رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 23-29 جمادي ا لاول 1421 هـ الموافق 23-29 اغسطس 2000
العدد 1441

مقال

سياسات ثقافية *

د· إدوارد سعيد

عالم الإبداع الفني والأدبي مستقل بذاته وينبغي ألا يخلط مع، أو يختزل إلى السياسة أو الاقتصاد أو التاريخ، حتى وإن كان كل عمل فني مرتبطا بالضرورة بزمانه وموقعه الخاص في المجتمع· ويكمن جوهر النقد، بالطبع، في تحديد طبيعة هذا الارتباط الذي يختلف كلياً بالنسبة إلى كل عمل أخذاً في الاعتبار أن الأثر الفني الجمالي هو فردي تماماً وغير قابل للاختزال· كل هذا، في أي حال، أمر يستحق الدراسة في مكان آخر، فما أريد أن أناقشه هنا أقل تعقيداً بكثير، لكنه مع ذلك قضية مثيرة للاهتمام تتعلق بالعمل الجمالي في العالم المعاصر· أردت أن أعرض فحسب صورة تخطيطية إلى حد كبير لفلسفتي الجمالية في البداية كي أوضح، بمعنى ما، أن ما سأقوله أدناه لا يقصد منه ولا يمكن أن يكون نقاشاً موسعاً لعلم الجمال، بل للسياسة والثقافة·

سأبدأ ببضع ملاحظات على مدى نصف القرن الماضي أو حوالى ذلك شهد العالم العربي فورة فنية كبيرة· فلم يكن هناك روائي واحد لا يشك في عظمته (نجيب محفوظ) فحسب بل مجموعة كاملة من الأعمال الأدبية والمسرحية والرقص والسينما والنحت والرسم والموسيقى التي تدلل على إنتاج فني هائل، وشمل هذا أعمالاً كلاسيكية بالإضافة إلى الفن الشعبي· وإذا أوردنا عشوائياً أسماء مثل طه حسين وأم كلثوم وأدونيس ويوسف شاهين والطيب صالح ونزار قباني وعبدالرحمن منيف ومحمود درويش ومحمد عبدالوهاب وتحية كاريوكا وكاتب ياسين وتوفيق الحكيم وسعدي يوسف وإلياس خوري، فلن نكون قد خدشنا الأسطح، تشكيلة ضخمة كاملة شرّفت العالم العربي واجتذبت ملايين وملايين من المواطنين العاديين·

الملاحظة الثانية ليست أقل صوابا، حسب اعتقادي· وهي أن معظم العرب المتعلمين يشعرون مع ذلك بأنه بمقدار ما يتعلق بالأمر ببقية العالم بشكل عام، وبالعالمين الشمال أطلسي والأنجلو سكسوني عن نحو أكثر تحديداً، لا يوجد اعتراف كاف بهذه الحقيقة الثقافية الكبيرة·

وحتى بالنسبة إلى محفوظ فإنه، ما إن خمدت بعض الشيء فورة الحماسة الأولى التي أعقبت نيله جائزة نوبل للعام 1988، اعتبر دائماً حالة معزولة على رغم روعة أعماله· وأعني بذلك أن أعماله تقرأ ويكتب عنه بطريقة أكثر إهمالاً وأقل دراية وأقل انتباهاً مما هي الحال مثلاً بالنسبة إلى كتاب بارزين من معاصريه مثل غارسيا ماركيز أو نابوكوف أو تشينوا اشيبي· وأتذكر مقالة طويلة تعبر عن تقدير صادق نشرتها مجلة "نيويورك ريفيو اوف بوكس" في 22 (سبتمبر) 1994، للروائي الجنوب أفريقي الممتاز جاي· إم· كويتزي عن رواية محفوظ "الحرافيش" كانت المقالة، بالنسبة إلى كاتب ذي مواهب وثقافة رفيعة مثل كويتزي، تمتاز بفجاجة مدهشة، وصيغت بعموميات حول التخلف الإسلامي وشتى أنواع الأخطاء الأولية فعلاً حول الأسلوب، وحتى رواية محفوظ المثيرة للجدل "أولاد حارتنا"، بطريقة لا يمكن لأحد أن يجرؤ على الكتابة بها حول روايات باللغة الأسبانية أو الروسية أو حتى اليابانية، لم يكن كويتزي يستخدم، بالطبع، سوى الترجمات الإنجليزية، والكثير منها لكن ليس كلها رديء وواضح أنه لم يكن يملك اطلاعاً واسعاً على التقاليد والبيئة اللتين كان محفوظ يعمل فيهما· لكن القصد هو أنه كان بمقدوره أن يكتب من دون تلك المعرفة ويعتبر مع ذلك مرجعاً مقبولاً وحتى مؤهلاً لأن الثقافة العربية يفترض أن تكون على هذه الشاكلة وتستحق هذا النوع من الاهتمام المنقوص·

