· محاصرة الفكر النير وهلهلة الإبداع أدتا إلى عدم قدرة الجامعات العربية على تأدية رسالتها
· "التقدم الفكري والفني والتقني الذي عرفته الامبراطوريات القديمة لم يكن ممكنا لولا وجود التعليم العالي المتقدم"
· البدايات الحقيقية للتعليم الجامعي كانت في العالم الإسلامي، خلاف ما يزعم الغربيون من أنها ظهرت في أوروبا
· الجامعات الإسلامية كان لها دور بارز في إثراء المعرفة الإنسانية وتطويرها
· جامعة باريس ظهرت كواحدة من أميز الجامعات الأوروبية في العصور الوسطى
· حتى العام 0591 لم يكن في الوطن العربي سوى ثلاث جامعات هي الجامعة السورية، والجامعة المصرية الحكومية (القاهرة حالياً) وجامعة فاروق الأول (الاسكندرية حالياً)
· "إن من أهم مظاهر التخلف في العالم العربي هذه المؤسسة التي نسميها الجامعة، فليس هناك من المحيط إلى الخليج جامعة واحدة بمفهومها الحديث"
· الخلل الذي أصاب المواءمة بين خريجي الجامعات واحتياجات سوق العمل أهم المشكلات التي تواجه التعليم الجامعي في الوطن العربي
· عرّف الكاردينال نيومان الجامعة بأنها "مكان لتدريس المعرفة العامة، وقال إن وظيفتها الأساسية
·هي نشر المعرفة وليس اكتشاف المعرفة"
د· مليحان معيض الثبيتي *
إن المجتمعات المتقدمة في الوقت الحاضر التي توصف بأنها مجتمعات المعرفة Knowledge Socisites تمثل مركز القوة في العالم، وذلك لما لديها من ثروات اقتصادية ضخمة وترسانات عسكرية هائلة وتقنيات متقدمة وأنظمة اجتماعية وسياسية متطورة· وفي هذا تصديق لما قاله المفكر الشهير فرانسيس بيكون Francis Bacon عندما قال بأن المعرفة قوة "Knowledge is Powerس ويؤكد هذا ما أشار إليه الكاتب المعروف آلفن تافلر Alvin Toffler حيث قال بأن قوة المعرفة هي أكثر أنواع القوة تأثيراً وفعالية وإيجابية· فالمعرفة أهم وسيلة لرفع وتحسين مستوى إنتاجية القطاعات المختلفة سواء في مجال الصناعات أو الخدمات وبالتالي زيادة ثروة المجتمع الاقتصادية· والمعرفة أيضاً أداة بالغة الأثر في إيقاظ الضمير الاجتماعي وتنمية وعي المجتمع وإدراكه لحقوقه وواجباته ومسؤولياته في الحياة بينما يعتبر الجهل أهم أدوات الاستعباد والظلم والاضطهاد· ولذلك جاء الدين الإسلامي الحنيف بالدعوة إلى طلب العلم من أجل إخراج البشرية من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة والحقيقة وتحرير الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد·
هذه الثروة العلمية والمعرفية الهائلة التي يمتلكها العالم المتقدم اليوم مكنته من أن يحقق مستوى غير مسبوق من التقدم التقني والرفاه الاجتماعي والرقي الحضاري، وقد كان للجامعات الدور الرائد في خلق تلك المعرفة وتطويرها ونشرها وتوظيفها في معالجة مشاكل الحياة المعاصرة في تلك المجتمعات· والواقع أن هذا الرصيد العلمي والمعرفي الضخم قد أبدعته وطورته العقول النيرة، وكان للجامعات المرموقة في العالم المتقدم دور بارز في احتضان تلك العقول المبدعة وصياغتها وتهيئة الظروف الملائمة لنموها وإبداعها· وهذا ما تفتقده الجامعات في كثير من دول العالم الإسلامي بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص، حيث الفكر النير محاصر والإبداع مهمل والنقد مرفوض بكل أسف· وقد أدى هذا الوضع إلى عدم قدرة هذه الجامعات على تأدية رسالتها العلمية والمعرفية والفكرية بالشكل المطلوب وبالتالي إلى تخلف مجتمعاتها عن مواكبة التقدم العلمي والتقني والحضاري في مجتمعات رائدة في مجال العلم والمعرفة·
والواقع أن انعقاد المؤتمر العالمي للتعليم العالي في عام 1998م بمدينة باريس بدعوة من منظمة اليونسكو تحت عنوان "التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين: "الرؤية والعمل"· يعطي دليلاً قاطعاً على أهمية وحيوية الدور المعرفي والعلمي والفكري للجامعات فلقد كانت الجامعات ولاتزال وستظل تمثل بيوت المعرفة والخبرة ومصادر إشعاع النور الفكري في كل مكان وزمان متى توافرت لها الظروف الملائمة التي تضمن لها قدراً كافياً من الاستقلالية والحرية الفكرية في حدود المبادئ والمثل الدينية والقيم الأخلاقية للمجتمع بعيداً عن أي نوع من أنواع الحجر العقلي أو الحصار الفكري·
مشكلة البحث
نظراً لأن الدراسات العربية التي تناولت موضوع الجامعات من حيث النشأة والمفهوم والوظائف لاتزال محدودة إلى حد ما، لذلك ظهرت الحاجة إلى هذا البحث الذي تتركز مشكلته على:
1- استقصاء الخلفية التاريخية للجامعات المعاصرة·
2- تحديد مفهوم الجامعة·
3- استقصاء تطور وظيفتي التدريس والبحث العلمي باعتبارهما أهم الوظائف الأساسية للجامعات، وتوضيح طبيعة العلاقة بينهما·
هدف البحث وأسئلته
في ضوء تحديد البحث فإن هدف البحث هو الإجابة على الأسئلة الرئىسية التالية:
1- ما الخلفية التاريخية لنشأة الجامعات المعاصرة؟
2- ما مفهوم الجامعة؟
3- ما أهم الوظائف الأساسية للجامعات؟
4- هل توجد علاقة بين وظيفتي التدريس والبحث العلمي؟ وإذا كان هناك علاقة فما طبيعتها؟
حدود البحث
اقتصر البحث على الحدود الموضوعية التالية:
