كتب علي حسين الفيلكاوي :
ديوان آخر للشاعرة سعدية مفرح يحتفي بقصائد النثر التي في حقيقتها ليست سوى محاولة دؤوبة للابتعاد عن الخط الأفقي العمودي والتفعيلي وخلق آفاق تتمدّد من الأعلى إلى العمق متجاوزة حدود واقعية الزمن والمكان في حركة مفاجئة لا تتوانى عن الدخول في النوافذ المغلقة والإلتفاف والتوغل في الطرق الخطرة المسوّرة بالخوف وعدم الاقتراب لتسليط الضوء على العاطفة الأكثر خصوصية ولاستنبات عوالم جديدة ولولادة متجددة لتفسير مغاير وربما صاعق لحالات نألفها مثل الحزن الفرح، الغياب والحب أيضاً ولذلك كله كان للذاكرة حضورها المتشعب في مجموعة القصائد التي كانت تشبه محاولة استرجاعية كمجموعة من خلاصة التجارب المتنوعة مؤطرة برؤية جديدة صيغت بشكل نهائي قاطع ومفاجئ وبعمق منطلق متفتح حتى آخر حدود نهائيته فعلى امتداد الأجزاء الخمسة يمكننا متابعة مدار الذاكرة كعرض حي تتقاطع به مجموعة النصوص
(أ) (غيابات مأهولة بالموت)
"غياب لحوح"
السؤال نفسه···
كلما غبت، وكلما عدت، وكلما ترددت أغانيك خلف النوافذ المغلقة جزئياً، والأوراق المهترئة كلياً وحكايات الأجداد عن ذكريات الوطن الوسيع مثل سماء السؤال البسيط الذي أعرف إجابته نفسها·
(ب) "يطيرون··· يمنحوننا خضرتهم" تتكون مثل غيمة حصادها وافر في أرض الوعي الخاص للشاعرة نتيجة لمعايشة حقيقية لعوالم شعراء مثل فدوى طوقان، محمود درويش···
"هي··· وحدها"
وابل الشعر له ضفائرها الخبيئة
وأسرار بعيدة تمتطي أفراسها كلما توغلت بالبكاء وفتحت آخر صناديقها السحرية
تحت الرايات البيضاء الملوّحة بالموت والحرية وأشياء أخرى·
(ج) (كأس مكسورة·· للآخرين):
"فائدة"
عندما جف ماء النهر
صار وادياً له ذكريات مبللة بالفراق
ولكن ضفتيه التقتا لأول مرة
وصار لهما مستقبل متسع رغم يباسه الجديد
(د) (يمتلئ الجسد بما يغادره)
هذا الوجود الملتبس
حيث تختلط تهاويم الحقيقة بعذوبة الخرافة
والقصيدة المتوقعة بذكريات مبالغ في تفاصيلها البطولية
وحيث···
صورة فوتوغرافية وحيدة
أقف أمامها كمرآة
كلما توالدت الأسئلة المخبأة···
(هـ) (ضفائر دهشة··· صمتها أنا)
"أحتفي بذكرى لا تجيء"
"تنغلق الذاكرة عن ذكريات لم تغب عن بال القلب ثانية واحدة"
"تترقب بسعادة ليست مفتعلة لحظة التفتق الأخيرة لجدار الذاكرة الهش"
"في غمرة الاحتفاء بالذكرى القريبة تتمدد الأرض الخصبة على أقصى اتساع لها"
وبتلك النهاية كانت النصوص تحمل رائحة المحاولة الأخيرة الممتزجة بدقائق الروح المتجولة عبر مراحل الوقت التي انهمرت بكل أنحائه ولذلك أرادت استجماع كل تلك المراحل الوقتية وارتدائها في لحظة خاطفة تمثل ذروة الصعود شعورياً وفنياً وأرادت أيضاً أن تعترف بهياكل ذلك البوح الناري بصمت مقدس وأن تشعل ضوءاً أخضر يشبه الربيع "الطفل" الصغير دوماً والذي يبدو أنه لن يكبر أبداً·
لكل تلك السنوات الطويلة والممتلئة بالتجربة العميقة على متون الذاكرة التي تجلس على حافة نافذة الاعتراف متلفعة بنوارس البحر متدثرة برمل الصحراء في حقيبتها "عطر الشمس" وتحت قدميها أنين لآخر خطوة في الشارع القديم تنهمر بالرحيل في طريق اللاعودة وتتساءل دون أن تمنح الاجابة أو تمنح الاجابة دون تحديد أو غموض·
ما وراء المرآة
"وضعت الورقة على الطاولة
وأمسكت بالقلم الرصاص"
وضعت الورقة تبدأ الشاعرة بفعل مشترك بين الكثيرين وبسهولة واضحة في قصيدة "تاريخ" فهي وضعت الورقة وأمسكت بالقلم الرصاص لتكتب نشيداً في مديح الحرية وذلك ما نشاهده في الصورة الأولى على صدر المرآة ولكن وفي بُعد آخر فيما وراء المرآة···
