· قصة الانفجارات التي وقعت في موسكو شديدة الغموض·· ومع ذلك فمن الصحيح أن عالم الإرهاب وعالم الاستخبارات لم يفصل بينهما سور يمنعهما من الاندماج، ولا توجد أدلة تدين الشيشان، ولكن غياب الأدلة لم يمنع بوتن من استغلالها بصورة مخجلة
· كانت الطريقة الوحيدة التي يمكن بها لبوتن تحقيق أي انتصار سياسي على منافسيه في موسكو هي تحقيق انتصار عسكري
· بدأ الساسة الروس في استخدام لغة جديدة - وهي لغة عالم الجريمة -وكان رئيس الوزراء المعيّن حديثاً أول من يعطي الشرعية لهذه اللغة بتصريحه العلني أننا سوف "ندفنهم في قمامتهم"
سيرجى كوفاليف **
هل دخلت روسيا الحرب "الثانية" مع الشيشان لكي يصعد فلاديمير بوتن إلى سدة الرئاسة؟
وإلى أي مدى يمكن اعتبار أصلان مسخادوف الذي انتخب في يناير 1997، رئيساً للدولة "الجار" الصغيرة، التي لا يتجاوز تعدادها مليون نسمة من المزارعين البسطاء مسؤولاً باعتداله أو "بتساهله" عن إعطاء الفرصة لأولئك الباحثين عنها في الكرملين للقضاء على بلده وإبادة شعبه، لأسباب "موسكوفية" داخلية بحتة· وتحت رايات نجحوا في أن يكتبوا عليها الشعارات الأكثر رواجاً هذه الأيام: "القضاء على الإرهاب"·
يحاول سيرجي كوفاليف الإجابة عن هذه الأسئلة، في مقال "متشائم" يعيد فيه النظر في مقال آخر كتبه قبل أكثر من عامين في أعقاب حرب الشيشان الأولى (1994 ــــ 1996) موضحاً أن القضية لم تكن أبداً "بقاء الشيشان جزءاً من الاتحاد الروسي"، وحسب رؤيته الجديدة، يبدو أنه كان "متفائلاً" أكثر مما ينبغي·
في سنة 1997 نشرت مقالاً حاولت فيه الوصول إلى بعض النتائج بشأن حرب الشيشان التي وقعت في الفترة من 1994 إلى 1996، وكان رئيسا روسيا والشيشان قد وقعا للتو اتفاقية رفضت استخدام القوة أو التهديد باستخدامها وأجلت التسوية النهاية للعلاقات الشيشانية الروسية حتى سنة 2001، بدا لي وقتها أن الحرب انتهت إلى الأبد وأن الوقت قد حان لتخليص الأحداث الأخيرة·
كنت مخطئاً كل الخطأ في ذلك· إلا أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك من يحلم، ولو في أشد كوابيسه سوءاً، بأنه سيكون في روسيا ساسة لهم من العقل والذاكرة السليمين ما يجعلهم يستأنفون حرب الشيشان على مستوى يفوق ما كانت عليه فيما سبق· بل كان من الأصعب تخيل أن الحرب لن تحظى بدعم الشعب الروسي وحسب، بل ستؤدي إلى انقسامات سياسية غير مسبوقة فيما يتصل بالزعماء الروس الذين يشرفون عليها، وخاصة فلاديمير بوتن الذي يدين ببلوغه الرئاسة بصورة كبيرة إلى مساندته للحرب·
ولكي يفهم القراء الأمريكيون الطريقة التي حدث بها ذلك التحول الذي لم يفكر فيه أحد فهماً تاماً، عليهم أن يتخيلوا للحظة أنه في سنة 1978، مثلاً استأنف رئيس الولايات المتحدة الحرب في فيتنام· بل وأن هذا العمل حظى بتقدير كل الأمريكيين ــــ من عمال المناجم والمزارعين حتى أساتذة الجامعة والطلاب· هذا بالضبط هو ما حدث في روسيا أخيراً·
أولاً وقبل كل شيء لابد أن أوضح أن جزءاً ضخماً من الذنب فيما يتصل بما حدث يقع على عاتق الشعب الشيشاني وقادته·
ففي الشهور الأولى التي أعقبت انتهاء العمليات العسكرية بدأ أن هناك فرصة لإقامة نظام ديمقراطي في شيشان ما بعد الحرب، وهو النظام الذي كان سيعمل طبقاً لحكم القانون· وفي رأيي أنه لو كان ذلك قد حدث لما كانت هناك أهمية لبقاء الشيشان جزءاً من الاتحاد الروسي أو عدمه· وفي يناير 1997 انتخب أصلان ماسخادوف رئيساً للشيشان· وكان ماسخادوف زعيماً معتدلاً ومسؤولاً ورجلاً يفضل بالتأكيد النموذج العلماني للتنمية على "الدولة الإسلامية"·
ومن المؤكد أنه كان هناك مخاوف خطيرة بشأن المسلك الشيشاني في ذلك الوقت· فابتزاز الشعب الروسي المحلي المتبقي في الشيشان واستخدام العنف ضده، بما في ذلك عمليات الاختطاف للمطالبة بالفدية أو الاستعباد، لم تتوقف بانتهاء الحرب ولكنها ازدادت أكثر وأكثر· ولم تبذل السلطات الشيشانية الجديدة أي جهد لوقف هذا النشاط الإجرامي، رغم أنه في بلد ضئيل الحجم مثل الشيشان، الذي يقل عدد سكانه عن المليون، كان كل إنسان يعرف معرفة تامة أياً من رفاق ماسخادوف السابقين يحقق ثروة من تجارة الرقيق، وأين يحتجز الأسرى، وكيف كانت الفدية تبتز، وغيره وغيره· إلا أنه بعد كل بلاغ عن اختطاف لضحية معروفة، كان رئيس الشيشان يدلي ببيانات عامة يشرح فيها الأحداث بلغة غامضة وغير مقنعة بالمرة مثل "استفزاز الاستخبارات الروسية"· لم تكن هناك أية مساعي لإنقاذ الأسرى· ولم تكن هناك أية محاولات لملاحقة منظمي تلك الجرائم أو معاقبتهم·
