· على الحكومة أن تثبت صدقيتها بتطرف وحرفياً بالبرنامج الزمني الذي قدمته للجنة المالية والاقتصادية
· السياسة العامة في البلد حولت التعليم إلى شهادات اجتماعية وليس شهادات مهنية
·يجب أن تعامل البورصة على أنها وحدة محترمة جداً ونتركها تعالج مشاكلها دون تدخل
· أحذر من "الأموال الساخنة"·· والعالم تحكمه حكومات متعددة إحداها مدراء المحافظ المالية
· الحكومة غير واعية بما يكفي ولا ترى أبعد من يومها وغيبتنا معها في عمليات إصلاح غير حقيقية
· "المركزي" يحاول منذ منتصف التسعينات تقليل حجم الضرر ولا يقوم بعمليات بناء ونفع حقيقي
· هناك تراخ شديد في إدارة قطاع النفط وحاله حال القطاعات الأخرى رغم خطورته الشديدة
·مشكلتنا في البلد أن گل مؤسسة اقتصادية حكومة قائمة بذاتها
· احتكار القطاع الخاص أكثر خطورة من احتكار القطاع العام لو تركنا المجال لمجموعة من المتنفذين التحكم في مقدرات البلد
· كل ما حذرت منه منذ الثمانينات من سرقة الاستثمارات والعجز والبطالة قد تحقق للأسف الشديد
· البلد ضاعت في ظروف صعبة وعملية البناء كانت في منتهى السوء··· ونقوم بعملية الإصلاح بعد أن خربنا البصرة
· الأمن قضية اجتماعية وسياسية واقتصادية··· ووزارة الداخلية أصبحت أكثر شفافية وسرعة في الحركة
· الحكومة لا تستطيع أن تتخذ قرارا بالتضامن لأنها تعتمد على محلل واحد
رأى الخبير الاقتصادي ومدير مكتب الشال جاسم السعدون أن الوقت مبكر لتقييم الأداء الحكومي في الشأن الاقتصادي منذ تشكيلها وحتى الآن مشيراً إلى أنه مع تشكيل الحكومة غلب عليها الطابع السياسي، وان الغرض كان هو توزيع المناصب السياسية لكي تضمن إئتلافاً للوصول إلى أهداف في المدى القصير منها انتخابات رئاسة مجلس الأمة وانتخابات اللجان وكذلك حشد التأييد لتمرير الحكومة بعض القضايا وبالتالي تسعى إلى الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات·
وقال السعدون في حواره الموسع مع "الطليعة" والذي تناول فيه عموم الشأن الاقتصادي، إن الحشد الحكومي واجه مشكلتين، المشكلة الأولى متمثلة في أن الحشد جاء من رئىس الوزراء الشيخ سعد العبدالله الصباح الذي شكل الحكومة والذي مرض فيما بعد ولم يستطع الافادة من هذا الحشد ولا إفادة البلد، وبالتالي مررنا بمرحلة يمكن تسميتها مرحلة الترقب والانتظار بأن هناك تغييراً رئيسياً قادماً في الحكومة·
وأضاف: اننا انتظرنا هذا التغيير من بدايات أكتوبر ونوفمبر ثم انتقلنا إلى مرحلة شعرنا فيها بأنها حاسمة في التغير الوزاري في شهري يناير وفبراير ثم وجدنا ان الأمر وصل في نهايته على الأقل ظاهرياً ابتعاد رئىس الوزراء عن القيام بالعمل الفعلي وقيادة الفريق الوزاري من قبل النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وهذا لم يحدث إلا مؤخراً·
وأضاف ان النائب الأول لرئىس مجلس الوزراء يعمل مع فريق أساساً ليس فريقه في مجلس الوزراء، وان هذا الفريق الوزاري يُفترض أنه فريق رئيس المجلس وليس فريق نائب رئيس الوزراء، والنتيجة أنه حتى الآن نجد ان هناك استقطاباً شديداً في الحكومة، وهناك تمرد داخل الحكومة، فالحكومة نفسها لا تستطيع أن تأخذ قراراً بالتضامن وتصوت عليه بدليل ما حدث في مرسوم المرأة وما حدث من اختلاف في قانون الجامعات المختلطة·
وقال السعدون ان الحكومة لا تستطيع أن تتخذ قراراً لأنها تعتمد على محلل واحد وهو مجلس الأمة والذي إن انسحب وقد ينسحب ستسقط الحكومة·
وقال إن هذا ينسحب أيضاً للأسف الشديد على مجلس الأمة والذي تم انتخابه في الصيف الماضي وبالتالي لم يجتمع إلا في الخريف الماضي وانه اجتمع في ظل ظروف عدم تجانس حكومي بالاضافة إلى تمرير الحكومة لأكثر من 06 مرسوماً بقانون ما أدى إلى دخولها في معركة مبكرة مع مجلس الأمة استغرقت ربع السنة الحالية، وبالتالي لم يستطع المجلس أن يعمل كفريق، كذلك لم يستطع أن يقوم بوضع أولويات أو يتناغم مع التشكيل الحكومي، بل على العكس من ذلك تمكن المجلس من انجاز عملين طيبين ثم بدأ الصراع حول قضية حقوق المرأة السياسية والنقاشات الطويلة حول الجامعات المختلطة أو غير المختلطة، وهي قضايا يُفترض ألا يكون هناك خلاف جوهري عليها، ولكن للأسف الشديد أخذت معظم وقت المجلس ووقت الشارع الكويتي·
فلا نريد أن نستبق الأحداث حتى لا نكون ظالمين في التقويم، فهناك بوادر جيدة، وهناك عناصر طيبة جداً في الحكومة، قليلة، وتحاول الآن أن تقدم أو تصيغ رؤية اقتصادية قدمت في شأنها ملامح لهذه الرؤية وإن كانت ليست على مستوى طموحي- أي السعدون-·
ثلاثة أركان