1- استقصاء الخلفية التاريخية للجامعات المعاصرة بشكل موجز دون التعرض إلى مناقشة الأصول الفلسفية والاجتماعية للتعليم الجامعي أو عقد مقارنات بين الجامعات في بلدان العالم المختلفة·
2- استقصاء وظيفتي التدريس والبحث العلمي من حيث تطورهما وطبيعة العلاقة بينهما، وذلك باعتبار أنهما تمثلان أهم وظائف الجامعات في الوقت الحاضر·
منهج البحث
جمع الباحث بين المنهج التاريخي والمنهج الوصفي وذلك بما يتلاءم مع طبيعة مشكلة البحث وأهدافه·
مصطلحات البحث
الجامعة:
مؤسسة علمية مستقلة ذات هيكل تنظيمي معين وأنظمة وأعراف وتقاليد أكاديمية معينة، تتمثل وظائفها الرئيسية في التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع، وتتألف من مجموعة من الكليات والأقسام ذات الطبيعة العلمية التخصصية، وتقدم برامج دراسية متنوعة في تخصصات مختلفة منها ما هو على مستوى البكالوريوس ومنها ما هو على مستوى الدراسات العليا تمنح بموجبها درجات علمية للطلاب·
التدريس الجامعي
وظيفة أساسية من وظائف الجامعات يتم من خلاله نقل المعرفة إلى طلاب الجامعة من أجل تحسين مستوى ونوعية حصيلتهم العلمية والمعرفية وتنمية قدراتهم الفكرية، وإكسابهم خبرات واتجاهات ومهارات ذات مردود إيجابي في حياتهم العملية، ويشتمل على فعاليات وأنشطة وأساليب متنوعة·
البحث العلمي
نشاط فكري منظم يقوم به المتخصصون في حقول المعرفة المختلفة وفق منهجيات علمية معينة وذلك من أجل إثراء المعرفة الإنسانية وتطويرها وتجديدها، وكذلك معالجة المشاكل والقضايا التي تعيشها المجتمعات المعاصرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والبيئية، وهو يمثل وظيفة أساسية من وظائف الجامعات في الوقت الحاضر·
أولاً: نشأة الجامعات
ليس من أهداف هذا البحث دراسة التطور التاريخي للتعليم الجامعي خلال العصور المختلفة بكل تفاصيله ومعطياته وأصوله الفلسفية والاجتماعية، أو تتبع حركة تأسيس الجامعات في الشرق والغرب منذ بدايتها حتى الوقت الحاضر، وإنما الهدف هو إعطاء نبذة تاريخية موجزة عن نشأة وتطور الجامعات المعاصرة· وقبل الحديث عن نشأة الجامعات لابد من التفريق بين مفهوم التعليم العالي Higher Education والذي يقصد به مستوى متقدم من التعليم يتطلب من المتعلمين قدرات عقلية خاصة واستعدادات ذهنية ونفسية جيدة، وبين مفهوم الجامعة كمؤسسة علمية University as an institution ذات هيكل تنظيمي معين وأنظمة وأعراف وتقاليد أكاديمية معينة· فبالنسبة للتعليم العالي بمفهومه السابق تشير بعض المصادر إلى أن هذا النوع من التعليم قد عرف في كثير من الحضارات الإنسانية القديمة في مصر والهلال الخصيب والهند والصين واليونان وغيرها، حيث أدت التجمعات السكانية الكبيرة في المناطق المدنية إلى ظهور مهن غير الزراعة تتطلب مهارات وقدرات مهنية تخصصية معينة، ما حتم وجود نوع من التعليم المتقدم المستوى لإعداد أولئك المهنيين وتزويدهم بالمعارف والمهارات التي تتطلبها تلك المجالات المهنية، وفي هذا الصدد يقول آسا نولز Asa Knowles إن التقدم الفكري والفني والتقني الذي عرفته الامبراطوريات القديمة لم يكن ممكناً لولا وجود نوع من التعليم العالي المتقدم المستوى؛ (Knowles, 1978: 2017-2018)·
أما بالنسبة لنشأة الجامعات كمؤسسات علمية، فمع أن أغلب الكتاب الغربيين يزعمون أن البدايات الحقيقية للتعليم الجامعي التخصصي المنظم كانت في أوروبا الغربية، ويستشهدون على ذلك بجامعات باريس وأوكسفورد وكيمبرج وبولونا وغيرها من جامعات العصور الوسطى، إلا أن الحقيقة خلاف ذلك، حيث يؤكد كثير من المهتمين بتاريخ التعليم الجامعي بأن البدايات الأساسية لهذا النوع من التعليم كانت في العالم الاسلامي، وأن الجامعات قد عرفت في البلاد الإسلامية قبل أن تعرف في الغرب المسيحي في العصور الوسطى بقرون كثيرة· ومن الجامعات الإسلامية التي كان لها سمعة ومكانة علمية مرموقة في ذلك الحين ويستشهد بها كثير ممن كتبوا حول تاريخ التعليم الجامعي جامعة قرطبة في الأندلس 180هـ/ 795م وجامعة القرويين في المغرب 245هـ/859م وجامعة الزيتونة في تونس 682هـ/1283م وجامعة الأزهر في مصر 369هـ/970م، والتي قال عنها الفونسو بوريرو كابل بأنها أقدم جامعة في العالم؛ (Cabal, 1993:8) (القطري، 1405هـ: ص 75، وص91، وص 101)·
كانت البدايات الأولى لتلك الجامعات في أروقة الجوامع والمساجد، ثم تطورت مع مرور الزمن إلى جامعات مستقلة تمثل مؤسسات علمية متميزة، تقدم مستوى عالياً من التعليم التخصصي في كثير من حقول المعرفة المختلفة، مما جعل الطلاب يفدون إليها من شتى أنحاء العالم الاسلامي آنذاك، بل وحتى من أوروبا، وذلك لتلقي العلم سواء في مجال العلوم الشرعية والدينية أو العلوم الإنسانية أو العلوم الطبيعية، على أيدي أساتذة وعلماء متميزين لهم مكانتهم العلمية في مجال تخصصاتهم· ولذلك نجد أن الجامعات الإسلامية كان لها دور بارز في إثراء المعرفة الإنسانية وتطويرها، وقد انعكس ذلك بشكل إيجابي على المجتمع الإسلامي في كثير من جوانب حياته الفكرية والاجتماعية والثقافية آنذاك· ومع أنه لا يمكن القول بأن الجامعات الإسلامية في ذلك الحين كانت مماثلة للجامعات