وكان اختطاف العديد من الصحفيين أمراً بغيضاً جداً· فقد كان هؤلاء هم من ظلوا عامين يعرضون حياتهم للخطر الشديد، وكان يخبرون الروس والعالم بحقيقة الحرب· وكان الشيشان مدينين لهم بالسلام، مثلما هم مدينون للانتصارات العسكرية التي حققتها الميليشيا الشيشانية·
ولم تكن الحقيقة بحاجة إلى وقت طويل كي تنجلي· فقد توقف المراسلون عن العبور إلى الشيشان، وتكون موقف جديد تماماً ومعارض بشدة للجمهورية بين الصحفيين الروس· ويصعب علي توجيه اللوم لموقفهم العدائي من الشيشان·
ولم تكن الحقيقة بحاجة إلى وقت طويل كي تنجلي· فقد توقف المراسلون عن العبور إلى الشيشان، وتكون موقف جديد تماماً ومعارض بشدة للجمهورية بين الصحفيين الروس· ويصعب علي توجيه اللوم لموقفهم العدائي من الشيشان·
بل إنه بدأ العمل بأحكام الشريعة الإسلامية في الشيشان بصورة شديدة القسوة، بما في ذلك العقاب البدني، وبتر الأطراف، وإذاعة تنفيذ الإعدام على شاشة التلفزيون المحلي· كل هذا أجبر المتعاطفين مع الشيشان على الشك في مدى صدق نوايا ماسخادوف للدفاع عن الطابع العلماني للدولة ــــ وهي بالمناسبة تلك النوايا التي لم يقلها علناً ــــ أو على الأقل الشك في صدق عزيمته·
ومما يؤسف له أن المخاوف التي أعربت عنها بشأن مستقبل الشيشان في مقالي المنشور سنة 1997 ثبت أنها تقوم على أسس سليمة· ففي خلال السنوات الثلاث المنصرمة لم يكن رئيس الشيشان وحكومتها على استعداد للمخاطرة باتخاذ إجراءات حاسمة لإحلال النظام في الجمهورية· وأسباب ذلك واضحة ــــ فقد كانوا يخشون من أن أول خطوة ثابتة يخطونها سوف تؤدي إلى انتفاضة وحرب أهلية· غير أن جبن ماسخادوف أدى إلى نتيجة أكثر سوءاً، وهي الفقدان التام للسيطرة على البلاد وانتقال السلطة الحقيقية إلى أيدي من يسمون "قادة الميدان"، ومن بينهم رجال مثل تاجري الرقيق آربي بارايف ورسلان خيخورويف، والإرهابيين سلمان رادوييف وشامل باسيف، والمتعصب الإسلامي الأردني خطاب، الذي يؤكد كثيرون على أنه حليف من حلفاء أسامة بن لادن· واختفت آخر آثار نظام الدولة في المواجهة بين الحكومة وقادة الميدان·
بعبارة أخرى، لم يعد هناك وجود لجمهورية الشيشان التي كان يرأسها اتشكيريا ــــ ولو كـ "جمهورية إسلامية"· وبدلاً من ذلك تكون ثقباً أسود في خريطة العالم يهبط منه رجال ملتحون، يقودون شاحنات كامز ويحملون الكلاشنكوف، من حين لآخر على المناطق المجاورة من روسيا، وفي بعض الأحيان يستولون على الماشية ويختفون بها، وأحياناً آخرى يستولون على الناس· ولا يعرف أحد على وجه الدقة ماذا كان يجرى بالفعل في أرض الشيشان نفسها·
إن ما نعرفه هو أن باسيف وخطاب الشيشان في شهر أغسطس "حملة تحري" في داغستان المجاورة· ويبدو أنهما وغيرهما من قادة الوحدات الشيشانية التي غزت داغستان كانوا يرون أنفسهم "محاربين عالميين في سبيل الله"، أو لنقل أن كلاً منهما يرى نفسه تشى جيفارا إسلامياً· وكان هؤلاء متأكدين من أن المؤمنين على الجانب الآخر سوف يلقونهم بأذرع مفتوحة· غير أنهم كانوا مخطئين في ظنهم· فقد قابلهم الداغستانيون بالسلاح· بل إن بعض الشيشان ــــ داخل داغستان وفي المناطق الحدودية الشيشانية نفسها ــــ حاولوا منع الغارة المجنونة· لقد أدركوا العواقب التي ستنتج عنها· وقيل إنهم قالوا لرجال باسايف وخطاب: "لن تمروا إلا على جثثنا"· وكان رد هؤلاء هو: "لا بأس يا جند الله" وهكذا سمحت الدوريات الريفية الشيشانية غير الرسمية في المناطق الحدودية لهم بالعبور·