وقال إن الرؤية التي قدمتها الحكومة تحتاج منه إلى الانتظار قبل أن يتم تقييمها نتيجة اشتمالها على ثلاثة أركان، الركن الأول: أن الحكومة وضعت برنامجاً تنفيذياً لمجموعة من القرارات تريد تنفيذها، بمعنى انها وضعت حداً زمنياً لمراحل من برامجها، بالاضافة إلى انها ألزمت نفسها باجتماعات دورية مع اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس الأمة كل ثلاثة أشهر· الركن الثاني: ان الحكومة وضعت شيئاً من الرؤية على حد قولها- الاعلامية لتسويق برنامجها، والركن الثالث: ان الحكومة بدأت في التسويق السياسي لمشروعها، والمقصود من ذلك ان الحكومة بدأت تؤكد على أن للقانون أسناناً، وأنها ستتابع استحقاقات الحكومة على المجتمع وستحصلها، واعلانها بحسم قضية المديونيات الصعبة خلال الربع الثالث، وبالتالي الميوعة في تطبيق أو عدم تطبيق قانون المديونيات يبدو ان الحكومة حسمتها·
وأضاف: ان الحكومة ذكرت أيضاً انها إذا أرادت أن تشرع قانوناً للضريبة فإنها ستكون مرحلية مع تحييدها السواد الأعظم من المجتمع على أن تبدأ بالشركات·
وقال: إن كل ما ذكرته الحكومة سبق أن ذكر في دراسات كثيرة لكن هذه الأركان الثلاثة لم تكن موجودة في السابق، وهذا يعطي بعض الأمل على الأقل، مشيراً إلى أن الحكومة إذا احتاجت أن تثبت صدقيتها، وهذا مهم جداً، أن تلتزم بتطرف وحرفياً ببرنامجها الزمني ومراجعتها الدورية للرؤية الاقتصادية التي قدمتها والتي أعتقد أنها رؤية جزئية جداً وغير شاملة·
الإصلاح السياسي
ورداً على سؤال حول أهمية الاصلاح السياسي قبل الاقتصادي، قال السعدون: إنه يجب أن يكون هناك إصلاح إداري قبل الاصلاح الاقتصادي، وأضاف، الاصلاح الإداري بأنواعه كافة، وانه يفترض أن يكون هناك اصلاح سياسي حقيقي، وانني قد ذكرته أكثر من مرة، وأقصد به أن يكون هناك اصلاح في تركيبة مجلس الوزراء، موضحاً أن مجلس الوزراء يجب أن يأتي أو أن يكون سياسياً، بمعنى أن تحكمه الأغلبية السياسية، ويمثل الارادة الشعبية، وفي هذه الحالة على من يشكل الحكومة أن يتلمس الكتل الموجودة وأن تكون ممثلة في التشكيل الحكومي، وهذا لا بأس فيه، أن تكون الحكومة سياسية، ولكن من أفضل أنواع السياسيين القادرين على إدارة شؤون الحكم كافة·
إذا لم تكن الحكومة سياسية، تكون تقنية، بمعنى أنه إذا لم يعتمد في التشكيل الحكومي على الامتداد السياسي ونظرة الأغلبية فلتكن الحكومة تقنية، بمعنى أن يتم اختيار أفضل الناس القادرين على إدارة شؤون البلد في عالم متغير تحكمه المعلومة والتقنية والعلم، وأضاف أنه قد يكون هذا النمط هو نمط الحكومة التي تدير شؤون البلد، فدعونا ننتظر ونقوم بعملية إصلاح سياسي نهائي ونضع النموذج المميز للإدارة ثم نقوم بعملية الاصلاح الاقتصادي· وعبر السعدون عن اعتقاده عن عدم وجود تعارض في أن تسير عملية الاصلاح السياسي والاقتصادي معاً، وأوضح ان الحكومة تقدم رؤيتها الاقتصادية وأن يأتي تعديل وزاري قادم يأخذ في الاعتبار تقديم أفضل الممكن ثم تقوم بتطبيق ما سبق الالتزام به، وأضاف انه ثبت أننا بلد استثناء وليس بلد قاعدة، والمقصود بذلك اننا نعيش في ظروف صعبة أو طيبة تبعاً للتغييرات في أسعار النفط وانتاجه، وهذا خطر، فإننا لا نحكم المتغيرات ولكنها تحكمنا، والخطر الآخر يتمثل في أن النفط قد لا يكون عنصراً دائماً، وحجم الطلب عليه وأسعاره في تقلب، فالعالم يتسابق في ايجاد بدائل علمية·
وحذر من إضاعة عنصر الوقت الذي يعتبر الأهم في تركيبة عملية الاصلاح· مشيراً إلى ان كل وقت يفقد لا يمكن تعويضه·
تشاؤم السعدون
ورداً على سؤال حول التشاؤم الدائم للسعدون في نظرته لمجمل الأوضاع في الكويت، قال السعدون، انني دائماً أحب ألا أفقد الأمل، وأضاف: انني عندما نُعت بالتشاؤم كان ذلك في بداية الثمانينات، ومع ذلك فأنا أقول إن هذا قلق موضوعي وليس تشاؤماً، قلق موضوعي يكون في مكانه اذا استطاع أن يحرك أحداً فالعملية اصلاح حقيقي·
وذكر مثالاً على قلقه المتواصل، فقال: انه في بداية الثمانينات كنت أقول إننا مقبلون على تركيبة سكانية سيئة، مقبلون على عجز حقيقي، مقبلون على بطالة سافرة، مقبلون على سرقة استثماراتنا الخارجية، مقبلون ومقبلون، وكل ما حذرت منه للأسف الشديد قد تحقق·
وأضاف: الآن إذا تحقق كل ما سبق وأن ذكرته وحذرت منه في الثمانينات، فهذا دائماً يضعني في قلق- والكلام للسعدون- والذي أضاف: إذا وصلنا إلى مرحلة ألا يكون هناك حد لما يقال ويكتب قد أفقد الأمل، لذلك فإنني أحب أن أعيش مرحلة الأمل·
وان المشكلة أنه بعد التحرير، كثير من الناس أصبحوا أكثر تشاؤماً مني، لأن البلد ضاعت في ظروف صعبة جداً، فالاستثمارات سُرقت، وعملية البناء كانت في منتهى السوء، فبدلاً من أن نقوم بعملية اصلاح حقيقي والناس لديها استعدادات للتضحية، قمنا بزيادة الرواتب والأجور وقمنا بإعفاء الناس من قروضهم وتعويدهم عدم الالتزام ثم بدأنا نقوم بعملية الاصلاح، ولكن بعد أن "خربنا البصرة"·
قابلية الإصلاح
