رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 23-29 جمادي ا لاول 1421 هـ الموافق 23-29 اغسطس 2000
العدد 1441

في الإصلاح والتصالـح
الدور المصـري·· والمستقبل*

حازم الببـلاوي**

·         المقولة المطروحة هي أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الدور المصري هو ما يفرضه السلام وانتهاء مرحلة الصراع المسلح العربي – الإسرائيلي من تغيير في الواقع الإقليمي، وربما الأكثر دقة القول بأن التحدي يأتي من جهتين وليس من جهة واحدة، وهما احتمالات السلام في المنطقة ومظاهر "العولمة الجديدة"، أياً كان تعريف هذه "العولمة"

·         يصعب التعويل على دور إقليمي أو دولي لدولة صغيرة أو متوسطة من خلال بناء قوة عسكرية مؤثرة· وربما أقصى ما يمكن تحقيقه هو الدفاع عن حدود الوطن وضمان الاستقرار وعدم تهديده، وتظل الإمكانيات العسكرية وتطويرها محدودة بالقدرات الاقتصادية والتكنولوجية، ولذلك فإنه يصعب تصور دور مصري مستقل رائد عن طريق الإمكانيات العسكرية وحدها

 

 تعددت الكتابات حول الدور المصري لما بعد السلام والوصول إلى تسوية للنزاع العربي/ الإسرائيلي· فهناك من يعتقد أن هذا الدور- بحكم التاريخ والجغرافيا- هو "كالشمس التي لا تغيب"، في حين يرى البعض الآخر بأن "الشمس تشرق وتغرب"· والحقيقة أن الدور ليس معطى قدرياً، بل إنه يكتسب بالعمل والخيال، ويفتقد بزوالهما· والحديث عن الدور المصري هو حديث عن تأثيرها في العالم المحيط، وسواء أكان هذا المحيط عربياً أو إسلامياً أو حتى عالمياً، والسؤال المطروح، هو هل ينحسر هذا التأثير إلى حدودها الداخلية بعد السلام، فتفقد القدرة على المشاركة في التأثير في الأحداث عن طريق دورها الإقليمي والثقافي، أم أنها ستظل قادرة على القيام بدور مؤثر في المحيط الخارجي، وكيف؟

ويستند هذا التساؤل إلى افتراض يرى أن الحقبة الماضية، وقد استمرت لما يزيد على نصف قرن، كانت حقبة الصراع العربي/ الإسرائيلي، وما صاحبها من صحوة، ثم أقول أو تراجع للقومية العربية، وهي حقبة تولت فيها مصر دوراً قيادياً، وخاصة في عهد عبدالناصر· والآن وقد بات وشيكاً الوصول إلى تسوية سلمية لهذا الصراع، ومع تراجع دعوات الوحدة، وتعزيز النعرات القطرية، فإن عناصر الدور المصري قد تبدأ في التآكل، فهو دور قد نما في لحظات الحب أو الاستعداد للحرب، ولكنه لا يبدو مؤهلاً لقيادة مرحلة السلام!

هذا هو الافتراض، وهو افتراض لا يخلو من عناصر صحة، ولكنه أيضاً يغفل أموراً أخرى لا تقل أهمية، وهي أمور أعطت مصر- في الماضي- دوراً أكثر رحابة لما يزيد على قرنين من الزمان- قبل وبعد محمد علي- وهو تحديث الأمة العربية والإسلامية ومصالحتها مع العصر، وعلى العكس فإن هذا الدور قد انحسر خلال الحقبة الماضية، واختصر في إطار ضيق من الصراع مع إسرائيل حتى كادت المعركة الكبرى، وهي دخول العصر والمساهمة الجادة فيه تنزوي إلى ملحق جانبي لهذا الصراع·

ويبدو مما تقدم، أن المقولة المطروحة هي أن التحدي الرئيسي الذي يواجه الدور المصري هو ما يفرضه السلام وانتهاء مرحلة الصراع المسلح العربي/ الإسرائيلي من تغيير في الواقع الإقليمي، وربما الأكثر دقة القول بأن التحدي يأتي من جهتين وليس من جهة واحدة، وهما احتمالات السلام في المنطقة ومظاهر "العولمة"· بل إنه يمكن القول بأن احتمالات السلام ليست بعيدة عن اتجاهات "العولمة"· فاختفاء الاتحاد السوفييتي وزوال المواجهة الأيديولوجية بين رأسمالية وشيوعية، كان من عوامل زيادة الضغوط لوضع حد لهذا الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط، الذي انتقل بفعل المواجهة بين الكتلتين الغربية والشرقية إلى جزء من الصراع العالمي بين المعسكرين الغربي والشرقي· والآن وبعد انتهاء الحرب الباردة وبروز التفوق الأمريكي، فقد عاد الصراع إلى حجمه الطبيعي، باعتباره صراعاً إقليمياً يجد طرقه إلى الحل في ظل "العولمة الجديدة" ذات الهيمنة الأمريكية· وإذا كانت احتمالات السلام هي إحدى نتائج العولمة الجديدة، فإن هذه العولمة تجاوز ذلك بالقطع لتتسع إلى أمور جديدة في عالم الاقتصاد والمعلومات والقيم، والتي تفرض تحديدات جديدة، سواء وجد صراع اقليمي أصلاً أم لم يوجد· ولذلك فإن التساؤل عن الدور المصري ينبغي أن يطرح في إطار القدرة على التعامل الفعال لما بعد السلام في ظل العولمة الجديدة، وهل هناك من دور مصري في هذا الاطار الجديد يجاوز الحدود الوطنية؟ أم أن هذا الدور سيتآكل وتجد مصر نفسها منكفئة على حدودها بلا تأثير خارج حدودها؟ هذا هو التساؤل؟

