الثقافة العالمية: أضواء جديدة على "قلب الظلام"
يثير العدد الجديد من مجلة الثقافة العالمية (العدد 102، سبتمبر - أكتوبر 2000) تساؤلا قديما جديدا حول قراءة التاريخ من خلال ملف ممتاز يعيد قراءة الفظائع التي ارتكبها المستعمرون البيض بحق القارة الأفريقية حمل عنوان "قلب الظلام"· وإذا كان هذا الملف قد حمل عنوان رواية جوزيف كونراد الشهيرة، فإن موضوعه أيضا مرتبط بالحقائق نفسها التي لفتت الرواية الانتباه إليها·
ويبين مقال "أضواء جديدة على قلب الظلام" كيف بز ليوبولد، ملك بلجيكا الشاب الماجن، كل أقرانه في وحشيته تجاه "رعاياه" في المستعمرات· فما ارتكبه الأوروبيون من مجازر بحق الهنود الحمر، أو العبيد الأفارقة، كان سلوكا إنسانيا رحيما مقارنة بما فعله ليوبولد بسكان وادي نهر الكونغو·
ومن المفارقات الطريفة أن حجة ليوبولد للاستيلاء على الكونغو كانت حمايتها من تجار العبيد العرب· لكنه حولها في واقع الأمر الى معسكر ضخم للعبيد، الذين عملوا جميعهم من زجل سيد واحد، هو الملك ليوبولد· ويبقى السؤال هو: هل كان العاهل البلجيكي مجرم حرب، وأول من ارتكب جرائم التطهير العرقي في التاريخ الحديث؟ وهل كانت امبراطوريته الاستوائية ساحة لأكبر محرقة للبشر؟ فقد حكم ليوبولد الكونغو بالحديد والنار· ومن أجل جلب العاج أولا، ثم المطاط لاحقا، ارتكبت إدارته كل الفظائع التي يمكن أن يتخيلها عقل مريض ضد السكان، بما في ذلك ربط الإناث بالسلاسل كرهائن حتى ينتهي الرجال من تحقيق حصصهم الإنتاجية، وكان الرجال يجبرون على العمل تحت تهديد قطع أيديهم وأرجلهم - أو أيدي وأرجل أطفالهم· أما اغتصاب النساء والقتل والإعدامات وإحراق القرى بسكانها وقتل الأطفال بتركهم في العراء للشمس الأفريقية الكاوية فكانت ممارسات يومية وجدت أصداءها في رواية جوزيف كونراد الشهيرة·
والحقيقة أن تاريخ حكم ليوبولد للكونغو كان معروفا منذ زمن بعيد· وقد فضحت فظائعه إعلاميا على يد كتاب ومثقفين أمريكيين وبريطانيين في مطلع القرن العشرين "الأمر الذي دفعه في نهاية المطاف الى التنازل عن ملكيته للكونغو الى الحكومة البلجيكية مع بدايات القرن العشرين"· لكن ما فعله بالكونغو أدى الى مقتل عشرة ملايين كنغولي في هذه المحرقة المنسية، فضلا عن ملايين آخرين من المشوهين الذين قطعت أطرافهم على يد إدارته المتحضرة·
ويناقش مقال "من قتل بارتريس لومومبا" الأزمة التي فجرها في بلجيكا صدور كتاب "اغتيال لومومبا"· فقد وجه هذا الكتاب الاتهام لبلجيكا بسبب دورها المباشر في اغتيال باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للكونغو، وسيد شهداء حركة التحرر الوطني الأفريقية· وقد أثارت تلك الاتهامات جدلا واسعا دفع البرلمان البلجيكي لتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في ملابسات الجريمة وتحديد مسؤولية بلجيكا عنها· ويقول جرت فرسنيك، النائب البرلماني الذي انتخب رئيسا للجنة التحقيق: "إن أمة تحترم ذاتها يجب ألا تخاف من الماضي، وأن تمتلك الشجاعة للتحقيق في الأخطاء المحتملة"·
