كتب علي حسين الفيلكاوي:
ذات وطن ـ ركان الصفدي
وزارة الثقافة ـ دمشق
شجر اللوز وحقول المساء
سوف تصطحبك الطرق المسورة بشجر الكلمات منذ قراءة القصيدة الأولى حتى "الخاتمة" - آخر القصائد - في رحلة بين حدود وطن يهطل بشجر اللوز ويموج بحقول الماء وتمتد هواءاته كقبلة أو كسياط تجلد ظهر المدن الحزينة في انبعاث متتال لشعور متدفق من أعماق رؤية راهب وصمت طويل تجوب شظاياه بعنف يكاد يتفجر في أي لحظة فلا الموت يكترث ولا المسافات تهرب ولكن··
"كان يضاهي ظله
يمشي ولا شيء بعينيه
سوى شوارع تمتد نحو الأفق"
وكان "يمشي ويشتم رحيل الضوء في كل الدروب" وبعد أن يصطفي موته منجزا القفزة المهيبة لعالم آخر يغمض عينيه بسلام وخلفه دائرة مقدسة من نار الحلم مستسلما لجمود ولخلاص عالمه الضوئي وللهدف المنجز ولكننا نكتشف أن النائم بسلام لم يكن سوى المدينة التي تداخلت بين حدود رأسه وامتدادات يديه ليتخلق عالم جديد في قصيدة "المدينة" - 1988 حيث يستخدم تقنية منظمة ترتبط بمفردة أو بمطلع وبهذه المفردة يمضي المقطع وينتهي بأجوائها:
ترحل الطائرات
في فضاء عيني
فأعود
غيمة داكنة
ومقطع آخر يرف بعناصر الطبيعة وفضاء النورانية التي يزخر بهما شعر ركان الصفدي
ترحل العصافير
في فضاء عيني
فأعود
شجرة عارية
الشاعر يستخدم الفعل يرحل والمكان "فضاء عيني" والعودة التي لا بد منها ولذلك ترحل الطائرات، العصافير، النجوم، الكلمات الغيوم وتعود محملة بأجوائها ولكنه حين يرحل هو يعود بمدينة للغضب·
في كل ذلك الغنى والوفرة والاختلاف والتنوع تتحرر الصور الفنية الدقيقة والكلمات التي نلاحظ بالفعل اختيارها بعناية وتدافعها في شرايين متدفقة تتشعب في جسد القصيدة لتتوحد وتصب كشلال عمقه المعنى وانطلاقته الفكرة في أرض السياق المتكامل لتنمو نبتة القصيدة كفكرة وعاطفة متجانسة حقيقية تعبر برؤيتها الوجود المحاصر والحدود الشوكية للقواعد والمشاعر المسبقة، تخطر به حواجز العمر من ألفه الى يائه أو من حده الأدنى الى حده الأقصى·· الزحام 1989·
كأن دمشق درتْ إنه طاعني
في الرحيل
صرخت فيه: عد
فرمى نحوها ضحكة
واحتواه الزحام
لا بد أن تستوقفك مجموعة القصائد القصيرة التي جاءت تحت عنوان فسيفساء وهي أكثر من ثلاثين قصيدة تشكل لوحة لغوية فنية بومضتها التي تخلق عند انتهائها ما يشبه لمسة الوعي المفاجأة لتستكمل بعد ذلك وبوعي إضافي قراءة بقية القصائد التي نستطيع رؤية وجهها الآخر الذي يتواصل بطبيعة وسلاسة بصلة إطارها المعني أو الكلمة المجردة ما بين كل قصيدة وأخرى ولنقرأ "وطني" على سبيل المثال···
تورق أحلامنا
في غرفة صغيرة
وتذبل في وطن كبير
ومدى ترابطها مع القصيدة التي تليها وهي بعنوان "الوقت"
نقضمه
يقضمنا
يقضم نفسه
ففي الإطار الفسيفسائي نستطيع أن نقرأ قصيدة الوقت بصلتها مع قصيدة "وطن" (وطن كبير·· نقضمه·· يقضمنا يقضم نفسه)·
جبل الأسرار
الحلم لم يكتشف دموية انتهائه وتشرده في الوطن الكبير أو بمعنى أدق إنه لا يريد أن يكتشف ذلك وهو يصر منذ رحلته الأولى على رسم خطه المتماهي الذي سرعان ما تأكله الجهات ليندبه حينا ويبدأ دون كلل برسمه مرة أخرى وهو يوقن إن مصير ذلك الخط، الحلم الى الزوال حيث يتقاطع ذلك كله بذاكرة التساؤلات الأولى لخطوات طفل يصعد جبل الأسرار ليحصد غيوم الإيمان لكنه يعود مثقل بالخواء حيث ينطفئ سراج تلك الغيوم ولتشتعل في أعماقه الأرض المليئة بالحلم وباليقين الإنساني المحض ليكرر تجربته على حدود الواقع عن طريق اللغة هذه المرة ويكون الرابط المشترك ما بين الرحلتين هو ذات الرابط المرتحل في غربة الغيوم العطشى وفي الرمال التي تكفن الصوت وفي الشجر الذي لا يبوح بخضرته فلا خطوته الأولى ولا المدن الموصدة بأبواب الغموض أو الوطن والوطن الكبير·· ولا شيء في الأفق يبدو إنه سوف ينهمر··
غيوم تمر·· تمر
ولا تهطل!
