دعوها·· بدون تصحيح !
نشمي مهنا
"·· بعد نهار ربيعي ممطر، وعلى طاولة حديدية باردة، أمام مطعم "الماكدونالدز" للوجبات السريعة، في الطرف الشمالي من سوقنا المزدحم، بدأت عيناي تتفحصان هؤلاء الشبان المراهقين مفتولي العضلات، بقمصانهم الرمادية مفتوحة الصدر، وحلقات سلاسلهم المكملة لضرورات "الموديرن"، أتأمل قصات رؤوسهم نصف الحليقة، فأتخيلهم عصافير مبللة·· باغتني بسؤاله - الخنجر:
- الآن ماذا تبقى لكم يا ابتي·· كانت عجلات أيامهم تدور ببطء·· يسحبها ثور كسول، ·· نحن الآن لا نحتمل انتظار سنين وعقود·· بدأنا نركب على بساط ريح··
- الى أين ستصلون؟!
- لا ندري·· إلا أننا الأسرع!
- ونحن الأعمق·
- تقيدني آداب "الأبوة" وإلا··
- لا·· تكلم·
- يا ابتي لم تورثونا العمق·· نحن بعاداتنا وسلوكنا وثقافتنا - وإن تنفيها - مستوردون نشرب من غرب النبع، أما أنتم فقاحلون، اشفع لي صراحتي·· أنتم مثخنون بالانكسار·
- قد يعود لتجربتنا المريرة· أجيالنا شُغلت "بضرورة" تلك الأيام وأعني الحرب، فأعلينا صوتها على حساب كل الضرورات الأخرى، أيام صدمنا بنكستنا عام 68 عندما قادنا عبدالناصر الى الوحل، ظلت كثير من الشروخ في نفوسنا لم تلتئم زمنا·· بعدها قررت يا ابتي النجاة·· رشوت ضباطا ومسؤولين لأهرب بكم الى الخليج (قبل أن تولد)·· ولازمتني تلك الشروخ والكوابيس حتى بعد أن عاد عبدالناصر واصطنع نصرا واهناً، بمواجهتنا مع العدو في حرب 1972·
- ولكن يا أبي··
- لنأكل قبل أن يبرد الهامبورجر"··
***
ما سبق كان مشهدا قصصيا متخيلا لا تهمنا صياغته ولا حبكته - إن وجدت - والتي تفضح فشلنا في فن القصة، بقدر ما يقودنا الى تساؤل طالما دار في أذهاننا، والخاص "بمثالية النص"، فقد اعتدنا كقراء عرب على الامتثال للنصوص (الشعرية والقصصية بالأخص) التي تحمل مثالية المعلم أو المربي وعصاه!
نريد من الروائي (أو نفترض قبل قراءة نصه) أن يملأ رؤوسنا بالمثل والنبل والصدق لنطوف معه بمدنه الفاضلة، ولا نغفر له إن حمل كاميراته التصويرية من خلال قصصه ودخل بها في أزقة مدننا العارية، أو غافل سكانها وصور فواحشهم من ثقب الباب، أو دفة نافذة مواربة··
تخلو أدبياتنا وتقود خلفها أفلامنا السينمائية والتلفزيونية و·· من تصوير واقعية النفس البشرية على حقيقتها، فـ"بطلنا" ينتصر للخير دائما، لا تنازله وساوس أخرى، ومسلسلاتنا التمثيلية نرى في أبسط مظاهرها المجافية للواقع المعاش من خلال ديكوراتها المنزلية وأثاثها البراق الذي لم تمسسه غير يد الممثل والمخرج! فلا تنقل للمشاهد دفء المنزل وواقعيته·
كم نتمنى كقراء أن يخطئ بطلنا يوما في أي عمل فني وأن يعري نوازعه الإنسانية الملبدة دائما، أن يكذب ويخون ويرشو، كما في بطلنا المفترض في مشهدنا/ المثال في بداية المقال، عندما برر هروبه عن وطنه بالنجاة بعائلته، ورشوته للمسؤولين، وفوضوية ذهنيته البسيطة لدرجة ارتكابه خطأ فاحشا في تواريخ حروب عايشها، أو في معلومة حشا بها رأس ابنه عن معاصرة عبدالناصر لحرب أكتوبر 1973·
الأهم أن لا يصحح القاص ما يرد في نصه على ألسنة أبطاله البسطاء، أو الجهلة، الذين يملؤون واقع شوارعنا العربية·
أخيرا·· أتمنى ألا ينتبه مصحح "الطليعة" للأخطاء الواردة في المشهد الأول·· فيضيع القصد!!
Nashmi22@hotmail.com