وليس من حقي إصدار حكم على الفلاحين المسالمين الذين استسلموا أولئك الإسلاميين المسلحين تسليحاً ثقيلاً· وفي اعتقادي أنهم لو كانوا يعلمون كل نتائج مغامرة داغستان لفضل كثيرون منهم المخاطرة بأرواحهم، بدلاً من عبور الإسلاميين حدودهم· ولو كان للرئيس ماسخادوف أن يتنبأ بكل النتائج (وهو ما كان من واجبه القيام به)، لفعل كل ما في إمكانه لمنع الإغارة على روسيا من أراضي الشيشان، حتى لو كانت في ذلك مخاطرة بنشوب حرب أهلية·
ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، نفذ الجيش الروسي في داغستان مهمة تحرير حقيقية، فقد حمى سكان داغستان من الهجوم الخارجي· غير أن أداء الجيش كان سيئاً· فقد لحقت به خسائر من نيران مدفعيته وضرباته الجوية· كما أنه ظل أسابيع عاجزاً عن استعادة عدة قرى جبلية كان قد استولى عليها باسايف وخطاب؛ ولم يحذر سكان تلك القرى الآمنين بشأن استخدامه الوشيك للمدفعية والقصف الجوي· كما شاركت القوات الروسية في أعمال السلب والنهب والعنف ضد الناس في المناطق المحررة، رغم أن سلوكهم كان معتدلاً إلى حد ما، مقارنة بالحرب السابقة· إلا أن الجيش في نهاية الأمر انجز مهمته· وتشتت بعض الغزاة الإسلاميين، بينما أجبر آخرون على العودة إلى الشيشان·
ومن الواضح أنه عند هذه النقطة ولدت في رأس جنرالات موسكو وساستها فكرة رهيبة، وهي استغلال قوة الدفع الناجمة عن انتصار داغستان لشن حرب جديدة مع الشيشان·
ومن السهل معرفة ما كان يبغيه الجنرالات· فقد أرادوا الانتقام لهزيمتهم النكراء في الحرب السابقة· أما دوافع الساسة فهي أكثر تعقيداً، حاولت مؤخراً وصف بعضها في صحيفة "دي فيلت" التي تصدر في برلين·
إن استئناف الحرب بالنسبة للساسة الروس الرجعيين انتقام كذلك، ولكنه انتقام من "الليبراليين البغيضين" و"المتشدقين غير المسؤولين" الذين أثاروا الرأي العام في 1996 - 1994 ضد الاستعراض الدموي لقوة الدولة الروسية·
غير أنني أخشى أن يكون هذا التأويل شديد التبسيط· فقد قللت من شأن مستوى السعي وراء المصالح الشخصية الذي يسود الحياة السياسية الروسية المعارضة· صحيح أن "الساسة الروس الرجعيين" ــــ وهم مؤيدو الجماعات القومية والعديد من فصائل الحزب الشيوعي ــــ كان سيسعدهم التخلص من "الليبراليين البغيضين" وكذلك من قصر الكريملين العاجز الذي أجاز اتفاقية وقف إطلاق النار في بلدة خاسفيورت في 31 أغسطس 1996، ووقع الاتفاقية في موسكو في مايو 1997 غير أنه لم تواتهم الفرصة لتحقيق ذلك·
واستخدم آخرون حرب الشيشان الجديدة كذخيرة سياسية· ويأتي على رأس هؤلاء فلاديمير بوتن وغيره من المقربين للكريملين· ففي ذروة العمليات العسكرية في داغستان في الصيف الماضي، عزل يلتسين رئيس الوزراء سيباشن وعين محله بوتن· بل إن الرئيس سمى بوتن علناً ليكون له "وريثاً للعام 2000" ــــ وهو الإعلان الذي لم يثر في ذلك الوقت سوى الضحك· فهو بحق يبدو أمراً مضحكاً· أول كل شيء، كيف يمكن للرئيس الحالي أن "يعين" الرئيس القادم ــــ هل نحن نعيش في هاييتي أو ما شابه ذلك؟
الأمر الثاني هو أن بوتن رجل ذو وجه يصعب وصفه من الناحية المهنية· فبما أنه كان مديراً سابقاً للاستخبارات الروسية، فلم يكن معروفاً في واقع الأمر للجمهور بصورة عامة· وبدا الأمر وكأنه ليست لديه أية فرصة بالمرة للفوز في حملة انتخابية ضد الساسة المحنكين أمثال ايفجيني بريماكوف رئيس الوزراء السابق، أو يوري لوزكوف رئيس بلدية موسكو، أو جنادي زيوجانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي· والأمر الثالث أنه بعد الأزمة المالية التي حدثت في أغسطس 1998، كانت سمعة يلتسين من السوء بحيث كان دعمه لأي مرشح يعني كارثة للشخص الذي يدعمه·
ومع ذلك لم ينزعة بوتن· فقد أكد أنه لا يعتزم دخول انتخابات الرئاسة، غير أن أهم شيء في ذلك الوقت كان الحرب في داغستان· وكان لذلك أثره الكبير على الجماهير ــــ وحقيقة الأمر أنه بدا حكماً سليماً· فهل يمكن أن يكون هناك ما هو أهم بالنسبة للحكومة من العمليات العسكرية التي تجرى على أراضيها؟
