قراءة: علي عبدالفتاح
الأديب الكبير والشاعر المبدع أحمد السقاف رائد نهضة الأدب وفارس الشعر الثوري والصوت الصارخ في البرية بالحب والنضال والحرية أحمد السقاف المعلم والرائد الذي سجل انتصارات العرب في أشعاره وحرّضهم أيضا على التمرد والوقوف في وجه الطغاة وأعداء الحياة·
عرفنا السقاف دائما يشهر سيف القومية والعروبة في مواجهة قبائل التشتت والتعصب والفرقة ويغني لأمجاد العرب ومآثرهم وفتوحاتهم العظيمة· وتأثرنا بقصائده التي تمردت على الواقع وانتزعت رايات الحرية عالية مخضبة بدم الأحرار والأبطال·
أحمد السقاف هذا الفارس النبيل يدخل مدائن العشق والوجد والمعاناة ويبحث عن شعراء المحن والكروب ليكشف سر النفس المتاعة والروح الممزقة والقلب الباحث عن العشق·
هي رحلة··
أو استراحة المحارب في بيداء الشعر وصحراء الألم حيث نفذ خلال كتبه الأخيرة الى وجدان الشعراء العرب فكتب: قطوف دانية في الشعر الجاهلي· أحلى القطوف في الشعر الأموي· أغلى القطوف في الشعر العباسي·
ويبدو أنها سلسلة تتوغل في كل العصور حيث يذوب في ملامح عصر هؤلاء الشعراء باحثا عن جذوة العشق والاحتراق·
فهل كان السقاف رحلة روح جامحة في بحار الألم والعذوبة؟ ولماذا اختار العشق دربا والألم طريقا في ممالك الشعر؟
لا شك أنها محاولة لإثراء النفس بمعاني جميلة وقيم إنسانية رائعة حفلت بها عصور الأدب خلال مراحلها المختلفة· يحاول السقاف أن يؤكد على تلك القيم الخلقية والمثل الرفيعة التي ربما تكون قد طمست أو شوهت أو اندثرت في بنية الشعر المعاصر·
فالشعر كما يؤمن به السقاف سلاحا في معركة الحياة ونضالا ضد الشر والفساد· وإذا كان الشعر منذ انفجاره على الأرض العربية قد حقق ثورة سياسية وأزال العروش وهدد كيان الطغاة وسفك دماء المستعمرين وتصدي لأعداء الحرية والنهار فإنه أيضا سر رجفة المشاعر وارتعاد القلب وخفق الروح·
ومن هنا يولد الإنسان الحقيقي الذي يشعر بآلام الآخرين ومعاناة البشر ويعبر شعرا عن أحلامهم وأفراحهم وأحزانهم وبؤسهم وشقائهم·
فهل كان الشاعر مرتبطا دائما بأرضه وعروبته وقضاياه؟
يرى السقاف ذلك في تحليله الواعي لطبيعة الحياة في العصر العباسي· فالخليفة يجلس منتظرا الشاعر·· ليسامره بالشعر·· ويمازحه بالشعر·· ويقدم أيضا اجتهاده النقدي لنصوص الشاعر فالحياة إذن هي الشعر والشعر افتتاح لحياة زاهية بالعطايا والهبات·
والشعر رنات الأسي في ردهات قلب العاشق حتى يقول أبو العتاهية:
يا عتب سيدتي أما لك دين
حتى متى قلبي لديك رهين
وأنا الذلول لكل ما حملتني
وأنا الشقي البائس المسكين
ولكن للشعر أيضا سطوته وجموحه ومآثره في تصوير الأحداث الجسام والفتوحات الكبيرة وانتصارات العرب ليتجسد الإنسان في طموحاته وصراعه مع الآخرين من أجل البقاء وتأكيد الذات·
لكن أحيانا يسقط الشاعر على ضفاف الفجيعة ويقرأ عذابات الرحيل ويغني للموت والغربة والأوجاع والجراح ويرثي زمان الشباب ويقول:
بكيت على الشباب بدمع عيني
فلم يغن البكاء ولا النحيب
فيا أسفا أسفت على شباب
نعاه الشيب والرأس الخضيب
فيا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما صنع المشيب
فكيف استطاع السقاف أن يجسد الشخصية الشاعرة للشاعر؟
أنه يحاول ذلك خلال:
وجدان الشاعر وانفعاله الإنساني·
الواقع التاريخي والاجتماعي للبيئة وأثرهما النفسي·
