رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 15 - 21 جمادي الاخر 1421 هـ الموافق 13 - 19 سبتمبر 2000
العدد 1444

كتابٌ ولقَـاءٌ ومُلاحظة - (1-3 )

·         في مساء يوم السبت 25 مايو 1940 عقد في باريس اجتماع طوارىء على شكل لجنة حرب، وحضر الاجتماع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والقائد العام للقوات، وعرض الأخير تقريرا عن الموقف العسكري وملخصه "ان الموقف اصبح مستحيلا وميئوسا منه" وتقدير الجنرال ان "التفوق الألماني على القوات المتحالفة هو بنسبة ثلاثة إلى واحد"

·         ألح على "تشرشل" شعور بأن "فرنسا سوف تستسلم لأي عرض يقدم لها بعد الهزائم المتوالية التي حاقت بالجيش الفرنسي"، وهي هزائم كان "تشرشل" نفسه يتعجب لها، فقد كان اعتقاده مازال قوياً أن الجيش الفرنسي هو أقوى جيوش أوروبا على الإطلاق

·         بعد خطاب "تشرشل" في مجلس العموم عن "العرق والدم والدموع" كتب "هاليفاكس" في يومياته: "أدعو الله ألا يقودنا "ونستون" إلى حماقات لا لزوم لها، لكني مضطر إلى الاعتراف بأنني لست مستريحاً لأسباب "ونستون" كرئيس للوزراء، وبالتأكيد أفضل "نيفل تشمبرلين" عليه

·         بعد لقاءه بنظيره الفرنسي في لندن الذي أبلغه ان فرنسا يتحتم عليها أن تسأل ألمانيا عن شروطها لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، قال تشرشل "ان بريطانيا تؤثر أن تقبل النهاية واقفة على أقدامها تحارب، ولا تستسلم للعبودية الألمانية مهما كانت الظروف"

محمد حسنين هيكل

هذا الحديث ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، يستطيع أي قارئ لها -إذا شاء- أن يربط بينها في فكره، ولعله- إذا فعل- أن يطيل النظر في المشاهد والمواقف والدلالات، وربما يتبين له أن هذه الأجزاء الثلاثة لهذا الحديث ليست بعيدة عن بعضها كما توحي مساحة الزمن، ومسافة المكان، واختلاف الناس والظروف·

الجزء الأول من هذا الحديث قراءة في كتاب لمعلم أمريكي كبير هو الدكتور "جون لوكاس" أستاذ التاريخ في جامعة فيلادلفيا، وهو مؤلف لأكثر من عشرين كتاباً أهمها "نهاية القرن العشرين"، و"نهاية العصور الحديثة"- وهذا الكتاب الجديد  يحمل عنوان "خمسة أيام في لندن- مايو 1940" (وقد صدر في نيويورك ضمن مطبوعات جامعة "بيل" العريقة في شهر نوفمبر الماضي - وبعد أن فُتحت ملفات من الحرب العالمية الثانية "شديدة الحساسية" ظلت مغلقة لمدة خمسين عاماً، خلافاً للقواعد العادية "ثلاثين عاماً")·والغريب أن هذا الكتاب ألح عليّ وكأنه يقصد لفت انتباهي إلى قراءة واجبة، فقد وصل إليّ أكثر من مرة عارضاً نفسه: أهداني أحد الأحباب نسخة منه فور صدوره أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية (قبل سبعة أشهر) لعملية جراحية كانت ضرورية· وكان ظن صاحب الهدية -كريماً- أنني قد أقضي معه ساعات أقطع بها الملل أثناء فترة النقاهة، خصوصاً وهو يعرف اهتمامي بالحرب العالمية الثانية، وكانت لي ولجيلي جامعة كبرى تعلم فيها كثيرون من رجال السياسة والفكر والصحافة درسهم الأهم في علم الصراع· وطالعت من الكتاب صفحات، ثم أخذني ما يأخذ المرضى بعد الجراحة عادة وبطبائع الأحوال- وفاتتني فرصة قراءة الكتاب كما يستحق وحتى نهايته- لكن الكتاب لم يعتب ولم يهجر· ففي شهر أبريل الأخير (2000) وجدت نسخة ثانية منه واصلة إليّ ومعها رسالة من "إدوارد هودشكين" الذي كان رئيساً للقسم الدولي في جريدة "التايمز البريطانية" على عهد رئيس تحريرها العتيد السير "ويليام هيلي"، وفي رسالته كان "تيد" (إدوارد) يشير إلى أن هذا الكتاب ربما يعنيني بوجه خاص لأنه سمعني أتحدث أكثر من مرة إلى هيئة تحرير "التايمز" عن أيام سنة 1967 في مصر- وكان "تيد" في إحدى عبارات رسالته يقول لي: "إنك قد تجد في أيام مايو 1940 في لندن، كما يرويها جون لوكاس بأسلوبه المتميز الدقيق، ما يحمل إليك أصداء لوقائع يونيو 1967 في القاهرة كما سمعت عنها منك، ومع أن التاريخ لا يكرر نفسه فإن الأحداث أحياناً تتشابه بإملاء عناصر ثابتة تحكم سياسات كل الأمم والشعوب"·وهكذا قرأت الكتاب الذي عرض نفسه عليّ مرتين، ثم وجدت نفسي مع شعور مؤداه "أن حكمة المقادير أعقل من أن تكون لعبة مصادفات"·

الجزء الثاني من هذا الحديث مذكرات كتبتها في حينه عن مقابلة تواصلت على مدى عشر ساعات مع جمال عبدالناصر: من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الخامسة والربع من بعد ظهر يوم الجمعة 9 يونيو سنة 1967· وكانت تلك هي المقابلة التي حملت فيها إليه مشروع خطاب التنحي الذي قدمه للأمة بعد الأحداث المروَّعة التي غطت وجه منطقة الشرق الأوسط كلها بالنار والدم من 5 يونيو سنة 1967- ولأيام عصيبة تالية!

وكانت تلك مقابلة من نوع فريد، في لحظة من التاريخ فاصلة· وفي جو من المشاعر الجياشة والمتعارضة يصعب أن يتكرر· وكان جمال عبدالناصر قد اتصل بي في مكتبي بالأهرام في الساعة السادسة وعشر دقائق من مساء يوم الخميس 8 يونيو ينهي إليّ- من مقر القيادة العليا للقوات المسلحة- ما آلت إليه الأمور على جبهة القتال في سيناء حتى الدقائق الأخيرة، وكان تقديره أن الموقف "بالغ السوء" وانه "قرر قبول وقف إطلاق النار وطلب إلى وزير الخارجية (محمود رياض) إبلاغ سفير مصر الدائم لدى الأمم المتحدة (محمد القوني) أن يخطر مجلس الأمن بذلك"- وقال لي جمال عبدالناصر: "إنه يتحمل أمام الناس كامل المسؤولية"· وكان سؤاله بعد ذلك فيما يجب أن تكون عليه الخطوة التالية؟- وأبدى كل منا تصوره للضروري والمطلوب، ولم يظهر بيننا خلاف على أنه "وبعد كل ما جرى فليس أمامه- بعد أن يتحمل مسؤوليته أمام الناس- غير أن "يذهب"، وكان تعبيره هو عن ذلك بلفظ "أمشي"، وأضاف إليه "حتى يستطيع البلد أن يُدبر أمره- بعد الصدمة- مع قيادة أخرى"، ثم سألني جمال عبدالناصر "إذا كان بمقدوره أن يعتمد عليّ في إعداد خطاب إلى الأمة يقدمه إليها مساء غد لأنه متعب ومثقل، خصوصاً وأن أمامه إجراءات أخيرة "يقوم بها قبل سريان وقف إطلاق النار"، ثم إن هناك ترتيبات معينة "يرى أن يتفق عليها مع عبدالحكيم (المشير عبدالحكيم عامر)- وكي لا تفلت الأمور وتزداد الأوضاع سوءاً"·"· وفي الساعة التاسعة إلا ربعاً (أي بعد قرابة ساعتين ونصف الساعة) عاد جمال عبدالناصر فاتصل بي يسألني إذا كنت فكرت فيما توافقنا عليه في المكالمة السابقة؟- وقلت ان لدي بعض التصورات أديرها في رأسي، لكني أحتاج منه إلى رد على سؤال يفرض نفسه، وهو "إلى من سوف يعهد بالسلطة "عندما يمشي"؟"- وكان رده نوعاً من صاعقة لأنه ذكر اسم السيد "شمس بدران" وزير الحربية في ذلك الوقت، وبالتأكيد فإن تكراري لاسم "شمس بدران" مرة أخرى بعده لم يحمل إليه نبرة بالاستغراب فقط، بل إنه حمل إليه (كما قال لي فيما بعد) صوتاً بالاحتجاج- وكان تعليقه وهو يتحدث همساً بصوت يكاد يغوص في بحر من الأحزان: "سوف أقول لك السبب حين أراك غداً"، وسألني: "هل تستطيع أن تجيء إليّ أول شيء في الصباح الباكر- فور أن تصحو من النوم؟"!- وأحس دون أن يرى- بظل ابتسامة كسيفة عبرت على شفتي، فاستدرك قائلاً: "أعرف أنك مثلي لن تنام الليلة"·