"عندما انتهيت
بدأ غناء ثلاثي للورقة والطاولة والقلم
يحكي ثلاث شجرات قضت نحبها
دونما سبب مقنع"
وفي قصيدة "صديق" وهي محاولة أخرى لاستدراج القارئ للركون في اطار الصورة فقط دون الدخول في الصورة وعلى مظاهر الصورة الأولى الظاهرة في المرآة وعلى الأخص وهي تتحدث عن "صديق" حميم هذا الصديق بائس ومرهق ومثل شاعر خمسيني ومزدحم بالأفكار والأخبار مثل جريدة يومية كل ذلك وصف لخيوط استدراجية لهذا الصديق الطيب الذي يتتبع صفاته المتلقي ويستجيب لها حتى يكتشف الصورة الكاملة والكامنة وراء تلك الصورة الظاهرة فذلك الصديق "طيب" و"مرهف"·
و··· كذوب جداً
مثل أي صديق حميم
إذن يمكننا أن نقرأ النصوص المتتالية ونتعقبها بتلك الصورتين في توافق للرؤية واختلاف للمفاهيم والأفكار والمضي في التدرج نحو أقصى حالات التوهج الشعوري بين أفقين أحياناً قد يبدآن بمخاتلتنا منذ قراءة العنوان فقط كما يبدو من قصيدة "شمس"···
كلما هاجرت مدماة الشفق
مثخنة بخناجر خذلانهم
قضيت الليل بأكمله أداري جراحاتي
وأنحر ذاكرتي
وأتلهف:
متى يأتي الصباح؟!
غيابات لا متناهية
الغياب لم يكن مأهولاً بالموت فقط ولكن بالأسئلة المرة والحضور المتماهي فليس الموت هو الغياب وليس هو الحد الفاصل بين الالتقاء والبعد النهائي ولكن الغياب هو الذي يشبه الموت أكثر من الموت نفسه حين يسكن "في البيوت التي لا أبواب لها ولا نوافذ ولا حدائق ولا حتى عناوين واضحة" ويتبقى احتياج واضح ورغبة مغلفة بنزعة حزن عميقة و"غصة موزعة بغير عدل بيننا وبين الذين بقوا" وتتنوع "غيابات مأهولة بالموت" ففي "غياب مشترك" و"غياب لحوح" هنالك الغياب الجسدي وأيضاً يمكننا أن نتلمس في غياب "ثالث"··· صاخب،··· مفتوح··· جذاب" نزعة التواصل وحنين السكون للرحم الأول والمكان اليومي وهنالك غياب آخر ينسل من الطبيعة ويتدرج من الجسد إلى "شجرة يتيمة" وغياب آخر واقعي ومتحرك فنحن نتحدث مع الغياب ونجلس ونمشي على أرضه فهو "غياب واقعي"
للبحر ساحل
وللسماء طرف واقعي
أما هذه الصحراء
فتبدأ من الرمل حيث نقف مشدوهين
وننتهي إليه حيث ننتظر
لكن الرمل ليس له ذاكرة
والرياح تذر والبقية
وتضحك!
أنظر إلينا من بعيد
لعل الجزء المعنون بـ "يمتلئ القلب بما يغادره" أكثر الأجزاء تركيزاً واستخداماً للغة المكثفة والحرفية الفنية دون بروز القصديّة على سطح النص وبكل صمت ينساب النص يجلد الوعي في خفة ويبلغ غاياته المبتغاة بكل يسر بين اطار التذكر الاسترجاعي الواعي وصورتي المرآة الظاهرة والكامنة وتخطر تلكما النصوص في اتساع متكامل مكتنزة باللحظة الخاطفة في قدرة تعبيرية صارخة وتصور مغاير يتمكن من اصطياد الحالات الإنسانية الموغلة في الخصوصية مستدرجاً المتلقي لا ليمتزج مع النص ولكن لدخول ذلك المتلقي بكل ما تحتويه عناصر النص من تضادات واندلاقات متناهية ليكون المتلقي أحد الشخوص أو حالة بين تعدد الحالات المتمازجة في الصور المتنوعة والمتسللة في الطرق الجانبية المزدحمة بالعابرين والخاطفة مثل ومضة برق ما بين نظرتين·
"أنظر"
"الأشياء التي نحبها منفردين
تباعد بيننا متحدين!"
"أنظر أيضاً"
"للغيوم التي تفرقت ولوحت لبعضها
بحب من دون أن تمطر
ثم للمطر الذي انهمر هناك رغم صخب
الصدام العلوي وحلول الصيف ونوم المظلات
ومعاطف المطر في خزائن الشتاء البعيد،
أنظر إلينا من بعيد