وذكر، أنه رغم ان الناس ذهبوا أبعد بكثير في حالة التشاؤم مما هو عليه، موضحاً أنه ينظر إلى الأمور بشكل علمي موضوعي، مؤكداً على أنه مازالت الخلطة قابلة للاصلاح، فالموارد موجودة، والبلد صغير، والبنية التحتية موجودة، والعقول موجودة، لذلك فهو يعتقد امكانية الاصلاح الذي يعتبر مكلفاً، ولكن بالامكان الاصلاح، وقال انه لذلك فالأمل موجود ولا يأس لديه، موضحاً أنه يكتب دائماً سواء على المستوى الشخصي أو من خلال "الشال" أنه مازالت المؤشرات غير مريحة·
الانفاق العام
وأوضح السعدون أنه مثالاً على ذلك، فإننا عندما ننظر إلى الميزانية نجد أنه لايزال الانفاق العام هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي في البلد، وهذا تسبب في كبر الحكومة وضياع القطاع الخاص والفساد السائد، وهو السبب في وجود بشر دون مستوى المنصب الذي يتولونه، موضحاً أن الحكومة لا تحاسب أحداً ويعتقدون أن مال الحكومة مال الحكومة وبالتالي "جهنم يصير فيه"·
وقال انه يعتقد ان هذا سبب البلاء الذي نعيش فيه، فاذا استطعنا أن نقوم بتقديم رؤية مختلفة للانفاق العام، ونتعامل على أساس أن يحقق أهدافنا في المدى البعيد، فهذا يعطي مؤشراً مريحاً·
وأوضح ان وزير المالية يقول كلاماً جيداً، ويبدو ان هذا يكون عن قناعة، فهو يتكلم عن ضبط الجهاز الوظيفي وضبط النفقات العامة ومواجهة الفساد ووقف الهدر، كما أنه يتكلم عن مشروع ضريبي، وهذه قضايا في الاتجاه الصحيح، لكن يبدو لي أنه وزير من حكومة همها الأساسي شراء الود السياسي لذلك فان الأمور أكبر من قدرة وزير أو وزيرين أو خمسة موجودين في الوزارة الحالية، وقد تسير الأمور خلافاً لمن يحاولون الاصلاح حتى داخل الحكومة·
وقال السعدون: إننا نقول على الأقل اننا نستطيع أن نصلح ولم نجد صدى، فعلى الأقل اننا نوثق رأياً، بأن هذا خطأ، ثانياً: اننا ندعم مجموعة اصلاحية موجودة داخل الحكومة أو خارج الحكومة، ولو معنوياً بأن رؤيتنا تتفق مع رؤيتهم في هذا الاتجاه، وهذه قناعات نقولها لا طلباً لإرضاء أحد، ولكنها قناعتي يفترض أن يكون هدفها وهمها اصلاح البلد الذي يفترض أن يكون كلنا نحبه·
الهاجس الأمني
ورداً على سؤال حول عامل الهاجس الأمني وتداعياته على الانفتاح الاقتصادي، قال السعدون: ان تقرير "الشال" وجه انتقاداً في شهر فبراير الماضي تقريباً إلى جهاز أمن الدولة، وذكرنا ان الدولة التي يهز أمنها زيارة 01 أو 51 فرداً حولهم شبهات يعني هذا للأسف ان البلد غير آمن، وذكرنا ان مفهوم الأمن الراهن جاء أساساً من نظرة أجهزة مخابرات في الدول الاشتراكية، مشيراً إلى ان هذا المفهوم انتهى، وأضاف ان الكويت دولة مستقرة، ويجب أن توحي بأنها مستقرة، ولن يهز أمنها زيارة حتى ثلاثة آلاف شخص يدخلون البلد زيارة، خلال فترة محددة من الزمن، وأضاف انه في ظل التشدد فانه من الممكن خنق أو قتل البلد لكي يتم القبض على عشرة مهربين·
وأضاف: النتيجة ان هناك تبادلاً ما بين عدم التشدد الشديد وما بين احتمال وجود خطأ هنا أو مشكلة هناك، وهذا موجود، ولكن تأتي مصلحة البلد في المحصلة النهائية· وذكر انه يبدو انه منذ الانتقادات التي وجهناها إلى جهاز أمن الدولة في فبراير الماضي حدثت تطورات طيبة في وزارة الداخلية، والتي أصبحت أكثر شفافية وسرعة في الحركة، وأكثر وعياً موضحاً ان الأمن مفهوم شامل وليس مفهوم دخول فرد أو خروج فرد، مؤكداً على ان الأمن قضية اجتماعية سياسية اقتصادية وعسكرية بطبيعة الحال، ولكن يفترض أن يعطى لكل عنصر وزنه· وعبر السعدون عن اعتقاده عن ان الهاجس الأمني بدا يخف على مستوى وزارة الداخلية، وأوضح أنه إذا أثبتت الأيام القادمة ان هذا وعي أصيل، لابد أن نمتدح توجهات وزارة الداخلية، ولكن إذا عادت حليمة بعد اجراء هنا أو سرقة أو تهريب هناك إلى عادتها القديمة لابد وأن ننتقد وزارة الداخلية· مؤكداً على ان همنا وهدفنا في النهاية أن يكون البلد مفتوحاً بضوابط معقولة جداً وان يساهم هذا في انعاش أوضاعه الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية·
سرقات المال العام
ورداً على سؤال حول مدى تأثير قضايا سرقات المال العام والخلافات بين بعض رجال الأعمال على سمعة الكويت والانفتاح عالمياً، قال السعدون: ان الأصل والأساس في كل ما حدث ويحدث في الكويت، عدم تطبيق القانون· وأضاف ان البلد الوحيد المنفتح سياسياً وديموغرافياً والتي يوجد فيها صراع على الحكم والذي لا يطبق القانون بل على العكس يكافأ من لا يطبق القانون، هي الكويت، والنتيجة الحتمية لذلك، قد يكون هناك سرقات وأن يرى الناس مُثلاً موجودة فيمن يسرق ولا يطاله القانون ويقومون بالفساد والافساد، فالنتيجة الحتمية أن يكون هناك صراع رغم وضوح القانون بين مجموعة الملاك والتحالفات· موضحاً ان الهيبة في أي دولة هي في احترام القانون واحترام تطبيقه وعدم التمييز في تطبيقه على البعض دون الآخر·