وبالفعل فلقد قضيت الليل كله في مكتبي بالأهرام في حماية تلك الصديقة الوفية والصلبة "نوال المحلاوي" كانت مسؤولة عن المكتب، مقيمة فيه قبل دخولي إليه وبعد خروجي منه· وعند الفجر جاءتني "نوال" بفنجان قهوة ومعه قطعة من خبز "الكرواسان"- وشربت القهوة ولم أجد في استطاعتي مضغ شيء· وعندما جاءت الساعة السادسة والنصف من الصباح ركبت سيارتي متوجهاً إلى منشية البكري، وكانت الشوارع خالية، والصباح ندياً لم تغلبه بعد حرارة الصيف، وبدت المدينة ساكنة لا تشعر أن زلزالاً عاتياً على وشك أن يدهم حياتها في ظرف ساعات قليلة· وخطوت من عتبة بيت جمال عبدالناصر إلى الردهة الداخلية متجهاً إلى اليسار حيث كانت غرفة المكتب، وكان جمال عبدالناصر واقفاً وراء مكتبه مرتدياً بنطلوناً رمادياً ينزل عليه من خارجه قميص أبيض، وممسكاً بسماعة تليفون يصغي إلى حديث يصله منها، وأشار إلى مقعد أمام المكتب، ولم أجلس·

ثم كان انني قضيت ذلك اليوم بطوله من صبحه إلى مساه مع جمال عبدالناصر، ولم يكن هناك غيرنا (وهذه حقيقة شهد بها الجميع لم يختلف منهم أحد)· وخرجت من المكتب مرة وعدت إليه، وكان داعي الخروج أن أسلم مشروع الخطاب للسيد "سامي شرف" سكرتير الرئيس للمعلومات ليتولى ترتيب إعداده مطبوعاً على الآلة الكاتبة·

وكان النهار طويلاً وثقيلاً وحزيناً··· وخطراً· وفي آخره فقد كنت أريد أن أعود إلى بيتي بأسرع ما يمكن، وبين أسبابي أن أسجل وقائع ما جرى في ذلك اليوم الطويل والثقيل والحزين والخطر بينما الكلمات والحروف- والتعبيرات والإشارات- حية في الذاكرة ومتوهجة، لكني لم أستطع بسبب زحام الحوادث فيما بقي من مساء وليل وصباح يوم تالٍ· ومساء يوم السبت 9 يونيو (الساعة الحادية عشرة والنصف) كنت أشعر وكأني أكاد أسقط من الإعياء، لكني كنت واثقاً أن النوم سوف يظل مطلباً عزيز المنال إذا لم أسجل وقائع ما جرى خلال الساعات الأربع والعشرين التي مضت، وخصوصاً تلك الساعات العشر أو أكثر في مكتب جمال عبدالناصر، وهو وأنا وحيدان في المكتب ليس معنا إلا الله- شاهداً· ولمدة تقارب الساعتين راحت تجربة الأربع والعشرين ساعة الأخيرة تذوب حبراً على ورق· وكتبت وكتبت، والسيل منهمر، والسياق متصل، والإضافات لاحقة، والاستدراكات لاهثة تحشر نفسها بين المقاطع، والوقائع الشاردة من شدة السرعة ترجع إلى حيث تجد على الصفحات بياضاً تحتله ولو على الهوامش·

وحين فرغت من الكتابة أحسست أن واحداً من همومي انزاح عن صدري- وظننت أنني الآن على استعداد لمطاوعة سلطان النوم وإغماض عيني ولو لساعة واحدة قبل أن يطلع الفجر من جديد- وهكذا كان·

وبقيت المذكرات التي كتبتها في ذلك المساء حتى عدت لمراجعتها بينما كنت أستعد لنشر الجزء الثالث من مجموعة "حرب الثلاثين سنة" وعنوانه: "1967- الانفجار" (وكنت أريده وثائقياً بالدرجة الأولى)- وهكذا اقتصرت فيه على إشارات إلى رؤوس موضوعات مما جرى في تلك الساعات العشر وأكثر في مكتب جمال عبدالناصر (في بيته) ذلك اليوم الطويل، الثقيل، الحزين، والخطر· وبشكل ما فإن قراءة كتاب "جون لوكاس": "خمسة أيام في لندن- مايو 1940"- أعادتني مرة أخرى إلى مذكرات كتبتها عن عشر ساعات (مع جمال عبدالناصر) في القاهرة- يونيو سنة 1967·

(وكنت قد رجحت الاحتفاط بها حتى يحين أوان نشر المجموعة الكاملة لأوراقي)·

وأخيراً فإن الجزء الثالث من هذا الحديث هو خواطر ومشاعر وَرَدَت على بالي مع متابعة بعض الصحف المصرية والعربية خلال شهر يونيو الأخير- يونيو سنة 2000- ولعل متابعة هذه الصحف في هذه الفترة هي التي أغرتني بهذا الحديث، بأجزائه الثلاثة!

تلك مقدمة كانت ضرورية لشرح مسار هذا الحديث، وأظنها تعبر عن خواطري ومشاعري، ولعلها توحي بخط متصل بين الأجزاء الثلاثة- واضح أحياناً، خافت أحياناً- متقارب في بعض المواقع، متباعد في غيرها- راسماً على طول الطريق صلة من نوع ما، على نحو ما، تأخذه من أوله إلى آخره "

الكتــاب أيام في لندن (مايو 1940)

"الأيام الخمسة في لندن - مايو 1940"- والتي خصص لها "جون لوكاس" كتابه الذي يحمل هذا الاسم، هي الأيام التي تبدأ من الجمعة 24 مايو- إلى الثلاثاء 28 مايو سنة 1940- وكانت تلك أياماً تعلق فيها مصير "بريطانيا" و"أوروبا" (وربما العالم) بخيط رفيع تمسك به يد المقادير- على حد تعبير رئيس وزراء بريطانيا الأشهر "ونستون تشرشل"، وهو الرجل الذي وقعت على عاتقه مهمة قيادة المواجهة الهائلة ضد الإعصار الذي اندفع وراء "أدولف هتلر" زعيم "ألمانيا" النازية بقوة بدت طوفاناً لا عاصم منه!

كانت "بريطانيا" و"فرنسا" قد أعلنتا الحرب على "ألمانيا" صباح يوم 3 سبتمبر 1939، وكان قرار إعلانهما للحرب تأسيساً على تعهدهما بالدفاع عن "بولندا" التي اقتحمت حدودها مدرعات الجيش الألماني (البانزر)·

ولم يكن قرار "بريطانيا" و"فرنسا" قضية أخلاق أو مبادئ- أو حتى تعهدات سبقت- وإنما كانت القضية إيقاف "هتلر" عند حده الآن أو التخلي عن "أوروبا" لمطامعه، وقد بدت هذه المطامع جدول أعمال ينفذه صاحبه خطوة بعد خطوة واثقاً من قوته، واثقاً في نفس الوقت من تردد خصومه (وكذلك ضعفهم الظاهر)· ذلك أنه من قبل "بولندا" فإن جيوش "هتلر" دخلت إقليم "السار"، وهو منطقة منزوعة السلاح بين "فرنسا" و"ألمانيا"، وكان دخول الألمان بدعوى رفع الظلم الذي فرضته معاهدة "فرساي" (صلح الحرب العالمية الأولى)- على ألمانيا المهزومة· لكنه بعد إقليم "السار" فإن جيوش "هتلر" دخلت إلى "النمسا"، وهذه المرة بدعوى وحدة الشعوب المتكلمة باللغة الألمانية وتحقيقاً لحلم "الرايخ الثالث"· بعد "النمسا" جاء الدور على "تشيكوسلوفاكيا"، وإذا جيوش "هتلر" (وبرضوخ بريطاني- فرنسي يحاول توقي خطر حرب أوروبية شاملة) تقصم نصف "تشيكوسلوفاكيا"، والدعوى هذه المرة الثالثة وجود أقليات ألمانية شردتها معاهدة "فرساي" وألحقت مواطنيها- مع غيرها من شظايا الامبراطورية النمساوية الهنجارية- لإنشاء دولة جديدة تحت اسم "تشيكوسلوفاكيا"· ثم زاد "هتلر" بالتلميح إلى طلبات باقية له في "بولندا" مشيراً إلى منطقة "دانزيج" معتبراً ممرها الشهير جزءاً لا يتجزأ من "بروسيا" (وهي قاعدة القوة والوحدة الألمانية منذ "فردريك" الإمبراطور الأكبر وحتى "بسمارك" المستشار الحديدي)·