في الوقت الحاضر من حيث هياكلها التنظيمية ومناهجها الدراسية وطرق تمويلها ومكتباتها ومعاملها ومختبراتها ونحو ذلك، إلا أن المؤكد أنها كانت مثل مؤسسات علمية متطورة لها أنظمتها وأعرافها وتقاليدها الأكاديمية الخاصة بها، والتي اقتبست الكثير منها جامعات العصور الوسطى في أوروبا (Cabal, 1993: 7-8)· ومما تميز به التعليم الجامعي في الجامعات الإسلامية آنذاك اعتماده على الحلقات الدراسية والمناقشة والمناظرة كأساليب وطرق للتدريس، كما عرفت الجامعات الإسلامية حفلات التخرج ومشاركة الطلاب في إدارة الجامعة، ونظام السكن الجامعي للأساتذة والطلاب وغير ذلك من التقاليد الأكاديمية التي تطبقها الجامعات في الوقت الحاضر؛ (القطري، 1405هـ: ص98، وص108)· وظلت الجامعات الإسلامية ردحاً طويلاً من الزمن مصادر إشعاع علمي وفكري وثقافي متميز، في الوقت الذي كان فيه الغرب المسيحي يعيش في جهل وتخلف، مما جعل الجامعات الإسلامية تترك بصمات واضحة على ثقافة الغرب وحضارته· وقد عبر توبي هاف عن هذه الحقيقة بقوله:
"أنفقت أموال ضخمة خلال العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية على التعليم وتحصيل المعرفة، وإذا استطلعنا مجالات المعرفة التي تركت الحضارة الإسلامية بصماتها عليها، فإننا نجد العلوم الطبيعية كالفلك والرياضيات والطب والصيدلة والبصريات ونحوها، حيث الإنجازات العلمية الكثيرة· أما الفنون والهندسة فهي بدورها لم تكن تعوزها الأصالة والفخامة· ولذلك نجد أنه حتى القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين كان التوازن بين معرفة متكاملة وبين وجود من لديهم المواهب العلمية المدربة تدريباً جيداً يرجح العرب على الأوروبيين، وخلاصة القول أنه لم يكن هناك نقص في سجايا العبقرية الإسلامية العلمية المبتكرة" (هاف، 1997، ص ص 23-15)·
مع بداية النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي أخذ الوضع في أوروبا يتغير، وذلك نتيجة لأسباب دينية واجتماعية كثيرة، وظهرت بوادر عهد جديد كان من أبرز ملامحه إنشاء بعض الجامعات التي كونت النواة الأولى لأنظمة التعليم الجامعي المعاصر في أوروبا، مع ما طرأ على تلك الأنظمة من تحولات وتطورات جوهرية كثيرة خلال تاريخها الطويل· من أشهر الجامعات التي أسست في تلك الفترة جامعة بولونا في إيطاليا 1088م وجامعة باريس في فرنسا 1130م واللتان كانتا بمثابة نموذجين بارزين أنشئت على غرارهما كثير من الجامعات في أوروبا فيما بعد، على غرار جامعة باريس أنشئت جامعة أكسفورد 1180م وجامعة كيمبرج 1209م في انكلترا· تلا ذلك إنشاء جامعة بادو في ايطاليا 1220م وجامعة أورلينز في فرنسا 1229م وجامعة براغ في تشيكوسلوفاكيا 1348م وجامعة فيينا في النمسا 1365م وجامعة بيكس في هنغاريا 1367م وجامعة هايدلبرج 1386م وجامعة كولون 1388م وكلاهما في المانيا وجامعة بودابست في المجر 1389م؛ (Knowles, 1978: 2027-2030)·
أخذت الجامعات تنتشر في أوروبا تدريجياً، حتى بلغ عددها مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي 79 جامعة موزعة على جميع أنحاء القارة الأوروبية (Lucas, 1994; 47)· ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جامعات العصور الوسطى في أوروبا لم تكن تحمل مسمى جامعات منذ بداية تأسيسها، وإنما أنشئت في البداية تحت مسميات مختلفة مثل Guild وتعني نقابة أو Nation وتعني عشيرة أو Studium وتعني مكان الدراسة· تطورت هذه المسميات واندمجت فيما بعد تحت مسمى تنظيمي جديد هو Faculty وهو مماثل تقريباً لمسمى كلية، وصنفت تلك التنظيمات حسب التخصصات العلمية مثل Faculty of arts أو Faculty of medicine أو Faculty of law ونحو ذلك· في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي تقريباً ظهر في أوروبا مصطلح جامعة University وكان يقصد به التعبير عن مجموعة Faculties يضمها تنظيم إداري وأكاديمي واحد؛ (Lucas, 1994:41-46)·
من بين تلك الجامعات برزت جامعة باريس كنموذج متميز للتعليم الجامعي في العصور الوسطى، أسست على غراره كثير من الجامعات في شمال وغرب ووسط أوروبا، مما جعل جان هنري نيومان، رئيس جامعة دبلن، يصفها في عام 1851 بأنها مفخرة العصور الوسطى في أوروبا (Pelikan, 1992:83)، ويؤكد هذا ما ذكره فليب آلتباك Philip Altbach حيث قال بأن جامعة باريس في العصور الوسطى كانت تمثل نموذج الجامعة الحقيقي الذي نجد كثيراً من خصائصه متوفرة في معظم الجامعات المعاصرة· فقد كانت جامعة باريس آنذاك جامعة أساتذة Professor- dominated University بعكس جامعة بولونا التي كانت جامعة طلاب Student- dominated University· بمعنى أن الأساتذة في جامعة باريس كانوا هم أصحاب الكلمة في جميع شؤون الجامعة الأكاديمية والإدارية· فكانوا هم الذين يضعون المناهج الدراسية، وهم الذين يحددون متطلبات التخرج ومعايير منح الدرجات العلمية· بالاضافة إلى ذلك كان أساتذة جامعة باريس هم أصحاب القرار فيما يتعلق بشؤون الجامعة المالية وقبول الطلاب وتعيين أعضاء هيئة التدريس وترقياتهم، وذلك من أجل الحفاظ على مفهوم استقلالية الجامعة University Autonomy وحمايتها من أي تدخلات أو هيمنة خارجية، وضمان توافر الحرية الفكرية اللازمة لأعضاء هيئة التدريس في الجامعة حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم العلمية والمعرفية بعيداً عن أي نوع من الضغوط أو الاضطهاد الفكري؛ (Altbach, 1991:29)·