وقال السعدون: انه في تقديري لو حدث أن الحكومة ضمن منهجها الاصلاحي قامت بتقديم أمثلة على أن القانون هو الأقوى، أعتقد ان النتيجة النهائية ستكون مناخاً استثمارياً آمناً في البلد· موضحاً ان الكويت مهما قيل فيها لا تقارن بمن حولها، ففيها قضاء، سلطة قضائية غير مستقلة ولكنها شبه مستقلة، فيها قوانين يستطيع أن يحتكم لها ويرجع اليها الانسان وأن يقاضي أكبر رأس في البلد، هذا في حد ذاته من حيث المبدأ ميزة، الآن، ما يحدث بعد ذلك هو المشكلة، وهو أنه قد يكون هناك تسرب ومحاولة إغواء لطرف هنا وطرف هناك حتى ضمن السلطة القضائية أو أن يكون هناك كم كبير من الأحكام القضائية ولكن لا تنفذ، والأهم من هذا وذاك ألا يحاسب الناس لتصرفاتهم تجاه المال العام أو النظام العام أو القانون، فقد يرى الناس اجتماعياً على الأقل سياسياً أن الحكومة تكافئ من يرتكب هذه الأخطاء من خلال معاملته معاملة طيبة وتحاول أن تدفع في اتجاه عدم إيذائه، بل على العكس تتيح له من النفوذ ما يكفي للإيذاء وزيادة التخريب في البلد· وأوضح انه لو حدث وقدم نموذجاً واحداً رئيسياً يثبت بأن البلد فيها قانون وله أسنان، وأنه يعطي بقدر ما يرتكب من أخطاء، فان هذا كافي في بلد مثل الكويت فيها كل هذه الموارد والقاعدة الكبيرة من القوانين والسلطات الثلاث لتعمل في شكل مستقل لأن تقدم رسالة لكل العالم بأن الكويت بلد مميز وطيب في منطقة ربما تكون الكويت فيها الأفضل على الاطلاق·
لعبة التوازنات السياسية
ورداً على سؤال حول قلق الحكومة تجاه اعطاء القطاع الخاص دوره في عملية التنمية وعملية لعبة التوازنات السياسية، قال السعدون: "أولاً في كل دول العالم التي فيها قطاع خاص نشط يتزامن مع ذلك وجود قوانين حازمة، قوانين تحارب الاحتكار، وتحارب الفساد والافساد، قوانين تحارب أي ممارسات تحاول أن تمس المنافسة بشكلها المطلق"، كان يأتي أحد ويأخذ شيء من تحت الطاولة هو لا يستحقه· وأوضح السعدون ان التخصيص مصطلح مرادف تماماً لقوة شفافية المعلومة والقانون·
وأضاف أنه إذا أردنا أن نقيم قطاعاً خاصاً ناجحاً ونريد أن نحمي المجتمع في نفس الوقت علينا أن نكون حريصين في أن يكون هناك حكومة قوية عكس ما يقال في أن العالم يتجه إلى أن القطاع الخاص يتحول للسيطرة على كل شيء، هذا الكلام صحيح، ولكن في الدول المحترمة يظل هناك حكومة دورها تغير لا تقوم بانتاج سلعي أو خدمي لكن تقوم بشكل رئىسي بحماية المجتمع مشيراً في هذا الصدد إلى ان ما يحدث لميكروسوفت مثال طيب، فهي أكبر وأعظم شركة في العالم تُفكك لأنه يعتقد بأنها تضر بمصالح الآخرين فيما تقوم فيه من عمل احتكاري، والكويت ليست استثناء، فالنشاط الاقتصادي في الكويت تتحكم فيه الحكومة بنسبة 75 في المئة و25 في المئة للقطاع الخاص، والواقع أنه لا يوجد قطاع خاص حقيقي· والآن نريد أن نوازن الاقتصاد، فإذا تركنا المجال بأن تقوم مجموعة صغيرة من النافذين من التحكم في كل مقدرات البلد، فإننا نكون قد قضينا على البلد، لأن احتكار القطاع الخاص أخطر بكثير من احتكار الحكومة، لكن إذا كان هناك حكومة قوية تعرف ماذا تريد وتعرف أن للبلد عليها حق حقيقي فإن المجتمع سيحترمها، والقطاع الخاص سيحترمها سواء محلياً أو أجنبياً، وبالتالي هي لن تكون ظالمة في كل الأحوال، لانها تريد في النهاية أن تنمي البلد والتنمية لا تأتي على حساب أمور أساسية·
وقال السعدون: ان هناك تحولاً في أدبيات المؤسسات المالية الدولية نحو اعطاء أولوية للأوضاع الاجتماعية في اطار اصلاحات السياسات الاقتصادية عالمياً، مشيراً إلى ان البلد الذي لا يعنى بأهداف متوازية اجتماعية وسياسية واقتصادية قد يتحول إلى قنبلة موقوتة، معرباً عن اعتقاده بأن هذا مآل الكويت اذا أرادت أن تحمي المجتمع·
رؤوس الأموال
وحول سؤال يتعلق بأن الكويت هل هي دولة جاذبة لرؤوس الأموال أم لا، قال السعدون: "نعم ولا" بمعنى أنه على قدر خوفي من قانون المستثمر الأجنبي الشق غير المباشر وخطورته، والذي هو استثمار الحوافض، والذي أنجزته بسرعة وأصدرته مع لائحته التنفيذية، ولكن أعطت الحكومة لوزارة التجارة وضع الضوابط ثم لمجلس الوزراء لأن يصدرها، والآن، مجلس الوزراء على وشك أن يتلقى حصيلة نقاشات اللجنة لينشر ضوابط تنفيذ هذا القانون· وأضاف أنه في ظل هذا القانون يحق للأجانب أن يستثمروا بشكل غير مباشر في الكويت من خلال شراء الأسهم أو حتي تأسيس الشركات·