ونبدأ بالقول بأن الصراع العربي/ الإسرائيلي، قد انعكس على طبيعة النظام المصري منذ منتصف القرن العشرين، ولم يلبث أن أدى الدور القيادي المصري إلى غلبة نمط جديد للسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية على معظم أجزاء الوطن العربي· وكانت معظم الدول العربية حتى الخمسينيات من القرن الماضي خاضعة للاستعمار الغربي مع درجات متفاوتة من الاستقلال المحدود لعدد قليل من الدول العربية في مصر وسوريا ولبنان والعراق، فضلاً عن السعودية واليمن اللتين لم تخضعا أصلاً للاستعمار المباشر· وجاء الصراع العربي/ الإسرائيلي وهزيمة 1948 وقيام إسرائيل على جزء من الأرض الفلسطينية، صدمة هائلة لنظم الحكم القائمة وللشعور الوطني، فبدأت الانقلابات العسكرية في سوريا، ولم تلبث أن قامت الثورة المصرية في 1952 عن طريق الجيش، وتمحورت السلطة في أيدي النخب العسكرية، وظهر نمط جديد يضع حرية الوطن قبل حرية المواطن، مع تغليب السياسة على الاقتصاد الذي لم يلبث بدوره أن أمم مختلف المصالح الاقتصادية ليصبح الاقتصاد جزءاً من جهاز الدولة، وتراجعت شعارات "الاستقلال والدستور" أمام شعارات "محاربة الاستعمار" و"القضاء على الإقطاع" و"إقامة الاشتراكية" و"محاربة العدو الإسرائيلي"· وساعد نجاح الثورة المصرية ثم أحداث حرب السويس وشخصية عبدالناصر، على انتشار نموذج جديد للحكم، يناول أمور السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، وهو نموذج يقوم على تركيز السلطة عادة حول "زعيم ملهم"، مع سيطرة الدولة على الاقتصاد- القطاع العام- وإعلان محاربة الاستعمار- العداء للغرب· ولم يلبث أن امتد هذا النموذج- مع غلبة أيديولوجية القومية والوحدة العربية- إلى معظم الدول العربية، وسواء كانت النخب الحاكمة فيها من أصول عسكرية أو حزبية أو ملكية، وذلك مع الاعتراف بوجود تنويعات على هذا النموذج من حيث حدة أو اعتدال التطبيقات هنا أو هناك·

ورغم هزيمة 1967، فإن معالم النظام المصري- ومن ورائه النظام العربي- لم تتغير كثيراً باستثناء ما طرأ من ضعف في الثقة بالنفس وتآكل في المصداقية لدى معظم النظم العربية· ومع حرب 1973 استردت الأمة بعض كرامتها وخففت النظم القائمة من قبضتها بإتاحة الفرصة للقطاع الخاص مع بعض مظاهر التخفيف من القيود السياسية، وجاءت حرب الخليج الثانية واحتلال الكويت 1990 معاصرة لسقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وبدأ الطريق للتسوية السلمية للصراع العربي/ الإسرائيلي· ويثور التساؤل الآن: هل يستمر الدور المصري بعد كل هذه التغيرات؟

نقطة البدء، هي ضرورة الاعتراف بأن الدور المصري- شأنه في ذلك شأن الدور الأمريكي أو الصيني أو الأوروبي- ليس أمراً مفروغاً منه، ولا هو حتمياً أو أبدياً، إنما هو رهن بوجود حاجات دولية أو إقليمية من ناحية، وقدرة الدولة على الوفاء بهذه الاحتياجات من ناحية أخرى· ولا شك في أن الاحتياجات الدولية والاقليمية في عالم ما بعد السلم وفي إطار العولمة، ليست بالضرورة هي نفس الاحتياجات في ظل أوضاع الصراع الإقليمي العربي/ الإسرائيلي، والانقسام المذهبي مع الحرب الباردة· كذلك فإن طبيعة الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة من العولمة، تتطلب مواصفات ومتطلبات تختلف في كثير أو قليل عما كان مطلوباً في الماضي· والسؤال المطروح حالياً: هل نحن مؤهلون في مصر لهذه المرحلة الجديدة للسلام والعولمة معاً، وما هي التغيرات المطلوبة لزيادة دورنا وفعاليتنا في هذا العالم الجديد؟

وربما يمكن القول بنوع من التبسيط، بأن دور الدولة يتأثر بإمكانياتها العسكرية وقدراتها الاقتصادية وتأثيرها المعنوي ثقافياً وروحياً وأيديولوجياً· وفي العصر الحديث وفي ظل احتكار امتلاك أسلحة الدمار الشامل، فإن توافر الإمكانيات العسكرية  المؤثر على المستوى الإقليمي- ومن باب أولى العالمي- رهن بتوافر موارد اقتصادية كبيرة ومستوى للتقدم الفني والتكنولوجي المتقدم والتوافق مع الاستراتيجيات العسكرية العالمية، وباستثناء عدد قليل من الدول الفقيرة أو متوسطة الدخل، والتي استطاعت أن تمتلك نوعاً ن أسلحة الدمار الشامل- مثل الهند والصين وإسرائيل وباكستان وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً- فإنه يصعب التعويل على دور إقليمي أو دولي لدولة صغيرة أو متوسطة من خلال بناء قوة عسكرية مؤثرة· وربما أقصى ما يمكن تحقيقه هو الدفاع عن حدود الوطن وضمان الاستقرار وعدم تهديده، وتظل الامكانيات العسكرية وتطويرها محدودة بالقدرات الاقتصادية والتكنولوجية، ولذلك فإنه يصعب تصور دور مصري مستقل رائد عن طريق الإمكانيات العسكرية وحدها·

وأما عن القدرات الاقتصادية، فإن هذا يمثل نقطة الضعف الأساسية في الدور المصري وفعالياته، وقد كان ضعف الاقتصاد المصري هو كعب أخيل طوال القرن العشرين· فقد عرفت مصر منذ بداية القرن التاسع عشر ثورتين متوازيتين، ثورة ديموجرافية وأخرى اقتصادية حافظتا على التوازن المجتمعي والاقتصادي لمصر، إلى أن اختل هذا التوازن منذ بداية القرن العشرين، حيث لم تواكب الثورة الاقتصادية التزايد السكاني·

