رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 5-11ربيع الأول 1421هـ - 7-13يونيو2000
العدد 1430

تعليقاً على مقال "المشروع الثقافي الكويتي" للناقد جهاد فاضل
مسؤولو الثقافة في الكويت لم يعوا ضرورة إحياء "الخطة الشاملة للثقافة العربية"

·         جهاد فاضل أصاب في مقاله الأول عن ماضي الثقافة الكويتية·· و"بالغ" في حاضرها!

·         لم يرد ذكر "الخطة الشاملة" ضمن استعدادات  المؤسسات الثقافية الرسمية "للعاصمة"!

 

كتب المحرر الثقافي:

يروي عميد الأدباء الكويتيين أحمد السقاف في أحد أحاديثه الشيقة، وذكرياته الثرية، على هامش احدى المحاضرات المقامة منذ فترة في رابطة الأدباء، عن دور بعض الرواد الكويتيين في خمسينيات القرن الماضي مبينا اهتمامهم وحرصهم على انجاز مشاريع ثقافية ضخمة وطموحة في تلك الفترة كبدء عملهم على إصدار مجلة "العربي" واستقطابهم لأقلام كبار المثقفين والمفكرين العرب، حكى السقاف عن ذهابه إلى واحد من أبرز رموز الأدب العربي حينذاك طالباً منه المشاركة في الكتابة للمجلة الثقافية الكويتية الوليدة آنذاك، وتم له ما أراد وبشرطه الوحيد "أن يكون الدفع بالجنيه الاسترليني·· لا بالعملة المحلية"!

موقف بسيط لذاكرة ثرة وغنية، حملت لي كمستمع من أبناء هذا الجيل وإلى مخيلتي دلالات عدة عن مدى اخلاص هؤلاء الرواد، وحبهم لوطنهم، وكأنهم ملاّك لهذه المجلة أو تلك، أو أصحاب شركات "فكرية" و"ثقافية" حبلى بالمشاريع التي تدر الربح والمكسب، وما كان مغنمهم من تلك الجهود سوى أن يروا زيادة الايراد "الثقافي" في ميزانية الكويت· هذا إذا أعملنا مقياسنا المادي البحت والعصري، كما هي طبيعة أبناء جيلنا وأغلب من تسنم مقاعد المسؤولية الثقافية بعد جيل الرواد·

تذكرت حديث السقاف، وذكرياته الأخرى، عند قراءتي لمقال الناقد جهاد فاضل في مجلة "الحوادث" عندما قال: "روى عبدالعزيز حسين مرارا أنه في أول عهده بتأسيس التعليم في الكويت ذهب إلى مصر عندما كان طه حسين مستشارا مسموع الكلمة في وزارة التربية المصرية يطلب تزويد الكويت بعدد من المدرسين المصريين، في وقت كانت ترتفع في مصر أصوات تقول بأن مصر لا تستطيع أن تستغني عن مدرسيها من أجل ارسالهم إلى البلاد العربية، فكان رد طه حسين أنه يجب أن يعطى المدرسون لمن لا مدرسين عندهم، أي أن تعطى الأولوية للكويت، وهكذا كان"·

 

العاصمة العربية الثالثة

 

على مدى جزئين وبعنوان ·· "المشروع الثقافي الكويتي" كتب جهاد فاضل بمناسبة "العاصمة الثقافية" عن الأرث الثقافي الكويتي، وبأحقية الكويت بمثل هذا التتويج، فهي بالأساس وقبل أن تصدر منظمة اليونسكو قراراتها الرسمية، بالتوزيع السنوي والدوري للعواصم الثقافية العربية، كانت وقبل ثلث قرن العاصمة الطبيعية الثالثة عربيا، بعد أن شهد النصف الأول من القرن العشرين نشاطا واسعا للنخب المصرية والعربية المستنيرة، جعل من القاهرة بؤرة ثقافية لا تزاحمها مدينة عربية أخرى في حيويتها وخصبها·

