علي عقلة·· وأعراس أخرى!
نشمي مهنا
ظلت علاقة المثقف العربي بالسلطة ــــ وعلى مرور عدة عقود مضت ــــ علاقة مأزومة، وستظل كذلك، حادة وقاطعة، تتراوح بين ثنائية الأبيض والأسود (يُصب الطلاء الأسود على رأس المثقف غالباً)، فهو إما أن يدخل في أقبية السلطة ودهاليزها، ويمتثل لسياساتها وتعاليمها الأبوية، فيردد ببغاوية فظة تلك الشعارات، ويستمع لصداه في جوف تلك الأقبية (حتى وإن كان لوحده)، ويحاول استدراج عدد من القراء ليزداد رصيده من رضا السلطة، أو أن يلجأ لخياره الثاني والوحيد، فيعتزل حياة المجتمع الذي يعيشه، سواء أكان هذا الاعتزال بإرادته أو بإرادات أخرى تسدل عليه الستار، وتنتزع منه إبَرَه الشوكية، لتأمن شره·
وفي كلتا الحالتين (المثقف المدجّن، والآخر المعتزل أو المعزول) لن يتسنى له تقديم دور تنويري حقيقي في مجتمعه، وقد سُلبتْ من الأول قناعاته (أو كرامته)، وأُطفأت في يد الثاني الشعلة، المرجاة التي يأمل رجل الشارع العربي البسيط أن تنير له متاهات تلك الأقبية السياسية الملغومة·
***
تبق بعض مثقفينا سلطتهم الحاكمة في استقراء المراحل السياسية التي ستقدم عليها تلك السلطة، ليقدموا "موقفاً" تقدمياً، يليق بتطورات المرحلة المستقبلية، ويحضِّروا لـ"شعار" يقود جماهير الشارع العربي، ويمنعها من أي شطط قد يدفعها للارتطام برصيف المحظورات الحكومية!
أمثلة كثيرة، وصور عدة لمثل هذا المثقف، أو بالأصح "ذو المنصب الثقافي"، أقربها إلينا الدعوات التي يفاجئنا بها دائماً (علي عقلة عرسان) رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب ورئيس اتحاد الكتاب السوريين، من دعوته إلى رفض "مسبة" عملية السلام مع العدو الصهيوني، إلى عدم التطبيع معه (إن تم التفاوض على تفاصيل اتفاق السلام!)· وأخيراً، دعوته إلى عقد مؤتمر للكتّاب العرب في أحضان نظام بغداد، الذي مازال يكابر في رفض قرارات الأمم المتحدة·
لا يهمنا من أمر رئيس اتحاد الكتّاب السوريين ما نقرأه عن ممارساته التعسفية، وغير الديمقراطية وآخرها ما شهده المؤتمر السادس المنعقد في الأسبوع الماضي، بعد أن خالف الرئيس نظم ولوائح الاتحاد، بتقديم الانتخابات على البنود الأخرى المطروحة للمناقشة! فأهل دمشق وكتّابها أدرى بشعابها وبرئيس اتحادهم وهم الأقدر على تقييم أدائه ورفضه أو إسقاطه!
وكذلك لا نتتبع المراحل السياسية التي تختطها سلطة ما، قد تقدم هذه المرحلة وتؤخر تلك، وفق رؤية مستقبلية خاصة تؤقت بها أوان السلم والحرب!
ما يعنينا من (عرسان) ما يحمله من مسمى (رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب)، وما يحق وما لا يحق له من اتخاذ قرارات ــــ تشملنا ــــ يتخذها منفرداً·
وما لا يحق له·· كدعوة أدبائنا العرب لعقد المؤتمر المقبل في بغداد، رغم صلافة نظامها الصدامي واستمراره في تكرار لهجته العدوانية وتهديده لدول الجوار العربي!
بل لم يأت عرسان على ذكر أسرى الكويت في السجون العراقية، في الوقت الذي يطالبنا فيه برفع معاناة الشعب العراقي، وكأن رفع الحصار بأيدينا، وكأن طاغية بغداد يعمل لرفعه، وهو الذي يفتعل الأزمات لإدامة معاناة شعبه·
نقبل أن يقيم (عرسان) حفلة أعراس وأكثر، في بلاط حاكم بغداد وفي أروقة مهرجان المربد التمثيلي··· مادام يمثّل شخصه··· أو كتّاب سوريا (ان وافقوه هواه!)، لكن لن نقبل أن يمثل الكتّاب والأدباء العرب··· حتى وإن دعته ضرورة "المرحلة" الآنية أو دفعته سلطة سياسية ما!
Nashmi22@hotmail.com