يبلغ الناتج المحلي لمصر حالياً حوالي 90 بليون دولار، ومتوسط الدخل الفردي حوالي 1300 دولار في السنة، وتمثل سوق الواردات حوالي 17-15 بليون دولار مع طاقة تصديرية بالغة المحدودية لا تجاوز 7 بلايين دولار، وذلك في الوقت الذي بلغ الناتج المحلي لإسرائيلي حوالي 100 بليون دولار لعدد سكان يتراوح بين 6-5 ملايين نسمة وبمعدل دخل فردي حوالي 16 ألف دولار· وهكذا فإن الوزن الاقتصادي لمصر مازال محدوداً، وسوقها المحلية صغيرة وصناعاتها ضعيفة· وفي مثل هذه الظروف، فإن القدرات الاقتصادية لمصر يصعب أن تكون أساساً لدور إقليمي أو دولي مؤثر إذا لم تبدأ في تحقيق طفرات ملموسة في هذا الجانب حقاً لقد نجحت مصر خلال السنوات القليلة الماضية في ضبط اقتصادها وإعادة التوازن إلى الكثير من المؤشرات الاقتصادية الكلية والبدء في تحقيق معدلات نمو معقولة، ولكن هذا التحسن شيء، والحديث عن قوة اقتصادية إقليمية مؤثرة شيء آخر·

ونأتي الآن إلى العنصر الثالث وهو التأثير المعنوي من حيث الدور الثقافي والروحي والسياسي، وهنا تكمن قوة مصر الأساسية، ولكنها قوة تحتاج إلى مؤازرة مستمرة ويمكن أن تتآكل، مما يكملها ويدعمها اقتصاد قادر وفعال ومواقف سياسية عقلانية· تقع مصر في بؤرة العالم العربي والعالم الإسلامي، وقد كان تأثير مصر المعنوي كبيراً على العالمين العربي والإسلامي في العصر الحديث، وخاصة منذ بداية القرن التاسع عشر· فقد عرفت مصر قبل غيرها صدمة الاتصال مع الغرب مع حملة نابليون، وجاء محمد علي حاملاً دعوة التحديث، فأقام أول صناعة حديثة في المنطقة، فضلاً عن آلة حربية كبيرة مكنته من فتوحات واسعة في الشام والحجاز والسودان، قبل أن تنقلب عليه القوى الأوروبية· وكانت بعثاته التعليمية بداية لنهضة فكرية استمر عطاؤها حتى اليوم· وأنشأ الكثير من المدارس المعاصرة، مدرسة الطب ومدرسة الألسن ومدرسة المهند سخانة، وظهرت أسماء مثل رفاعة الطهطاوي ثم علي مبارك، وأقيمت المطبعة العربية في بولاق، وظهرت أول صحيفة بالعربية "الوقائع المصرية"، وبدأت حركة التنوير الحديثة احتلت فيها مصر مركزاً مرموقاً·

عندما يفتش العربي أو المسلم فيما حوله من أوضاع اقتصادية، فإنه لا يكاد يعثر على دولة عربية أو إسلامية متقدمة اقتصادياً· حقاً لقد قامت الثورة الصناعية منذ منتصف القرن الثامن عشر في الغرب في الجزر البريطانية ومنها انتقلت إلى أوروبا والولايات المتحدة، وكاد يستقر في النفوس أن الثورة الصناعية هي ثورة "الرجل الأوروبي الأبيض" في أوروبا وأمريكا، إلى أن جاءت اليابان وقد تأخرت قرناً عن الثورة الصناعية البريطانية، حيث بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر تسرع الخطى في التصنيع، حتى أصبحت منافساً صناعياً يعتد به قبل الحرب العالمية الثانية، ثم عاودت مسيرتها من جديد بعد تحطيمها في الحرب وإلقاء القنابل الذرية عليها، لتحتل مكانها من جديد على الساحة، وإذ بها تذهل العالمين عندما قفزت منذ سبعينيات القرن العشرين إلى المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية· ولا ترجع معجزة اليابان فقط إلى سرعة تقدمها واحتلالها مكانة متقدمة رغم تأخرها النسبي في دخول حلبة المنافسة الاقتصادية، بل في إنجاز ذلك التفوق رغم أنها تكاد تكون عارية تماماً من الموارد الطبيعية·

وإذا انتقلنا إلى الأوضاع السياسية، فإن الأمور ليست بأي شكل بأفضل حال، فتكاد لا توجد دولة واحدة عربية أو إسلامية يمكن أن تفاخر بسجلها الديمقراطي ومشاركة المواطنين في الحكم وتداول السلطة أو في احترام حقوق الإنسان· يغلب على نظم الحكم لدينا وخاصة في الوطن العربي، أشكال من الحكم الفردي- سواء أكان الحاكم ملكاً أو رئيساً أو جنرالاً- وهو غالباً الزعيم والقائد، وهو المعلم والملهم، تتصدر صوره وأخباره صفحات الجرائد ونشرات الأخبار الإذاعية والتليفزيونية، وهو غالباً متشبث بمقاليد السلطة، إلى أن يتوفاه الله أو يزيحه انقلاب أو ثورة، وسياساته سلسلة من "الإنجازات" و"الانتصارات"، ولا تظهر أخطاؤه إلا بعد زوال السلطة، مما يتطلب "حركة للتصحيح" و"تعديل المسار"· وتبدأ من جديد سلسلة من "الإنجازات والانتصارات" حتى إشعار آخر· وكثيراً ما تصاحب هذه "الإنجازات" أحكام عرفية وقوانين طوارئ ومحاكم استثنائية، يستمر بعضها لأكثر من عشرين أو ثلاثين عاماً· ورغم أن المشاهدات العابرة تفيد عزوف الناس عن المشاركة السياسية، فإن البلاغات الرسمية تؤكد أن المشاركة في الانتخابات تجاوز %80 ونجاح الرئاسة يتحقق بأكثر من %90 من الأصوات· وفي بعض الأحيان تمنع الأحزاب أصلاً، وفي البعض الآخر تباح ولكن بقيود شديدة، بل وقد تتعدد أيضاً لكن دون فاعلية، ولا بأس من كثرة الصحف والمجلات، ولكن ذلك كله لا يؤثر في استمرار النخب الحاكمة في أماكنها، وفي كثير من الأحيان لا تكون الانتخابات والاستفتاءات وسيلة لإبراز رأي المواطنين، بقدر ما هي وسيلة لتأكيد سلطة الحاكم· ولعل أخطر ما ترتب على هذه الأوضاع هو ظهور ما أطلق عليه اسم "الحركات الأصولية"، وهي عبارة عن جماعات غير قادرة على التصالح مع نفسها ومع مجتمعها ومع زمانها، وهي نفسها ضحية بقدر ما هي مسؤولة، فهي ضحية للمجتمع الذي لم يوفر لها فرص العيش الكريم، ولم يوفر لها المناخ الفكري والسياسي المناسب للحوار والنقاش، ولم يوفر لها أدوات المعرفة السليمة، فهي جماعات حرمت من الأمل ولم تتوافر لها أدوات معايشة العصر والتعامل معه والسيطرة عليه، فانقلبت عليه تحارب الجميع في معركة قوامها اليأس، اليأس من النفس واليأس من الغير· وقد تفاقمت مشكلة هذه الجماعات في عدد من البلدان الإسلامية والعربية·