وبالإضافة الى هذا الملف التاريخي المهم، يقدم العدد الجديد من الثقافة العالمية ملفا آخر حول أخلاقيات الطب· وفي هذا الملف، يناقش تشارلز روزنبرج، في مقاله "المدلولات والسياسات والطب"، المعادلة الصعبة بين الطب باعتباره مشروعا اجتماعيا وبين الأخلاق الحيوية التي يجب أن يتحلى بها الأطباء· بينما يستعرض مقال "التعليم الطبي والأخلاق الحيوية" معضلات التعليم الطبي والأخلاق الحيوية - القضية التي تثير جدلا كبيرا في الولايات المتحدة· ويختتم الملف بمقال "أين الألم·· مادة هندية لأخلاق زراعة الأعضاء"، الذي يناقش أخلاقيات بيع أعضاء الفقراء واستزراعها وقيام سوق لبيع الأعضاء البشرية·
وفضلا عن هذين الملفين المهمين، يضم العدد الجديد من مجلة الثقافة العالمية الكثير من الموضوعات السياسية والعلمية والثقافية والفنية· فمن المقالات السياسية هناك مقال "الرأسمالية هل هي قابلة للإصلاح؟"، و"نزال بين توجهات العولمة"، و"أوروبا ذات الأقاليم"· ومن المقالات العلمية هناك مقال "شكل الجنون"، الذي يدور حول اكتشاف أساليب جديدة لتشخيص مرض الشيزوفرينيا أو الفصام، ومقال "الى من ستؤول ملكية جسدك"· ومن المقالات الثقافية والفنية هناك مقال "كيف تتصور القرن المقبل"، و"السيمفونيات المرئية ستانلي كوبريك"·
***
عالم المعرفة: تاريخ الفكر الاقتصادي
" صدر مؤخرا عدد شهر سبتمبر من سلسلة عالم المعرفة (رقم 261) ويحمل عنوان "تاريخ الفكر الاقتصادي: الماضي صورة الحاضر تأليف جون كينيث جالبريت، ترجمة أحمد فؤاد بلبع، وتقديم إسماعيل صبري عبدالله·
في هذا الكتاب يقدم المؤلف - أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد - عرضا لتاريخ المذاهب الاقتصادية وتغيراتها، من عهد آدم سميث حتى وقتنا الحالي·
والرسالة الأساسية التي تحملها رواية جالبريث لتاريخ الفكر الاقتصادي، في هذا الكتاب المهم الذي صدر في بريطانيا في أواخر الثمانينيات، هي أن الأفكار الاقتصادية الى حد كبير نتاج لزمانها ومكانها، ولذا إذا ما أردنا أن نتفهم علم الاقتصاد الحديث، فليس بوسعنا أن نفعل ذلك إلا من خلال فهمنا لماضيه، بما في ذلك المصالح القوية والمكتسبة التي صاغت النظريات الاقتصادية على نحو يعود عليها بالنفع·
فمن أحكام أرسطو الأخلاقي بشأن الرق والربا، ومرورا بكتابات فلاسفة ما قبل الثورة الفرنسية دفاعا عن الزراعة، وآراء آدم سميث عن الرأسمالية المبكرة، ورد فعل كارل ماركس إزاءها، ومولد دولة الرفاهة، والثورة الكينزية، وأفكار ميلتون فريدمان، فإن كتاب جالبريث يضع الاقتصاديين وأفكارهم بطريقة آمنة في حياة عصورهم، ويوضح أن هذه الأفكار لا تشكل حاضرنا فقط، وإنما مستقبلنا أيضا·
والكتاب بمجمله صيغ بعناية شديدة تدفعنا لقراءته كما أنه زاخر بالملاحظات الذكية، والحقائق التي تعتبر جديدة بالنسبة لنا حاليا، وهو يضع في دائرة الاهتمام المؤلفين الذين يرى أن لهم إسهامات جوهرية في هذا العلم·