من سرق اللوحة ؟!
نشمي مهنا
لو حاولنا التقاط عدة مشاهد، مختلفة، ومتنوعة، من حياة مجتمعنا على مدى عقد ونصف "من الستينيات الى النصف الأول من السبعينيات" وبدأنا بتركيب تلك المشاهد الى بعضها البعض، جنبا الى جنب، سنفاجأ بصورة مضيئة نادرة، تتشكل أمام أعيننا، ملأت إطار تلك الفترة، وفاضت بألوانها الزاهية، فأعطت أبعادا أخرى·· أكبر من أي إطار·
ما الذي جمع بين تلك المشاهد مختلفة الألوان، ونظمها بسلك واحد لتعطي هذا التوهج؟
من وحّد بين صورها ومعانيها، لترسم لأعيننا وبأعيننا ذلك الجمال، وفي نفوسنا ذلك الأثر؟
المشاهد التي شكلت اللوحة التي نعني، هي "الفوران" الذي سرى بجسد حياة مجتمعنا، الفنية والإعلامية والمسرحية، والرياضية، وغيرها من الحركات الحية في ذلك الوقت، السياسية منها والاجتماعية·· التي حركت سواكن المجتمع، بانتفاضة دؤوبة، ونشاط حماسي كان يسابق الزمن، ليختصر بإنجازاته، ما حققته مجتمعات أخرى·· وصلت الى ما وصلت إليه بأزمان مضاعفة·
محظوظون جدا نحن أبناء الستينيات، يوم أن شهدنا لحظة اكتمال تلك المشاهد، ففي عقدنا الثاني "السبعينيات" وقفنا طويلا أمامها، واستمتعنا بها لفترة - وإن كانت وجيزة - قبل أن يسدل عليها الستار·
والآن - رغم ذلك الحظ - وبعد عشرين عاما نكتفي بتأملها من بعيد ونحن متكئون، متفرغون للتأمل، أو التحليل، أو قد نجهد أنفسنا قليلا بـ "فلسفة" أسباب ظهورها وغيابها·· ونعود لننكفئ على سباتنا·· وحسب·
من منا ينسى تلك الأسماء أو الألوان التي شكلت اللوحة، نقشت في مخيلتنا الصغيرة، بعضها غاب، والبعض الآخر ما زال بيننا، لكن لن يجديه الآن إخلاصه وعزمه على الرسم منفردا ووحيدا، في مرسم بهتت فيه ألوانه، وقل مبدعوه·
عبدالعزيز حسين، أحمد السقاف، أحمد العدواني، خليفة الوقيان، الخطيب، القطامي، عبداللطيف الغانم، عبدالحسين عبدالرضا، سعد الفرج، محمد السنعوسي، عبدالله المحيلان، عوض دوخي، جاسم يعقوب، الحربان، ·· وغيرهم·
ما الذي وحّد جهود كل هذه الأسماء على اختلاف مشاربها؟ هي نجوم ملأت سماءنا، هذه النجوم التي إن ازدحمت في أي ركن من السماء، كانت جديرة لوحدها بتشكيل كوكب، تليق به تلك الإضاءات·· إلا أن الـ "كان" هذه موجعة ومؤلمة إن عز - في يوم - استرجاع ما مضى، أو حتى بصيص ضوء·
طبيعة هذه "الحزمة الضوئية" إما أن تأتي جماعات، أو لا تأتي أبدا، فلم يشهد أي مجتمع على مر العصور، تقدما في لون واحد "كالفن مثلا"، في وقت يعاني به من تخلف في جوانب أخرى، سياسية وثقافية واجتماعية·· وقد تكون تلك سِنّة "النهضة"، وشروطها التي لا يمكن التنازل عنها، فهي إما أن تنهض بجميع قوائمها، لتستعد للانعتاق ومن بعدها للحركة والانطلاق، وإما أن "تبرك" بغير حراك·· دون أن ترتضي بمشية عرجاء·
لذا··عندما كان العدواني يبني لبناتنا الثقافية مع زملائه، كان الخطيب يرسم بألوان أخرى أفقا لحرياتنا، ويفجر عبدالحسين عبدالرضا أفراحنا·· تزامنا مع تألق مبدعي الإعلام والغناء·· والرياضة!!
تعيسون جدا·· نحن الذين شهدنا إسدال الستار على تلك "اللوحة"، قبل أن نعبّ من جمالها!
مشككون جدا·· نحن أبناء الستينيات، ونحن نشهد تكسير قوائم تلك "الصحوة"·· واحدة تلو أخرى·· وكأن هناك قوى خفية وراء كل هذا العبث··
طيبون جدا·· نحن الذين نتساءل عن سارق اللوحة!! ولم نطل برؤوسنا خلف الستار ولم نسترق السمع، ولم نع - رغم يفاعتنا وصبانا - معنى المباركات والابتسامات الخبيثة، التي تطايرت من جلسات حلف حكومي/ أصولي لحركة وليدة آنذاك؟!
Nashmi22@hotmail.com