محاسن والدكتوراه
فوزية السويلم
كان يوماً فضياً كباقي أيام الشتاء وشجره الصفصاف تتدلى أغصانها من النافذة تُخبرنا بأننا سنسقط كما تسقط أوراقها الصفراء في فصل الخريف تؤكد لنا هذه الحقيقة تفاهة الواقع عيناي ترحل نحو الصورة المعلقة على الجدار يقف والدي وهو يرتدي البشت والعقال والدشداشة وبيده المسباح··· حدثت نفسي···
لو كان موجوداً هل كنت أستطيع أن أحصل على الدكتوراة؟
كان يردد المبادئ؛ الشرف كان يقول: لا يسعدني أن تكون دكتورا وأنت مستهتر·· رحمك الله يا والدي·· ها أنا أعود إلى البلاد أحمل الدكتوراة وأمارس حياتي الصحافية بكل نجاح ماذا حصل للدنيا؟·· مازالت كما هي لم تنقلب رأساً على عقب لأني الدكتور خالد! تحركت قليلاً·· اصطدمت بقدمي والدي كانت عقارب الساعة تشير إلى الساعة الثانية صباحاً صرخ في وجهي·· أين كنت؟·· تلعثمت·· قلت كنت في غرفتي لا·· أنت تكذب رائحتك تقول غير ذلك·· واصل صراخه أنت فاشل··· لن تفلح بشيء ست سنوات في الجامعة تابع بانفعال: لا ألوم محاسن إذا رفضت الزواج منك بعد قصة حب دامت سنتين بينكما وتزوجت الدكتور عادل···
اتكأ على عصاته البنية ثم جلس على الأريكة ومد رجله اليمنى إلى الأمام ثم قال:
بنات اليوم يبحثن عن الرجل الناجح صاحب الشهادات أدرت وجهي نحو النافذة وأخذت أبتسم ثم تحدثت بصمت إلى التمثال الموضوع أمام المنضدة··· دكتوراة في المكتبات والوثائق وصاحب امتياز لأشهر صحيفة يومية "صحيفة الرعب" أيوجد أكثر من ذلك نجاح يا محاسن···
دخل رئيس التحرير···
صباح الخير يا دكتور···
الشق الآخر من السؤال: صحيفتك واسعة الانتشار كما نسمع، فكيف ذلك وعنوانها مخيف؟!!
أجبت: هذا من فضل ربي أولاً··· ثانياً نحن لا نخاطب الذين يهتمون للعناوين وإنما نخاطب القراء الذين يهتمون لصورة وصورنا دائماً جميلة وموديلاتها حديثة!!
رن التليفون··· ألو·· جاء صوت السكرتيرة يقول هناك سيدة تدعى الدكتورة محاسن تريد مقابلتك···
دعيها تتفضل··· دخلت··· دققت النظر··· هي محاسن بعينها بجمالها الأخاذ وأنوثتها الفاتنة· ولكن ما علاقة الدكتوراه بها؟!!! جلست ثم أخذت ترسل نظرات مريبة تنبئ بالشر والغضب قالت:
لماذا صحيفتكم تهاجم زوجي باستمرار···
أجبت بتهكم·· نحن أحرار بما نكتب طالما أن النقد موضوعي ويعالج قضايا عامة؟ قالت بلهجة حادة:
أريد أن توقفوا كاتب المقالات حالاً وفوراً·
شعرت أنها تتحدث بجدية وثقة كبيرة بأن أمرها سوف ينفذ قلت بهدوء مصطنع ولكن نبيل كاتب مهم وله قراءه وجمهوره· قالت وحالة الغضب تسيطر عليها: أريد أن يتوقف وتلغى زاويته بأسرع وقت·
ثم مدت يدها على حقيبة يدها السوداء أخرجت مستنداً سلمته لي·
قرأت المستند شعرت بأني مكبل كما يكبل الليل الظلام·· ابتسمت ثم قلت: مبروك على الدكتوراه يا محاسن··· أنت تخرجت من نفس الكلية التي حصلت منها على درجة الدكتوراه·· إذن نحن زملاء مهنة ثم تابعت: وزوجك يا ترى تخرج من نفس الكلية؟ قالت وهي تنظر إلى المرآة الصغيرة جداً وتعدل تسريحتها لا زوجي مثابر ومجتهد! مددتُ يدي وأخذت ورقة سطرت جملاً كثيرة ثم كتبت بناء على ذلك تتوقف زاوية الزميل نبيل محمد عن الصدور وشكراً···
أهلاً أستاذ صلاح: بودي لو أذكرك بأنه بقي أسبوع على موعد الؤتمر عن أهمية القراءة والمكتبات·
ألقيت ثقل رأس على أصابع ثلاث من أصابع يدي اليمنى ودخان السيجارة يدور في حلقات حلزونية وخط مزخرف تارة أخرى··· قلت بعد صمت قليل: أرجو أن ترشح لي صحافياً ممتازاً لإعداد ورقة عمل لهذا المؤتمر··· واصلت بعد أن أخذت نفساً طويلاً سأملي عليك الأفكار الرئيسية إذا احتاج الأمر إلى ذلك! تابع··· يهمنا أن يكون أميناً حافظاً للسر!
قال صلاح فهمت يا دكتور···
ثم أردف قائلاً : نحن لدينا صفحة ثقافية واحدة في الأسبوع فلماذا لا تكون يومية أو على الأقل 3 مرات في الأسبوع قلت: ماذا تقصد بالصفحة الثقافية؟ فكل الصفحات ثقافية والرياضة ثقافة والاقتصاد ثقافة والإعلانات التجارية أيضاً ثقافة قال صلاح وهو يبتسم··· أقصد الأدب يا دكتور قلت: تقصد القصص والروايات والشعر وما شابه ذلك·
نعم··· نعم تذكرت في طفولتي قرأت قصة جحا والحمار ولقد استفدت كثيراً من هذه القصة، معك حق أن الأدب يثقف القارئ··· تابعت فالصفحة التي تصدر مرة في الأسبوع بإمكانك أن تقسمها إلى أربع مساحات بحيث تصدر كل يوم ربع صفحة باعتقادي هذا كاف···
ضحكت وقلت ساخراً: يتثقف القارئ ربع ثقافة يومياً إلى أن تكتمل في نهاية الأسبوع·
ضحك صلاح وقال: ما أروعك···
أخذ يقلب في الأوراق ثم قال: هناك اتصال وردتنا من قناة فضائية تريد أن تلتقي معك لقاء مباشراً ومن أهم الأسئلة التي أدرجت في القائمة··· لماذا سميت صحيفتك بصحيفة الرعب؟··· فهل أنت مستعد للإجابة؟ أجبت: تمشياً مع روح العصر ومواكبة التطورات فالعالم كله رعب برعب ــــ إرهاب وحروب وقلق وأمراض حتى الثقافة أصبح فيها رعب وقضاء ومحاكم وعسكر وجنود·