هناك أسباب كثيرة وراء ذلك بعضها يرجع إلى العداوة الثقافية والدينية القائمة بين الغرب والعرب، وتاريخ الاستشراق، ومشكلة إسرائيل، وغياب أي سياسة ثقافية جدية من جانب البلدان العربية، والوضع الكئيب للديمقراطية في العالم العربي، والجهل المتبادل المدهش بين الثقافات الذي يبدو أنه يعيش حياة مستقلة خاصة به· والنتائج المترتبة على ذلك بالنسبة إلى العرب هي أدب وثقافة لا يحظيان بفهم وتقدير، وهو أمر غير مقبول تماماً مع أخذنا في الاعتبار الأعمال المثيرة للاهتمام والمهمة فعلاً التي أنتجناها كأناس عصريين· وفي الوقت الذي توجد ترجمات ممتازة لدرويش وأدونيس باللغة الفرنسية، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الروايات متوافرة بهذه اللغة، فضلاً عن اللغتين الأسبانية والألمانية، لا توجد في الواقع ترجمة إنجليزية جيدة شاملة لأعمال أي من أدونيس أو درويش· أما بالنسبة إلى قباني، وآخرين بمثل منزلته، فإنه غير معروف تماماً، وفي الوقت نفسه من المستبعد أن تصدر في وقت قريب ترجمات على مستوى لائق، عن مترجمين جيدين ودور نشر راقية·

فما يتوافر متقطع ومتناثر ومتفاوت ويبدو أنه يستجيب، كما في حال محفوظ، لطلب وجيز جداً وإن يكن يتسم بالثبات والتقدير· وحصل يوسف شاهين، على سبيل المثال، على مكانة الأستاذ، لكن أفلامه لا تعرض في دور السينما في لندن أو نيويورك· ما نحتاج إليه هو ضخ جاهز فوراً لإنتاج ثقافي عربي معاصر في العالم الناطق باللغة الإنجليزية (الذي يوجد الآن في مركز الجدل الثقافي العالمي)، وهذا ببساطة غير موجود· وفكرة إنشاء مكتبة متكاملة باللغة الإنجليزية للأعمال العربية غير واردة في المناخ السياسي والثقافي الحالي، حيث ينظر إلى العرب كمشكلة أو كمرشحين محتملين لـ "عملية سلام" مشكوك في نتيجتها·

لا أريد أن أعالج بتفصيل مفرط هذه النقطة، التي تناولتها مراراً منذ وقت طويل· ما أريد أن أقوله فعلاً هنا هو شيء أكثر إيجابية بدرجة كبيرة فللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، والفضل في ذلك يعود إلى جيل جديد من الفنانين أعمارهم في الأربعين وموهوبين بشكل استثنائي وإن كان عددهم ضئيلاً هناك أسماء وإنجازات عربية على المسرح الدولي· بالنسبة إلى هؤلاء الأفراد يجب ألا تقدم أي أعذار أو تبريرات· فما يفعلونه يقومون به كفانين يكتبون ويرسمون ويصورون تماماً مثل نظرائهم في الغرب وأماكن أخرى في العالم (من ضمنها الهند وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا واليابان· وغيرها) بالثقة نفسها الواعية لذاتها والإحساس نفسه بالإنجاز، إذ ينظر إلى عملهم كعمل وليس كنتاج غرائبي لمجتمع شرقي ولا كشيء يعلل أو يعقلن لهذا الغرض· يعترف بشخصيات كهذه مثل زهاء حديد ومنى حاطوم وأهداف سويف ــــ وكلهن نساء ــــ كمعماريات وفنانات وكاتبات من دون أي تحفظ باستثناء كونهن جميعاً عربيات وهو ربما أقل أهمية من كون عملهن يحتل المرتبة الأولى وفق أي مقياس عالمي وبين الكتاب الذين ترجمت أعمالهم يمكن أن أقول إن الطيب صالح وإلياس خوري وغسان كنفاني وحنان الشيخ ونوال السعداوي يتمتعون، لأسباب مختلفة، بمكانة مشابهة ولكن تختلف قليلاً في الواقع كفنانين من العالم العربي وموجودين فيه ومن الصعب أن نحدد ما إذا كان هذا يرجع إلى أن الفنانات الثلاث اللواتي أشرت إليهن يعشن في الغرب ويستخدمن تعابيره الفنية ولغاته، أو لأنهن يتصفن فحسب بالبراعة على مستوى جديد· لكن الحقيقة هي أنهن عضوات بارزات في مجتمع فني وثقافي لم يخترقه من قبل الجيل السابق من العرب·