وبعد مغادرة القوات الشيشانية لداغستان وعودتها للشيشان في شهر أغسطس، أعلن بوتن أن الوضع الراهن في الشيشان لا يمكن السكوت عنه ــــ وهو ما كان صحيحاً ــــ كما قال إن الحكومة لا يمكنها التوقف الآن؛ إذ إن عليها ضرب قواعد الشيشان، "حتى لو كانت على الأراضي الشيشانية"· (وهذا المنطق مفهوم كذلك ــــ غير أنه يتجاهل مشكلة أساسية، وهي يمكن تمييز "القاعدة الإرهابية" من أية قرية شيشانية عادية؟)·
بدا بوتن بإرسال قوات إلى حدود جمهورية الشيشان· وأخذ كثيرون أقواله وأفعاله على أنها مجرد استعراض للقوة العسكرية لمصلحة ماسخادوف وغيره من الزعماء الشيشان الرسميين، وحركة يقصد بها إجبارهم على التحول، على أقل تقدير، من مجرد الإدانة اللفظية للمتطرفين الإسلاميين إلى اتخاذ إجراءات فعالة ضدهم· إلا أن المراقبين الواعين كانوا يرون أن دوافعه واضحة· فرئيس الوزراء الجديد لم يكن يعتزم الاقتصار على التهديدات· بل إنه لم يسع إلى بدء الاتصالات مع الحكومة الشرعية في الشيشان· كما أنه لم ير ضرورة لعرض موعد نهائي على ماسخادوف· لقد كان راغباً في الحرب، وكان سبب رغبته واضحاً·
كان موعد الانتخابات البرلمانية سيحين بعد ثلاثة أشهر ونصف ــــ وهي بمثابة البروفة بالنسبة لانتخابات الرئاسة التي تجرى في يونيو 2000 ــــ وكان هناك احتمال كبير أن تحقق الحركة المسماة "الوطن الأم ــــ كل روسيا" (وتضم في معظمها مديري الشركات السوفيتية السابقين والقادة الإقليمين الأقوياء)، والمعارضة ليلتسين ومؤسسة الكريملين، نصراً كبيراً في هذه الانتخابات· وكان المرشح الرئاسي الذي تمت مباركته حديثاً سيدخل في تنافس مع زعماء هذه الحركة، الذين هم أكثر الساسة شعبية في البلاد، مثل يوري لوزكوف وايفجيني بريماكوف·
وكانت الطريقة الوحيدة التي يمكن بها لبوتن تحقيق أي انتصار سياسي على منافسيه في موسكو هي تحقيق انتصار عسكري· ولم تكن داغستان بكافية· ولكن هل سيؤدي الرأي العام إلى استئناف العمليات العسكرية في القوقاز؟ على أية حال، لم تكن قد مرت سوى ثلاث سنوات على تعبير الجماهير الروسية عن ارتياحها عند توقيع اتفاقية خاسافيورت سنة 1996، صحيح أنه منذ ذلك الوقت فعل الشيشان الكثير، مما قضى على أي تعاطف معهم قد يكون لدى الروس· إلا أن الغزو المسلح لداغستان لم يكن كافياً لتقوية الموقف المعادي للشيشان في المجتمع الروسي، بحيث يقر أية مغامرة عسكرية جديدة· وقرب نهاية شهر أغسطس بدت الحملة الجديدة في الشيشان أكثر مشكوكاً فيها·
وتحرك بوتن بحذر· إذ أعلن أن الحكومة لا تتحدث عما يزيد على تأمين الحدود مع الشيشان· (وكان يكذب الطبع؛ فبعد أسبوعين فقط بدأ غزو واسع المدى ــــ وعمليات كهذه لا يمكن تخطيطها في أسبوعين)· وبعد ذلك ذكر أنه لضمان أمن القوات لابد من احتلال بضعة رؤوس تلال على الأراضي الشيشانية· وبالطبع مضى الأمر دون القول بأن أحداً كان يتحدث بالفعل عن الحرب، حاشا لله؛ فالحكومة كانت تسعى فقط لضمان أمن المناطق المجاورة·
في ذلك الوقت، وكان شهر سبتمبر، دوت الانفجارات في موسكو وفولجودونسك ــــ وهي الانفجارات الليلية التي حدثت في المباني السكنية التي أدت لمقتل ما يربو على مائتي شخص·
كانت تلك الانفجارات لحظة مهمة في كشف تاريخنا الراهن· بعد أن انتهت الصدمة الأولى، اتضح أننا نعيش في بلد مختلف تمام الاختلاف، ليس فيه من يجرؤ على الحديث عن الحل السياسي السلمي للأزمة مع الشيشان· وكان السؤال المطروح هو كيف يمكنك التفاوض مع أناس يقتلون الأطفال ليلاً في أسرتهم؟ إن الحرب، والحرب وحدها، هي الحل! وما نريده ــــ حسب لغة الكثير من الساسة بمن فيهم فلاديمير بوتن ــــ هو القضاء الذي لا رحمه فيه على "الخصم" كائناً من كان، ومهما كانت الخسائر، وبغض النظر عن عدد المدنيين العزل الذين سيموتون أثناء ذلك، ودون أي اعتبار للجنود الروس الذين سيجودون بأرواحهم من أجل الانتصار العسكري ــــ ما دمنا سندمر "عش الدبابير الخاص بالإرهابيين" إلى الأبد· ولا يهم من يكون هذا "الخصم" ــــ المقاتلان باسايف وخطاب، أو الحرس المختار للرئيس ماسخادوف (الذي لم يكن له شأن بالغارة التي شنت على داغستان، ولا بتفجير المباني السكنية في المدن الروسية بطبيعة الحال)، أو مجرد أحد أفراد الميليشيا المحلية الذي يدافع عن قراره ضد القوات الروسية التي اكتسحتها على حين غرة·
