يتصل به مرتين يومياً خلال سفره خارج لندن، لكنه لم يفعل، وفي أواخر أكتوبر بدأت تنتشر شائعات أن فانونو عاد إلى إسرائيل قسراً، وأرسلت الصحيفة واحداً من محرريها إلى إسرائيل للتحقق من هذه الشائعات وبدأت ضغوط دولية من جانب بريطانيا وأستراليا وفي إسرائيل لمعرفة الحقيقة، وطلب نائب بريطاني في مجلس العموم وقف أعمال المجلس مناقشة موضوع خطف فانونو·

عندئذ اضطر رئيس الوزراء شيمون بيريز إلى إصدار بيان يعترف فيه أن فانونو مقبوض عليه في إسرائيل، ونفى بيريز أن يكون قد خطف من بريطانيا·

بقى السؤال المهم: كيف أعيد فانونو إلى إسرائيل؟

لقد ظل هذا لغزاً حتى 22 ديسمبر، عندما أخذ فانونو لثاني جلسة من جلسات محاكمته التي جرت سراً، وعندما اقتربت السيارة من باب المحكمة، فتح فانونو يده أمام زجاج السيارة للصحفيين، وكان مكتوباً عليها بالحبر الأسود: "فانونو اختطف في روما في 87/9/30، وقد حضر إلى روما على الرحلة البريطانية رقم 504"·

 

تقمصت الشخصية

 

أخذت الصنداي تايمز" تبحث عن الاسم الذي استعملته سندى عند شراء التذاكر، وقد تبين أن فانونو شغل المقعد 6F، بينما شغلت الآنسة هانين، المقعد المجاور له، وبدأ بيتر هونام يعتقد أنه لابد أن تكون هناك سيدة حقيقة تدعى سندى هانين، تقمصت امرأة الموساد شخصيتها· وبعد بحوث واسعة في أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، عثرت "الصنداي تايمز" على سيدة يهودية أمريكية تقيم في فلوريدا تدعى سندى هانين، وعرفت عنوانها في فلوريدا، كما تبين أنها عملت في صالون تجميل لمدة ثلاث سنوات، وكانت هذه المعلومة لافتة للنظر؛ لأن صديقة فانونو ادعت هي أيضاً أنها عملت في صالون تجميل·

لقد اتضح بسرعة أن سندى المقيمة في فلوريدا لا يمكن أن تكون قد اشتركت في خطف فانونو؛ لأنها في نفس الفترة كانت مشغولة بالاستعداد لزواجها من راندى هانين·

لكن تبين أن لراندى هذه شقيقة أكبر تدعى شيرل، ومن خلال البحث تبين أن لهذه العائلة اتصالات إسرائيلية·

 

ذات الشعر الرملي

 

إن شيرل ذات الشعر الرملي والخدود البارزة تشبه سندى التي عرفها فانونو إلى حد كبير، وهي تعيش الآن في إسرائيل، ومتزوجة من نقيب سابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية· لقد بدأت شيرل حياتها في أورلندو، وقال عنها نائب مدير المدرسة هناك، إنه يتذكرها كطالبة مجتهدة وهادئة· وفي سن السابعة عشرة، بدأ والد ستانلي وأمها راشيل إجراءات الطلاق، وطالبت الأم بحضانة الأطفال الثلاثة: شيرل وراندى وأختهما الصغيرة بيني·

في هذا الجو العائلي المتوتر، قررت شيرل أن تستفيد من عرض في مدرستها بقضاء تيرم يدرس في إسرائيل، وأحبت التجربة، وعندما عادت إلى فلوريدا وجدت أمها مشغولة بنشاطات الكنيسة· وهكذا عادت شيرل إلى إسرائيل عام 1978، وتطوعت في الجيش الإسرائيلي، وفي مارس 1985، تزوجت من زوجها بنتو·

إن التحقيقات المفصلة التي أجرتها "الصنداي تايمز" عن عائلة هانين في فلوريدا، جعلت من الممكن أن تكون شيرل هي المرأة التي غوت فانونو، وعندما حصلت الصحيفة على صور لها بوجهها المستدير وخدودها البارزة عظامها، أعطت هذه الصور لاثنين من من محرريها كان قد رأيا سندى مع فانونو من قبل، وطلبت منهما أن يدرسا الصور بدقة· وقد أكد الاثنان أن هذه هي نفس المرأة التي رأياها مع فانون·

 

أنكر ذلك!

 

لقد حان الوقت إذن لأن يقوم بيتر هونام بزيارتها ومواجهتها في إسرائيل!