فالشاعر شخصية إنسانية مركبة ومعقدة ومسكونة بالقلق والهواجس والطموحات العالية والهمم العظيمة· إنه كائن يركض عكس الريح يشعر بالتمرد على الأوضاع القائمة ويحاول تغيير الصور المألوفة الى عالم من الدهشة والحب والجمال وقد يلجأ أحيانا الي العودة للذات ومنابع الطهر ويحلق في ذات صوفية تتجلى بالحكمة وآيات الزهد·
أنها مدينة أبو نواس·· شاعر غريب·· بديع·· مدهش في ابتكاره لصوره الفنية ومعانيه العميقة وألفاظه الموشاة بغزارة الألوان· وهنا يورد السقاف له نصوصا رائعة في الغزل وأيضا أجمل ما قال في الزهد والعبادة:
إلهنا ما أعدلك
مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
والليل لما أن حلك
والسابحات في الفلك
على مجاري المنسلك
أنه أبو نواس هذا الذي أسرف في المجون الحسي ووصف الخمر والحسان والندماء ولكنه يعود الى الروح· فهل أدركنا الهدف من خلف صورة "أبو نواس"؟ إننا لا سبيل لنا إلا التشبث بجذور الروح إنها المنقذ من الضلال والخلاص من آثار العصر· إن الشاعر الحق ما كان مصباحا في سماء البشر وشموعا تذوب رقة وحنينا· فهل كانت الرقة منهاجا للشعراء؟
هل كانت دربا نحو اختراق رماد الحياة والغناء في قوافل الرحيل؟ الغناء للحزن والدمع والفراق؟ إن الشاعر لا يسقط ولا ينهار أنه كالشجر يموت واقفا·
ولذلك يقول الشاعر علي بن الجهم حينما صلب عاريا وظل سجينا يعاني تهمة باطلة نسبت إليه:
قالوا حبست فقلت ليس بضائري
حبسي وأي مهند لا يغمد
أو ما رأيت الليث يألف غيله
كبرا وأوباش السباع تردد
والبدر يدركه السرار فتنجلي
أيامه وكأنه متجدد
هكذا ينثر السقاف أحزان الشعراء··
يحلل مواقف الشاعر من ذاته ومجتمعه وعالمه الذي يعيش فيه ويتمرد عليه ويقاوم آثامه وفساده يرسم السقاف لوحة مؤثرة لموقف الشاعر الملتزم وكيف يحمل روحه على كفه ويتحدى القهر وترتجف الروح الجسورة في مواجهة ريح الغدر والفناء· فجاءت ملامح أبو فراس الحمداني مأساة لفارس الريح والعدم المهزوم في معارك الهوام· إذ يسقط البطل الفارس أسيرا في أرض الروم ولا يجد حوله من يمد له العون إنها مأساة شاعر الهلاك والبطل الدرامي الذي حاصرته الخيانات والردى· وتنتهي حياة الشاعر في صورة بشعة حيث تقطع رأسه من قبل أحد الغلمان الأتراك "قرغوية"·
وقبيل الرحيل يخاطب الشاعر ابنته ويقول:
أبنيتي لا تجزعي
كل الأنام الى ذهاب
نوحي علي بحسرة
من خلف سترك والحجاب
قولي إذا كلمتني
فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فراس
لم يمتع بالشباب
أما قصائده خلال الاسر فإنها من أروع ما قيل في شعر الفخر والبطولة والكبرياء حيث يبرز شموخ الشاعر رغم السجن ويظل أبدا لا يحني هامته ولا تترقرق دمعته وتصبح قصيدته اية من آيات الكبر والعناد والتمرد على الألم:
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع له سر
يختار السقاف مجموعة من الشعراء أغلبهم رواد المحن والمآسي والمواقف الحاسمة التي غيرت وجه التاريخ· أو أن قصائدهم قد أذيعت واشتهرت وانتشرت واخترقت الآفاق وشكلت سمات عصر في كل خصائصه الإنسانية·
فإذا قرأت عن أبو دلامة طربت لمواقفه المستعذبة وروح الدعابة والحذق والمهارة في مواجهة المأزق والخروج من الورطة ظافرا بالعطايا والهبات· ومن فرط ذكائه قدرته على هجاء نفسه أمام المهدى حين قال له:
لقد عاهدت الله لئن لم تهج أحدا ممن في البيت لأضربن عنقك!!