وبدأ الساسة الروس في استخدام لغة جديدة ـــــ وهي لغة عالم الجريمة ــــ وكان رئيس الوزراء المعين حديثاً أول من يعطي الشرعية لهذه اللغة بتصريحه العلني أننا سوف "ندفنهم في قمامتهم"· وعقب قول ذلك أخذت شعبية بوتن تزداد في استطلاعات الرأي زيادة فلكية· فها هو "شخص صلب" يمسك أخيراً بعجلة القيادة·
وصار للمصطلحات القديمة مدلولات جديدة· وهكذا سرعان ما باتت كلمة "إرهابي" لا تعني شخصاً معيناً لإحدى الجماعات السرية الإجرامية التي كان هدفها هو القتل· فقد صار معنى الكلمة هو "الشيشاني المسلح" ــــ أينما كان· وكانت التقارير العسكرية من داخل الأراضي الشيشانية صريحة في ذلك: "حوصرت مجموعة تضم ثلاثة آلاف إرهابي في جوديروميس"؛ "تمت تصفية ألفين ونصف من الإرهابيين في شالي"· بل إن الحرب نفسها لم تعد تسمى سوى "عملية القوات الروسية الخاصة المناوئة للإرهابيين"·
وفي الخريف الماضي، تجمعت أعداد كبيرة من القادمين من منطقة القوقاز، ومازال التحرش مستمراً في الوقت الراهن؛ وكان هناك كلام عن إقامة "نقاط احتجاز مؤقتة" في ضواحي موسكو "للأفراد المقيمين في العاصمة دون حيازة التوثيق اللازم" ــــ أي لأهل القوقاز الذين ليس لديهم من المال ما يكفي لشراء ذمة الشرطة· ويبدو أن "نقاط الاحتجاز المؤقتة" تلك، أو فلنسمها صراحة معسكرات اعتقال، لم تتم إقامتها بالمرة ــــ مع أن العزم على إقامتها كان أكيداً· غير أن أحداً بخلاف حفنة من المدافعين عن حقوق الإنسان لم تصدمه تلك الأفكار البربرية·
بل إن موقف المدافعين عن حقوق الإنسان ذاتهم تغير واكتسب الاسم مدلولاً جديداً· فاليوم يعتبر العاملون في مجال حقوق الإنسان ومنظماتها على رأس أعداء البلاد في الداخل، فهم "الطابور الخامس" الذي تدعمه المؤسسات الغربية (ويقصد بها الاستخبارات)، ويقوم بأنشطة هدامة ضد روسيا· ونشرت سلسلة من المقالات حول هذا الموضوع ليس فقط في بعض الصحف الصفراء القومية الوطنية، بل كذلك في أكثر من صحيفة من الصحف رفيعة المستوى في صحافة روسيا الحرة ــــ وأقصد بها "نيزافيسيمايا جازيتا"·
ويتضح أن المدافعين عن حقوق الإنسان والصحافة "غير الوطنية" يتحملون وزر الهزيمة التي لحقت الجيش الروسي في حرب الشيشان الأولى· فقد خلقت تقاريرهم تعاطفاً مع معاناة الشعب الشيشاني، مما أدى إلى تشويش الرأي العام· وبالمناسبة، لا يتهم أحد أيا من المدافعين عن حقوق الإنسان أو الصحافة بترويج معلومات زائفة أحادية· فهم متهمون في واقع الأمر بنقل الأحداث نقلاً موضوعياً·
لقد ضرب القادة حصاراً إعلامياً غير مسبوق حول الشيشان· غير أنه تسربت بعض الروايات عن الفظائع التي ترتكبها القوات الروسية ــــ مثل قتل المدنيين ــــ ووقعت في منطقة الصراع العسكري و"المناطق المحررة"· وهذه التقارير بحاجة إلى بحث منظم ومستقل ولا يمكنني تأكيدها بصورة محددة؛ غير أنه بكل أسف ليس لدي كذلك سبب لعدم تصديقها· ولم يكن القادة مضطرين لفرض حصاراً إعلامياً· ففي تلك المرات التي عرفت فيها تقارير التدمير والخسائر التي تقع في صفوف السكان المسالمين في جروزني المحاصرة طريقها إلى شاشة التلفزيون، كانت لم تعد تثير اشمئزاز المشاهد الروسي·
قد يمكن تلخيص الوضع الذهني الراهن في روسيا في كلمتين، هما "هستيريا الحرب"· وبطبيعة الحال لم تكن انفجارات المباني السكنية العامل الوحيد الذي سببها· فيبدو أن الرأي العام في روسيا، حتى قبل اندلاع العنف الأخير، مستعداً من الناحية النفسية لعدم إجراءات الحكومة القاسية، بغض النظر عن كنهها أو عمن وجهت إليهم· فما حدث هو ما تُنْبِئ به منذ زمن مضى· ذلك أن المجتمع كان يحن إلى "اليد القوية"·
وفي مقالي الذي نشرته سنة 1997، قلت إن انتصار الشيشان العسكري، الذي وفر للبلاد استقلالاً بحكم الأمر الواقع، قد يؤدي في حقيقة الأمر إلى موت الحرية الشيشانية· إلا أنني قلت كذلك إن هزيمة الجيش الروسي قد تتحول إلى نعمة خفية· ذلك أنه ربما أعطى قوة دفع جديدة لجهود تنفيذ الإصلاحات التي باتت مكبلة، بحيث تتحول البلاد مرة أخرى نحو الديمقراطية والحرية· وفيما يتصل بالشيشان، كان لمخاوفي ما يبررها؛ أما فيما يتعلق بروسيا، فلم تتحق آمالي·