وكانت "فرنسا" بروابط سياسية وثقافية قديمة مع "بولندا" قد أحست أنه عند حدود "بولندا" يتحتم عليها أن تقف بالحزم مهما كانت العواقب- لأن "هتلر" عليه أن يعرف مبكراً أن اختراق هذه الحدود معناه أن "فرنسا" واثقة في جيشها تعتبره أقوى جيش في أوروبا· وكان القادة الفرنسيون على اعتقاد بأن الأداء الباهر الذي قام به الجيش الألماني فيما سبق من المواقع تأتي من أن تقدمه إلى إقليم "السار"، وإلى "النمسا"، وإلى "تشيكوسلوفاكيا"- جرى بلا مقاومة، أي أنه نوع من الزحف العسكري ولكن على طريقة طوابير الاستعراض لا تدل بالضرورة على تفوق- أو على قدرة قتالية عالية مما أوحت به كفاءة الزحف ونظامه وسرعته· وكانت "فرنسا"- قبل الحرص على "بولندا"- راغبة في وقف توسع "ألمانيا" في قلب "أوروبا"، عارفة أنه إذا جرى التوسع في القلب، فإن المستعمرات وراء البحر ستكون هي الغنيمة الكبرى والجائزة النهائية لمن تعلو كلمته وهيبته في القارة الأوروبية· وكانت "بريطانيا"- وراء "فرنسا"- من نفس الرأي، وكان قلقها على إرث المستعمرات بعد السيادة على أوروبا أكثر من قلق "فرنسا"، ففي حين أن "فرنسا" كانت تعتبر نفسها إمبراطورية النور، فإن "بريطانيا" كانت تعتبر نفسها إمبراطورية الشمس- كتلة ولهباً وضياء!

هكذا وقعت الحرب العالمية الثانية، وبدايتها 3 سبتمبر 1939· وكانت "فرنسا" وقتها تحت زعامة "إدوارد دالادييه" يقود حلفاً وزارياً تشارك فيه أحزاب متعددة- وكانت بريطانيا تحت زعامة "نيفل تشمبرلين" رئيس حزب المحافظين، وكانت له الأغلبية في مجلس العموم· ولم يستطع "دالادييه" ولا "تشمبرلين" إيقاف غزو "هتلر" لـ "بولندا"، وفي ظرف سبعة عشر يوماً لا أكثر كانت مدرعات الجنرال "فون رونشتد" قد احتلت كل "بولندا" في شرق أوروبا، في حين بدا حلفاء الغرب (فرنسا وبريطانيا) في موقف عجز لا يعرفون فيه ماذا يفعلون رغم أن الجيش الفرنسي (أقوى جيش في قلب أوروبا) جرى حشده بكامل سلاحه وراء خط "ماجينو" الذي أقامته الجمهورية الفرنسية الثالثة على طول الحدود مع "ألمانيا"، ورغم أن "بريطانيا" (إمبراطورية الشمس) أرسلت إلى "فرنسا" عبر بحر الشمال جيشاً عسكرياً ضخماً قوامه نصف مليون مقاتل، بدباباته ومدافعه وطائراته، تسندهم من البحر قوة الأسطول البريطاني المعترف له بالسيادة على البحار- والحاصل أن الجيشين المتحالفين وجدا بعد سقوط "بولندا" أنهما في حرب ليس لها ميدان قتال- إلا أن تتقدم جيوشهما إلى "ألمانيا" نفسها، وهذه في تلك الأحوال مخاطرة إلى درجة الحماقة أو حد الجنون!

ومن سبتمبر (1939) بعد إتمام غزو "بولندا" وحتى أبريل (1940) كانت صورة ما يجري على ميادين القتال شبه عبثية: "هتلر" يهضم ما غزته جيوشه على الجبهة الشرقية (بولندا)، والجبهة الغربية ساكنة ساكتة (وعليها جيوش فرنسا الموثوق فيها، إلى جانب القوة البريطانية التي عبرت بحر الشمال إلى القارة متمركزة في "نورماندي" وما يحيط بها من أقاليم شمال فرنسا)- وليس هناك من يعرف بالضبط ماذا يفعل، وأين موضع الخطوة التالية؟

وفجأة تحرك "هتلر" وضرب ضربته التالية- فإذا قواته تقتحم حدود "النرويج" و"الدانمارك" في أبريل 1940·

وكانت تلك الحركة نذيراً مرسوماً على السحب القادمة عند الأفق· معناه أن غزو "النرويج" و"الدانمارك" مقدمة لغزو "بلجيكا"· ووراء "بلجيكا" يصبح الطريق مفتوحاً إلى "فرنسا"، وتنفذ الحرب إلى الإمبراطوريات الكبرى وفي عقر دارها!

وكان التصدي لخطط "هتلر" في "النرويج" و"الدانمارك" أقرب إلى مسؤولية "بريطانيا" فعمليات الجيش الألماني في البلدين على الناحية الأخرى من شواطئها مباشرة، وأسطولها في البحر غالب (أو يفترض أن يكون كذلك)· وبالفعل تقدمت بريطانيا لتحمل مسؤوليتها، لكن الأسطول البريطاني لم يستطع أن يلحق بالقوات الألمانية- حتى تلك المنقولة بحراً إلى النرويج، كما أن قوة بريطانية أمكن إنزالها على الشاطئ النرويجي بعد جهد جهيد اضطرت إلى انسحاب مهين عائدة بخسائرها من حيث أتت!

ويوم 9 مايو اضطر رئيس الوزراء البريطاني "نيفل تشمبرلين" إلى الاستقالة، وكان "رجل الساعة" هو "ونستون تشرشل" الذي حاول تنبيه حزبه (حزب المحافظين)- مبكراً إلى مطامع "هتلر"، ولم يجد أذناً مصغية، والآن كان عليه وإن متأخراً أن يواجه ما حذر منه مبكراً (وهو يومها في الثامنة والستين من عمره!)·

وهكذا دخل "ونستون تشرشل" إلى مقر رئاسة الوزارة في لندن (10 داوننج ستريت)- في لحظة تعلق فيها مصير وطنه (ومصير أوروبا والعالم) بذلك الخيط الرفيع الذي تمسك به يد المقادير·

ويوم 13 مايو وجه "ونستون تشرشل" أول خطاب له إلى الأمة وإلى العالم، وهو ذلك الخطاب الذي قال فيه إنه ليس عنده ما يقدمه للشعب البريطاني غير "العرق والدم والدموع"· وكان ذلك صحيحاً بدقة تكاد أن تكون "كربونية"، ذلك أن "تشرشل" عرف قبل أن يلقي خطابه أن هجوماً مضاداً تشارك فيه الجيوش الفرنسية مع القوة البريطانية في رد الجيوش الألمانية الزاحفة التفافاً من شمال أوروبا (النرويج والدانمارك- ووراءهما بلجيكا)- لا يزال خطة معطلة على الأرض لم تنهض ولم تتحرك على جبهة "الآراس"· وفي لوحة حية وغنية بالصور- لوناً وصوتاً- يرسم "جون لوكاس" مشاهد تلك الأيام كما استطاع استخلاصها- من آلاف الوثائق أحاط بها علماً وعمقاً، مدركاً أن الملامح والإشارات والإيماءات خلجات إنسانية لها القدرة على استبقاء صراعات التاريخ نابضة وحية!