لم تنشأ جامعة باريس التي اعتبرها آلتباك النموذج الحقيقي للجامعة أو غيرها من جامعات العصور الوسطى في أوروبا من فراغ، وإنما من المؤكد أنها كانت متأثرة بالجامعات الإسلامية التي سبقتها في كثير من أنظمتها وتقاليدها الأكاديمية عندما كانت الجامعات الإسلامية في أوج ازدهارها العلمي والفكري· ولكن تردي أوضاع العالم الإسلامي فيما بعد، ولا سيما بعد أفول شمس الخلافة العباسية، وما تبع ذلك من تخلف وتمزق، قد أفقد الجامعات الإسلامية دورها الريادي في عالم العلم والمعرفة، في الوقت الذي أخذت فيه سمعة الجامعات الأوروبية ومكانتها العلمية تتطور مع الزمن، حتى أصبحت تمثل نماذج للتعليم العالي في كثير من بلدان العالم، ولا سيما بعد ظاهرة المد الاستعماري الأوروبي الواسع لكثير من الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية واستراليا· إضافة إلى أن بعض الطلاب غير الأوروبيين الذين درسوا في الجامعات الأوروبية قد عادوا إلى أوطانهم متأثرين بأنظمة تلك الجامعات وأساليبها وذلك بحكم معايشتهم لها خلال فترات دراستهم، مما ساعد على نقل كثير من تلك الأنظمة والأعراف الأكاديمية إلى الجامعات في الأوطان الأم·
على نمط جامعة باريس في فرنسا وجامعتي أوكسفورد وكيمبردج في انكلترا أنشئت بعض الكليات التي كانت بمثابة النواة الأولى للتعليم الجامعي في الولايات المتحدة الأمريكية مثل كلية هارفارد 1636م (جامعة هارفارد حالياً) وكلية ولياموماري 1693م وكلية بيل 1701م (جامعة بيل حالياً) وكلية فلادلفيا 1740م (جامعة بنسلفانيا حالياً) وكلية نيوجرسي 1746م (جامعة برنستون حالياً) وكلية كنج 1754م (جامعة كولومبيا حالياً) وكلية رود أيلاند 1764م (جامعة بروان حالياً) وكلية كوين 1766م (جامعة روتجر حالياً) وكلية دارتماوث 1769م؛ (Lucas, 1994: 105)·
بعد ذلك توالى إنشاء الكليات في مختلف الولايات الأمريكية حتى بلغ عددها في عام 1861م 250 كلية· مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي واستجابة لظروف اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية مختلفة، وبحماس وشجاعة بعض الشخصيات الأكاديمية القيادية مثل جيمز أنجل James Angell رئيس جامعة متشجن، ونوح بورتر Noah Porter رئيس جامعة بيل وأندرو وايت Andrew White رئيس جامعة كورنيل ووليم روجرز William rogers رئيس معهد مساتشوستس التقني وولتر هل Walter Hill رئىس جامعة جورجيا ووليم يبر William Pepper رئىس جامعة بنسلفانيا ودانيال جلمان Daniel Gilman رئيس جامعة جانز هوبكنز وتشارلز أوليت Charles Eliot رئيس جامعة هارفارد وغيرهم؛ بجهود وحماس وتفاني أولئك القياديين الرواد، وفي ظل معطيات مجتمعية كثيرة عاشها المجتمع الأمريكي آنذاك، شهد التعليم الجامعي في الولايات المتحدة الأمريكية تحولاً نوعياًَ كبيراً نتج عنه الانتقال من عهد الكليات إلى عهد الجامعات، وقد صاحب ذلك تطور نوعي في البرامج والمناهج الدراسية، وزيادة في أعداد الطلاب، حيث لم يعد التعليم الجامعي حكراً على الطبقة الغنية في المجتمع الأمريكي، وإنما أصبح متاحاً لكل من تسمح له قدراته واستعداداته بمواصلة الدراسة الجامعية من فئات المجتمع المختلفة، ولذلك ارتفع عدد الطلاب في الجامعات الأمريكية من 62000 طالب في عام 1870 إلى ما يزيد على 355000 طالب في عام 1910م؛ (Lucas, 1994: 139-144)·
ومادام الحديث عن نشأة الجامعات فلابد من الإشارة إلى أن النصف الأول من القرن العشرين كان يمثل فترة مهمة جداً في مسيرة التعليم العالي، حيث شهد التعليم الجامعي خلال هذه الفترة تحولات ونقلات كمية ونوعية كبيرة لا سيما في العالم الغربي· فمثلاً في بريطانيا بعد أن كان التعليم الجامعي حكراً على جامعتي أكسفورد وكيمبردج لمدة 700 سنة، نجد أن عدد الجامعات قد ازداد من 10 جامعات في عام 1900 إلى 21 جامعة في عام 1950م، وارتفع عدد الطلاب من 20000 في عام 1900م إلى 100000 طالب وطالبة في عام 1950م، كما ارتفع عدد أعضاء هيئة التدريس في الجامعات البريطانية من 2000 في عام 1900م إلى 15000 عضو هيئة تدريس في عام 1950م، وقد صاحب هذا التطور الكمي في التعليم الجامعي في بريطانياً تطور نوعي في البرامج والمناهج الدراسية ولا سيما في مجال الدراسات العليا من حيث التوسع في برامجها وتخصصاتها، إضافة إلى ذلك بدأ البحث العلمي يشغل مساحة أوسع في الأوساط الأكاديمية البريطانية؛ (Halsey, 1995: 62-67)·