ما حدث فقط هو أن الاقتصاد الروسي دمرته الأزمة المالية المفجعة التي حلت سنة 1998 بل إن الفضائح السياسية المصاحبة للأزمة قضت إلى حد كبير على إيمان الشعب بإمكانية الديمقراطية السياسية والحرية الاجتماعية في روسيا والرغبة فيها· وكان الكثير من الناس يرون أن فشل "إصلاحات يلتسين" على المستويين السياسي والاقتصادي يعني خيبة الأمل في نماذج ليبرالية "الأسلوب الغربي" ــــ وقد ظلت الجماهير سنوات عدة مطمئنة إلى أن الإصلاحات يجرى تنفيذها طبقاً للنموذج الغربي·
وكانت أولى متلازمات التغير الذي طرأ على موقف المجتمع هي تفشي ذلك الشعور المناوئ للغرب إبان أزمة البلقان· ولم يكن لذلك أية علاقة بالتضامن "السلافي" أو "المسحي الأرثوذكسي" مع الصرب، أو حتى بانتهاك الناتو للقانون الدولي· كانت المسألة أمراً مختلفاً· فمن المؤكد أن الروس لم يعودوا يحبون ما افتتنوا به فجأة وبعمق قبل عشر سنوات· وأعني الغرب وكل ما يرتبط به، بما في ذلك مفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان·
ومما يحير أن روسيا بها كثيرون يرون "مكيدة غربية" في الفوضى الراهنة في القوقاز، دون أن ينتبهوا لعبثية افتراض أن الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، قد تساند عدوهم المعلن ــــ أي الإرهابيين الإسلاميين ــــ ضد روسيا· وينظر إلى الشجب الأوروبي والأمريكي لفظائع الحرب الراهنة على أنه مزيد من التأكيد على "المشاعر المعادية لروسيا" لدى الغرب· ولا تعزى الاحتجاجات الغربية لأي قدر من الإخلاص·
إلا أن عواطف الجماهير الروسية السلبية وجهت في معظمها ضد الوضع الراهن في روسيا نفسها، وهو الوضع الذي ربط بمكائد حقبة يلتسين السياسية، وهو صحيح، وبقيم الديمقراطية الليبرالية ــــ وهو ما ليس صحيحاً على الإطلاق·
ربما كان من المتوقع أن ينتهي هذا الوضع بعودة النظام القديم، كما تصور زيوجانوف، أو بشبه عودته، كما تصور بريماكوف· ومن المحتمل جداً أن مثل هذه المخاوف جعلت الكريملين (وربما الناس خارج الكريملين) يفكر في خطة لعمل "تحديث سلطاتي" لنظام يلتسين العاجز· وأكاد أجزم أن الصورة النهائية لهذه الخطة كانت قد وضعت في منتصف الصيف· ولم يكن العامل الرئيس بطبيعة الحال هو الخطة ذاتها، وإنما الحالة الذهنية التي تجعلها صالحة للتطبيق· ويمكن تلخيص ذلك في الصيغة التالية: "نحن لا نريد العودة للشيوعية، غير أننا مللنا ديمقراطيتكم، وحريتكم، وما تقولونه عن حقوق الإنسان· إن ما نريده هو النظام"·
ويبدو أن مخرجي الدراما التي كانت تجرى كتابتها قد اختاروا بالفعل ممثلاِ يقوم بالدور الرئيسي· ولم يكن يهم أنه بكل وضوح لن يقارن بنابليون أو كرومويل ــــ سواء في المواهب الإدارية والسياسية، أو الشدة· وكانت الجماهير الروسية المرهقة مستعدة تماماً أن تقبل دليلاً على شدته بعض التعليقات العدوانية الهستيرية على شاشات التلفزيون وبعض اللقطات التي تبين جروزني التي دمرها القصف الجوي والمدفعي·
وما يشهد على ذلك القبول من الجماهير هو النجاح المدهش الذي حققته تلك الحركة المسماة بـ "الوحدة" ــــ التي تجمعت على وجه السرعة "لدعم رئيس الوزراء" ــــ في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ديسمبر· فقد فازت كتلة الوحدة، التي تعرف كذلك بـ "الدب" بـ 23 بالمئة من الأصوات وبالنسبة لكتلة سياسية لم يكن لها وجود في نهاية الصيف، ودخلت الانتخابات دون أي برنامج سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، ولم يكن لها سوى شعار واحد هو "نحن نؤيد بوتن"، ولم يكن زعماؤها معروفين في روسيا، لم تكن تلك النتيجة مجرد عرض جيد، وإنما كانت نجاحاً ساحقاً·