رقصنا لها في قرانا كثيرا،
ونحن نغني ابتهالا،
وها·· نتسكع في الأفق لا تهطل··
الزمن النهر
دون مواربة ودون زوائد انفعالية تتجاذبك أجواء قصيدة "قلب ضالع في المحبة" وحين تنتهي من قراءتها يستوقفك الذهول قليلا لتستدرك اتزان أعماقك وتستعيد قراءتها مرات أخرى حيث الطرقات وحدها تمشي نحو غربتها أما الخطى فتتحرك خارج نطاق الزمن في رؤية مغيبة عن مسارات الوقت الذي يتبخر فوق تعرجات الجسد والماء الذي يتسرب من بين الأصابع دون أن يلمس كل ما مضى دون أن يتجسد هذا الآفل واقعا ملموسا حيث تتماهى الصور التي رسمت وعلقت على جدارات الذهن حين يفتح "القلب الضالع" باب الرجوع ليجد أن الثابت قد تحول وأن هذا المتحول كائن غريب لم تنهمر به عصافير نافذته ولا ألوان الوطن وعليه منذ الآن أن يتعايش مع هذا الكائن الغريب وإذ كانت غرفة ذهنه أشبه بثياب تتحرك دون جسد وهو لا يزال يطعم نهر قدميه أيامه·· أسراره فهو لم يعد يدرك أين سوف يصب هذا النهر في نهاية المطاف ويقع في ذات الأخطاء في كل مرة لأنه لا يدرك سوى جريرة ذلك "القلب الضالع بـ···" ولا يمتلك سوى الندم السالب الذي يعرض الصور الأولى كقطع من الحلوى فيستجيب الوجدان الطفل ويركض نحوه هو، نحو مشاهده التي رسمته أول مرة للهروب من الطرقات التي تمشي نحو غربتها للتشبث بضوء المياه التي تخفت للدخول ثانية في نطاق الزمن·· لكنه ابتعد أكثر مما ينبغي هذه المرة ولم يعد هنالك مكان للعودة الأكثر اغترابا ولم يعد هو هناك في ذات المكان وكل ما تبقى له هو غرفة ذهنه فهي امتداده في الوطن وفي زواياها يخطر الطفل -الوطن ويجري الزمن النهر···
بردى
أيها الطفل عُدْ
ممسكا بأصابع صفصافة
عند قنطرة
للظلال
تعال أفتّشْ جيوبك
عليَّ أضبطك الآن
تسرق أسرارنا
وتخبئها في الحجر!
ضالع أيها القلب حتى····
********
قلب ظالع في المحبة
ظالع في المحبة قلبي حتى··
ظالع في الشجن
فاملؤوا كوب هذا المساء المتعتع صمتا
وادخلوا في صلاة الوطن·
لا دمشق تنفض فوق عدائرك الهاطلات
النجوم
ولا بردى يحفظ السر خلف رواق الشجر
بردى··
أيها الطفل عد
ممسكا بأصابع صفصافة
عند قنطرة
للظلال
تعال أفتش جيوبك
علي أضبطك الآن
تسرق أسرارنا
وتخبئها في الحجر!
ظالع أيها القلب حتى··
كيف لم تمح وقع دمائك
فوق رصيف الزمن،
كيف لم توصد الباب بعد الرحيل
على الذاكره
كيف تقدر أن تفضح الوقت،
أو أن تفاجئ هذي الفصول
وقد دخلت غرفة النوم
دون نجوم
ودون غيوم
ودون مطر؟!
ظالع أيها القلب في اللحظة الخاسرة···
لن أمجد هذا الصباح الذي اندلق الآن
فوق يبابي،
ولن أفتح الآن للصحب بابي·
سأرتب حزني أول شيء
أمشط عمري المشعث
أغسل وجهي بأغنية
علقت بلساني
ذات مساء
وذات طريق
وذات دمشق·
وألقي بجسمي الى اليوم
مثل حصاة
على الرمل
غارقة في الضجر
أتراني نسيت من الحلم فوق المخدة شيئا، وهل سقطت من ثيابي قبرة الكلمات،
وهل سقطت وردة الموعد الدائم الاحتمال·
أما زال في الجيب دون حراك
جواز السفر؟!
أو ما زال في القلب يهطل
يهطل
يهطل
ذاك المطر؟!
كم أخاف التوغل في،
كم أخاف!
أنت لي أم علي
يا ضفاف؟
أنا نهر يفر الى الغابة السادرة
مل من جريانه بين أصابع اسمنت
هذي المدائن
مل·· ومل
وتاق إلى قمر لا يضيع
على الطرقات·
أنا ذئب
رمته الصحارى بنبل الطوى
فعوى
فوق قحط التخوم
لكي يتمزق ليل الحياة
أنا جرح تفجر في كل صوب
ليرسم ضوء الجهات···
كيف لي أن أداري هذا الأفول،
وها وطن بزغت شمسه
تحت جلدي
وألقى مراسيه في دمي؟!
كيف لي··
لم تزل غرفتي -لم يكن لي يوما سكن-
معطفا باليا لم هذي العظام التي
رفعت جسدي
راية شاحبة
لم تزل صور علقت في الزوايا
تطاردني بصبابتها،
قصص رشقت غربتي بمساميرها،
كتب تتسلل كالنمل أحرفها
ملأت هذه الرأس،
هذي الرفوف،
وطاولة صاخبة···
لم تزل غرفتي
- لم يكن لي سواها وطن -
قاربا يتهادى على
صخب السوق عند الصباح
مترعا بالأنين المعتق
تحت جلود البشر
تتدلى على جانبيه
نجوم الجراح··
لم تزل غرفتي مشرعة
لعصافير ضحكتها،
لأغان تخوض
في عتمة الليل،
ترمي دمي
بالنخيل
وبالأشرعة···
كل شيء هنالك ينأى
بعيدا
بعيداً
وقلبي تدهسه عربات السفر···