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد ارتفع عدد الجامعات والكليات من نحو 700 في عام 1900م إلى 1800 جامعة وكلية في عام 1950م، وزادت أعداد الطلاب من 355000 في عام 1910م إلى 2300000 في عام 1950م، كما ارتفع عدد الشهادات العلمية التي منحتها الجامعات والكليات الأمريكية من 29000 في عام 1900م إلى 500000 شهادة علمية من مختلف المستويات في عام 1950م· ومن التطورات النوعية المهمة التي شهدها التعليم العالي في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من القرن العشرين ميلاد الكليات المتوسطة وانتشارها في كثير من الولايات الأمريكية، وكذلك التوسع الكبير في برامج الدراسات العليا في جميع التخصصات، وقد صاحب ذلك التركيز بشكل أكبر على البحث العلمي مما أدى إلى ظهور ما يعرف بجامعات البحث العلمي التي تميز بها نظام التعليم العالي الأمريكي عن غيره من أنظمة التعليم العالي في كثير من بلدان العالم الأخرى· هذا بالإضافة إلى بناء المدن الجامعية والمكتبات الضخمة وغير ذلك مما كان يتطلبه التعليم الجامعي الأمريكي في تلك الفترة؛ (Lucas, 1994: 227-228)·
لم يكن التطور الكمي والنوعي الذي شهده قطاع التعليم العالي في النصف الأول من القرن العشرين مقصوراً على بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وإنما مرت أنظمة التعليم العالي في جميع بلدان العالم التي كان فيها تعليم جامعي بتطورات مشابهة وإن اختلفت تلك التطورات في شكلها ومضمونها من بلد إلى آخر حسب ظروف وامكانات كل بلد·
بالنسبة للعالم العربي نجد أنه حتى عام 1950م لم يكن هناك سوى ثلاث جامعات فقط وهي الجامعة السورية التي تأسست عام 1923م (جامعة دمشق حالياً) والجامعة المصرية الحكومية التي تم انشاؤها في عام 1925م (جامعة القاهرة حالياً) وجامعة فاروق الأول التي افتتحت في عام1942م (جامعة الاسكندرية حالياً)· سبق إنشاء هذه الجامعات وجود 13 كلية ومدرسة عليا في حقول مختلفة موزعة بين مصر ولبنان والسودان والعراق وتونس· تلا ذلك إنشاء جامعة الخرطوم في عام 1955م وجامعة بغداد في عام 1957م وجامعة الملك سعود في عام 1958م· منذ بداية عام 1960م أخذ عدد الجامعات في العالم العربي يزداد بشكل ملحوظ حتى بلغ عدده في عام 1987م ثلاثاً وثمانين جامعة موزعة على جميع الأقطار العربية؛ (القاسم، 1990م: 30-28)، ورغم النمو الكمي في عدد الجامعات العربية وازدياد أعداد طلابها بشكل كبير، إلا أنها لم تحقق سبقاً علمياً عالمياً مرموقاً في مجال البحث العلمي، ولاتزال مخرجاتها تمثل في كثير من الأحيان عبئاً على التنمية الوطنية في تلك الأقطار نظراً لعدم التوافق بين الخصائص العلمية والمعرفية والمهنية لتلك المخرجات واحتياجات مجتمعاتها التنموية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية· ويؤكد هذا ما ذكره أحمد صيداوي حيث قال: "إن من أهم مظاهر التخلف في الوطن العربي تخلف هذه المؤسسة التي نسميها الجامعة· فليس هناك من المحيط إلى الخليج جامعة واحدة بالمفهوم الحديث· إن ما نسميه بالجامعات ليس إلا مدارس للتعليم الجامعي، يمارس فيها التعليم بواسطة الحفظ والتلقين والوعظ والتبشير ودراسة الكتب الكلاسيكية· ولذا فقد أفرزت هذه الجامعات قيادات هزيلة لم تتمكن من إحراز أي تغيير جذري في البنية البيئية للمجتمع العربي، كما انها لم تتمكن من القيام بالثورة العلمية· هذه الثورة الضرورية لانتشال الإنسان العربي من كهوف الأسطورة إلى شمس المعرفة؛ (صيداوي، 1991م: 20)· ومن نفس المنظور يشير محمد دكير إلى أن من أهم المشكلات التي تواجه التعليم الجامعي في العالم العربي هو "الخلل العميق الذي أصاب المواءمة بين خريجي الجامعات وبين احتياجات سوق العمل من هذه الكفاءات المتخصصة، فظهرت بطالة الخريجين ذوي الشهادات والكفاءات العلمية العالية الذين لم تستوعبهم مجالات العمل· بالاضافة إلى الحديث عن ضعف المناهج، وعدم مواكبتها للتطور العلمي والتقني، مما أثر على مستوى الطلبة وتحصيلهم للمعارف الجديدة ومسايرتهم للتطور العلمي العالمي"؛ (دكير، 1998م: 154)·
مما سبق يتضح بأن الجامعات التي نعرفها اليوم في نهاية القرن العشرين لم تنشأ من فراغ أو تكون وليدة الصدفة، وإنما هي عبارة عن حصيلة مسيرة تاريخية طويلة امتدت لمئات السنين مرت خلالها الجامعات بتجارب كثيرة، وتعرضت لتغيرات جوهرية كثيرة في هياكلها التنظيمية وأهدافها وسياساتها التعليمية وبرامجها ومناهجها الدراسية ووظائفها العلمية والمعرفية·
ثانياً: مفهوم الجامعة
الجامعة والمعرفة مفهومان متلازمان· فقد ارتبط مفهوم الجامعة خلال تاريخها الطويل بمفهوم المعرفة، ولذلك تعرف الجامعة بأنها مجتمع العلماء Community of Scholars· على هذا الأساس ينظر إلى الجامعات على أنها تمثل الموارد المعرفية للمجتمع· فبقدر ما يحتاج المجتمع إلى موارد ومصادر طبيعية لبناء كيانه الاقتصادي، يحتاج أيضاً إلى موارد ومصادر لبناء كيانه المعرفي والفكري وهذه هي وظيفة الجامعات· وقد عبر المفكر الألماني كارل جاسبرز Karl Jaspers عن ذلك بقوله إن الجامعة تعني في حقيقة الأمر الوجود الفكري للمجتمع؛ (Cabal, 1993: 131)· ويؤكد هذا المفهوم المعرفي لوظيفة الجامعة ما ذكره كارل ويلك Karl Weick حيث قال بأن الجامعة هي مصدر المعرفة Source of Knowledge، وانها إنما تستمد هويتها وشرعية وجودها من هذا الدور المعرفي المهم الذي تقوم به في حياة المجتمع (Weick, 1984:15)· من نفس المنظور نجد أيضاً رونالد بارنت Ronald Barnett، يؤكد بأن وظيفة الجامعة وظيفة معرفية في المقام الأول، ولذلك تقع على عاتق الجامعات مسؤولية إثراء وتطوير وتنمية البناء المعرفي للمجتمع؛ (Barnett, 1990:8)·