بعد الانتخابات حان الوقت لأداء الفصل الأخير من المسرحية· وأكاد أجزم بأن استقالة يلتسين الدرامية في 31 ديسمبر 1999 كانت جزءاً من الخطة التي ذكرتها آنفاً· والقضية هنا ليست مجرد أن استقالة يلتسين دفعت منافسي بوتن إلى الدخول في حملة سياسية مختصرة، مما يتيح له فرصة تحقيق أقصى استغلال لشعبيته الحالية قبل الانتخابات التي تجرى في أوائل مارس· وكانت تلك إشارة بيانية مفهومة من الجماهير، وهي أن الزعيم الجديد تخلص الآن من كونه "يلتسينيا"، وهو ما كان يصبح حتمياً تقريباً إن هو دخل سباق الرئاسة باعتباره رئيس وزراء يلتسين· فالآن يمكنه أن يظهر أمام الناخبين متحرراً من خطايا النظام السياسي السابق، الذي لم يكن يحظى بالشعبية لعدة سنوات ودمر نفسه بعد أغسطس 1998·
ويقف "السياسي الحاسم الشاب" حالياً في ذهن الجماهير مقابل العجوز بريماكوف والنكوصي زيوجانوف، بالإضافة إلى سلفه الواهن ويجري تشجيع الجماهير تدريجياً، ولكن بثبات على أن ترى رئاسة بوتن بديلاً لكل من عودة الشيوعية وعجز "الديمقراطيين"·
ويبدو أن معنى هذا هو أن حملة الشيشان ستستمر على أقل تقدير حتى أوائل مارس، عندما يصبح فلاديمير بوتن متأكداً تقريباً من أنه سيصبح ثاني رئيس لروسيا· بينما لم تكن لديه قبل الحرب أدنى فرصة لأن ينتخب·
ولا أزعم أن بوتن نظم معتمداً انفجارات سبتمبر لتكون لديه ذريعة لشن الحرب· وقصة الانفجارات شديدة الغموض؛ غير أنه ليس لدى أي سبب كي أعتقد أن الانفجارات كانت من تدبير الاستخبارات الروسية، كما يعتقد البعض في روسيا والغرب· وأنا بصراحة أعتقد أن المعلقين الغربيين يميلون إلى المبالغة في قوة الكي جب بي وخلفائها وحرفيتهم، وهو الأكثر أهمية· لقد كانت لي تعاملات مع هذه المنظمة لعشرات السنين؛ وفي رأيي أنه ليس لديهم أناس مؤهلون التأهيل الكافي وعلى قدر من الحسم يتيح لهم تنفيذ مثل هذا العمل·
ومع ذلك فمن الصحيح أن عالم الإرهاب وعالم الاستخبارات لا يفصل بينهما سور من المنعة، بحيث يحاول دون اندماجهما على أرضية واحدة· ومن الممكن أن تتخذ إثارة الشرطة أشكالاً عدة· فعلى سبيل المثال قد لا تتخذ الشرطة أي إجراء عند تلقيها معلومات تنطوي على تهديد ما ، وذلك إذا ظن أحد أن التراخي يتطابق أكثر مع الرغبات غير المعلنة للمسؤولين الكبار·
وبطبيعة الحال لا ينطبق افتراض البراءة على الشيشان وحدهم، وإنما على الاستخبارات كذلك· فالواقع أنه في الوقت الراهن، وبعد ثلاث سنوات ونصف، يعترف المزيد والمزيد من الناس بأن صورة "الإرهابي الشيشاني" الخاصة بهذه الجرائم لم تؤكدها أية حقائق بالمرة· فعلى الأقل لم تقدم أدلة، مباشرة أو غير مباشرة، للجماهير لمساندة زعم أن الإرهابيين يمكن الوصول إليهم بتتبع أثر الشيشان· ويشير القدر الضئيل المعروف عمن يشتبه في أنهم يتحملون بعض مسؤولية الانفجارات إلى أن هذا قد يكون أثراً زائفاً· فالأشخاص الذين يدور حولهم الكلام ليسوا عرقياً من الشيشان·
ولكن غياب الأدلة لا يمنع الشعب من مواصلة دعمه الحماسي لما تقوم به الحكومة في القوقاز· فقد كانت الانفجارات ضرورية فقط كذريعة مبدئية لهذه الأعمال·
وبينما لا أعتقد أن بوتن نفسه اختلق تلك الذريعة، فإني لا أشك في أنه استغلها بطريقة مخجلة وتنطوي على المصلحة الذاتية، تماماً مثلما لا أشك في أن الحرب خُطط لها مسبقاً· وليس في قيادة الجيش الروسي وحسب، بل كذلك في بعض القيادات السياسية، كما سبق وقلت·
أي القيادات السياسية؟ هذا سؤال يكره حتى التفكير فيه· فهذه الخطط لا تحمل خاتم الجيل العجوز من الشيوعيين أو المؤيدين الشباب المتعصبين لدولة روسيا الكبرى، الذي كنت أخشى في وقت من الأوقات من تأثيرهم الرجعي على الحياة في البلاد· إنها تتطابق أكثر مع الأسلوب الجسور الديناميكي شديد النفعية الخاص بجيل سياسي جديد· وليس من المحتمل أنه بعد شهر مارس سوف يبعث الرئيس بوتن القوة السوفيتية من مرقدها، أو يحيى أساطير الدولة الروسية العتيقة· والأمر الأكثر احتمالاً هو أنه سوف يبنى نظاماً له تراث عريق في التاريخ الغربي ولكنه جديد كل الجدة في روسيا· إنه نظام بوليسي سلطوي سوف يحافظ على السمات الشكلية للديمقراطية· والأكثر احتمالاً أنه سوف يحاول تنفيذ الإصلاحات التي تؤدي إلى اقتصاد السوق الحرة· وهذا النظام قد يكون شديد العداء للشيوعية، غير أنه ليس من غير المنتظر أن يكون هناك تسامح مع الشيوعيين، ما داموا لم "يدسوا أنوفهم"· إلا أن الحياة لن تكون جميلة بالنسبة للمجتمع المدني الوليد روسِّيا·