هب علينا في الأيام الأخيرة للقرن العشرين اصطلاح جديد هو "العولمة"، فنحن الآن نعيش عصر العولمة، الذي وفد علينا فجأة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات· وأصبح العالم مطالباً بتحديد موقفه من هذه "العولمة"، هل هو معها أم ضدها؟ والحق أن هذا القرن الذي نعيش فيه قرن غريب وطريف في نفس الوقت، فهو قرن لا يخلو من ادعاء، فكل شيء فيه عالمي من ناحية، كما أنه من ناحية أخرى شمولي النزعة، فكل مذهب أو رأي يدعي أنه الحق المطلق وغيره باطل لا ريب فيه·

ويبدو أن الحقيقة أكثر بساطة وأكثر تعقيداً في نفس الوقت، أكثر بساطة لأنه لا شيء جديداً أو مفاجئاً قد هب على العالم، وإنما هو تطور بدأ بطيئاً وأصبح سريعاً في مجالات كثيرة في التكنولوجيا وخاصة في المعلومات والاتصالات، وفي الاقتصاد وخاصة في أسواق المال، وفي النظام المؤسسي لعلاقات الدول، وفي الوعي العام فالأمر ليس بوافد جديد هب على العالم في الربع الأخير من القرن العشرين، بل هو تطور مستمر منذ الثورة الصناعية، بل وقبلها مع الرأسمالية التجارية، وربما قبل ذلك أيضاً، والجديد هو في سرعة التطور ومداه· ومن هنا نرى أن العولمة أكثر بساطة مما نتصور، فإننا نستيقظ فجأة كأهل الكهف لنكتشف أموراً لم تكن تخطر لنا على بال، بل إن الحقيقة أن المقدمات قائمة وموجودة أمامنا منذ وقت ليس بالقريب، ولكن هذه البساطة (Simplicity)، لا تعني التبسيط (Simplism)، ولا تنفي بالتالي التعقيد والتركيب في الظاهرة· فالعولمة ليست مجرد سيطرة الشركات متعدية الجنسيات ولا هي أسواق المال أو حتى الرأسمالية· فالعولمة ليست وافداً جديداً بقدر ما هي تفاعل بين عناصر قديمة لها جذور راسخة من ناحية، وبين عناصر جديدة تبحث لها عن أرضية مناسبة من ناحية أخرى، وهو تفاعل مستمر وذو أبعاد متعددة، وهكذا فإن ما يطلق عليه اسم العولمة هو ظاهرة مركبة وملتبسة يختلط فيها الجديد مع القديم وتتفاعل هذه العناصر في تطور بطيء أو سريع وتتضمن عناصر متجانسة، كما تحمل بين طياتها عناصر أخرى متناقضة· فالعولمة ليست نموذجاً نظرياً منطقياً من اختراع مفكر أو مؤلف، بقدر ما هي وصف للحظة من لحظات التطور الاجتماعي والتاريخي·

وكثيراً ما يقال إن "العولمة" هي توسيع للأسواق وازالة للحواجز بين الدول حتى نصبح أمام سوق عالمية· فالعولمة هي قضاء على الاقتصادات الوطنية في سبيل إقامة السوق العالمية، ليس هذا فقط، بل إن فكرة "العولمة" تعني أيضاً تغليب فكرة السوق على ما عداها من المؤسسات الاجتماعية، فكل شيء أصبح مع العولمة خاضعاً لمنطق "السوق" وأحكامها، ولا يتعلق الأمر فقط بتجارة السلع، بل يتسع أيضاً ليشمل مجالات أخرى مثل الفن والحب والعواطف، فهل هذا صحيح؟ وهل هو جديد؟ وأين الصحيح وأين الجديد؟

يمكن القول بأن فهم الاقتصاد المعاصر يتحقق بشكل أوضح إذا نظرنا إلى التاريخ الاقتصادي العام باعتباره تاريخاً للمبادلة وقيام الأسواق وتوسيعها، وتغليب منطق السوق وفرضه على مختلف أجزاء الاقتصاد الأخرى واستيعابه لها وإدماجه تدريجياً لها· فالتاريخ الاقتصادي من هذه الزاوية هو تاريخ توسع ظاهرة المبادلة وفكرة السوق وتحولها من ظاهرة عرضية على هامش الاقتصاد التقليدي والبدائي، إلى ظاهرة عامة شاملة تتسع باطراد لتستوعب بقية أجزاء الاقتصاد بل والمجتمع، ولم يقتصر الأمر على التوسع في ظاهرة اقتصاد السوق، بل إن هذه الظاهرة قد أدت بدورها إلى تطورات مقابلة في شكل الوحدة السياسية التي تجمع أفراد الجماعة· وفي مثل هذا التطور تعتبر العالمية أو "العولمة" المرحلة الأخيرة في توسيع الأسواق، فاقتصاد السوق لم يعد يقتصر فقط على التبادل والنشاط الاقتصادي ضمن حدود الدولة السياسية، بل جاوز ذلك ليشمل مختلف أجزاء العالم، وبحيث يعتبر التبادل أو السوق شاملاً لأكبر قدر من المعمورة دون أن تقف الحواجز السياسية أو السيادات الوطنية عقبة أمام توسع فكرة السوق واقتصاد التبادل·

وتتميز العولمة كمرحلة من مراحل التطور، بخصائص عدة أو مؤشرات جديدة تتمثل في ظهور أسواق جديدة، مثل أسواق العملات والتي تعمل على مدار الساعة على مستوى العالم، وظهور أدوات جديدة للتعامل والاتصال، مثل الانترنت والتليفون المحمول وشبكات الإعلام، وظهور لاعبين جدد على الساحة مثل المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني· وأخيراً ظهور قواعد خدمة للتعامل مثل الاتفاقات الدولية لتنظيم مختلف الأنشطة·