ويصور "لوكاس" (نقلاً عن وثيقة ألمانية) مشهداً يبدو فيه الزعيم الألماني "أدولف هتلر" متحدثاً إلى واحد من أبرز قواد جيوشه، وهو الجنرال "فرانز هالدر"، و"هتلر" يقول له: "إن فرنسا قوة منتهية، وأما بريطانيا فسوف ترى الحقيقة ساطعة وتدرك أنه لا مفر أمامها من أن تتصل بنا، ونحن على استعداد لذلك· لا مانع لدينا من صفقة مع الإمبراطورية البريطانية نتقاسم فيها نحن وهُم مسؤولية السيادة على العالم· هُم قوة من الماضي لكنهم مازالوا مؤثرين على ساحة العالم، ونحن القوة الأكبر في الحاضر، وفي مستقبل عالم جديد"·

والغريب أنه كان في بريطانيا نفسها من يشارك "هتلر" نبوءته، ففي ذلك الوقت كتب اللورد "بوث بي" مذكرة سرية إلى وزارة الحرب استشهد "لوكاس" ببعض نصوصها وبينها: "إن ألمانيا الهتلرية قوة تحمل معها حركة وشباباً وجاذبية وحيوية ونشاطاً توحي كلها بإمكانية إزاحة عالم القديم الذي وهنت عظامه· وذلك هو الحافز الحقيقي لهذه الظاهرة الألمانية الجديدة تحت قيادة النازي، وذلك أيضاً ما يتعين علينا أن ندخله في حساباتنا للمستقبل"· وبينما كان "بوث بي" يكتب إلى وزارة الحرب، كانت الأخبار تجيء من جبهة القتال تحذر بأن الجيش الفرنسي (أقوى جيش في أوروبا) يفقد أعصابه ويفقد إرادته على جبهة "الأردين" إلى درجة دعت الجنرال "هنري بونال" رئيس أركان حرب القوة البريطانية في فرنسا إلى أن يكتب في تقرير لوزارة الحرب مبدياً ذهوله من "أن ثلاثة جيوش فرنسية تراجعت من الجبهة أمام مبادرة هجومية- أقرب إلى المغامرة- قام بها قائد كتيبة دبابات ألمانية (إروين روميل) واخترق بها ثغرة لمحها بين هذه الجيوش الفرنسية الثلاثة"·

وكذلك أصبحت القوات البريطانية جبهة وحدها، ظهرها إلى البحر وخطوطها مقطوعة مع القوات الفرنسية الحليفة!

وفي ذلك اليوم أيضاً فإن وزارة الاستعلامات البريطانية كتبت إلى رئاسة الوزارة البريطانية تسأل "عما إذا لم يكن ضرورياً الآن أن يعرف الرأي العام البريطاني شيئاً عن حقيقة ما يجري على ميادين القتال؟"·

وابتداء من صفحة 18 في كتابه يروي "لوكاس" نماذج وثائقية من الجو الذي ساد في العاصمة البريطانية وطغى على دوائر صنع القرار فيها·

- وينقل "لوكاس" عن السير "صمويل هور" أحد الوزراء البريطانيين في وزارة الحرب ما كتبه في دفتر يومياته يوم 18 مايو ما نصه: "نيفل رئيس الوزراء السابق (وكان مازال عضواً بارزاً في وزارة الحرب مع "تشرشل") واقع على الأرض تماماً· قال لي: انتهى كل شيء· الولايات المتحدة لا أمل فيها· ونحن لن نستطيع اخراج الجيش البريطاني من فرنسا، وإذا أنقذنا بعض الرجال فكل الأسلحة والمهمات راحت من أيدينا!"·

- وينقل "لوكاس" عن يوميات اللورد "إيسماي" (السكرتير العام لمجلس وزراء الحرب) ما نصه: "اليوم (19 مايو) وكنت أصعد على السلم القديم القبيح لمبنى وزارة الحربية، وجدت الجنرال "أيرونسايد" (رئيس هيئة أركان حرب الإمبراطورية) يسحب "أنتوني إيدن" (العضو في وزارة الحرب ووزير الخارجية ورئيس الوزارة فيما بعد وحتى أزمة السويس سنة 1956) إلى مكتبه ليبلغه تقديره النهائي للموقف، وقف قلبي من الخوف وأنا أسمعه يقول لإيدن: "أريدكم أن تعرفوا أن هذه هي النهاية بالنسبة للإمبراطورية"· إن ما جعل قلبي يقع هو أن رئيس أركان حرب الجيوش البريطانية قال ما قال بصوت جاف وبارد كأنه يقرر حقيقة علمية لا تحتاج إلى برهان!"·

- وفي صفحة 19 من كتابه ينقل "لوكاس" من دفتر مذكرات رئيس الوزراء السابق "نيفل تشمبرلين":

"يوم 19 مايو: لم يعد هناك أمل في شيء·· لا شيء يمكن عمله·

يوم 20 مايو: لا شيء يزيل مخاوفي أو يقلل منها·

يوم 21 مايو: الموقف ميئوس منه·

يوم 23 مايو: يوم كئيب آخر- حلفاؤنا الفرنسيون لا يفعلون شيئاً على الإطلاق، وتصرفاتهم تثير ما هو أكثر من الاحتقار، وجنودهم لا يريدون أن يحاربوا إلا في حالات استثنائية نادرة· المصيبة أنهم ليس فقط لا يحاربون ولكنهم أيضاً لا يتحركون"·

- ثم ينقل "لوكاس" من مذكرات رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم السير "تشارلسر ووترهاوس"، وهو صديق مقرب من رئيس الوزراء الجديد "ونستون تشرشل"- ما ورد في يومياته يوم 22 مايو:

"لقد ضاع كل شيء· الجميع متفقون على ذلك"·

ويحاول رئيس الوزراء الجديد "ونستون تشرشل" أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، وخطته أن يضغط على الحكومة الفرنسية لتقنع الجيش الفرنسي بأن يقاتل، ويضغط على رئاسة أركان الحرب الإمبراطورية (البريطانية) لتقتنع بإرسال قوة فرقة مدرعة (كانت موجودة على سبيل الاحتياط في بريطانيا) تعبر البحر وتقوي عزائم الفرنسيين- وإذا أدى الأمر تحمي أجناب القوة الرئيسية للجيش البريطاني حتى تستطيع هذه القوة الانسحاب من منطقة "كاليه" عائدة إلى بريطانيا بتضحيات معقولة إذا قضت تطورات المعركة·

ويسمع "تشرشل" عن تغيير في القيادة العليا الفرنسية، فقد حل الجنرال "فيجان" محل الجنرال "جاملان" كقائد عام للقوات الفرنسية، وكان "تشرشل" متحمساً لذلك لأن الجنرال "فيجان" كان يقول دائماً إن لديه خطة لإنقاذ الموقف وتخليص 35 فرقة من القوات المتحالفة من حصار مؤكد بخسائر طفيفة· وبالفعل فإنه في مساء يوم 22 مايو (1940) اتصل الجنرال "فيجان" بالجنرال "أيرونسايد" (رئيس أركان حرب القوات البريطانية) يقول له على التليفون إن "قواته استعادت محور "أميين"- "ألبرت"- "بيرون"- وذلك تحول مهم في سير المعركة على الجبهة الغربية"· ويقرر "تشرشل" أن يذهب لمقابلة الملك "جورج السادس" في الساعة العاشرة والنصف ليلاً ليعرض عليه آخر التطورات، لكن "تشرشل" يعرف قبل لقائه مع الملك "أن الأخبار التي تلقاها عن طريق "أيرونسايد" لم تكن صحيحة، وعلى العكس من ذلك فإن الموقف على الجبهة الغربية يزداد سوءاً· لأن القائد العام الفرنسي الجديد لم يقم بأي هجوم يستعيد به محوراً على الجبهة أو موقعاً، بل -وذلك الآن مؤكد- فإن الجنرال فيجان "لم تكن لديه من الأصل خطة"· ويقوم "تشرشل" بإخطار الملك بالطبعة الأخيرة من الحقيقة، ويضيف إليها "أنه سوف يكون مضطراً في حالة معينة إلى الأمر بسحب كل القوات البريطانية من فرنسا، وسوف تكون الخسائر في الأرواح باهظة immense"، كما أن ذلك سوف يعني "أن الجيش البريطاني سوف يترك وراءه مدافعه ودباباته وذخائره ومخازنه في فرنسا"· وخرج "تشرشل" من مقابلته مع الملك ليعرف قبل الفجر أن نصف مليون جندي بريطاني على وشك الوقوع في المصيدة الألمانية، فهم الآن يتراجعون إلى دائرة حول ميناء "دنكرك"، وسوف تكون وقفتهم هناك نهائية، لأن البرقيات السرية من ميادين القتال توالت تخطر رئيس الوزراء البريطاني بأن قوات الجنرال "هانز جودريان" الألماني تضغط من الجنوب على الجيب البريطاني وتوشك أن تقفل القوس حوله·

ويسجل "جون لوكاس" في كتابه بعد كل هذه النماذج وغيرها "أنه حتى هذه اللحظة فإن الشعب البريطاني لم تكن لديه فكرة عن الحقيقة"، كما أن الصحافة البريطانية "لم تنشر على الرأي العام ما يجعله على بينة مما يجري أو ما هو محتمل"، وأهم ما فيه وأخطر أنه بعد تصفية الجيب في دنكرك "فإن هتلر سوف يجد الطريق أمامه مفتوحاً لغزو الجزر البريطانية نفسها"· وعند هذه اللحظة، وفي هذا الموقف، وابتداء من صفحة 39 من كتابه يصل "جون لوكاس" إلى صلب كتابه عن "الأيام الخمسة في لندن"- من 24 مايو وما بعده!