لقد أوضحت التحقيقات الصحفية عنوان شيرل وزوجها كما يلي: شارع شتروف، ناتانيا وهي مدينة ساحلية على بعد 32 كليومتراً من تل أبيب·

وسافر بيتر هونام مصحوباً بزميله دافيد كوينت إلى إسرائيل، وحجزا غرفة في فندق في ناتانيا كسائحين· وعندما وصلا إلى عنوان المنزل لم يجدا أحداً فيه، ثم وصل الزوجان· وعندما اقترب الصحفيان البريطانيان من باب المسكن وجدا شيرل مع سيدة عجوز يتمتعان بالشمس في الحديقة الخلفية·

ودقا جرس الباب، وفتحت شيرل الباب وقالت: "ماذا يمكن أن أفعل  لكما"؟

قال بيتر هانوم: نحن من "الصنداي تايمز" نحن نبحث عن موضوع هنا: هل يمكن أن ندخل؟ وللحظة بدأت خدودها في الاحمرار إذ أدركت معنى وقوف صحفيي الصنداي تايمز أمامها· لكنها قالت: تفضلا، ثم قادت الطريق إلى غرفة الجلوس، وذهبت شيرل وأحضرت أمها·

وقال بيتر هانوم: إنني واحد من الذي أحضروا موردخاي فانونو إلى بريطانيا من أستراليا· والقصة كلها منشورة في الصحف الإسرائيلية· ولابد أنك تعرفينها، لأن فانونو الآن في السجن·

- نعم·

- نحن مهتمون جداً أن نعرف من هي المرأة التي تدعى سندى التي أحضرت فانونو إلى إسرائيل·

قالت: هل هناك امرأة بهذا الشكل؟

قال بيتر هانوم: نعم أنت هي تلك المرأة· لقد تأكدنا من ذلك دون أدنى شك· ومن الواضح أنك تعملين لحساب المخابرات الإسرائيلية، وزوجك كان على صلة بنفس الأجهزة·· إنني مهتم بالحقيقة···

قالت: هل أنت تدعى أن زوجي على صلة بالاستخبارات الإسرائيلية؟

قال: طبعاً·

قالت: ماذا تريد أن تحصل عليه من كل ذلك؟

قال: من الأشياء ذات المغزى، استخدامك لاسم سندى وتبنيك لشخصيتها·

قالت: إن اسمي ليس سندى·

قال: نعم هذا اسم زوجة أخيك·

قالت: أنتم تعرفون كل شيء عن عائلتي·

وارتفعت الأصوات وقال بيتر هونام لها: إنك لم تنكري خلال كل الحديث أنك سندى·

قالت: أنكر ذلك، أنكر ذلك·

 

للموساد أم لأمريكا؟

 

ثم قامت، وكان من الواضح أن الحديث انتهى، وبسرعة أخذ هونام بعض الصور لها قبل أن تعترض، وفي المساء اتصل الصحفيان البريطانيان بزوجها في المنزل هاتفياً، وشرحا له ما حدث في الصباح، وسألاه إن كان من الممكن توجيه بعض الأسئلة له، فرفض وهدد بإبلاغ البوليس إن عادا إلى المنزل لمضايقة زوجته·

وقد حاولت "الصنداي تايمز" مقابلة ستانلي هانين (والد شيرل) في فلوريدا، لكنه رفض وادعى أنه لم ير ابنته منذ سنين، فلما قال بيتر هونام له إنه على علم بأنه رآها في حفل زواج نجله راندى منذ عام، ثار وقال: لا أريد أن أقحم نفسي في هذه الموضوعات·

كل الأشياء كانت تؤكد أن شيرل هي التي اشتركت في خطف فانونو، ومع ذلك ظل هونام يقول لنفسه، إن المرأة التي رآها في ناتانيا ليست شقراء، ولم تكن كثيفة المساحيق، كما كانت سندى في لندن، وهذا ما جعله يقول لنفسه إنه ربما كان في حاجة لمزيد من الأدلة، ثم تبين له بعد البحث أن هناك امرأة تدعى شيرل هانين، أقامت في فندق Eccleston بلندن، في نفس فترة خطف فانونو وعلى استمارة التسجيل عنوانها في فلوريدا، وهو نفس عنوان عائلة هانين هناك·

وهكذا جرى التأكيد نهائياً على أن شيرل هي المرأة التي أغوت فانونو وساهمت في خطفه إلى إسرائيل·

 

ثم بدأ السؤال الأخير:

هل كانت شيرل تعمل لحساب الموساد فقط، أم أنها كانت عميلة لحساب المخابرات الأمريكية أيضاً؟

لقد نشرت صحيفة "الصنداي تايمز" صوراً مختلفة لشيرل، باعتبارها عميلة للموساد التي اشتركت في خطف فانونو، ثم اعترفت الصحف الإسرائيلية بالحقيقة، ونشرت صورة شيرل كبطلة من بطلات إسرائيل، وتحدثت عن دورها في الموساد، الذي انتهى بالطبع بعد عملية فضحها·

 

* الكتاب وجهات نظر العدد الرابع عشر - مارس 2000

** أستاذ الإحصاء الرياضي المتفرغ - جامعة عين شمس

طباعة