فلم يجد من سبيل غير هجاء نفسه إذ كيف يهجو القوم وهم جميعا هاشميون فقال:
ألا أبلغ إليك آبا دلامة
فليس من الكرام ولا كرامة
إذا لبس العمامة كان قردا
وخنزيرا إذا نزع العمامة
أما الشاعر ديك الجن فهذا الذي اغتال حبيبته ظلما وجلس يبكي أمام جثتها ويندب حياته لهذه المأساة· إنه شاعر الفاجعة·
وأبو العتاهية العاشق المنكسر الضائع في ريح الصحراء بحثا عن وجه حبيبته "عتبة" التي لم تبادله الحب· فكان يكتب بدمع القلب ودم الروح ويجزع صارخا:
يا إخوتي أن الهوى قاتلي
فيسروا الأكفان من عاجل
عيني على عتبة منهلة
بدمعها المنسكب السائل
والعباس بن الأحنف شاعر الغربة والوحشة والعشق الجريح· عاش عصفورا مغردا ألحانه وراحلا بين الأفنان بحثا عن تلك التي تسكن خاطره وتأسر فؤاده ولكن هل اكتشف ذاته؟؟
لقد صور السقاف لحظات موته التي جاءت أكثر غرابة في عناق مع شجرة جرداء ارتمى على جذورها يتنفس بصعوبة والتف حوله مجموعة من العابرة فأنشدهم في رمقه الأخير:
يا غريب الدار عن وطنه
مفردا يبكي على شجنه
كلما جد البكاء به
دبت الأسقام في بدنه
وعندما سمع تغريد أحد الطيور بجواره فتح عينيه وعاد يهذي بالشعر ويقول:
ولقد زاد الفؤاد شجا
طائرا يبكي على فننه
شفه ما شفني فبكى
كلنا يبكي على سكنه
وشهق الشاعر شهقة ومات
وحط الطائر بجناحيه يغطي وجه الشاعر وتغريده ينزف دما· فأين شعراء الغربة والوحشة والمنفى من لوعة هذا الشاعر؟؟
إن السقاف لا يسرد مجرد وقائع وإنما يفتح لك مدائن درامية للإنسان بكل ما تتجاوب في داخله من صراعات بين الخير والشر والإثم والفضيلة والبراءة والذنوب كأنه حقا يتعاطف مع الشاعر·
ويلملم جراحه ويجفف نهر دمه المهدور ويمسح عن جبينه الحزن والتعب والدمع السخين· ويشكل السقاف صورة درامية أكثر عمقا من الأوصاف وزخرفة البلاغة وحواشي الكلم· بل في بساطة ينثر تجربة الحزن والحزن رحلة لتربية الوجدان ورقرقة المشاعر وإيضاح دقة التعبير·
إن السقاف يحاول أن يلمس ما في داخلنا ليغيب في تلك المساحة المضيئة يغمرها بالورد والرياحين ويبحر الى ممالك مظلمة يحاول إضاءتها بشموس العشق والإلهام ونهار حياة جديدة تكشف عن قيم رائعة ومعاني نبيلة ومثل عليا رائعة·
إذن ألم يكن "أبو نواس" رائعا؟؟··
ألم يكن نهارا جديدا في ظلمات النفس الأسيرة لعصرها الماجن الغارق في اللذة الحسية وأوهامها· أنه "أبو نواس" فجر عصره وشمس الحقيقة الأخيرة ولذلك يأتي البحتري ليفخر بذاته ويقول في عفة وطهر:
صنت نفسي عما يدنس نفسي
وترفعت عن جدا كل جبس
وتماسكت حيث زعزعني الدهر
التماسا منه لتعسي ونكسي
وكأن الزمان أصبح محمولا
هواه مع الأخس الأخس
ويقف السقاف شامخا بأمجاد الشعر والذات التي تلفحها نيران العصر·· يقف مواجها صفعات الألم وطعنات العشق·· عشق الأرض والتاريخ، عشق الإنسان لذاته، وعشقه لصورة المرأة الرمز في حياته·
يغزو السقاف عصرنا الهش هذا العصر الذي تردى فيه الشعراء في هاوية السريالية والنماذج الفنية الغربية والنثرية التقريرية الفجة· وغابوا عن معارك المواجهة والنضال الحقيقي حتى قصائد العشق ابتذلوا فيها صورة المرأة وارتموا في عالم آخر غافلين عن جماهير الشعر·
وقد وفق السقاف من خلال هؤلاء الشعراء العشاق أن يعرض للنماذج الرائعة التي سكنت ضمير أمتها بشرف وجهد وكفاح وعاشت متألقة مضيئة·
ورغم أحزان بعض هؤلاء الشعراء فإنهم أثاروا تعاطفنا وحبنا وصدقنا أنهم كائنات تسعى نحو مجد جديد رغم الانطواء والعزلة والحياة الصاخبة·