الملاحظات التي أقدمها هنا حفزها اسم جديد هو المخرج المصري يسري نصر الله، وهو ينتمي أيضاً إلى الجيل ذاته كالآخرين الذين أشرت إليهم سابقاً، لكنه يختلف عنهم في أن مقر إقامته الرئيسي لايزال في العالم العربي· ومع ذلك فإنه حصل أخيراً على مكانة مهمة كمخرج سينمائي في الغرب الأنجلو سكسوني بفيلمه الجديد "المدينة" الذي عرض أخيراً في متحف الفن الحديث في نيويورك ووافقت على توزيعه مجموعة "مرتشانت ايفوري"· مؤشرات النجاح هذه هي بالطبع أقل أهمية بكثير من الإنجاز الفعلي للفيلم الذي احتفى به على نحو لم يسبق له مثيل من جانب وسائل الإعلام في نيويورك المعروفة بتذمرها ففيلم "المدينة" لا يقدم أي تنازلات لما يمكن اعتباره غرائبياً· إنه ليس فيلما ينقل اللون المحلي، ولا يدور في الوقت نفسه عن محنة عربية/ مصرية، كما لا يمكن تفسيره بتعابير اجتماعية ــــ اقتصادية أو اثنوغرافية من النوع الذي يأخذ في الاعتبار أشياء مثل العولمة والعالم الثالث· فكل هذه العناصر موجودة، بالطبع ــــ إنه قصة شاب مصري من المراتب الدنيا للطبقة الوسطى يريد أن يصبح ممثلاً ــــ وواضح أن لغته وصوره وأسلوبه مصرية· ومع ذلك تفترض جاذبيته ومستوى وجوده الجمالي جمهوراً أكبر بكثير وأكثر شمولية، فضلاً عن طموح ومدى تأثير أكبر بكثير· الأهم من ذلك أن جاذبية الفيلم سينمائية، إذا جاز التعبير، ولا تعتمد على تفسيرات ثقافية ضرورية لفهمه أو بشكل ما تبريره وتوضيحه بواسطة شفرة خاصة من نوع ما·

دور بطل الفيلم، علي، يؤديه بشكل مثير للإعجاب الشاب اللافت للنظر (وهو بالغ الخشونة فعلاً ومصري سلوكاً وأسلوباً) باسم سمارة· الشاب علي يقيم في "روض الفرج" ويعمل في ملحمة تملكها عائلته فيما يطمح إلى مغادرة القاهرة والرحيل إلى باريس حيث يحلم بأن يصبح ممثلاً· الكثير من هذا الجانب في الفيلم مدين بشيء ما لمسلسل "الإسكندرية" الذي أخرجه شاهين، لكن قصة نصر الله مجردة بقسوة، وحتى بوحشية من العاطفة ولا تكتفي بتركيز الانتباه على قصيدة كفافي الرائعة حول عدم إمكان مغادرة المدينة (وأن يصطحبها المرء معه فعلاً أينما ذهب)، بل تركز أيضاً على العلاقات بين شبان يسجنون ويغتنون في الوقت ذاته· وفي جزء كامل وسط الفيلم يظهر علي في باريس لا كممثل بل كملاكم يخوض نزالات جرى التلاعب بنتائجها يتقاضى عنها مالاً يذهب في المقام الأول إلى مديره المحلي الجزائري المغربي· ويصبح جزءاً من حشد المهاجرين غير الشرعيين العرب (والفلسطينيين في الدرجة الأولى) في باريس، خاضعاً لظروف حياتهم القلقة ووجودهم المهدد إذ يفتشون عن عمل وأوراق إقامة شرعية وهي تجربة لم تعرض أبداً من قبل في فيلم بمثل هذا الاندفاع· في النهاية يصبح علي رجلاً مشرداً، وبسبب حادثة نعتقد أنه فقد فيها ذاكرته، على رغم أن الفيلم يتسم هنا بغموض رائع، يستحوذ مدير أعماله على جواز سفره ويسرق تذكرة سفره ليعود بها إلى مصر، بينما تنشأ علاقة بين علي وممرضة فرنسية عطوفة، تؤدي دورها بشكل رائع إينيس دو ميديروس، لكنها تنتهي بشكل مفاجئ·