يوم الجمعة 24 مايو

وزير الخارجية البريطاني اللورد "هاليفاكس" يعتقد أن من واجبه الاستعداد لكل الاحتمالات:

- يدرس خطوط عرض يمكن تقديمه لـ "هتلر" لإنهاء الحرب بطريقة مشرفة·

- يقترح اجراء اتصالات مع ايطاليا شريكة "هتلر" في تحالف المحور (ثلاثي: ألمانيا- إيطاليا- اليابان)، ولعل ايطاليا المترددة في دخول الحرب تقبل بدور وسيط بين الحلفاء وبين "هتلر"، وذلك من شأنه- إذا تحقق- أن يثبت موقف الزعيم الإيطالي "موسوليني" (الدوتشي) ويعطيه دوراً في تقرير مصائر العالم يرضي كبرياءه، ثم إن مثل هذا الدور قد يجعله يشعر أنه سياسياً على قدم المساواة مع "هتلر" بصرف النظر عما حققه الجيش الألماني عسكرياً (وهو أمر يستثير غيرته)· كذلك فإن قيام "موسوليني" بدور الوسيط- إذا رضي- سوف يجعله يفكر مرتين قبل أن يطعن فرنسا بدخول الحرب ضدها من الجنوب وهي في هذا الموقف الصعب الذي تواجهه في الشمال·

ولم يكن "هاليفاكس" وحده في ضرورة "التفكير فيما لا يجوز التفكير فيه"، أي الاتصال بـ "هتلر"- بل كان يحظى بتأييد كثيرين من أفراد الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا وحتى بين أمراء أسرة "وندسور" الملكية ذاتها، وكان بين هؤلاء الأمراء من رأوا أن الضمان الذي شاركت بريطانيا في تقديمه إلى بولندا مشاركة مع فرنسا كان خطأ من الأساس، وقد كتب بعضهم بذلك صراحة إلى "هاليفاكس" طالبين إليه وهو في موضع "عميد الارستقراطية السياسية" في بريطانيا أن يتشجع ويتسق في مواقفه مع قناعاته·

كذلك كان وراء "هاليفاكس" (وأصدقائه من الارستقراط) جمع من أقطاب الإدارة السياسية في بريطانيا أولهم السير "هوراس ويلسون" وكيل الوزارة الدائم المكلف بشؤون رئاسة الوزارة البريطانية· ويروي "لوكاس" أنه عرف من الوثائق السرية ما أذهله وبينه أن السير "هوراس ويلسون" (وهو الرجل الأول في البيروقراطية البريطانية بوصفه الوكيل الدائم لشؤون مجلس الوزراء، والمشرف بهذه الصفة على كل وكلاء الوزارات الدائمين في بريطانيا، وكانوا يصفونه مجازاً بالملك غير المتوج للبيروقراطية البريطانية)- يعتبر "ونستون تشرشل" رجلاً "مختل العقل إذا تصور أن هتلر يمكن إيقافه الآن بعد كل ما جرى"، وكان ذلك رأي السير "هوراس ويلسون" حتى من قبل أن يصبح "تشرشل" رئيساً للوزراء· والغريب أن "لوكاس" وجد ضمن الوثائق البريطانية السرية أمراً بتوقيع "هوراس ويلسون" يضع تليفون "ونستون تشرشل" تحت المراقبة بسبب "خطره على الأمن القومي"·

وبعد خطاب "تشرشل" في مجلس العموم عن "العرق والدم والدموع" كتب "هاليفاكس" في يومياته: "أدعو الله أن لا يقودنا "ونستون" إلى حماقات لا لزوم لها، لكني مضطر إلى الاعتراف بأنني لست مستريحاً لأساليب "ونستون" كرئيس للوزراء، وبالتأكيد أفضل "نيفل تشمبرلين" عليه، ثم أنني لست معجباً بطاقم الوزراء الجدد الذين جاء بهم معه، وأخشى أن هذه العصابة gangsters قد تحكم قبضتها على الأمور"·

واجتمع مجلس الوزراء البريطاني في الساعة الحادية عشرة والنصف (صباح الجمعة 24 مايو) وعرض "تشرشل" أوضاع القوات البريطانية في دنكرك، بما في ذلك أنه برغم زحام القوات الواصلة إلى هناك- فإن الميناء مازال يعمل بكفاءة· ثم طرح "تشرشل" موضوع ملك بلجيكا وقد اجتاحت مملكته قوات "هتلر"، واقترح "هاليفاكس" دعوة الملك بسرعة كي يلجأ إلى بريطانيا، وعارضه "تشرشل" لأن "ملك بلجيكا يجب أن يبقى إلى آخر لحظة مع جيش بلجيكا"· ولم يتعرض "تشرشل" في هذا الاجتماع إلى السر الكبير الذي كان يلح عليه ويضغط طوال اجتماع مجلس الوزراء، وهو سر مراسلاته مع الرئيس الأمريكي "فرانكلين روزفلت"، وكان "تشرشل" قد كتب إلى الرئيس الأمريكي بكافة مخاوفه: قائمة أن تستسلم فرنسا وتعقد صلحاً منفرداً مع هتلر- وقلقه أن يحاول هتلر بعد استسلام فرنسا أن يغزو الجزر البريطانية نفسها- ثم رجاؤه بأنه "إذا كانت الولايات المتحدة تفكر  مساعدة حلفائها التاريخيين والطبيعيين فهذا هو الوقت وإلا ضاعت الفرصة"· وحاول "تشرشل" تخويف "روزفلت" في رسالته فألمح إلى أن الجائزة الكبرى التي يريدها "هتلر" بعد هزيمة بريطانية- إذا تمكن- هي أن يستولي على الأسطول البريطاني- خصوصاً إذا استولى قبله على الأسطول الفرنسي- وساعتها (قالها "تشرشل" تهديداً مبطناً) فإن "الولايات المتحدة لا تستطيع أن تشعر بالأمان وراء المحيط الأطلنطي كما شعرت منذ نشأتها وحتى الآن"· وزاد "تشرشل" بصراحة أكثر انه "يتعهد عن نفسه بأن الأسطول البريطاني لن يقع تحت سيطرة ألمانيا- لكنه لا يستطيع أن يضمن تصرفات من يجيء بعده على رئاسة الوزارة البريطانية في ظروف مختلفة"·

وكان أكثر ما انزعج له "تشرشل" هو أن "روزفلت" رد عليه مقترحا "أن يتوجه الأسطول البريطاني عبر الأطلنطي غرباً إلى كندا (باعتبارها من دول الكومنولث)، وبذلك فإنه يكون في مأمن يبعده عن متناول "هتلر" وجيوشه حتى إذا قام بغزو بريطانيا!!"·

وفي مساء ذلك اليوم كتب "تشرشل" في يومياته (صفحة 80 من كتاب "لوكاس")- ما نصه: "لا بد أن نواجه أنفسنا بالحقيقة كاملة- نحن أمام نكسة حقيقية!

السبت 25 مايو

يسجل "جون لوكاس" في كتابه، وفي الفصل الخاص باليوم الثاني (ضمن تلك الأيام الخمسة في لندن- مايو 1940) أن الرأي العام البريطاني لم يكن قد عرف بعد بحجم "النكسة" التي توشك أن تنزل بأثقالها عليه·

ويلاحظ أنه ظهر في جريدة "الديلي ميل" وفي جريدة "الديلي إكسبريس"، وهما أكبر الصحف البريطانية وأكثرها توزيعاً- إعلان بحجم نصف صفحة يعرض أفضل المواقع لقضاء إجازة الصيف في "بقع ساحرة" في بريطانيا في الريف وعلى الشواطئ، وفي الشمال "اسكتلندا"· ثم ان جريدة "المانشستر جارديان"، وهي أقوى الجرائد التي تصدر خارج لندن، نشرت إعلاناً بارزاً يقول لقرائها: "إذا أردت إجازة بديعة في باريس فانزل في فندق الامباسادور قرب ميدان الأوبرا وعنوان رقم 26 شارع هوسمان (والأجر 55 فرنكاً في الليلة لحجرة واسعة مع حمام خاص)، وهناك خصم خاص للنزلاء من أفراد القوات المتحالفة!