وإذا تتبعنا التطور التاريخي لمفهوم الجامعة لوجدنا أن المنظرين والمفكرين والممارسين في حقل التعليم الجامعي قد أجمعوا على أهمية وحيوية الدور المعرفي للجامعة، ولكن اختلفوا حول طبيعة ذلك الدور، وتمثل هذا الاختلاف في ظهور اتجاهين رئيسيين: أحدهما يرى رواده أن دور الجامعة كمؤسسة علمية هو نشر المعرفة والحقيقة والنور خارج أسوارها، ونقل التراث المعرفي والفكري والثقافي للمجتمع من جيل إلى آخر من أجل الحفاظ على هوية المجتمع الفكرية والثقافية dissemination and transmission of Knowledge· ويتمثل هذا الاتجاه في كتابات بعض المنظرين مثل جان نيومان John Newman وأورتيجا جاست Ortega Gasset ووولتر موبرلي Walter Moberly وروبرت هتشنز Robert Hutchins وبنجامن جووت Benjamin Jowett وغيرهم· بينما يرى أنصار الاتجاه الآخر أن الجامعة مؤسسة علمية حيوية تستمد هويتها من البعد المعرفي بالدرجة الأولى، ولذلك فإن دورها لا يقتصر فقط على نشر المعرفة ونقلها من جيل إلى آخر، وإنما يجب أن يشمل جانباً آخر يتمثل في خلق المعرفة واكتشافها وتطويرها Creation, discovery, and and advancement of Knowledge ومن أبرز رواد هذا الاتجاه كارل جاسبرز Karl Jaspers وفيلبس جريفز Phillips Griffiths وأبراهام فلكسنر Abraham Flexner ودانيال جلمان Daniel Gilman (أول رئيس لجامعة جانز هوبكنز) وثورنستاين فبلن Thornstien Veblen وولهلم فان همبولدت Wilhelm Von Humboldt (مؤسس جامعة برلين)؛ (Barnett, 1990: 17-29)، (Lucas, 1996: 72-80)· ويعتبر عالم الاجتماع الأمريكي ثورنستاين فبلن من أكثر المتحمسين لمفهوم دور الجامعات في خلق المعرفة واكتشافها حيث قال بأن الجامعة لكي تستحق أن تسمى جامعة لا بد أن تكون لها مساهمة بارزة في الإبداع المعرفي والفكري من خلال البحث العلمي الموضوعي الجاد، وإذا لم تكن كذلك فهي أحرى بأن تكون مدرسة ثانوية؛ (Lucas, 1996: 27)·
رغم أزلية الجدل حول طبيعة دور الجامعة المعرفي، فقد ظلت الجامعات لقرون كثيرة مركزة جل نشاطها على نشر المعرفة ونقلها أي على التدريس، ولم يبدأ الاهتمام بالبحث العلمي بشكل بارز إلا في وقت متأخر· وكان ينظر إلى المعرفة آنذاك على أنها غاية في حد ذاتها Knowledge for its own sake، وأن وظيفة الجامعة هي نقل تراث المجتمع المعرفي والفكري إلى المتعلمين وذلك من أجل بناء شخصياتهم بناء معرفياً وأخلاقياً وسلوكياً سليماً، حتى يصبح كل واحد منهم إنساناً ناضج الفكر سوي السلوك· ولكن مع مرور الزمن واستجابة لمتغيرات اقتصادية واجتماعية متعددة، تعرضت الجامعات لكثير من النقد ووصفت بأنها تعيش في أبراج عاجية ivory towers بعيدة عن ظروف وواقع واحتياجات مجتمعاتها، مما أدى إلى تغير جذري في مفهوم الجامعة ودورها في المجتمع· وبرز مفهوم جديد لدور الجامعة المعرفي هو المفهوم الوظيفي Functional view الذي يرى بأن المعرفة التي تنقلها الجامعة أو تنتهجها يجب أن تكون ذات مردود ايجابي هادف إلى منفعة الفرد والمجتمع Utilitarian Knowledge؛ (Gray& Hoy, 1989: 35-37)·
من هذا المنظور الوظيفي نجد أن الجامعات في العالم المتقدم قد بدأت من أوائل النصف الثاني من القرن العشرين في توظيف امكاناتها العلمية والمعرفية والفكرية من أجل تلبية احتياجات مجتمعاتها التنموية في مختلف المجالات، وقد تجلى ذلك في صور شتى ولعل من أبرزها المجال التقني· فالعصر الذي نعيش فيه يوصف بأنه عصر الثورة التقنية مثل تقنية الفضاء وتقنية المعلومات والحاسبات الآلية والالكترونيات والإنسان الآلي Robot، وتقنية الاتصالات والتقنية الطبية والهندسة الوراثية، والتقنية العسكرية ونحو ذلك· والمعروف أن التقنية في حقيقة الأمر هي معرفة نظرية تطبيقية قبل أن تكون أجهزة ومعدات· وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن التقنية التي نراها على شكل آلات في صناديق مغلقة إنما هي ثمرة نتاج فكري معرفي منظم· هذا النتاج المعرفي كان للجامعات في البلدان المتقدمة اليد الطولى في ابتكاره وابداعه وتطويره وذلك بما لديها من عقول نيرة مبدعة خلاقة·
في الوقت نفسه يوصف المجتمع المعاصر بأنه مجتمع مهني Professional Society يهيمن فيه المهنيون Professionals الذين يعملون بعقولهم وليس بعضلاتهم على كل مجالات العمل سواء في القطاعات الحكومية أو الخاصة، وسواء في مجالات الصناعة أو مجالات الخدمات، ولذلك يعتبر هارولد بركن Harold Perkin الجامعة بأنها هي محور الارتكاز في هذا المجتمع المهني the axial institution of contemporary professional society لأنها هي الممول الحقيقي الذي يمد قطاعات المجتمع الانتاجية المختلفة بما تحتاجه من الطاقات البشرية المؤهلة تأهيلاً علمياً مهنياً تخصصياً رفيع المستوى (Perkin, 1991: 199-201)· من هذا المنظور الوظيفي تحددت وظائف الجامعة في الوقت الحاضر في ثلاث وظائف رئيسية هي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع·
