رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 8 - 14 جمادي الاخر 1421 هـ - الموافق 6 - 12 سبتمبر 2000
العدد 1443

تفاصيل صلاح دبشة في مظاهرته الشـخصية
قراءة في ديوان "مظاهرة شخصية" لـ: صلاح دبشة

كريم الهزاع

مدخل:

جاء في الصفحة الأولى إهداء الشاعر لي·· هكذا:

"كريم الهزاع·· تعال نتظاهر شخصيا ونتعارك مع المارة، ثم نمشي في الشوارع ونركل الكراتين· لك مودتي"·

تتكئ قصائد صلاح دبشة الأخيرة في ديوانه "مظاهرة شخصية" على مفارقات متشابكة عدة منها حضور الأصوات من خلال الحوار اللامرئي في النصوص، وتفاصيل الأحداث اليومية، وتنشيط الذاكرة عبر إسقاطها الماضوي على الحاضر، وحضور النبرة الإنسانية للشاعر، وبالذات الأنوستالوجيا أو الحنين الى حضن الأم أو طغيان هذه العاطفة على غيرها من العواطف إلا أنها لا تأخذ منحاها الغنائي أو الرومانسي الحاد· لقد استطاع صلاح دبشة ونجح في استنطاق اليومي بتفاصيله وأشيائه:

التفت مرارا

الى الشاطئ

أخاف أن ينهض البحر

ويسألني

عن السمك الذي أكلناه·

هذا المقطع، وغيره من النصوص يسير في علاقات سردية متنامية تعلن عن حضورها تحت مجموعة من الاحتمالات التي تأخذ متنفسا لها أو تأويلا خاصا لدى المتلقي، حيث استطاع الشاعر مسرحة الأشياء من خلال قصيدة التفاصيل التي برع بها الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس والشاعر العربي سعدي يوسف وآخرون من جيل الثمانينيات والتسعينيات·

ديوان (مظاهرة شخصية) ابتعد كثيرا عن شبهة الغنائية، واعتمد كثيرا على التفاصيل والحركات: "الجالس هناك مسددا عينيه نحوي" "تصدع كوب الشاي" "هربت من المقهى" "أحد الأصدقاء يفرش قلبه كل مرة" "أستند الى سيارته المتعطلة ومد يده في الشارع"·· الى جانب الكثير من الشواهد والحركات التي استطاعت أن تعطي قصيدة التفاصيل حضورها الى جانب المفارقات الأخرى من خلال حضور الأمكنة والتلاعب على أرجحة الزمن·

نص "مهددون بالسلاح الكيماوي" كان أبرز حركات المظاهرة الشخصية، إذ إن "الكيماوي" يشكل على مدار القصيدة العنصر المحوري الذي تهوم حوله هواجس الشخصية الراصدة وأفكارها، ونزول الشاعر الى الشارع لرصد ردة الفعل والتقاطها بشفافية ممزوجة بردة الفعل المضادة إلا أنه لا يوجد إفراط في إيراد التفاصيل حيث يكتفي الشاعر بإعطائك الموجز الذي يستطيع المتلقي تأويله وتحويله الى نشرة أخبار مفصلة أو ذاكرة متشظية بالأشياء تبحث عن اللامرئي في النص وتحاول أن تبحث لها عن معادل موضوعي لذاكرة الشاعر، حيث في لحظة ما يتم فصل الشاعر عن قصيدته "حضور النص" وتبقى عذابات الآخر، وتوقه الى الحرية والخلاص التي يتم تبادلها بين المتلقي والكاتب عبر حضور النص وتماهيه في الفعل·· حيث كلاهما يسعى للانعتاق من أسر الوضع الكابوسي "الغائب والحاضر في آن واحد" حينها تحدث المفارقات في ما يسمى "المفارقة الدرامية"، ومن ثم تتواتر الأشياء واحدة بعد الأخرى، للوصول الى الضربة النهائية التي نستطيع أن نجدها بعد الانتهاء من قراءة الديوان·

وفي الألعاب الشعبية التي وظفها الشاعر في قصائده استطاع أن يعطيها دلالاتها الماضوية الحاضرة في الواقع السياسي والاجتماعي إلا أن إحالاته لم تأخذ البعد الميثولوجي أو الأسطوري الذي من الممكن تدفع بالنصوص نحو الكونية، لكنك تشعر حتميا بجوانب هذا البعد حينما تتعاطف مع المكان وأشيائه التي يحاول الآخر استلابها· يتبقى أننا استطعنا أن نجد الشاعر مصلوبا على خشب اليومي ومحاكاته من خلال ذلك التراكم، مما دفعه أن يخرج صرخته أو يعلن عن مظاهرته الشخصية، والى أي مدى يستطيع صلاح دبشه إقناع الآخرين في السير في مظاهرته؟

هذا متروك لوقت آخر· ربما يأتي عبر التكديس المتواصل لهذه الصور في بناء رسالة القصائد المقبلة·

إن ضمير الجماعة "نحن" أو "الوعي الجمعي" هو الصيغة الوحيدة التي ترفع من مساحة انتشار "الأنا" أو التضامن معها لكن دون تضخمها، لأنها تحمل رسالة غير رسالة الغرور، وأيضا العفوية ربما تكون شرطا أساسيا لفعل الأشياء أو كتابتها أو استنطاقها من أجل فعل إزاحة جديد أو زعزعة أساسات أحجار أسمنتية أكلها التكلس·

تبدو مظاهرة صلاح دبشة تتمرن ببطء وغير لاهثة، وستجد مسارها في الشارع الفسيح إذا لم يتم احتواها· إذ يكون الاحتواء نوعا من أنواع المصادرة التي ترفضها قصيدة تلبس ثيابا بهذا الشكل·

ربما هي مهددة بالخوف من شيء ما، لكنها غير مهددة بالخوف الكبير أو المصادرة أو التهديد بالموت والفناء واستلاب الهوية، لكنه يوجد هناك شيء ما يسمى بـ"الاغتراب الخاص" الذي يشعر به المثقف اتجاه الأشياء أو المجتمع الاستهلاكي ذو البعد الواحد على حد تعبير هر برت ماركوز، وثمة تهديد يلوح في الأفق يقوم هذا العمل الشعري، أو ربما يمارس معه لي الذراع·

إن التوتر العالي في تلك النصوص تجعلها متماسكة وفي الوقت نفسه مربكة حيث تكون في حالة موران داخل نسيج النص وجسده "المشجب" للراهن حيث تختزل الأشياء ويتم تبسيط القول والتخفف من الاستعارات والتعبيرات البلاغية بدلا من وضعها في "خزانة ملابس" خانقة حيث إن "الضجة لا تستطيع أن تمشي في خط مستقيم"، لكنها تستطيع أن تخرج في "مظاهرة شخصية" وإن كانت في ثنايا الكتب أو عبر "الإنترنت"·

طباعة  

نصٌ على نصٍ·· ولا ضـرورة بالمرة لمؤوِّلين لا تبئس ياابن فاجعة/مظاهرة شـخصية
 
اصدارات
 
كتابة
 
إصدارات
 
قصة
 
وتد
 
سامي المنيس·· النموذج