* شعر: عباس منصور
عذبوني في مرابط خيلهم
لم يكن قلبي مربوطاً بلهيب السخرة
فقط
بل طوقوني بالقنوط
وامتدت مهاميزهم تهذب فضاء روحي
ولا جدوى لصلواتي
إذا لم تخني الذاكرة
فأنا مغفل جداً
كيف لم أكشط هذه الفوضى
أولاً·· بأول
(سكان القاهرة
اكتشفوا أخيراً
أن الأموات لا خطر منهم على الإطلاق
فزاحموهم في الإقامة
وعقدوا معهم خيوط المصاهرة)
ما هذه الأسماء التي نطحنها؟
نلطخ بها بياض أرواحنا
مجلس قيادة الثورة·· بيبرس··
سقط اللوى·· القطائع··
أمنحتب·· غداة الحنو·· 67
وهلم جرا
ألا تدهش معي؟
كيف ما فزت بكارة طفل واحدة؟
في كتب التاريخ
ولا حتى امرأة عانس
قررت ربط الرجال بالسحر والتعاويذ
مع أن هذا جائز جداً
ولم لم يخرج عاشق واحد؟
يغرس زهرة على جبانة عاشقة
وكيف اكتسحت كوارث الطبيعة
متاع أهل الدلتا؟
فعامت المصاطب وأجولة الخزين
وسحارات العرس في فورة الفيضان
ألم تستوقف شهوة التاريخ دعواتُ العجائز؟
وفرح الأطفال بالخراب الرائع
الذي أطاح بالعالم القديم
ليزرعهم فجأة في سحرية جديدة
ولم لا يحفظ التاريخ سوى رجال مرتبكين؟
وخيانات فذة
وأيام مغبرة بدماء الحروب
بينما تصخب الأيام بالعاجزين عن البراءة
وتملأ الأفق رائحة الحياة الشبقية
وانكماش العواطف
والأجساد التي أنضجها الجوع
لبقل الأرض
هل يأنف التاريخ من فسوق الروح فيها؟
وانحلال العزيمة··
من سيرة الخونة العاديين
فاخترع صنفاً جديداً لا نلقاهم بتاتاً
إلا بين طياته
ولم سكت التاريخ عن أبي؟
الذي استشاط غيظاً
عندما حاول جدي أن يبسط نفوذه
- كالعادة -
على أمي
وأن قلبها طاوع مشيئة أبي
حين حرضها بالخروج
لينضج قلباهما معاً
بين مرارة النسيان والأوجه الغريبة
أيأنف التاريخ من جماجم البسطاء؟
وقد كوموها في الخلاء
ليفسحوا المجال لجثث جديدة
بينما جدي
الذي قهر كل نساء العائلة
كان هناك بلا كفن
سلة من عظام
تشخص فكاه مجلوين بالضوء والغبار
دونما أي أثر للفحولة
ولمَ تمترس التاريخ؟
عند خروج الزعيم بطلعته الصمد
محاطاً بفلول اللصوص وقطّاع الطرق
بينما الأمة على ضفتي النهر
قبضة عهن راعشة
تلوح للزعيم
الذي انخرط في الصلاة للرب الكبير
مستوحياً نسكاً إلهياً
لتأميم الإرادة
فتعطل المشي ولغة الجنس وحليب الغمام
والذي يبعث القشعريرة في المنام
والذي فار بين فرث ودام
ولم تصعد الفتيات فوق السطوح
انتظاراً لأول الغيث
والأمهات استرحن من قومة الفجر
لإرضاع الصغار
والبهائم في حظائر الدلتا
استملحت لغة الغزل
في المدارس الليلية
فشذبت أظلافها
وكفت عن الشغب
إذا لم تخني الذاكرة
فأنا مغفل جداً
ففي اللحظة ذاتها كانت الأرامل والعواجيز
وأطفال الخلاء المسكون بالعفاريت
والمنسيون عمداً في لجة الهامش
- تكويهم نار الحنين -
والمسكوت عنه في كتب النبوة
وشهداء الواجب المقدس
وضحايا المجاعات والأوبئة
- جميعهم -
كانوا ينضجون رغيفهم
من وهج الروح
وعصير الحياة·