ومع ذلك فإن توسيع الأسواق وإزالة أو إلغاء الحدود والحواجز الجغرافية والسياسية لم يتحقق دائماً بنفس الدرجة· فعلى حين أن انتقال المعلومات لا يكاد يواجه أية عقبات، فإن حركات الأموال بين مختلف الدول بدأت تتم في سهولة ويسر، وبالمثل فإن الحواجز أمام انتقال السلع بدأت تتلاشى وتتراجع مع إنشاء منظمة التجارة العالمية، وعلى العكس من ذلك تماماً أوضاع انتقالات البشر، التي بدأت تعرف مزيداً من القيود والصعوبات·

وقد ارتبط ظهور الاقتصاد العالمي بتطورات مقابلة في الصناعة وفي التكنولوجيا المتاحة، فضلاً عن تطور المؤسسات والمنظمات المؤثرة في العلاقات الاقتصادية والدولية·

فالصناعة الحديثة لا تتميز فقط بإمكانياتها التكنولوجية والتسويقية العالمية، وإنما أيضاً باتجاهها العالمي في جميع مراحلها، فالصناعة الحديثة عالمية بطبيعتها، سواء في توجهها نحو السوق العالمية أو في نشاطها الإنتاجي واعتمادها المتزايد على مستلزمات الإنتاج من مختلف أجزاء العالم، وأصبحت العلاقات الدولية تتدخل في تبادل السلع في مختلف مراحل الإنتاج، وأصبحت التجارة في السلع نصف المصنعة والوسيطة ومكونات الانتاج تتجاوز تجارة السلع النهائية· الآن نجد أن الجزء الأكبر من التجارة الخارجية يتناول منتجات صناعية بين الدول الصناعية فيما بينها، وتحتل تجارة مكونات الإنتاج والسلع الوسيطة الجزء الأكبر من هذه التجارة· ويعكس هذا التطور انتقال مفهوم الإنتاج بشكل متزايد إلى مفهوم عالمي يجاوز فكرة الحدود السياسية ليتعامل مباشرة مع مختلف الأسواق ومراكز الإنتاج·

كذلك فقد أدت الثورة التكنولوجية الحديثة إلى تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية، سواء بظهور الكثير من الموارد المخلقة (Man- made)، المستخلصة من عناصر رخيصة ومتوافرة مثل السيليكون، أو نتيجة لزيادة القيمة المضافة المرتبطة بالعمل، وخاصة العمل التقني والبحث والتصميم، فالصناعة الحديثة كثيفة المعرفة Science- intensive، في حين كانت الصناعة التقليدية كثيفة رأس المال Capital intensive، والزراعة كثيفة الطبيعة Nature- intensive·

وينبغي أن يفهم المقصود بتضاؤل الأهمية النسبية للموارد الطبيعية في معناه الحقيقي· فليس المقصود بذلك أن الإنسانية سوف تتجاوز حاجتها إلى الأرض الزراعية الصالحة أو الموارد المائية أو مناجم المواد الأولية أو مصادر الطاقة· فهذه كلها ستظل مهمة وضرورية لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن المقصود هو أن القيمة النسبية لإسهامات هذه الموارد ستتضاءل في تحديد قيمة الإنتاج بالمقارنة بالجهود الإنسانية، وخاصة في ميادين البحث والابتكار والتسويق والخدمات المختلفة· وقد جاءت الترتيبات الجديدة لنظام التجارة العالمي مؤكدة لهذا التطور· فالمنظمة العالمية للتجارة والجولة الأخيرة للجات في أوروجواي خصصت حماية كبيرة لحقوق الملكية الفكرية، التي تمثل الصورة الحديثة للثروة الاقتصادية في العالم المعاصر، ومع الاعتراف بهذا الاتجاه العام، فليس هناك ما يمنع من أن تستمر بعض الموارد الطبيعية في احتلال أهمية خاصة أو حتى متزايدة بشكل استثنائي لفترة من الزمن قد تطول أو تقصر·

وإذا كانت الثورة التكنولوجية الجديدة قد ساعدت على تراجع أهمية الموارد الطبيعية كمصدر للثورة الاقتصادية، وبالتالي خففت من حدة أهمية الجغرافيا، فإن التأثير الأكبر لتلك الثورة كان في اختصار المساحات والقفز على الحدود·

إن العولمة ليست وصفة بقدر ما هي لحظة من لحظات التطور ارتفع فيها معدل توسيع الأسواق والترابط في الاقتصادات على مستوى رقعة متزايدة من العالم، وخاصة فيما يتعلق بتداول المعلومات والأموال وتجارة السلع والخدمات· وليس معنى ذلك أن العالم قد أصبح فعلاً "قرية كونية" أو أن الحدود السياسية قد اختفت وأن الدولة قد تلاشت· كذلك ليس معناه أن هذا التطور يصيب مختلف أجزاء المعمورة بنفس الدرجة، فهناك قطاعات كبيرة تعيش العولمة وقطاعات أخرى لا تكاد تعرف عنها شيئاً، فالعولمة وهي تؤدي إلى مزيد من الاندماج بين أجزاء من العالم، فإنها تؤدي في نفس الوقت إلى مزيد من التهميش لأجزاء أخرى منه· فالعولمة ليست فقط ضماً واستيعاباً، بل هي أيضاً عزل واستبعاد·

ترتب على هذا التطور، شأنه شأن كل تطور، ظهور فائزين وخاسرين، غالبين ومغلوبين، وفي الوقت نفسه، فإن هذا التطور يخلق أسباب مقاومته والقوى المناهضة له· وكما أن لكل عصر أبطاله، فللعولمة أيضاً نجومها، وهي الشركات الصناعية الكبرى (متعدية الجنسيات)، ورجال الإعلام (شبكات التلفزيون والصحافة العالمية)، ومراكز المال، ومراكز البحوث، وشركات التسويق والإعلان، بل والمخابرات وربما المافيا، ولا ننسى تزايد أهمية منظمات المجتمع المدني أيضاً، فكما كانت لرجال الدين والكهنة دولتهم في جميع المجتمعات البدائية، وكما كانت لرجال الحروب والفروسية دولتهم في العصور الوسطى، فإن للعالم الجديد رجاله ورواده، وهؤلاء هم الذين يتعاملون ويسيطرون على مراكز القوة الجديدة؛ البحث العلمي والتكنولوجي، وخاصة في الشركات متعدية الجنسيات، والمال، والإعلام، وبعض المنظمات الدولية مثل صندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، وربما أيضاً المخابرات وغيرها من الأجهزة غير المرئية·

