رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 8 - 14 جمادي الاخر 1421 هـ - الموافق 6 - 12 سبتمبر 2000
العدد 1443

"الطليعة" في أول عدد يغيب فيه أحد أعمدتها
إصـدار للغياب·· أم تجسـيد للحضــور··؟!

كتابة خاصة جدا إليك أبا أحمد

حررها: زايد الزيد

كان مجرد التفكير في الكتابة عنك في العدد الفائت شيئا مستحيلا لأسباب·· فالصدمة - بكل المقاييس - لم تكن عادية، وإذا أردنا الدقة، فخبر غيابك كان إلى الفاجعة أقرب من كونه مجرد صدمة·

بعد تأمل لخبر الفاجعة استغرق يوما كاملا، برز التحدي الصحفي - معجونا بالألم - يُلح على الذهن: ماذا نكتب عنك؟·· وكيف؟

من هنا، اعتبرت أن كتابتي الشخصية عنك - أو عن الفاجعة - أمر ليس ذا شأن ولا يزيد ولا ينقص حتى قبل أن يطفح (بدون أدنى مبالغة) المكتب بأكوام البرقيات والرسائل والفاكسات المعزية من كل حدب وصوب·· واعتبرت أن أفضل شيء يمكن تقديمه لمحبيك - لا إليك - هو أن تخرج الطليعة في أول إصدار لها بعد غيابك بعدد يليق بتاريخك·· ويثمن - عاليا - عطاءك·

ولا أريد أن أسرد لك الآلية التي انتظمت العمل لتخرج الى النور عددا - من ألفه إلى يائه - موسوما باسمك: "سامي المنيس·· فقيد الكويت والحركة الوطنية·· في ذمة الله"·· ليس السرد هنا مهما، رغم معرفتي بعشقك للتفاصيل·· ولأني لا أريد أن اعتبر ذلك بطولة·· فهذا واجب العمل·· والجميع كانوا أبطالا بلا استثناء·

لكن·· إذا كان سرد التفاصيل الدقيقة التي أحاطت بإعداد وتحرير وإخراج مواد العدد الذي يحكي عنك ليس مهما·· فما هو المهم إذن يا أبا أحمد؟؟

المهم حقا - بالنسبة لي شخصيا على الأقل - هي الخواطر التي اعترتني وأنا أتأمل خبر الفاجعة، من خلال متابعة يوميات الأسبوع الذي أنجز العدد الفائت، فلقد استوقفتني خواطر شتى أخذت أتأمل بها طويلا، وأعتقد جازما أنني لو كنت بعيدا عن المساهمة في إصدار العدد فإن خواطر كالتي سأتحدث عنها لن تمر على ذهني أبدا، وأعتقد جازما أيضا أنني لو كنت بعيدا عن جو العمل الذي أفرز العدد الفائت لسرح الذهن في تأمل كتابات الآخرين التي تحدثت - ولا تزال - عنك وعن طيب شمائلك، ولسرح الذهن أيضا في استرجاع يوميات العلاقة التي تربطني وإياك في "الطليعة"·

خواطر كثيرة مرت في خضم العمل، أهمها اثنتان·· الأولى طفرت أمامي وأنا أتصفح مجلدات "الطليعة" منذ إصدارها في العام 1962، علّي أجد ما يشفي العليل·· فالناس - كل الناس - تنتظر "الطليعة" بفارغ الصبر، وكان لا بد لنا أن نقدم عددا متميزا·· وأنت تعلم أبا أحمد أنه شعور مخيف أن تعمل تحت ضغط أنظار الناس ومراقبتهم·· أخذت أقلّب الصفحات، فإذا بملاحظة غريبة لمحتها منذ أن سقطت عيني علي العدد (الإصدار) الذي تلا هزيمة العرب في حرب حزيران 1967·· قلّبت الصفحات فإذا بي أمام العدد الذي تلا وفاة الزعيم العروبي جمال عبدالناصر 1970·· أخذت أستكمل البحث وأقلّب الصفحات فإذا بالملاحظة تتكرر في العدد الذي تلا نصر حرب أكتوبر 1973· أكملت مهمتي فإذا بالملاحظة أصبحت ظاهرة خاصة بـ"الطليعة" حيث عثرت على العدد الذي صدر في أعقاب حل مجلس الأمة في صيف 1976·· وأخذت أبحث عن العدد الذي تلا حل مجلس الأمة في صيف 1986، إلا أنني سرعان ما تذكرت الرقابة المسبقة التي فرضت على الصحافة لأول مرة في تاريخ الكويت، فلا كان هناك عدد ولا يحزنون·

فماذا كانت الملاحظة يا أبا أحمد؟ لقد لاحظت أن "الطليعة" فقط في هذه الأحداث الكبرى (هزيمة 1967/ وفاة عبدالناصر/ نصر 1973/ حل مجلس الأمة 1976) أصدرت أعداداً خاصة لتغطي في أخبارها وتعليقات كتابها خفايا وأبعاد تلك الأحداث دون أن تشرك "على الخط" أية أخبار أخرى·

فإذا كان خبر موتك يا أبا أحمد قد احتل "الطليعة" كلها كحال الحوادث الكبرى، فأنت إذن يا أبا أحمد شامخ بشموخ نصر حرب أكتوبر 1973، وخبر فقدك بحجم نكسة 1967 ووفاة الزعيم جمال عبدالناصر وحل مجلس الأمة 1976·· ربما يقول البعض إن هذا الكلام من المبالغات التي اعتدنا نحن العرب عليها دائما في سلوكنا ولكن هي - صدقا - خاطرة اعترت الذهن وسيطرت عليه لأيام - ولا تزال -··!

تلك كانت الخاطرة الأولى، أما الثانية، فقد كان لها يا أبا أحمد بعدٌ فلسفي تأملت فيها - ومن خلالها - الاختلاف في موت البشر وارتباطه بالسيرة الذاتية لصاحبه، فمن خلال قراءة ما كتب عنك وجدت الجميع يتحدثون عن (فقدك!) ويتذكرون خصالك، ووجدت أيضا - من حولي - ممن استغرقتهم تفاصيل العمل ودقائقه، يتحدثون عن شكل العدد (الإصدار) الذي يوثق (غيابك!) ·· وما درى هؤلاء وهؤلاء أن العدد الفائت كان إصدارا لتجسيد حضورك لا لنعيك وتوثيق فقدك·

كيف ذاك··؟؟

نعم، كان إصدارنا الفائت تجسيداً لحضورك، لأن حياتك مليئة بالمعالم والمحطات التي تضيء لمن يعيش فيها وحولها الدرب، لذلك كان الحديث عنها (معالمك ومحطاتك) تجسيداً للحياة، لأنها - ببساطة شديدة - نابضة بالحياة، نتعلم منها·· ونعايشها·· ونستزيد، ولو كنت أنانيا وعشت لنفسك لاستوت حياتك بموتك، فالأناني لا يحس به أحد، لأنه لا يقدم شيئا إلا نفسه، وأنت يا أبا أحمد كنت على النقيض· فعشت لغيرك ودست على "الأنا" فأحبك الغير وأحبتك نفسك، مكبرة فيك حبك للآخرين·

أبا أحمد·· خاطرتان لمعتا في ظلام الفاجعة·· كان لا بد لي من تسجيلهما في هذه الكتابة الخاصة جدا التي أبعثها إليك·· فنم قرير العين·· فنحن لم نفقدك·· مبادئك راسخة ومواقفك تقفز وتحط بيننا·· وحضورك يظلل علينا··

طباعة  

نواة الجوز تساعد في الشفاء من تصلب الشرايين