ثالثاً: وظائف الجامعات
من منطلق النظرة الاقتصادية للتعليم على أنه استثمار لرأس المال البشري التي لقيت رواجاً كبيراً في الستينات والسبعينات من هذا القرن في الأوساط السياسية والاقتصادية ولا سيما لدى المهتمين بقضايا التنمية وبالذات المخططين لسياسات التعليم وأهدافه، أخذت الحكومات في جميع بلدان العالم سواء المتقدمة أو النامية- حسب ما تسمح به ظروف كل بلد وامكاناته، تنفق بسخاء على قطاعات التعليم المختلفة، واتجهت الأنظار بشكل أكبر إلى التعليم العالي بأشكاله وأنماطه المختلفة سواء التقليدية منها أو غير التقليدية، وزادت أعداد الطلاب بشكل كبير جداً، وتضاعفت ميزانيات الجامعات، ولم يكن الإنفاق على التعليم الجامعي عبثاً ولا اعتباطاً، وإنما أصبحت الجامعات مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالاستجابة لاحتياجات وطموحات الدارسين المهنية والوظيفية من ناحية وتلبية متطلبات مجتمعاتها التنموية المختلفة من ناحية أخرى، وذلك من خلال إعداد الكوادر والكفاءات البشرية المؤهلة تأهيلاً معرفياً مهنياً تخصصياً عالياً يتناسب في نوعه وكمه مع مستلزمات التنمية الشاملة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية· في ضوء ذلك تبلورت وظائف الجامعات في الوقت الحاضر في ثلاث وظائف رئيسية هي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع، وسيكون التركيز في هذا البحث على وظيفتي التدريس والبحث العلمي باعتبار أنهما تمثلان أهم واجبات أعضاء هيئة التدريس في الجامعات·
1- التدريس:
تشير أدبيات التعليم العالي إلى ان الجامعات عندما أنشئت في البداية سواء في العالم الإسلامي أو في أوروبا أو في أمريكا، إنما أنشئت للتدريس وليس للبحث العلمي· ويظهر ذلك من كتابات كثير من المنظرين وكذلك الممارسين الذين تولوا مسؤولية إدارة بعض الجامعات الشهيرة ووضع سياساتها وتحديد أهدافها في ذلك الحين· فمثلاً الكاردنال جان هنري نيومان Cardinal John Henry Newman الذي عين رئىساً لجامعة دبلن في أيرلندا في عام 1851م ألقى سلسلة من المحاضرات عن فكرة الجامعة The idea of the university عرف فيها الجامعة بأنها مكان لتدريس المعرفة العامة a place of teching universal knowledge، وقال ان وظيفة الجامعة الأساسية هي نشر المعرفة وليس اكتشاف المعرفة diffusion of knowledge rather than discovery of knowledge· في تلك المحاضرات الشهيرة التي اعتبرت في نظر كثير من الباحثين والمنظرين في حقل التعليم الجامعي أنها من أهم وأبرز ما كتب عن دور الجامعات ووظيفتها في المجتمع، أكد جان نيومان بأن وظيفة الجامعة الأساسية هي نشر المعرفة وصقل عقول الطلاب وتوسيع مداركهم cultivation of the mind، كما أكد فيها بأن البحث العلمي لا مكان له في الجامعة، ولو كانت الجامعة للبحث العلمي لما كان هناك داعٍ لوجود الطلاب في قاعاتها ومدرجاتها· طبعاً ليس معنى هذا أن جان نيومان كان ضد فكرة البحث العلمي، وإنما كان رأيه أن يكون البحث العلمي من مسؤولية معاهد وأكاديميات مستقلة عن الجامعة (Halsey, 1995: 23-24)· ونجد أيضاً بنجامن جووت Benjamin Jowett الذي شغل منصب نائب رئىس جامعة أكسفورد ما بين 1882م- 1885م قد أكد بأن الجامعة وُجدت للتدريس وليس للبحث العلمي، وقال بكل وضوح إن البحث العلمي فيه تهديد لوظيفة الجامعة الأساسية، لأن البحث العلمي من وجهة نظره لن يحقق أي نتائج ذات قيمة، وإنما هو وسيلة لتبرير تكاسل وتقاعس أعضاء هيئة التدريس عن أداء واجباتهم التدريسية بالشكل المطلوب؛ (Pelikan, 1992: 85)·
وعندما عين أندرو وايت Andrew White في عام 1868م رئيساً لجامعة كورنيل في الولايات المتحدة الأمريكية شدد في خطاب التعيين على وظيفة الجامعة التعليمية، وحث أعضاء هيئة التدريس في الجامعة على التركيز على تدريس الطلاب بدلاً من البحث العلمي· وبالمثل أيضاً فإن تشارلز إليوت Charles Eliot الذي شغل منصب رئىس جامعة هارفارد لمدة أربعين سنة قد قال في خطاب التعيين في عام 1869 بأن الوظيفة الأساسية لأساتذة الجامعة هي التدريس، وركز في خطابه على التدريس الجاد المنظم الذي ينمي قدرات الطلاب ومواهبهم العقلية والفكرية ويبني شخصياتهم بناء متكاملاً؛ (Miller, 1995: 8-9)·
ومن نفس المنظور نجد روبرت هتشنز Robert Hutchins الذي عين رئىساً لجامعة شيكاغو في عام 1929م قد أشار في كثير من كتاباته وكلماته الرسمية التي كان يلقيها في جامعة بيل إلى أن التدريس هو وظيفة الجامعة الأولى، وأنه يجب أن تكون له الأولوية على البحث العلمي· وقال انه يجب على الجامعة أن تعلم طلابها كيف يفكرون ويعللون ويقارنون، وكيف يحللون وينقدون حتى يصبح كل طالب قادراً على تكوين ذاتيته المستقلة ورؤيته الفكرية الخاصة التي يستطيع بواسطتها فهم الواقع الذي يعيش فيه بجميع أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتعامل مع ذلك الواقع بوعي وادراك وموضوعية؛ (Pelikan, 1992: 193)، (Lucas, 1996: 78-82)·