وبعد ثورة 1952 افتقدت القاهرة المناخ الحر الذي هيأته للابداع والمبدعين، ويدلل بعض المثقفين العرب ــ الآن ــ على هذا الانزياح الثقافي والتنويري للقاهرة بالأجواء الظلامية التي عاشتها خلال الأسابيع القليلة الماضية وتعيشها حاليا إثر انفجار أزمة "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوري حيدر حيدر، مما دفع بعض المثقفين المصريين للرد على هذه المقولة، بأن تلك "الأزمات" طارئة، لا يجب التوقف عندها طويلا، ويستشهدون بأزمات فكرية سابقة، لم تحول من مسار مصر في الثقافة الريادية، كأزمة كتابي "الإسلام وأصول الحكم" لـعلي عبدالرازق، و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين·

وبالعودة لمقال جهاد فاضل نستكمل معه، هذا الانتقال التنويري من "مصر" إلى "بيروت" التي ضمت هذه الشعلة بين جنباتها، وفتحت ذراعيها للحرية والاحرار والثقافة، إلى أن خفتت هذه الأضواء في منتصف السبعينات لصالح نيران الحرب الأهلية المجنونة·

ثم تلقف هذه الشعلة، هذا ·· "البلد الصغير الذي يشده إلى الصحراء نسب وإلى البحر سبب··· فكانت طيلة الثلث الأخير من القرن العشرين عاصمة ثقافية، بل ساحة مفتوحة أمام كل المثقفين العرب ليساهموا في نتاجها الثقافي على نحو لم تشهده مدينة عربية من قبل"، نعم هنا يشير جهاد فاضل إلى الكويت، وإلى الظروف التي تهيأت على أرضها وأول هذه الظروف توفر نخب وقيادات سياسية وثقافية لديها القناعة بالدور الثقافي، وبأن الثقافة هي "الأداة المثلى لترسيخ دور الكويت العربي انطلاقا من أن الأمن الوطني الكويتي، وسط توازنات القوى الإقليمية، لن يتحقق إلا في قلب عالمها العربي كما رأوا في الثقافة تلك الركيزة الأساسية لأي تعاون عربي مثمر·

 

عبدالعزيز حسين·· والإنجازات التاريخية

 

يتطرق بعدها فاضل ــ بكل اقتدار ومعرفة تدلان عما لديه من المام واسع بالمسيرة الثقافية الكويتية ــ ·· إلى أحد الرواد وأبرزهم وهو المرحوم عبدالعزيز حسين "ومن يقرأ سيرة المغفور له عبدالعزيز حسين وزير الدولة الكويتي السابق ورجل الإعلام والانجازات الثقافية التاريخية في الكويت يلمس لمس اليد إن انجازاته كلها لا يمكن فهمها إلا في ضوء هذين التوجيهين: تحقيق الأمن الوطني الكويتي من خلال ربط الكويت بعمقها العربي وتعزيز دور الكويت الثقافي والسياسي وسط العالم العربي· وتحقيق التقارب العربي من خلال نهضة تنويرية وثقافية شاملة تجمع العقول والقلوب وتدرك الضرورات التاريخية لهذا التقارب والتعاون"·

ويثني فاضل على توجه الكويت السليم في إطار الثقافة والتي وفرتها للعموم، وبسعر رمزي إن تعذر توزيع الكتب والمجلات الثقافية مجاناً، مما يذكرنا بالسبب الحقيقي الذي دفع المسؤولين إلى زيادة سعر مجلة "العربي" مثلا منذ عدة سنوات حينما اكتشفت إدارة المجلة أن كثيرامن المطابع ودور النشر في بعض العواصم العربية تقوم بشراء أعداد كبيرة من "العربي" وبأسعارها القديمة المخفضة، التي لا تكلفها كثيرا من المال لتقوم ــ وبطريقة "فنية" ــ بإعادة استعمال واستغلال ورقها الصقيل، وعالي الجودة، لطبع مجلات أخرى وكتب·

ويشير فاضل بوضوح عن الأفق العروبي الواسع عند الكويتيين، فيقول "كان رئيس تحرير "العربي" السابق أحمد بهاء الدين يقول لي في معرض حديثه عن الأخلاقيات الكويتية في الثقافة: "تصور انك لا تجد شيئاً خاصاً عن الكويت في مطبوعاتهم، ولولا إشارة موجودة في أسفل إحدى الصفحات الأولى والأخيرة في المطبوعة تقول·· طبع في الكويت لما أمكن القارىء أن يعرف المكان الذي صدرت منه المطبوعة"·

 

الخطة الشاملة للثقافة العربية

 