وأوضح، لماذا القانون جاذب وغير جاذب؟ وأجاب قائلاً: انه جاذب من زاوية أن الكويت فيها سلطات ثلاث فيها تشريعات، والمستثمر إذا أصبح لديه مشكلة يستطيع بكل سهولة التوجه إلى القضاء أو يقاضي ضمن المراحل الثلاث بكل سهولة، وفيها يحتاج المستثمر الأجنبي إلى الاستثمار في ثلاثة قطاعات محدودة، وهي أن يستثمر في قطاع النفط، أن يستثمر في قطاع الخدمات العامة مثل الكهرباء والمواصلات والنقل وغيرها، وأن يستثمر أيضاً في قطاع الخدمات المالية· موضحاً أن المستثمر يحتاج إلى الاستثمار في هذه القطاعات الثلاثة بدرجة أساسية، فالقطاع الأول وهو النفط، فهو موجود وبكثرة في الكويت، وبالتالي ينظر اليه على أنه استثمار محتمل متى ما أتيح له الاستثمار في هذا القطاع، ويدخل فيه سواء بشكل استثمار مباشر أو يشتري جزءاً مثل ما حصل في "ايكويت" على سبيل المثال والتي قد تسجل في البورصة ويكون لها أسهم، والأجنبي يستطيع أن يبيع حصته أو يشتري حصة أيضاً، مشيراً إلى أن قطاع النفط بشكل عام مطلوب في كل دول العالم·
وبالنسبة لقطاع الخدمات العامة، أوضح السعدون ان الكويت أكبر بلد مستهلك للخدمات العامة- اتصالات وكهرباء ومياه ومجاري، والمستثمرون الأجانب حريصون على أن يدخلوا القطاع الذي يعتبر مربحاً وليس فيه مشكلة حقيقية، وبالنسبة للقطاع الثالث وهو قطاع الخدمات المالية، أوضح السعدون ان الكويت بلد مصدر لرأس المال، وبالتالي هناك كم كبير من المدخرات، وبالتأكيد هناك أجانب يضعون أعينهم على أن يحصلوا على هذه المدخرات من السوق المحلي ليقوموا بتخفيض أعمالهم· ومن هذا المنظور تعتبر الكويت بلداً جاذباً للاستثمار الأجنبي اذا أتاحت القوانين ذلك·
ومن جانب آخر، تعتبر الكويت بلداً طارداً، أولاً: بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا، فإنه لدي خوف شديد من قانون الاستثمار الأجنبي غير المباشر، لكن رغم كل ذلك، فإذا أردت أن تقوم بعمل ما نتيجة ضخامة الجهاز الحكومي وتعدد اداراته وتعدد سلطات المسؤولية وعدم وجود رؤية تؤدي إلى الدخول في غياهب هذه الوزارات فترة طويلة لكي تأخذ موافقة فيما أنه في بلد آخر قد تأخذ اسبوعاً أو اسبوعين وفي الكويت تأخذ سنة أو سنتين لكي تأخذ ما تحتاجه مشيراً إلى ان هذه بيروقراطية بغيضة وتؤدي إلى طرد المستثمر الأجنبي·
ثانياً: انه رغم وجود القوانين وتشجيع القوانين، فإن هناك شعوراً عاماً في العالم بأن هذه المنطقة غير مستقرة وبالتالي ينظر المستثمرون الأجانب إلى استثماراتهم من زاوية قصيرة أكثر مما ينظرون من زاوية طويلة، موضحاً انه على افتراض إذا هبطت اسعار النفط أصبح فيه مشكلة- العراق غزا الكويت، قلق تجاه ايران من الدول الخليجية- وبالتالي فيه تخوف من وجود هامش من المخاطر موجود في هذه المنطقة، وان كان هذا غير حقيقي على الأقل في الوقت الحاضر، لكن هناك نظرة تخوف من المستثمرين، ومن خلال هذه الزاوية تعتبر الكويت أيضاً طاردة·
وأضاف السعدون: القضية الثالثة، ان الأجانب يخافون حدوث خلاف جوهري داخلي قد لا تكون القوانين مستقرة وقد يحدث عليها تعديل، وهناك تجارب سابقة مثل التأمين وغيره، فهناك بعض الخوف الداخلي من عدم استقرار القوانين- رغم ان الكويت تعتبر الأفضل- ومن هذه الزاوية أيضاً يعتبر المناخ الاستثماري غير جاذب·
وقال السعدون: انه يمكن جعل الكويت جاذبة من خلال أن نخوض تجربة حقيقية، معرباً عن اعتقاده أنه في النهاية المكاسب والمزايا تتغلب على المخاوف·
الأموال الساخنة
وقال السعدون: انه بالعودة إلى قانون الاستثمار الأجنبي غير المباشر، فان أحد أهم الأسباب التي أدت إلى أزمات أربع في العالم متتالية بدءاً من المكسيك ومروراً بآسيا ثم روسيا ثم البرازيل، هي مشكلة ما يسمى "بالأموال الساخنة" والتي هي الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، موضحاً ان مشكلة العالم الحالي ان حكوماته تعددت ولكنها كلها عالمية، واحد من هذه الحكومات العالمية المؤثرة مدراء المحافظ المالية -أصحاب الأموال أساساً- فمدراء المحافظ المالية همهم وهدفهم تحقيق الأرباح، وعمرهم المهني قصير، يريدون أن يأخذوا نصيبهم من هذه الأرباح وجهنم ما يصير بعد ذلك، موضحاً انهم يختارون بلداً محدداً ويقومون بالهجوم عليه من خلال رفع أسعار الاصول فيه إلى أعلى، والاقتراض بالعملة الأجنبية وتحديداً اذا كان البلد يعتمد سياسة سعر الصرف الثابت ما يعني عدم وجود مخاطر على تحويلات الصرف ثم يقترضون بالعملة الأجنبية، لأن أي بلد فيه سعر الصرف ثابت لابد أن يكون فيه هامش في سعر الفائدة أعلى حتى يحافظ على توطين الأموال يحافظ على سعر الصرف·
