صلاح دبشة
عباس منصور
جسده المتعب
لا يحتمل الأحذية
التي ترميها أعين الناس
وليس مستعداً
أن يتفاداها بخفة كل يوم
من كرسيه المتحرك
لذا
هو لا يفارق أقرانه
ويصحبهم إلى أي مكان يذهب إليه
على الأقل لتتوزع الأحذية
شروع في فضيحة
أطلق صلاح دبشة مكتوبه الثاني "مظاهرة شخصية" بعد ثلاث سنوات من مكتوبه الأول "نحوك الآن·· كأني"، ويبدو أنه متحمس لمواصلة المكاتيب، وهذا شيء عادي خالص إذ يبدو ــــ أيضاً ــــ أنه زاهد تماماً وغير متحمس لارتكاب مهارات تمكنه من تسويد الصفحات في الجرائد اليومية وليست لديه اللياقة لتجنيد فصيل من الكتبة لتحمل هذا العبء نيابة عنه كما هي الحال في هذا الوقت النكد·· ويبدو ــــ للمرة الثالثة ــــ أنه عثر على كنزه واكتشف أسراره في مكاتيبه الخاصة هذه·
ففي المكتوب الأول ناطح "صلاح" في المواريث التي اكتشف فجأة ضغطها على روحه وخطواته ودخل معها عراكاً·· وكان واضحاً أنه يصارع النوع النبيل من قطاع الطرق ــــ إذ إنهم واضحون ومعلنون عن أنفسهم·· قطاع طرق في تأويل رسالة الرب لخلائقه فصاغوا تراثاً رهيباً من المقدسات ما أنزل الرب بها من سلطان وحاولوا حبس الناس في جلودهم·· وقطاع طرق ــــ واضحون أيضاً ــــ لكن من نوع آخر يحاولون إقامة اللاهوت الجديد وصياغة الترانيم والأناشيد التي تمجد الحداثة وما بعدها في محراب العولمة وحتمية ذوبان الذات ــــ فردية كانت أم جماعية ــــ حاول "صلاح" في مكتوبه الأول الترصد لهؤلاء القبائل من قطاع الطرق وربما اكتشف في مكتوبه الثاني "مظاهرة شخصية" أن هذه الفئة وما تثيره من قضايا لا ينفع معها الشعر·· ربما!!
سلطة
لو فكرتَ مرةً
في تفكيك ملكوت الجسد
البشرة البضة لنائحة
والساق لزعيم عسكري
مهوس بامتلاك العالم
اليد ارتبكتَ·· لمن تعطيها
وحولك متعطشون لها:
أباطرة العولمة في القرية الكونية
الشركات العملاقة في تسخير العمال
لتنظيف الشوارع والمراحيض
وشراشف الزناة في الفنادق
وقد تكون رجلاً روحانياً
فتقرر أن تحبسها وقفاً للطرق الصوفية
في النهاية
بعد فراغك من توزيع التركة
قد تتحرر من أحذية المارة
اليتيم ــــ يا صلاح ــــ لم يعد غيره يحتضن جموع بني البشر·· هؤلاء الذين خاصموا خطواتهم لأسباب تافهة وترويحية·· شراك من المتعة الوهمية يظللها سقف الدولة وتحتضنها المدينة التي تقول تعاليمها: لكل مدنيِّ أصيلٍ مرفهٍ أربعة من العبيد الجوعى المقهورين حيث صار الإنسان في اللاهوت الجديد مشروعاً لتكديس المادة إما سالباً أو مسلوباً·· اللاهوت الجديد شق البشر إلى نوعين ــــ يا صلاح ـــــ قتلة أو موتورين فلا تبتئس يا ابن فاجعة·
أمي
التي تحلم أن أبني منزلي الجديد
على خدها
لتطل عليّ كل ساعة
تربطني عندما أخرج
بحبل لا أراه ولا يشعر به الآخرون
لتستطيع ــــ إذا طال غيابي ــــ
أن تجره
فأسقط في حضنها
***
أبي
يقلّب قنوات التلفاز كل يوم
بحثاً عن بعير
أو صحراء ينبت فيها النَّوار
ليتسنى له
أن يمدَّ رجليه
ويحتسي القهوة·
الشخصي والجماعي الذاتي والتاريخي·· مفردات·· مضامين لا توقن أين يتوقف مدلول أحدها ويبدأ الآخر·· كل المفردات متداخلة·· والمسؤولية على رقاب الجميع·· كل على مقدار وعيه وطموحه·· فجأة نكتشف أن العالم أصبح مزعجاً والوجود لا يطاق؛ لكن مسنون الحمأ يدفعنا لمزيد من الاقتراف·· مزيد من الفتن·
ومسنون الحمأ حينما يأخذ شكل شاعر بنفسه والوجود فقل على السلام·· السلام·· والشاعر·· أما آن له أن يخرج من اللغة؟!
تراثنا ينص على أن الشعر لا يكون إلا باللغة·· بالكلام·· وأنت ترى الوجود داخلك أفصح من تلك اللغة·· من قيود التراث على اللغة··
الإنجاز الطموح الذي يحاول "صلاح" مناطحته في "مظاهرة شخصية" هو اللغة·· الثأر من سطوة قطّاع الطرق عليها هذه المرة·· فطفولة الشاعر تصيح·· ووجع المكان من مروجي العولمة بشع وفصيح··
وسطوة المؤسسة تكتسح أي أمل في الإنسانية التي تعني التفرد والنزوع الذاتي المبرر لتكاثر المزيد من فصيل الجنس البشري·· واللغة لم تتعود أكثر من الندب على الهالكين أو تهيئة الأرض للسلاطين الجدد·· والشاعر يكتسحه البؤس الإنساني بعد مرور عشرين قرناً على مجيء يسوع المخلص والبشر يزدادون تورطاً ولا خلاص·· تحت هذه اللجة يعصف بالشاعر في "مظاهرة شخصية" تأليب سيرة المكان بساكنيه على هذه الفجيعة ويكتب ضد ميراث اللغة في سطوتها على الشعر ولذا يبدو باعثاً على الحسرة قول الشاعر:
كل ابن انثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمول
إذاً ما الشعر في ذلك؟ لغة تغازل نفسها·· لغة تتآزر في الخدمة·· في العمل على مصالحها الخاصة·· إذ طالما كان البكاء أفصح من الشعر في التعبير عن الألم فلا ضرورة للشعر··
والشاعر ليس مهنياً يحترف صناعة الكلام فيبدو أكثر رشاقة وتمكناً من غيره·· "ومظاهرة شخصية" تفتح لنفسها مشروعية من خلال وعيها بمهمة الشاعر وضرورة الشعر في اللحظة الراهنة·
قرقاشة
ألعب بها صغيراً
كنت فرحاً
لم أدرك أنها بالضبط
قلب أمي
عندما أكبر
وأغيب عنها
بإمكان الموتى أن يعودوا تحت ذرائع ومبررات كثيرة من قبيل تجديد الحياة والرغبة في يوم جديد·· لكن ماذا لدى الأحياء؟! ماذا يملك العساسون وتجار العرق البشري غير الملل!!