إلاً أن أهم ما تحدث عنه جهاد فاضل هو "الخطة الشاملة للثقافة العربية" "التي كانت ثمرة تعاون بين منظمة الالكسو العربية ومجموعة من كبار المثقفين والمفكرين العرب والنخبة الكويتية ممثلة يومها بعبد العزيز حسين ورفقائه·· طبعت الكويت هذه الخطة التي تضمنت تصورات النخب العربية لمستقبل الوضع الثقافي في الدول العربية من كل نواحيه في أربعة كتب طبعاً أنيقاً فاخراً ثم ترجمت هذا العمل إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والأسبانية·· وكان المناخ الذي عملت فيه اللجان التي أسهمت في هذا العمل مناخ نهوض عربي قومي وثقافي رائع·· كان العصر عصر الأحلام والطموحات الكبرى· وكان الرجل الكبير الذي رعى هذا العمل ــ هو المغفور له عبدالعزيز حسين ــ يعتقد أن الثقافة العربية هي قوام الحقيقة القومية، ومستودع حضارتها وصورة مستقبلها·· وارتبط اسمه باسمها وقد كان ذلك امتداداً عضويا لتلك الرؤية ولذلك السعي، أن يقوم على أكبر عمل ثقافي قومي تمثل في "الخطة الشاملة للثقافة العربية" التي لا سابقة لها في تاريخ ثقافتنا العربية، لا شمولية ولا رؤية ولا منهج··"·

هذه "الخطة الشاملة للثقافة العربية" والتي كتب عنها أحد أمراء الجماعات الظلامية هنا في الكويت، ينتقد ويشوّه ويكفّر كل من عمل على إعداد هذه الخطة، وقد قمنا بعرض كتاب هذا "الورّاق" على صفحات "الطليعة" منذ أشهر مضت والذي كان كتابه هذا أساساً ومرجعاً لمن أقاموا قضايا "الحسبة" على الكتّاب في "أزمة الكتب" الماضية·

يتحدث جهاد فاضل باستفاضة عن الاستعدادات الكويتية للعاصمة الثقافية عام 2001، ليقول "ولا شك أن الكويت التي ستعلن عاصمة ثقافية عربية للعام 2001 ستضع في عداد برامجها وخططها لذاك العام احياء هذه الخطة وإعادة تسويقها عربيا" وهنا نقول لكاتبنا لا·· يوجد "شك"، فبكل تصريحات المسؤولين واستعداداتهم، وكتاباتهم في الصحف والمجلات في هذا الشأن، لم يتطرق أحد منهم ولا حتى أصحاب الشأن الثقافي إلى تلك الفكرة· بل لم يدر ببالهم احياء فكرة "الخطة الشاملة للثقافة العربية" ولا حتى المحاولة بنفخ الروح بها·

ويضع جهاد فاضل آماله وثقته الكبيرة، وهو المراقب العربي البعيد، على الإعداد المدروس من قبل مسؤولي الثقافة في الكويت، ليقول أن "التجديد مرشح للدخول إلى مؤسسات ومنابر ثقافية كويتية مختلفة منها الجامعة وبعض قطاعات التربية والتعليم والبحث الأخرى" ويختم بقوله أثبتت الكويت في تاريخها الحديث كفاءتها وقدرتها على أن تكون "لبنان" آخر، و"قاهرة" أخرى في الثقافة وفي الحضارة على حد سواء وفي وعيها لمثل هذا الدور الفائق الأهمية في تاريخ البلدان والأمصار، ما يؤهلها لأن تكون دائماً بلداً واجب الوجود، وواجب الاحترام"·

لا نختلف مع فاضل أبداً في الجزء الأول من مقالته والتي خصصها عن دور الكويت الثقافي منذ ثلث قرن وأكثر، لكننا لا نتفق معه فيما أفاض على حاضر ثقافتنا من طموحات واستعدادات يتوقع أن يقوم بها مسؤولونا الثقافيون حالياً استعداداً "للعاصمة الثقافية"·

طباعة  

من أرشيف "الطليعة" الثقافي·· "السليمانان"·· ودوائر الأسئلة!
الخليفي أصيل جداً·· لم يمارس خداع الزخرفة والتطريز··!

 
حضرة الغائب
 
وتد
 
شظايا التوحد
 
أجيال
 
اقتراح