وان المستثمرين يقومون بالاقتراض بعملات رئىسية على معدل فائدة قليل ثم يدخلون البلد ويحولون هذه العملات الأجنبية إلى عملتها ثم يقومون بشراء الاصول وترتفع قيم الاصول ثم تأتي فترة يعتقدون فيها ان الاصول تضخمت اكثر مما يجب فينسحبون قبل غيرهم من خلال عرضهم هذه الاصول فتهبط أسعارها ومن ثم يقومون بعرض عملة البلد أرضاً للبيع من خلال شراء عملات أجنبية، والنتيجة بعد ذلك أن يكون هناك مستثمرون سواء محليين أو أجانب مقترضين من البنوك المحلية فتنتقل المشكلة أيضاً إلى قطاع المصارف وهذا يؤدي في النهاية إلى حدوث انهيار حقيقي في الاقتصاد وتعويم للعملة وانخفاض وتأثير في الدخول الحقيقية وبطالة واضطرابات وحدوث مشاكل كبيرة في البلد ناتج عن تناقض أهداف أصحاب المحافظ مع أهداف متوسطة وطويلة الأمد للبلد وبالتالي تسقط بلد بقرار من مدراء محافظ لا يعنيهم اطلاقاً تفشي البطالة أو انخفاض الدخل الحقيقي، وذلك كما حدث في أزمات دول آسيا وروسيا والمكسيك والبرازيل، وأوضح ان هذا ليس حكراً على اقتصاديين في دول العالم الثالث لكن انتقل إلى العالم الأول ومؤسسات دولية وليس هناك أدنى شك من مخاطر انتقال رؤوس الأموال للاستثمار غير المباشر، أما الاستثمار المباشر فهو يختلف في أنه متوسط وطويل الأمد·
مخرجات التعليم
ورداً على سؤال حول قدرة القطاع الخاص في استيعاب مخرجات التعليم ونوعيته، قال السعدون: أولاً، وللأسف الشديد ان السياسة العامة في البلد حولت التعليم إلى شهادات اجتماعية وليس شهادات مهنية· وأوضح ان القطاع العام أخذ على نفسه عهداً بأن يوظف كل مخرجات التعليم، ويوظفها بغض النظر عن الاختصاص والحاجة ضمن رواتب محددة لما يسمى بالدرجة الرابعة وبالتالي أي انسان يتخرج بأصعب أو أسهل تخصص يوظف في الحكومة· وفي الحكومة مشكلتين، الأولى: أنه لا توجد فرص عمل حقيقية، وبالتالي من يأتي ليس بالضرورة سيعمل، بغض النظر عن تخصصه، وإنما يضيف إلى كم البطالة المفتعلة، وهذا بحد ذاته قاتل ولا يتيح فرصة التدريب على نطاق العمل لمعظم الخريجين وفي نفس الوقت لا يترك فرصة للتنافس لا في التعليم ولا في قطاع العمل، وحافز الانسان دائماً للانتاج هو التنافس، فالحاجة أم الاختراع- وعندما تنعدم الحاجة لا يكون هناك اختراعات، ومن هنا نجد ان نمط التعليم يخرج موظفين حكومة غير مطلوبين أساساً، وعندما يأتي القطاع الخاص ويجد أن الحكومة فوق كل هذا تزيد بشكل تدريجي من تكلفة العمالة المواطنة، بمعنى أن ترتفع رواتبهم وأجورهم من باب توزيع الدخل كما حدث بعد التحرير في فبراير 1992، وما الذي يحدث، أن يصبح الخريج غير مُعد بشكل جيد تعليماً ولا يشعر بالقلق وبالتالي لا يقوم بإعداد نفسه ذاتياً بشكل جيد بالاضافة إلى أنه غالي جداً ومضمونة فرصة عمله، فما الذي يجعل القطاع الخاص الذي يجد عمالة أرخص يصل أجرها إلى الثلث في بعض الأحيان تعمل ساعات أطول وقامت باعداد نفسها تعليماً بشكل أفضل وقابلة للمنافسة والتدريب أن يشغل عمالة وطنية؟ وبالاضافة إلى ذلك انه مع الزمن احتكرت الحكومة كل شيء فمن الستينات لم يعد هناك قطاع خاص حقيقي، فقطاع الخدمات كله حكومي بما فيه النقل العام والكويتية، قطاع النفط كله على الاطلاق حكومي خلافاً إلى دخولها في كل الأعمال، فما بقي للقطاع الخاص سوى العمل في الوكالات، كأن يقوم بتوريد بضائع أو القيام بخدمات مثل قطاع المصارف الذي يقوم بتصدير المدخرات إلى الخارج، فأصبح كل القطاع الخاص يعمل بالعمولة يهمه جداً قضية التكلفة حتى يحقق أرباح ولا يهمه أن يقوم بعمل انتاج خدمي سلعي حقيقي، لذا فإنه أساساً لا يوجد قطاع خاص·
ثانياً: يستطيع القطاع الخاص الحصول على عمالة أرخص، ثالثاً: الحكومة لا تتيح فرصة لنظام تعليمي جيد، فالنظام التعليمي مزدحم ويخرج موظفي حكومة فقط وفي نفس الوقت مكلفين جداً ولا يقومون بعمل كل ساعات العمل المطلوبة منهم لأن العيب في النظام وليس في الناس· موضحاً ان العيب في أن النظام العام أفسد مناخ العمل وبالتالي أدى إلى ان الناس لا تشعر بالمنافسة ولا تقوم بأعمال حقيقية، معبراً عن اعتقاده أن الناس ظلموا في ذلك، لأنه بقدر ما يتاح لأي انسان تحدي وعمل حقيقي لابد أن يبدع، لكن إذا كان المناخ العام لا يشجع على ذلك فماذا يعمل؟
عمليات التخصيص الحقيقية
ورداً على عدم بدء الحكومة في عمليات التخصيص الحقيقية وان معظم ما قامت به يدخل في اطار الشعبية، قال السعدون: انه بالعودة إلى بدايات حوارنا، نرى أننا نتكلم عن الحكومة وكما لو انها تعي حاجة البلد، المشكلة انه لو فكرت الحكومة بشكل عقلاني ومنطقي، فانه من مصلحتها أن تقوم بعمل حقيقي من باب الاستقرار وحتى من باب الشعور باحترام الحكومة، كان يفترض أن تقوم بعمل حقيقي، لكن تقديري- والكلام للسعدون- ان الحكومة غير واعية بما يكفي ولا ترى أبعد من يومها، وبالتالي لا تتصرف بناء على رؤية وقناعات تخدمها بشكل جيد وتدعمها في اتجاه واحد ومحدد، وهي بذلك ضيعت نفسها وضيعت البلاد معها· وأضاف السعدون: انه لو كانت الحكومة واعية لقامت بعمل اصلاح حقيقي ومن ضمن عمليات الإصلاح أن تخفض من عبء انشاء فرص عمل جديدة·