وكانت إحدى افتتاحيات "الديلي هيرالد" (المعبرة عن حزب العمال) في ذلك اليوم استنكاراً لمشهد عري فاضح تؤديه الممثلة "دورين بورشيرون" على أحد مسارح "الوست اند"· لكن "ونستون تشرشل" كان أمام وقائع من نوع آخر، فالتقارير الواصلة إليه من باريس تثير أسوأ مخاوفه، فقد بدأت الحكومة الفرنسية تمهد لنفسها الأعذار بإلقاء المسؤوليات على الحليف البريطاني:

- وصل اليه تقرير من السفارة البريطانية في باريس يقول فيه السير "رونالد كامبل" (وقد عين سفيراً لبريطانيا في مصر بعد انتهاء الحرب) إن "الأوساط الوزارية الجديدة (وزارة "بول رينو"- بعد سقوط وزارة "دالادييه" الذي بدا مُقصراً في إدارة الحرب مُنشغلاً مع عشيقته الكونتيسة "داردو")- تتهم حكومة "صاحب الجلالة البريطانية" بأنها هي التي اقنعت فرنسا بالتعهد البولندي الذي ورطها في الحرب، وأن "حكومة صاحب الجلالة البريطانية" تركت الجيوش الفرنسية تقاتل وحدها جيوش "هتلر" واكتفت بإرسال قوة بريطانية ظلت باستمرار قرب السواحل الشمالية لفرنسا، تاركة وراءها طريقاً مفتوحاً للهرب تعود منه إلى الجزر البريطانية إذا ساءت الأحوال في ميادين القتال- ثم وصلت برقية مباشرة من رئيس وزراء فرنسا ("بو رينو") إلى رئيس الوزراء البريطاني تقول إن "القائد العام للقوات الفرنسية الجنرال فيجان يشكو من أن قيادة القوات البريطانية في فرنسا لا تتعاون معه في تنفيذ خطته، لأنها لا تريد التحرك من مواقعها الحالية لحرصها على أن يبقى البحر وراءها مخرجاً مفتوحاً للتراجع· ورد "تشرشل" على رئيس الوزراء الفرنسي بـ "ان القائد العام للقوات البريطانية في فرنسا اللورد "جورت" يؤكد أنه يقوم بجهد رئيسي في التخفيف عن الجناح الأيسر للقوات الفرنسية في "منطقة السوم"، وانه طور عملياته إلى هجوم واسع على الفرق الألمانية المدرعة هناك·

- وفي نفس اليوم وصل تقرير آخر من السفير البريطاني في باريس (السير "رونالد كامبل") يتحدث عن الآثار المحققة لتعيين الماريشال "بيتان" (وهو أحد أبطال الحرب العالمية الأولى)- نائباً لرئيس الوزراء، ذلك لأن الماريشال العجوز وهو معروف بعدائه للانجليز- "أبدى في اجتماع لمجلس الوزراء انه منذ البداية لم يكن يثق في صدق وجدية التحالف البريطاني مع فرنسا لأن بريطانيا تمرست في جعل الآخرين يخوضون حروبها، ويدفعون بالدم وبالثروات تكاليفها، في حين تحتكر لنفسها كل الغنائم"· ثم تطرق تقرير السفير البريطاني في باريس إلى أن رئيس الوزراء الفرنسي أبلغه بنفسه أنه يشعر بوجود حلف قوي داخل وزارته يضم الماريشال "بيتان" والسياسي المخضرم "بيير لافال" الذي طرح على مجلس الوزراء حتمية اجراء اتصالات مع المانيا عن طريق ايطاليا·

- وفي مساء نفس اليوم السبت 25 مايو عُقد في باريس اجتماع طوارئ على شكل لجنة حرب comité de guerre، وحضر الاجتماع رئيس الجمهورية "ألبرت لوبران"، ورئيس الوزراء "بول رينو"، ونائب رئيس الوزراء الماريشال "بيتان"، والقائد العام للقوات الجنرال "فيجان"، واثنان من الوزراء، واثنان من الجنرالات، إلى جانب السكرتير الدائم للجنة الحرب، وقد بدأ الجنرال "فيجان" القائد العام للقوات الفرنسية يعرض تقرير عن الموقف العسكري وملخصه (طبقاً لمحضر لجنة الحرب الذي اعتمد عليه "لوكاس" في كتابه "خمسة أيام في لندن"): "أن الموقف أصبح مستحيلاً وميئوساً منه"· وتقدير الجنرال أن "التفوق الألماني على القوات المتحالفة هو بنسبة ثلاثة إلى واحد"، وأنه لم يبق أمام أي وحدة من القوات الفرنسية إلا أن تحارب إلى آخر نفس وحتى تنقذ شرف البلاد· ثم خلص الماريشال إلى القول بأن "فرنسا أخطأت حين تورطت في حرب لم تكن مستعدة لها، وعليها الآن أن تدفع الثمن"· وتدخل رئيس الجمهورية "لوبران" ليقول "إننا مرتبطون بتعهد مع بريطانيا بأن لا نوقع على صلح منفرد، ومع ذلك فرأيي أنه إذا قدمت لنا المانيا عرضاً نستطيع أن نقبله ونراه محققاً لمصلحتنا- فإن علينا دراسته برؤوس هادئة"!

ووافق الجنرال "فيجان"، لكن رئيس الوزراء "بول رينو" أبدى أنه "إذا تلقت فرنسا عرضاً يمكن قبوله من هتلر، فإن الواجب يحتم عليها أن تتشاور مع الحكومة البريطانية"· وتدخل الماريشال "بيتان" في مجرى الحديث (طبقاً للمحضر) ليقول "إنه ليس متأكداً ان بريطانيا تتشاور معنا فيما تفعل"، لكن وزير البحرية "كامباتشيني" وجد لديه الشجاعة ليقول ان "فرنسا لا تستطيع أن تخاطر بولاءاتها أو تحالفاتها"·

واستعمل "بيتان" كل صيته وسمعته ليقول "إنني لا أنصح أن تستمر فرنسا في الحرب طويلاً لأنني أريد أن تعود بعض القوات سالمة لكي تحفظ الأمن في البلاد"· وهنا أعلن رئيس الوزراء أمام لجنة الحرب "أنه سوف يقصد غداً إلى لندن ليطلع "تشرشل" على الضرورات الحاكمة في موقف فرنسا"· وكان لدى فرنسا بالفعل عرض حمله إليها "نوردلينج" الوزير المفوض في السويد في باريس نقلاً عن الماريشال الألماني "جورنج" وهو النائب الأول للمستشار الألماني "أدولف هتلر"، وكان العرض يطرح بدء محادثات مباشرة بين فرنسا والمانيا)· ومن المفارقات أنه في نفس اليوم قرر وزير الخارجية البريطاني اللورد "هاليفاكس" أن يقابل السفير الايطالي في لندن "باستيانيني" وأن يجس نبضه في شأن أي مقترحات قد تكون لدى زعيمه "بنيتو موسوليني"، وكان السفير الإيطالي على استعداد لأن يسمع ما يقال له، ولكنه من جانبه ليس مستعداً أن يطرح شيئاً·

ولم يكن "ونستون تشرشل" متحمساً لاتصالات يجريها وزير خارجيته مع سفير ايطاليا وكان رأيه أن "موسوليني" لديه "شهية قوية ولكن أسنانه ضعيفة"· ومن المفارقات ان ذلك كان رأي "هتلر" في نفس اليوم، ذلك أنه حين أحس أن "موسوليني" على وشك أن يدخل الحرب ليلحق باللحظة تحسباً لاحتمال سقوط فرنسا قريباً، ومعها غنائمها الامبراطورية- فإن "هتلر" سارع يكتب إلى "موسوليني" يحيطه علماً بأن باريس على وشك السقوط في ظرف يومين على أكثر تقدير، وأن فرنسا مسألة منتهية"· وألح على "تشرشل" شعور بأن "فرنسا سوف تستسلم لأي عرض يُقدم لها بعد الهزائم المتوالية التي حاقت بالجيش الفرنسي"، وهي هزائم كان "تشرشل" نفسه يتعجب لها، فقد كان اعتقاده مازال قوياً أن الجيش الفرنسي هو أقوى جيوش أوروبا على الإطلاق· على أن "تشرشل" راح يستعد للأسوأ، وكانت بداية استعداده تعيين الجنرال "جون ديل" رئيساً لهيئة أركان الحرب الإمبراطورية (البريطانية) خلفاً للورد "أيرونسايد" الذي بَشر بنهاية الامبراطورية مبكراً وأبرأ ذمته!