وإذا كان هؤلاء هم نجوم العولمة وأبطالها، فإن الهدف النهائي والجائزة التي يسعون إليها هي المواطن العادي، سواء كمستهلك أو كناخب· ففي هذا العالم الجديد أصبح هذا الفرد العادي هو الحكم والفيصل، الجميع يسعى إليه بالإقناع حيناً، وبالخداع أحياناً· وبطبيعة الأحوال فإن المعضلة الرئيسية تكمن في أن هذا الفرد العادي، والذي يمثل الحكم والفيصل، يواجه هذه القوى من صناعة ومال وإعلام ومخابرات، يواجهها منعزلاً وحيداً، ومن ثم فإنها تستطيع أن تخضعه لمختلف مظاهر التأثير، بحيث يبدو لعبة في أيدي هذه القوى بدلاً من أن يصبح سيداً لا خادماً لها، فهو بذلك ليس سيد الموقف والحكم النهائي، بقدر ما هو لعبة تسخرها هذه القوى لأهدافها· وإذا كان هذا هو وضع الفرد في الدول المتقدمة، فإن وضعه في الدول المتخلفة أشد بؤساً· فهو ليس فقط سيداً مخدوعاً، بل إنه ضحية لنظم حكم مستبدة، تستخدم وسائل التكنولوجيا الحديثة لقهره واستعباده· فمظاهر العولمة، خاصة فيما يتعلق بإمكانياتها التكنولوجية، ساعدت الكثير من نظم الحكم في بعض الدول النامية، على إضعاف الفرد واستعباده· وهنا لا يصبح الفرد سيداً مخدوعاً فحسب، بل إنه يفقد حتى وهم هذه السيادة ليصبح عبداً استبدت به قوى تكنولوجية واقتصادية، وأحياناً مذهبية، لا طاقة له بها·

ولا تقتصر تناقضات العصر على ما تقدم، بل إننا نلحظ تناقضاً أساسياً بين تطور الاقتصاد وتطور السياسة· فعلى حين تتجه قوى الاقتصاد لتصبح عالمية، لا تأبه بحدود سياسية أو جغرافية، سعياً وراء الربح والثروة، فمازال التنظيم السياسي وطنياً وقومياً· وتكمن المشكلة الأساسية في تلاقي عالمية الاقتصاد من ناحية، وقومية السياسة من ناحية أخرى، على مستوى القمة· فمراكز الاقتصاد تتركز في الدول الصناعية الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية· وهي تسعى إلى أهدافها الاقتصادية على مستوى العالم، لا تقتصر على حدودها القومية أو السياسية، فهي ذات نزعة عالمية، ومع ذلك فإن السلطة السياسية في هذه الدول، وأيضاً بوجه خاص الولايات المتحدة الأمريكية، لا تراعي سوى اعتبارات المواطن الأمريكي·

بعد هذا الاستعراض لأوضاع مصر وقدراتها العسكرية والاقتصادية والمعنوية· وظروف وأوضاع العالم العربي والإسلامي من ناحية ومظاهر العولمة من ناحية أخرى، يثور التساؤل عن الدور المصري في هذا الإطار الأوسع· ولعل الدور المصري المطلوب هو تقديم "النموذج" لكل من العالمين العربي والإسلامي من ناحية وللعالم الخارجي من ناحية أخرى، قادر على إشباع الاحتياجات الأساسية للتنمية الاقتصادية والمشاركة السياسية والقدرة الإبداعية على نحو يتجاوب مع احتياجات المواطنين في العيش الكريم والانتماء والأصالة والعطاء· وبما يؤكد لشعوبنا بأن قدرها ليس بالضرورة العيش في الفقر والحاجة في إطار من الظلم والخوف والاستبداد، وأن قيمنا وثقافتنا ليست عدائية، كما انها ليست تابعة، وأن التمايز بين الثقافات مصدر للثراء والعطاء، وليس سبباً للقطيعة والنفور· نريد "نموذجاً" نقدمه لدول العالمين العربي والإسلامي، بأننا قادرون- كما سبق في الزمن الماضي- على النجاح والازدهار· نريد نموذجاً نقدمه للعالم الخارجي بأن العالمين العربي والإسلامي ليسا بالضرورة مستنقعاً للخمول والاستبداد أو مصدراً للريبة والعداوة· وأن العالمين العربي والإسلامي ليسا فقط قادرين على النجاح والتقدم· بل أنهما شريكان في الإنسانية يساهمان في التقدم الإنساني العام·

وعندما نتحدث عن الدور/ النموذج، فإننا نعترف بأن دوراً مصرياً قائماً على الهيمنة الاقتصادية أو التفوق العسكري أمر غير متاح فضلاً عن أنه غير مفيد· وأن ما تستطيع أن تقدمه مصر هو تأثيرها المعنوي بما لها من مركز متميز خلال قرنين من الزمان لعبت فيهما دوراً رائداً في محاولات للتحرير والتنوير، وإذا كانت تجارب الماضي قد أجهضت لأسباب داخلية أو خارجية، فليست هناك حتمية في ألا تنجح تجربة جديدة، وهي تجربة سوف تفيد مصر ذاتها بقدر ما تقدمه لمحيطها العربي والإسلامي من نموذج يمتد أثره بسرعة إلى محيطها بالنظر إلى مركزها المتميز في هذا الصدد· والحديث عن الدور/ النموذج هو نوع من الحديث عن "اليوتوبيا الواقعية"، فهو حديث عن نظام مثالي، ولكنها مثالية غير خيالية، بل يمكن- متى سلمت النوايا واستقر العزم- أن تتحقق في أرض الواقع، أو في الأقل، يمكن أن تتحقق بدايات لها·

وقد كان النموذج المصري دائماً مؤثراً في محيطه، وإن لم يكن بالضرورة "النموذج" الأفضل، فنظم الحكم العربية بعد الثورة المصرية في 1952 هي بشكل عام تنوعات على النموذج المصري· ونظم التعليم في معظم الدول العربية اجتهادات على النظام المصري فضلاً عن تأثيرات البيروقراطية المصرية على أساليب الإدارة في عدد غير قليل من البلاد العربية، والسلام المصري/ الإسرائيلي هو نموذج- رغم الاستنكار والتنديد- لأشكال السلام بين بقية الدول العربية وإسرائيل· وبداية الإصلاح الاقتصادي في مصر كان فاتحة ونموذجاً للكثير من الإصلاحات الاقتصادية في كثير من الدول العربية·