وذكر ان الحكومة لو قامت في الثمانينات بعمليات توازن حقيقي في الاقتصاد وأعطت القطاع الخاص ما يستحق بل على العكس قامت الحكومة بالبحث واغواء القطاع الخاص لتبني فرص استثمار حقيقية لأصبح الآن القطاع الخاص شريكاً في خلق فرص عمل مع الحكومة وشريكاً في تمويل المالية العامة من الضرائب على القطاع الخاص وأصبح المناخ العام التعليمي مختلفاً لأن التعليم في هذه الحالة يخدم قطاعاً خاصاً يقوم بانتاج حقيقي وبالتالي يفرز وحدات تعليم حقيقية، موضحاً ان كل هذا لم يحدث نتيجة قصور في الوعي الحكومي بل على العكس الحكومة غيبتنا معها في عمليات اصلاح في مناخ تسعى فيه لشراء ود الناس عن طريق دفع أسعار الأصول إلى أعلى، وتعوض الناس من خلال شراء أصول منهم وتسقط ديونهم·
وأضاف ان هناك منافسة غير ذكية في الحصول على دعم الشعب أو الرضا الشعبي، موضحاً ان الحكومة لا تعرف ان هذا الرضا يرتد عليها وعلى الشعب، وانه للأسف الشديد قد يدفع الاثنين ثمناً غالياً جداً·
وذكر السعدون: "إئتني بعقل إداري جيد في الحكومة فتنصلح أحوال البلاد لكن تأتي بفريق لا يرى إلا يومه، فالافراز الطبيعي أن يكون ما نعيشه اليوم·
السياسة النقدية
ورداً على سؤال حول مدى ملاءمة السياسة النقدية مع الأوضاع الاقتصادية الراهنة في البلاد، قال السعدون: إن هناك مثلاً يقول "إذا لم تنفع فعلى الأقل أوقف الضرر"، معبراً عن اعتقاده أن البنك المركزي يسير في اتجاه هذه السياسة، انه يريد أن يوقف الضرر على أهون الشرين اذا لم يستطع بالفعل أن يقوم بعملية نافعة· وأضاف قائلاً: ان البنك المركزي في تطور حقيقي في نمط سياسته على الأقل منذ منتصف التسعينات، وهذا لا يعني ان البنك المركزي لم يرتكب أخطاء، لكن على الأقل بدا يسير في اتجاه مخالف لاتجاهات شراء الود السياسي على حساب البلد ومستقبلها، فمثلاً نرى أنه تدخل لينصح بأن ما يحدث في المالية العامة من فائض ليس فائضاً حقيقياً وإنما ناتج عن ارتفاع أسعار النفط وان هناك خطر حقيقي، كما اننا نجد أنه يتكلم أحياناً بنفس طيب عن ما ينتظرنا من مشكلات إذا لم نقم بإصلاح هنا وهناك، كما اننا نجده يتدخل في وقت وبشكل غير شعبي لإيقاف المارجن في وقت ترتفع فيه أسعار الاسهم إلى الأعلى توقعاً ان هذا قد يدفعنا إلى مشكلة تورط البنوك، وهذه الاتجاهات تعتبر تجديفاً عكس التيار على الأقل تيار الحكومة الذي يريد أن يرى الناس يضحكون وبغض النظر عما قد يحدث لهم بعد ذلك، ومن هذه الزاوية أثني على سياسات البنك المركزي·
وان البنك المركزي قد يكون فاعلاً أكثر لو كان يعمل ضمن رؤية شاملة للحكومة، ولو كانت مؤسسات الحكومة تعي انها جزء من الحكومة· وأضاف ان مشكلتنا في البلد ان كل مؤسسة- الاقتصادية منها على الأقل- حكومة قائمة بذاتها، تقوم بتطبيق قناعاتها وأحياناً نرى هذه الحكومات الصغيرة تختلف مع بعضها بعضاً إلى درجة تضلل أي انسان ينظر لها، فإننا نجد مثلاً وزارة التجارة والصناعة ضد الفتوى والتشريع والتي بدورها ضد البنك المركزي والذي بدوره هو أيضاً ضد وزارة المالية مشيراً إلى ان هذا يحدث في بلد من المفترض ان كل هؤلاء خاضعون لحكومة واحدة، ولا ندري هم حكومة أو مجموعة حكومات، معبراً عن اعتقاده بأنه لم نستطع أن نضع رؤية شاملة ضمن استراتيجية تتبناها الحكومة وأصبحت هذه المؤسسات تعرف اختصاصها ودورها وتنفذ هذه الاستراتيجية سنجد ان البنك المركزي يتفاعل أكثر لكن في ظل الصراع القائم بين مجموعة الحكومات داخل الحكومة، فانه يعتقد- والكلام للسعدون- ان البنك المركزي منذ منتصف التسعينات يحاول أن يقلل حجم الضرر ولا أن يقوم بعمليات بناء ونفع حقيقي، لذلك نجد ان هناك جدلاً دائراً حول صحة عمل كل من المؤسسات الحكومية لأنه لا يوجد رؤية عامة نستطيع أن نضعها كقياس ونحكم لهذا الطرف أو ذاك·
وضع البورصة
ورداً على الوضع الحالي للبورصة ومستقبلاً، قال السعدون: انه يعتقد ان البورصة ستكون مكاناً جيداً ومعقولاً للاستثمار اذا لم يحدث تدخل ونتركها تعالج مشاكلها ذاتياً·
وتساءل السعدون عن المطلوب في أي بورصة، وأجاب قائلاً: ان المطلوب ان نضع النظم والقوانين الصحيحة والآلية التي توفر أكبر قدر ممكن من الشفافية ونطبق القوانين بشكل عادل جداً دون تمييز بين هذا الطرف وذاك· وأضاف انه اذا قمنا بعمل ذلك، ماذا سيحدث؟ وأجاب قائلاً: ان الذي سيحدث هو أن الشركات تتفرغ بعملها ولا تخالف أو تحاول أن تهرب من خلال تأسيس شركة هنا أو هناك أو شراء سهم هنا أو هناك إنما ستقوم بالتخصص والتركيز على عملها وتضع استراتيجيات من خلال أن تأتي بأفضل الموظفين في السوق للقيام بالعمل، وهذا يعني شعوراً بالثقة بأننا نتعامل مع شركات جيدة، وهذا بالنسبة للشركات الجيدة· أم الشركات غير الجيدة، والتي تعتمد على طفرة هنا ودعم حكومي هناك واشاعة والتداول على معلومة سيئة واستخدام نفوذ ستتلاشى وستخرج من السوق وبالتالي تدريجياً سنجد ان الشركات الموجودة في السوق جيدة والشعور العام بالثقة تجاهها طيب ما يؤدي إلى قيام الناس باتخاذ قرارهم بناء على أداء الشركات وليس على توقعات لمتغيرات خارجية ليس لها علاقة بالأداء·