وكان الرأي العام البريطاني مازال بعيداً عن حقائق ما يجري، وأظهر استفتاء للرأي العام البريطاني- يركز عليه "لوكاس" في رصده لأحداث يوم 25 مايو- أن %27 من الرجال في بريطانيا بدأوا (الآن) يشعرون بالقلق، و%30 مازالوا متفائلين جداً، و%21 تتأرجح آراؤهم ولا يعرفون موقفاً محدداً يعبرون عنه!

يوم الأحد 26 مايو

تصاعدت النداءات من جهات متعددة بجعل هذا اليوم مناسبة لـ "صلاة دعاء"، ولكن رئيس أساقفة "كانتربري" أعلن أنه ليس متحمساً للفكرة، وخشيته أن إقامة "صلوات الدعاء" في هذا الظرف قد يُساء تفسيره فيبدو "عجزاً إنسانياً يعفي نفسه بإزاحة مسؤولياته إلى عهدة الله ويخلي ضميره"!

ودعا "تشرشل" إلى اجتماع لمجلس الوزراء كي يناقش تقريراً لرئاسة أركان الحرب الامبراطورية، وكان "تشرشل" هو الذي طلب هذا التقرير سائلاً عن "إمكانات استمرار الحرب في "ظرف مُعين" "eventuality a cerlainس، وكان "الظرف المعين" الذي يقصده هو احتمال أن تواصل بريطانيا الحرب وحدها بغير حليفها الفرنسي في القارة، وأكثر من ذلك في حالة ما إذا توصل هذا الحليف الفرنسي (السابق) إلى ترتيبات واتفاقيات مع العدو الألماني توفر له قواعد وتسهيلات في ممتلكات فرنسا بالذات، خصوصاً حول البحر الأبيض: في شمال افريقيا (أمام جبل طارق)، وفي سوريا ولبنان شرق البحر الأبيض (وكلها في ذلك الوقت مستعمرات لفرنسا ممتدة من تونس إلى الجزائر إلى المغرب في جنوب البحر الأبيض، ومقابلها في شرق البحر هناك سوريا ولبنان)·

وحين أرسلت رئاسة هيئة أركان الحرب ردها إلى رئيس الوزراء على ما طلبه، فإنها أضافت إليه من عندها تقريرين: أولهما عن صعوبة عمليات سحب القوات البريطانية من شمال فرنسا (مع إمكانية استسلام الجيش الفرنسي)- والثاني عن احتمالات قيام "هتلر" بغزو الجزر البريطانية ذاتها، ومن ثم كان اقتراح رئاسة أركان الحرب الامبراطورية هو "الحرص على القوات الجوية البريطانية، وتفادي أي خسائر كبيرة تلحق بها إذا شاركت بجهد فعال في تغطية انسحاب الجيش البريطاني في فرنسا"· أي ان هيئة أركان الحرب كانت الآن تطلب من مجلس الوزراء اعتماد سياسة يجري بمقتضاها سحب الجيش البريطاني من شمال فرنسا عبر بحر الشمال دون غطاء جوي يحمي القوات- لأن حاجة بريطانيا إلى الطائرات سوف تكون ألزم في مواجهة عملية غزو الجزر البريطانية، وهي الخطوة التالية بعد سقوط فرنسا، فكذلك تقول التقديرات وتؤكد معلومات المخابرات!

وحين بدأ مجلس الوزراء البريطاني مناقشاته اضطر "تشرشل" إلى ترك الجلسة لأن رئيس وزراء فرنسا وصل إلى لندن يستعجل مقابلة نظيره البريطاني حتى يتمكن من العودة إلى باريس بأسرع ما يمكن، وأصغى "تشرشل" إلى زميله "بول رينو" (رئيس وزراء فرنسا) يقول له إن "موقف الجيش الفرنسي ميئوس منه"، وإن الماريشال "بيتان" (نائب رئيس الوزراء) والجنرال "فيجان" (القائد العام للجيش الفرنسي) يُلحان معاً على ان فرنسا يتحتم عليها أن تسأل المانيا عن شروطها لوقف اطلاق النار وإنهاء الحرب· وانفعل "تشرشل" وقال ان "بريطانيا تؤثر أن تقابل النهاية واقفة على أقدامها تحارب، ولا تستسلم للعبودية الألمانية مهما كانت الظروف"· وأبدى رئيس وزراء فرنسا أنه يتفهم، لكنه لا يجد أمامه حلاً غير ما يقترحه الماريشال والجنرال، وهو نفسه لن يوقع صكاً بالاستسلام، ولذلك فإنه فور عودته إلى باريس سوف يقدم استقالته ويترك غيره (وخصوصاً الماريشال والجنرال) يتحملون المسؤولية· وحين رجع "تشرشل" إلى جلسة مجلس الوزراء بعد انتهاء مقابلته مع "بول رينو" فقد وجد أن وزير خارجيته اللورد "هاليفاكس" وجه المناقشة إلى قضية شائكة بدا أنه مُصر على طرحها للمناقشة، وهي "ضرورة إقامة اتصال جدي" مع "موسوليني" زعيم إيطاليا الفاشية "لكي يتوسط مع المانيا- ويأخذ دوراً يطمح إليه في السياسة الدولية- ويعاود التفكير في دخول الحرب مع "هتلر" حتى لا تتسع جبهة الأعداء"· واستشعر "تشرشل" وجود تباينات في مواقف بعض وزرائه، وضمنهم الزعيم العمالي "كليمنت آتلي" (ضمن الائتلاف الذي فرضته ظروف الحرب)- لكن "تشرشل" استطاع أن يميز مواضع الخلاف:

"آتلي" يعارض دعوة "موسوليني للوساطة مع ألمانيا·· لكن "آتلي" لا يعارض اتصالاً مع "موسوليني" يمنعه من دخول الحرب· وقدر "تشرشل" أن المناقشة في مجلس الوزراء على هذا النحو قد تنحرف عن مسارها، فدعا المجلس إلى اجتماع غير رسمي informal هدفه استكمال بحث الموضوع· وقد عثر "جون لوكاس" على نص لمحضر هذا الاجتماع غير الرسمي، وكانت نصوص هذا المحضر تكشف أن مناقشات مجلس الوزراء (وقد دارت في مبنى الأميرالية حيث كان "تشرشل" يقيم وقتها)- تعرضت إلى نقطة حساسة طرحت نفسها على البحث مع إصرار وزير الخارجية اللورد "هاليفاكس" أن يحصل من المجلس على تفويض يخوله بفتح اتصال مع السفير الايطالي في لندن "باستيانيني"، واعتبار ذلك الاتصال خطأ مباشراً مع الزعيم الايطالي "بنيتو موسوليني"· وكانت النقطة الحساسة التي طرحت نفسها ان "هاليفاكس" تطرق في حديثه إلى سؤال عن نوع الجوائز التي تستطيع بريطانيا أن تقدمها لـ "موسوليني" حتى تغريه بأن يقوم بالدور المعروض عليه· وهنا دارت مناقشات- في حضور "تشرشل"- تفتش عن جوائز يمكن تقديمها لـ "موسوليني" وتكون قادرة على إغرائه أن يتوسط بين الامبراطورية البريطانية وبين المانيا النازية- وكانت الجوائز المغرية التي اختيرت في المناقشة لكي تعرض على "موسوليني" هي: "مالطا"- و"جبل طارق"- و"قناة السويس" (أي مصر؟!) وخرج "تشرشل" من هذا الاجتماع أسير حالة انقباض قائلاً لسكرتيره انه "يشعر بالمرض فعلاً وليس مجازاً"· ثم فوجئ سكرتيره برئيس الوزراء البريطاني يطلب كتاباً دينياً عنوانه "الإنجيل في أسبانيا" ومؤلفه "جورج بورو" (وهو كتاب يحكي في فصول منه عن قدرة الإنجيل على البقاء في اسبانيا فاعلاً ومؤثراً طوال خمسمئة عام من الحكم الاسلامي في العصر الأندلسي لأسبانيا)· ولم يكمل "تشرشل" قراءته عن "الإنجيل في أسبانيا"، فقد كان عليه أن يتابع عملية سحب القوات البريطانية من "دنكرك"، وهي تجرى تحت ظروف قاسية: لأن القوات الألمانية تواصل الإطباق على الجيب المحاصر في هجوم يقوده الجنرال "جودريان"، يساعده طيران كثيف تحت القيادة المباشرة للماريشال "جورنج" الذي يعتبرها الآن معركة تصفية "دم بريطانيا"· كما ان اسطول الأميرال "رايدر" الألماني يدفع غواصاته نحو بحر الشمال ليمنع البحرية البريطانية من سحب الجيش المحاصر في "دنكرك"·

ويقرأ "تشرشل" قبل أن يأوي إلى فراشه تقريراً عن حالة الرأي العام البريطاني يقول "إن لمحات من الحقيقة بدأت تتسرب إلى الناس مع الجنود العائدين من فرنسا، وإن قطاعات كبيرة من الرأي العام مأخوذة بالمفاجأة، وإن هناك شعوراً بـ "القدرية" fatalism يسري في لندن"·

ويكتب "تشرشل" في يومياته قبل أن يطفئ النور ويغمض عينيه لينام: "أملنا الوحيد أن تتنبه أمريكا"!