يرجع جزء من قوة الفيلم إلى أن تأملاته بشأن الهوية ــــ التمثيل، الأصالة، الجندرية، الجنسانية ــــ معقدة ولكن من دون أن تكون مضللة أو خادعة إطلاقاً، ومن دون أن تكون متكلفة أو مراوغة إطلاقاً· إنه فيلم حول علاقات ذكورية، مثلية الجنس إلى حد ما، مع دمج هذا البعد بمهارة كبيرة في السؤال الأكبر الذي يدور حول الموقع الذي يمكن للمرء أن يكون فيه، في عالم معولم وملتبس، وكيف· التمثيل الرائع يحل هذا العبء كله لدرجة أن نصر الله يقدم في المشهد الأخير مشهداً في القاهرة، بعد أن يعود علي إليها، يهدد بكارثة، لكنه يتبدى في الواقع، مثل النهاية التي اختارها تروفو لفيلمه "ليلاً نهاراً"، مشهداً يتم تصويره في فيلم· هذا لا يعني أن فيلم "المدينة" يتفادى المسائل أو القضايا السياسية الصعبة والمعقدة: إنه على العكس تماماً، لا يفعل ذلك بل إنها بالأحرى مدمجة في الفيلم كجزء من بنيته الجمالية بدلاً من بنيته الفكرية و/ أو الاجتماعية ــــ الثقافية· وما وجدته مثيراً للإعجاب على نحو رائع هو العناية بجوانب ثانوية في قصة علي ــــ علاقته الغرامية المتقطعة مع ابنة الجيران، وعلاقاته التي لا تقل عمقاً مع شلته، وجملة التلميحات إلى جوانب من الحياة العربية المعاصرة من العمل في منطقة الخليج إلى تعاسة الحياة في ظل سلطة عرفات، والأسلوب السلس وغير المتكلف الذي تعامل به باريس والقاهرة بالتقدير والاهتمام اللذين تستحقانه كتحولات لاحقة لـ "الإسكندرية" كما قصيدة كافافي الشهيرة· وقبل كل شيء على رغم طول الفيلم، لا يحس المرء أبداً بأي شعور بالإطالة أو إهدار الوقت: إنه محكم وموجز، من دون إفراط في العاطفة وأضاعة وقت أو إقحام مشاهد محلية اللون بغية إرضاء المشاهدين·

في ختام عرض الفيلم في متحف الفن الحديث، أعلن نصر الله (لابد أن أقول إنه أثار إلى حد ما انزعاجاً واضحاً لدى جمهوره) أن الفيلم عرض فقط في مهرجان الإسكندرية للأفلام، وأنه لا توجد أي خطط لعروض تجارية في دور السينما المصرية· وهي حال مريعة، ناجمة تماماً عن الغياب الكلي لسياسة حكومية تحمي الأفلام المصرية من ضراوة الموزعين الأمريكيين وجشع أصحاب دور السينما في المدن الذين لا يريدون أن يعرضوا سوى الأفلام التجارية المستوردة يعيدنا هذا إلى المسألة برمتها المتعلقة بالثقافة كسياسة، وبتوزيع الثقافة ونشرها وتوكيدها كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية، وهو فن يتقنه خصومنا في الحركة الصهيونية والغرب على السواء· لم نفهم أبداً (أو إذا فهمنا فقد أهلمنا الدروس) قيمة ما نمثله كشعب وثقافة، ووضعنا ثقتنا بثبات (وهو إرث من الاستعمار) في السيد الأبيض أو في الوسطاء· وهو ما يفسر لماذا تجد أفلام مثل فيلم نصر الله جمهوراً من المشاهدين خارج العالم العربي وتنال شهرة هناك، بدلاً من تحقيق ذلك في بلدانها حيث لايزال الاستهتار الأخلاقي والتظاهر بالتفوق الأخلاقي هو السائد· ويمثل ما حققه هذا الفيلم وغيره من نتاجات، مثل أعمال حاطوم وحديد وسويف، دليلاً على مدى تحررهم وخلاصهم أخيراً من العقبات المذلة التي وضعت أمامهم في أوطانهم· المفارقة الكبرى أن هذه الأعمال كونها لفنانين عرب وتدور على التجارب والحياة العربية، فإنها تنتهي بإعطائنا جميعاً المتعة التي لا نستحق بأن نرى مدى ما يمكن أن نفعله إذا منحنا الفرصة·

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عن مجلة "أدب ونقد" يونيو 2000 ــــ العدد 178·

طباعة  

مجلة العربي: عشر سنوات من الإعمار واستشراف المستقبل
 
إصدارات
 
مجموعة سعدية الأخيرة·· ليست "مجرد مرآة مستلقية"
الدخول في النوافذ المغلقـة

 
أُغنيــةٌ فــي جبال المساء!!
 
وتد
 
أجيال