وان الشعور العام في الكويت ان ارتفاع اسعار الاصول مؤشر اقتصادي طيب شعور خاطئ، لذلك تجدنا دائماً ندعو إلى تدخل الحكومة للايحاء على الاقل، وذلك من خلال الحديث عن حلول لمشكلة المديونيات الصعبة فترفع أسعار الاصول، نتحدث عن حل لمشكلة التعويضات فترتفع أسعار الأصول، السماح للناس بأن يتجاوزوا القوانين فترتفع اسعار الاصول، نتحدث عن دخول الهيئة العامة لشراء الاصول فترفع اسعار الاصول، إذن الأداء الاقتصادي أداء طيب، لكن في حقيقة الأمر ان هذا أداء كارثي، والكويت مرت بهذه الأمور أكثر من مرة منذ أزمة المناخ وحتى الآن وجميع هذه الاتجاهات فشلت·
ويجب أن تعامل البورصة على انها وحدة محترمة جداً، وحدة تجذب الناس وتدفعهم إلى اتخاذ قرار استثماري ولا بأس من بعض المضاربة ولكن قرار استثماري لشراء الاصول وليس الدعوة الحكومية أو الشعبية إلى شراء الاصول من أجل رفع أسعارها إلى أعلى هي التي تحرك اسعار الاسهم·
وعن الوضع المستقبلي للبورصة، قال السعدون: انني أعتقد ان البورصة في وضع جيد، بعض الشركات ارتفعت اسعارها منذ عام وأكثر وترتفع بناء على تقدير في قدرتها الادارية واحتمالات المستقبل بالنسبة لها، وشركات اخرى تراوح مكانها ترتفع وتهبط وشركات تهبط، وهذا يعتبر الوضع الطبيعي، موضحاً أن هناك أصولاً جيدة للاستثمار المستقبلي لكن هذا لا يعني ان بعض الاصول وبعض الشركات قد تتعرض لخسائر والناس لا تقبل عليها ثم تصبح شركات غير سائلة، بمعنى انها مسجلة ولكن الناس تخاف ان تشتريها ما لم تهبط اسعارها بشكل رئيسي إلى المستوى الذي يعتقد انها أصبحت جيدة· فعلينا أن نترك السوق يمضي كما هو·
الحوادث النفطية
وعن رؤيته حول الأسباب الحقيقية وآراء كارثة مصفاة الأحمدي، قال السعدون: من غير المحبب والمحبذ ان نقفز على نتائج التحقيق حتى لا نتهم أناساً ونصيبهم بما لا يستحقون· لكن قراءتي للحدث هي ان حال قطاع النفط على خطورته الشديدة حال قطاعات الدولة الأخرى· موضحاً ان هذه الحوادث تحدث، بعضها نسمع عنه والبعض الآخر لا نسمع عنه· وذكر ان في قطاع النفط لمن يعرف قليلاً عن قطاعات النفط ان التعامل فيه يجب أن يكون تعاملاً عسكرياً، بمعنى انه يفترض ان من يعمل فيه أن يكون على علم تام بالتعليمات ويتم تطبيقها بحذافيرها· وتساءل متى يطبق الناس شروط التعليمات والمحاذير؟ وأجاب قائلاً: اذا شعروا انه إذا لم يطبقوها سيدفعون الثمن وبالتالي يشعرون ان هناك نظام عقاب وثواب صارماً الغرض منه حماية القطاع النفطي وأرواح الناس وحماية البيئة أحياناً· وأضاف السعدون انه عندما نسمع عن الحوادث القديمة ولجان التحقيق التي شكلت ثم لا نرى نتائج لهذا التحقيق ما يخطر في البال ان هناك عمليات تدخل من تحت الطاولة لصالح فلان لانه محسوب على هذا أو ذاك، وهذا السلوك هو ما أوقف عمليات اصلاح حقيقي أو على الاقل شعور حقيقي بأن النظم والتعليمات يجب أن تُحترم· وعندما لا تحترم النظم والتعليمات قد تكون أعمال الصيانة غير جادة وغير كافية بل على العكس يمكن أن يكون فيها بعض الفساد، بمعنى أن اعمال الصيانة يصرف عليها ولكنها دون المستوى بالاضافة إلى ان تعليمات الانضباط الخاصة بالأمن والسلامة قد لا تكون حقيقية بمعنى ان هذه المنطقة عليها علامة لا يدخلها إلا من يلبس قناعاً، وهذا يعني انه لا يوجد انضباط في التعليمات وبالتالي يذهب ضحايا من البشر نتيجة حدوث ذلك· والقضية الأخرى، ان هذا قد يؤدي إلى حدوث كارثة على ناس أبرياء مدنيين وقد يؤدي إلى كارثة بيئية مثل الذي حدث في العام 1998 من تسرب للنفط يقال انها غطت نحو 50 في 50 كيلو أو 30 في 30 كيلو تقريباً، وهذه كانت عملية تسرب ضخمة·
وأضاف انه تم تشكيل لجنة تحقيق وكانت الضحايا بيئة، ساحلية ومائية، ولم نسمع عن نتائج التحقيق في هذا الحادث، وأعرب عن شعوره انه لم يدفع أحد ثمن هذا التسرب، وانه لو دفع الثمن من يفترض ان يدفع ثمن الخطأ في التسرب النفطي لانقذنا أرواح ربما الستة الأبرياء الذين ماتوا والجرحى في الحادثتين الأخريين·
وأكد السعدون ان هناك تراخياً شديداً في إدارة قطاع النفط، وهناك تضخم وظيفي وناس تدخل إلى قطاع النفط دون المستوى الحقيقي لمجرد ان عندهم "واسطات"، وبالتالي هذا يعني انه طالما تم السماح لمثل هذه الاجراءات أن تحدث، فهذا يعني ان التعليمات والأنظمة لا تطبق بشدة وبحذافيرها، والنتيجة ما حدث في كارثة مصفاة الأحمدي·