ولعله من المفيد هنا التذكير بأن نقطة البدء في قيام مصر بدورها/ النموذج، هو ضرورة الأخذ بموقف نقدي وتحليلي، لا يقتصر على ترديد مزايا ومقومات الدور المصري، بل البحث جدياً في مواطن الضعف لاستكمالها وتجاوزها، فبدون نظرة نقدية لواقعنا، وتحديد لمواطن النقص والقصور فيه، لا مجال للتقدم والتحسين· أما حديث النرجسية واجترار المحاسن والانتصارات فليس له من نتيجة سوى استمرار الواقع وتأييده، والاعتراف بالنقص والقصور هو الخطوة الأولى على سبيل التقدم والارتقاء· وليس النقد إنكاراً للإصلاحات والإنجازات، وإنما هو مجاوزة للعيوب والنقائص والإعجاب بالذات· وعدم القدرة على إدراك النقائص وصفة إلى الخمول والتردي·

وفكرة الدور/ النموذج تستند إلى افتراض يرى أن نجاح الدور المصري رهن بنجاح التجربة المصرية في الداخل، نجاحها السياسي والاقتصادي والثقافي، وإن هذا النجاح يمكن أن يمثل نموذجاً للمحيطين العربي والإسلامي ويؤثر فيهما· فتأثيرنا الخارجي مشتق من نجاحنا الداخلي، فليست السياسة الخارجية الديناميكية، وليست المواقف السياسية وحدها بقادرة على إعطاء مصر دوراً إقليمياً، وإنما الدور سيتحقق تلقائياً متى نجحت مصر في تقديم نموذج داخلي ناجح في السياسة والاقتصاد·

ولعلي أكتفي هنا بثلاثة أمثلة يمكن للدور المصري أن يقوم فيها بدور فعال، وهو دور مؤثر في المحيطين العربي والإسلامي، وهي أمثلة تمثل قضايا هامة تشغل الرأي العام· القضية الأولى متعلقة بالديمقراطية والإصلاح السياسي، والثانية بالتعاون الاقتصادي العربي، والثالثة بالتصالح الديني·

أما فيما يتعلق بالإصلاح السياسي وتوفير مزيد من الديمقراطية فأمرها لا يحتاج إلى مزيد، فرغم ما تحقق من انفراج في بعض الأحوال وما أتيح من هامش أوسع للحوار والمناقشة، فلايزال الكثير مطلوباً، لم يعد مقبولاً القول بأن الديمقراطية في شكلها الغربي لا تتفق مع تراثنا وتقاليدنا، لم يعد مقبولاً أن تظل قضية نزاهة الانتخابات محل جدل، هناك الكثير من القوانين الاستثنائية التي لا تتفق مع منطق العصر أو الانفتاح على العالم، لم يعد كافياً أن نتشدق بعدد الأحزاب السياسية، إذا كانت كلها غير فعالة وغير قادرة على الوصول إلى الجماهير هناك حاجة إلى مزيد من الشفافية وحكم القانون·

إن مصر وقد باشرت مظاهر الديمقراطية منذ منتصف القرن التاسع عشر، والتي قامت بثورة 1919، وأقامت حكومة دستورية في البلاد منذ 1923، والتي عرفت تعدداً في الأحزاب وقفت أمام الملك وأمام الإنجليز، مصر هذه تريد المزيد وتستحق المزيد من الديمقراطية·