وكان من يسمون باليمينيين (أي "اتحاد القوى اليمينية" الذي يضم حزبي أنا "خيار روسيا الديمقراطي") قد أعلنوا بالفعل عن دعمهم لترشيح بوتن في انتخابات الرئاسة قبل استقالة يلتسين· والواقع أن تعدي اتحاد القوى اليمينية لحاجز الخمسة بالمئة في الانتخابات البرلمانية، وهو إنجاز كان هناك شك كبير في تحقيقه قبل شهرين فقط، يعود الفضل فيه بصورة كبيرة إلى حقيقة أن عدداً من زعمائه البارزين، بمن فيهم إصلاحيون مثل أناتولي تشوبايس وسيرجي كيرينكو، أيد بوتن والحرب علانية·
ولا يخفي بوتن بدوره تعاطفه مع اليمينيين، ولا اهتمامه ببرنامجهم الاقتصادي، ولا رغبته في أن يدير أناتوولي تشوبايس حملته الانتخابية المقبلة، بصورة خاصة· (يعزي كثير من الفضل في نجاح حملة يلتسين الانتخابية سنة 1996 لتشوبايس)· وهذا أمر يمكن فهمه ــــ فلا يمكن أن تتسوق برنامجاً اقتصادياً من بين صفوف الوحدة، التي خلقتها الحكومة وحدها كي تدخل نوابها الذين انتقتهم ويمكنها السيطرة عليهم في مجلس الدوما· ولا يمكنك تسوقه بين الشيوعيين·
لذلك فإن عقد صفقة بين بوتن واليمينيين تبدو شديدة الاحتمال· وسوف تقبل حكومة بوتن البرنامج الليبرالي الخاص بالإصلاح الاقتصادي الذي يصر عليه اليمينيون· وسوف يحجم اليمينيون عن الانتقاد الزائد للملامح البوليسية والسلطوية التي تتسم بها حكومة بوتن· بل إنهم ربما أيدوا الإجراءات البوليسية الأشد صرامة، مثلما أيدوا حرب الشيشان الثانية· فلا جديد تحت الشمس· ذلك أن ما يشبه ذلك حدث في شيلي أثناءحكم بينوشيه الدكتاتوري·
في رأيي أن هذه توقعات سياسية· وفيما يتصل بالحرب الدائرة في الشيشان، التي تعد أساسية في الاستراتيجية السياسية الجديدة، فإن تحقيق انتصار عسكري هناك ممكن بل ومحتمل· وبيدو جلياً أن القيادة العسكرية قد عقدت العزم على ألا تشغل بالها بالخسائر التي تقع بين صوف المدنيين العزل؛ فهي قادرة على محو أي جزء من الشيشان، بما في ذلك جروزني، لكي تقضي على "الإرهابيين"· وفي كل الاحتمالات، سوف تكون نتيجة هذا الانتصار حرب عصابات طويلة لا أول لها ولا آخر في الجبال وفي المناطق الواقعة عند سفوح التلال· بل إنه كما هو معروف جيداً، هناك طريقة واحدة للقضاء على رجال حرب العصابات، وهي عدم تمييزهم عن العزل الذين يختبئون بينهم· بعبارة أخرى، لابد من القيام بتطهير عرقي في المناطق التي تسيطر عليها حركة رجال حرب العصابات·
إن الجيش الروسي مستعد تماماً للتطهير العرقي· وقد اتضح ذلك في حرب سابقة؛ وأثبتته مرة أخرى الأحداث التي وقعت مؤخراً في قرية الخانيورت، حيث أطلق جنود محترفون النار على حوالي أربعين من السكان العزل ــــ بلا سبب· وأكدت التصريحات الرسمية أن قنابل تفريغ الهواء تستخدم في الشيشان ــــ وهي سلاح رهيب يقتل كل كائن حي على مدى منطقة شاسعة، بمن في ذلك الأشخاص المختبئين في الملاجئ·
والجديد في الأمر هذه المرة هو أن المجتمع الروسي كافة مستعد لتنفيذ التطهير العرقي ــ هل روسيا مستعدة لحملة إرهابية مطولة في مدنها وبلدانها؟ ليس لدي شك في شن هذه الحملة حتي لو بقي بضعة آلاف فقط من الشيشان على قيد الحياة في مكان ما عقب هذه الحرب ولا في أنها ستستمر لوقت طويل·
وفي مقالي الذي نشر قبل عامين ونصف كتبت أن رؤى الكارثة تستحضرها دعاية الحكومة كي تبرر الحرب التي تجرى في الشيشان ــ بما في ذلك العنف وظهور التطرف الإسلامي ــ تحققت بعد الحرب، وكنتيجة مباشرة لها ــ واليوم يتم تخويف الجماهير الروسية بشبح الإرهاب الشيشاني· فما هو الشبح الذي سوف يظهر نتيجة لهذه التعاويذ الجديدة؟ للأسف أن الإجابة في رأيي يمكن التكهن بها إلى حد كبير·، ومن الواضح كذلك أنه طبقاً لتقاليدنا سوف تجعل هذه التطورات من توقعات أي انتصار للديمقراطية في روسيا أمراً غير محتمل في أي وقت قريب·
بل إني أخشى أنه من المحتمل جدا أن العام 2000 سوف يشار إليه في يوم من الأيام على أنه "غروب الديمقراطية الروسية"·
* الكتاب وجهات نظر - العدد الرابع عشر مارس 2000
** عضو البرلمان الروسي