يوم الاثنين 27 مايو

كانت العملية "دينامو" هي الشغل الشاغل لـ "تشرشل"· و"دينامو" هو الاسم الرمزي لمعركة سحب أكبر عدد ممكن من القوات البريطانية من مذبحة مؤكدة في "دنكرك"· وكان تقدير الأميرالية انها تستطيع سحب 25 ألف ضابط وجندي في خلال يومين، ومعنى ذلك أن أكثر من ثلاثمئة ألف ضابط وجندي سوف يتركون على الشواطئ الفرنسية تحت رحمة الجيش الألماني: قتلى- جرحى- أو أسرى!

وفي الساعة السابعة والربع صباحاً تلقى "تشرشل" اتصالاً تليفونياً من الأميرال "سومرفيل" يبلغ رئيس الوزراء أن القوات الألمانية تقدمت ووضعت مدافعها شمال "دنكرك"، وركزت قذائفها على كل سفن البحرية التي تحاول دخول الميناء، "وذلك يجعل عملية الإخلاء بالغة الصعوبة، عالية التكاليف، وهو لذلك يقدر أن ما يمكن سحبه من القوات البريطانية هذا اليوم لن يزيد على عشرة آلاف رجل" (عند نهاية اليوم تم سحب 7700 فقط)·وكان الاتصال الثاني الذي تلقاه "تشرشل" يحمل إليه ما هو أسوأ، ذلك أن الملك "ليوبولد" ملك بلجيكا قرر أن يعلن رسمياً استسلام جيوشه للألمان، وذلك معناه أن عشرين فرقة ألمانية معطلة أمام الجيش البلجيكي قد تحررت الآن، وستندفع بسرعة لتشارك في الضغط على القوات البريطانية المحصورة في "دنكرك"·

وكان رئيس أركان حرب الامبراطورية البريطانية ملهوفاً يطلب أن يتحدث إلى رئيس الوزراء: "ألا يمكن الاتصال بالملك ليوبولد كي يؤجل استسلام قواته ولو ليوم واحد ليعطي فرصة أكبر للعملية "دينامو"؟"- ورد عليه "تشرشل" بعصبية: "كيف أطلب من ملك بلجيكا أن يزيد في خسائر قواته لكي تقل خسائر قواتنا؟"!

ومن اللافت أنه في هذا الوقت، ووسط هذه الظروف، كتب "تشرشل" بخط يده توجيهاً وزارياً يطلب فيه من كل أعضاء مجلس الوزراء أن "يضعوا أكبر قدر من "تعبيرات السعادة" على وجوههم وفي كلماتهم، وأن يتحدثوا دائماً بابتسامة توحي بالثقة، وإلا فإن "الانهزامية" سوف تتسرب وتسري إلى الرأي العام"·

ويكتب "تشرشل" في يومياته:

"أمريكا لا تقدم لنا أي مساعدة- لا يدرك روزفلت أنه بعد سقوط فرنسا فإن الدور على بريطانيا- واذا سقطت بريطانيا فسوف يجدون أنفسهم وحدهم أمام هتلر- كتبت إلى روزفلت أبلغه أن "لا يعتمد على الأسطول البريطاني"!"

وفي واقع الأمر فإن "تشرشل"- وحتى دون أن يقصد- كان يرد في يومياته على برقية تلقاها من اللورد "لوثيان" السفير البريطاني في واشنطن تتضمن تفاصيل لقاء بينه وبين الرئيس الأمريكي "فرانكلين روزفلت"، وفي هذا اللقاء قال "روزفلت" للسفير البريطاني انه "لا يعرض عليه مقترحات محددة، ولكنه يريد أن يفكر معه بصوت عال"· ومضى "روزفلت" يفكر بصوت عال فقال: "أليس من الأنسب- وألمانيا على وشك أن تحقق انتصاراً ساحقاً في أوروبا- أن يتوجه الاسطول البريطاني إلى كندا وهي عضو في الكومنولث البريطاني، أو إلى جزيرة "برمودا" وهي مستعمرة بريطانية؟"- ثم يمضي "روزفلت" في أفكاره بالصوت العالي يسأل نفسه أو يسأل السفير البريطاني: "أليس من الأفضل للأسرة المالكة البريطانية أن تتخذ من جزيرة "برمودا" ملجأ لها؟"- ثم يستدرك "إنه هو شخصياً كان يسعده أن يعرض على الملك جورج السادس والملكة اليزابيث أن يلجآ إلى أمريكا ومعهما ابنتاهما اليزابيث ومارجريت، ولكنه لسوء الحظ لا يستطيع أن يمنح نفسه هذا القدر من السعادة، لأن الشعور الجمهوري في الولايات المتحدة غالب، ومجيء ملك وملكة بريطانيا والأميرتين  "إليزابيث" و"مارجريت" قد يسبب حساسيات لا لزوم لها!"

الثلاثاء 28 مايو

بدا "تشرشل" هذا اليوم رجلاً حزم أمره على خياراته، ولم يعد مستعداً لتقديم هدايا امبراطورية لـ "موسوليني"، ولا لسماع أصوات مترددة تطرح أهمية اقامة اتصالات مع "موسوليني":

- وفي اجتماع لمجلس الوزراء دخل "تشرشل" في مواجهة مفتوحة مع وزير خارجيته اللورد "هاليفاكس"، وطلب اليه صراحة أن يوقف تلك الأوهام "عن دور يقوم به موسوليني"! (وكان على "هاليفاكس" أن يستقيل من منصبه بعد أيام)·

- وبعث "تشرشل" إلى "بول رينو" رئيس وزراء فرنسا يقول له إنه "سوف يظل يعتبر فرنسا الحقيقية حليفاً رئيسياً لبريطانيا حتى وإن اضطرت فرنسا "الراهنة" إلى الاستسلام أمام جيوش "هتلر""·

(6 يونيو دخل الجيش الألماني إلى باريس!)

- وتابع "تشرشل" العملية "دينامو"، وطلب إلى هيئة أركان الحرب أن تبذل جهدها وتتوجه بنداء إلى كل رجل وامرأة وصبي لديهم قارب صغير قادر على عبور البحر أن يتوجهوا إلى شواطئ دنكرك للاشتراك في عملية انقاذ القوات البريطانية المحاصرة هناك·

(وقام الشعب البريطاني بمعجزة أنقذت فيها القوارب الصغيرة من الجنود البريطانيين سبعة أمثال من أنقذتهم سفن الاميرالية البريطانية)·

- ورفض "تشرشل" التزاماً بتوجيه نداء أخير إلى الرئيس الأمريكي "روزفلت"، وكان قوله: "يجب أن نقف وحدنا وأن نقاوم، وسوف تكون وقفتنا إلهاماً يحرك أمريكا ويعطيها الوقت كي تفهم أن الخطر ليس علينا وحدنا"·

- وكتب "تشرشل" بنفسه خطابه المشهور للأمة: "سوف نقاتل على الشواطئ، في المدن، في القرى، في الشوارع- سوف نقاتل في كل مكان"·

ثم عاد "تشرشل" إلى يومياته يخط:

"إنني أعتقد أن الأمم التي تقع دفاعاً عن أوطانها تنهض مرة أخرى، وأما الأمم التي تستسلم فلن تقوم لها قائمة!" "

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الكتاب وجهات نظر العدد التاسع عشر - اغسطس 2000·

** كاتب صحافي·

طباعة