وليس هنا مجال الإطناب عن جوانب الإصلاح السياسي المطلوبة، فهو حديث معروف ومعاد، ولكن الغرض من طرح هذه القضية هنا هو التأكيد بأن دور مصر كرائدة للديمقراطية وحقوق الإنسان سوف يؤكد دورها وزعامتها في المنطقة، وكما كان النموذج المصري للحكم خلال الخمسين عاماً الماضية نمطاً للحكم في المنطقة العربية، فإن الديمقراطية في المنطقة، وهو أمر لابد أن ينعكس إيجابياً على مستقبل المنطقة اقتصادياً أيضاً، فلا يخفى أن الكثير من أسباب تأخر المنطقة اقتصادياً إنما يرجع إلى ما صاحب نظم الحكم غير الديمقراطي من ممارسات ساعدت على نفور رأس المال، وهروب الكثير من العقول، فضلاً عن استفحال الفساد، كما أن هذه النظم- بشكل ما- ساعدت على تفجر النزعات "الأصولية" عندما انعدم منطق الحوار السياسي ولم يعد متاحاً سوى التنظيمات السرية والظلامية، إن لمصر دوراً في تدعيم الديمقراطية، وهو دور رائد لها، وهي مطالبة بأن تكون نموذجاً للديمقراطية في عالمنا العربي والإسلامي· وأما بالنسبة للتعاون الاقتصادي العربي، فقد أمضينا نصف القرن الماضي في حديث عن مزايا ومنافع التعاون الاقتصادي العربي· وفي خلال هذه الفترة لاتزال نسبة التجارة البينية بين الدول العربية تراوح بين %8-6 منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بحيث أصبحت المنطقة العربية من أقل مناطق العالم اندماجاً، ففي أوروبا تبلغ التجارة البينية بين دول الاتحاد الأوروبي حوالي %60 من حجم تجارتها، وفي آسيا تبلغ حوالي %40 وفي أمريكا اللاتينية حوالي %20، وليس هنا مجال البكاء على اللبن المسكوب، ولكن مصر تستطيع أن تدفع العمل الاقتصادي العربي بمبادرات مستقلة، إننا نعرف أن تراخي التعاون الاقتصادي العربي إنما يرجع إلى انعدام الإرادة السياسية لدى النظم القائمة- رغم كثرة التصريحات التي تتغنى بمزايا التعاون، وهنا ربما تستطيع مصر، واقتصادها يمثل ثاني أكبر اقتصاد عربي، وهو قطعاً أكثر الاقتصاديات العربية تنوعاً، وعدد سكانها يمثل حوالي ثلث الأمة العربية، وبالتالي فإن مصر تستطيع بخطوة رائدة أن تفتح أسواقها للمنتجات العربية بلا قيود ودون انتظار للمعاملة بالمثل، وذلك بدلاً من التشدد في وضع القوائم السلبية للسلع التي تستثنى من حرية التجارة فيما تعقده الدول العربية من اتفاقات للتعاون التجاري· مثل هذه الخطوة من مصر سوف تضع الدول العربية الأخرى أمام مسؤولياتها لفتح أسواقها للمنتجات المصرية، وسوف تمكن من خلق جماعات ضغط- من المصدرين في هذه الدول إلى مصر- لفتح أسواقها بالمقابل أمام المنتجات المصرية، حقاً سوف ينتج مثل هذا الإجراء نقصاً في رسوم الواردات، وقد يعطي المصدر العربي ميزة تنافسية مؤقتة على المنتج المصري، ولكن هذه الخسائر الطفيفة يمكن أن تخلق ضغطاً لفتح الأسواق الأخرى أسوة بالنموذج المصري، وعندها سيجد المنتج المصري والعربي نفسه أمام سوق واسعة فضلاً عما يمكن أن تجتذبه من رؤوس أموال خارجية للإفادة من هذه السوق الكبيرة· ونأتي أخيراً إلى القضية الثالثة وهي المتعلقة بالتصالح الديني، للدين شأن كبير وخطير في المجتمعات العربية والإسلامية، ولا يمكن التعامل معه بخفة، ولكننا نعتقد أن مصر تملك رصيداً طيباً يمكنها من تقديم حلول بناءة لمعظم القضايا المطروحة في مجال التصالح الديني، وتزداد إمكانية مثل هذه القدرة إذا نجحت مصر في تحقيق تقدم على مسار الإصلاح السياسي وتحقيق مزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان· في مثل هذا الإطار وما عرف عن مصر من استقرار طويل وتقاليد وميول معتدلة، وبطبيعة الأحوال فإنه في إطار من الديمقراطية واحترام القانون· فإنه لا يجوز استبعاد رأي أو آراء مادامت لا تتعارض مع الحقوق الأساسية للآخرين أو تهدد وجود الديمقراطية ذاتها، والديمقراطية في جوهرها ليست فقط مجرد إجراءات لكي تعبر الأغلبية عن آرائها، بل إنها تنطوي في الأساس على الاعتراف بحقوق أساسية للفرد، لا يمكن التعرض بها أو الاعتداء عليها  وبصرف النظر عن وضع الأغلبية والأقلية، ولا شك أن مثل هذا النجاح سوف يمثل نموذجاً للتصالح الديني، يمكن أن تكون له أبعاد على الكثير من الدول التي تعاني من تشنجات وتوترات في هذا المجال· وإذا كانت مشكلة التصالح الديني في مصر تتعلق بعلاقة الدين بالسياسة من ناحية وتوفير المواطنة الكاملة وحماية غير المسلم من ناحية أخرى، فإن مصر لم تعرف مشاكل دينية أخرى طرحت في عدد من البلدان المجاورة، وهي علاقة السُنة والشيعة، وهنا نعتقد أن الدور المصري يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في هذا الوقت الذي بدأت فيه المصالحات الكبرى بين الأديان في العالم، فقد أصبح ضرورياً مد جسور الوئام من جديد بين فئتي الأمة الإسلامية، السُنة والشيعة، فالإسلام- شأنه شأن الأديان الأخرى- عرف تعدداً في الفرق والمذاهب، على أن أهم انقسام عرفه الإسلام كان بصدد الخلافة بين شيعة علي، رضي الله عنه، وبين أهل السُنة، وهو خلاف يرجع إلى أكثر من أربعة عشر قرناً، اتسع فيها الخلاف، وخاصة فيما بين العوام قليلي العلم، وها نحن نعاصر الآن اقتتالاً في أفغانستان بين شيعة وسنة، ومذابح أخرى في باكستان بين الفئتين، فضلاً عن غير قليل من الريبة والشك في الطائفتين في بلدان أخرى، وها هي الثورة الإسلامية في إيران- وقد أريد في وقت من الأوقات عزلها عن المجرى العام بمقولة أنها شيعية المذاهب- مما زاد من تطرفها، وها هي تظهر الآن من مظاهر النضج والاعتدال ما يتطلب دعمها في اعتدالها ونضجها، ولا نعتقد أن مثل هذه المصالحة الكبرى بين فئتي الإسلام: السنة والشيعة، يمكن أن يقوم بها غير الأزهر الشريف، هذه المؤسسة الإسلامية الكبرى، والتي ولدت في ظل المذهب الشيعي، لتصبح فيما بعد منارة التعليم السني، وهذه المحاولة للتقريب بين الفرق والمذاهب لها سوابق كثيرة قام بها الأزهر مع الشيخ المراغي والشيخ شلتوت· وكم أحرى بمصر، وهي بلد الأزهر، وهي الدولة السُنية ذات الميل لأهل البيت- كم أحرى بمصر أن تقوم بهذه المهمة، وهي مهمة كبرى تعطي لمصر وزنها الإقليمي الإسلامي، وربما لا يمكن أن يقوم بها غيرها·

الحديث عن الدور المصري في عالم الغد، هو حديث عن مسؤوليتها تجاه نفسها قبل أن يكون حديثاً عن مسؤوليتها تجاه الغير، مصر تستطيع أن تلعب دوراً بالقدر الذي تكون نموذجاً لعالمنا العربي والإسلامي، وهي تستطيع أن تكون كذلك إذا كانت أكثر ديمقراطية وحين تكون أكثر جرأة في الإقدام على التعاون الاقتصادي العربي، وهي أخيراً مؤهلة لكي تلعب دوراً في تحقيق التصالح الديني، بين الدين والسياسة، وبين الغالبية والأقلية وبين المذاهب الدينية، هناك الكثير مما يمكن تقديمه، والكثير منها نافع ومفيد، وأقل الأشياء فائدة هو التشدق بأن كل شيء على ما يرام، وأن دورنا منحة إلهية لا راد لها، فلا دور للكسالى، والدور ليس إرثاً نتمتع به، بقدر ما هو جهد ومجاهدة مع النفس· إن التغيير في الأوضاع الإقليمية والعالمية هو تحدي للدور العربي بقدر ما هو فرصة له· والله أعلم·"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكتاب وجهات نظر - العدد الثامن عشر - يوليو 2000·

** الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا·

طباعة