كل هذا يؤكد بشكل واضح أن التدريس يعتبر الوظيفة الأساسية للجامعات، تلك الوظيفة التي أجمع على أهميتها وأولويتها من كان بيدهم مسؤولية وضع سياسات تلك الجامعات وتحديد أهدافها المستقبلية· ويدعم هذا التصور عن وظيفة الجامعة في ذلك الوقت ما أشار إليه بعض المنظرين والمفكرين مثل ألفرد نورث وايتهد Alfred North Whitehead وهو عالم رياضيات وفيلسوف بريطاني عاش خلال الفترة من 1861م- 1947م، حيث كان يرى بأن الجامعة مكان لتدريس الطلاب وتنمية قدراتهم العقلية والفكرية· وقد نظر ألفرد وايتهد إلى العقل على أنه أداة للتفكير المبدع الفعال، وليس مكاناً لحفظ المعلومات وتخزينها passive storehouse of information، واعتبر معيار التدريس الجامعي الجيد هو فعالية وحيوية التفكير activity of thought· وقد عبر ألفرد وايتهد عن ذلك بعبارته المشهورة: إن المجتمع الذي لا يقدر العقول المثقفة النيرة مجتمع محكوم عليه بالإخفاق The race which does not value trained intelligence is doomed· ولذلك نجد وايتهد يحتج وبشدة على تدريس طلاب الجامعة ما أسماه بالمعرفة الميتة dead knowledge أو الأفكار الجامدة inert ideas غير القابلة للتطبيق؛ (Knowles, 1978: 321)·
بالإضافة إلى المفكر البريطاني ألفرد نورث وايتهد، هناك أيضاً المفكر الأمريكي ورجل الخطابة المشهور رالف والدو إميرسون Ralph Waldo Emerson الذي ألقى خطابه الشهير في عام 1837م في جامعة هارفارد تحت عنوان "العالم الأمريكي American Scholar" والذي اعتبره بعض الكتاب بمثابة الإعلان الفكري لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية Intellectual Declaration Independence، حاول رالف أميرسون في ذلك الخطاب أن يصور أستاذ الجامعة بأنه المدرس العالم Scholar teacher القادر على نقل المعرفة لطلابه بأسلوب ينمي فيهم روح الابداع، والتفكير والثقة بأنفسهم وقدراتهم، ويبعدهم عن الخنوع والشعور بالنقص والدونية؛ (Rice, 1986: 12-13)·
وأخيراً لابد من الإشارة إلى سير وولتر موبيرلي Sir Walter Moberly الذي شغل منصب رئىس لجنة منح الجامعات في بريطانيا University Grants Committe في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة· في نظرته إلى الجامعة أعاد سير وولتر موبيرلي إلى الأذهان صورة الجامعة كما رسمها جان هنري نيومان في عام 1851م· فلقد عرَّف موبيرلي الجامعة بأنها مجتمع المعلمين والمتعلمين Community of Teachers and Learners· وقال بأن وظيفة الجامعة وظيفة تعليمية بالدرجة الأولى هدفها إعداد مواطنين ناضجين صالحين· وانتقد وولتر موبيرلي الجامعات البريطانية آنذاك ووصفها بالفشل في إعداد الطلاب إعداداً معرفياً وأخلاقياً ومهنياً جيداً يتلاءم مع طبيعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كان يعيشها المجتمع البريطاني في ذلك الحين· ولذلك نجد موبيرلي قد ركز بشكل كبير جداً على الدور المعرفي والفكري والقيمي لأستاذ الجامعة لما لذلك من أثر بالغ على الجوانب الفكرية والمعرفية والأخلاقية لطلاب الجامعة، وقال موبيرلي إن مسؤولية أستاذ الجامعة الأولى والجوهرية ليست تجاه البحث العلمي وإنما تجاه طلابه، وهي مسؤولية تتجاوز في طبيعتها حدود الالتزام الرسمي بالتدريس في قاعات الدراسة؛ (Halsey, 1995: 44-49)·
فيما سبق تأكيد واضح على أن التدريس يعتبر الوظيفة الأساسية الوحيدة للجامعة، تلك الوظيفة التي أجمع على أهميتها وأولويتها كل الممارسين والمنظرين على حد سواء، مما جعل الجامعات توظف جميع إمكاناتها المادية والبشرية المتاحة في ذلك الوقت من أجل تحقيق هذا الهدف· ولذلك نجد أن مؤسسات التعليم الجامعي من كليات وجامعات مع قلة عددها ومحدودية إمكانياتها قد ركزت جل اهتمامها منذ بداية مسيرتها التاريخية حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر تقريباً على توفير نوع من التعليم الرفيع المستوى الذي يتم من خلاله بناء شخصيات الطلاب المتعلمين بناء معرفياً وفكرياً وأخلاقياً وسلوكياً متكاملاً، بما كان يتلاءم مع السياق الحضاري والثقافي والتاريخي للمجتمعات المختلفة في ذلك الحين، معتمدة في ذلك على كفاءة وجدارة أعضاء هيئة التدريس فيها الذين كان ينظر إليهم كمدرسين في المقام الأول وليس كباحثين· ولذلك وُصِفَ أستاذ الجامعة آنذاك بأنه ذلك المدرس العالم ذو المعرفة العلمية الواسعة والفكر المستنير، الذي يتمتع بقدر كبير من الاحترام والتقدير ليس فقط في الوسط الجامعي بل وفي المحيط الاجتماعي الخارجي، الحريص على مصلحة طلابه وتنمية قدراتهم ومواهبهم، القادر على إثارة دافعيتهم ورغبتهم في التعليم· إنه الأستاذ العالم الذي لا يدرس من الكتاب فقط، بل يجعل من نفسه مثالاً حياً للأخلاق الكريمة والقيم الحميدة والسلوك النبيل الذي يتجسد في احترامه لطلابه والمحافظة على كرامتهم ومعنوياتهم·
لم يكن معيار تميز أعضاء هيئة التدريس في ذلك الحين هو طول قائمة الأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكمة، وإنما كان معيار التميز هو مدى كفاءة وفاعلية أستاذ الجامعة في قاعة المحاضرات، وما يتعلمه منه طلابه من معرفة وفكر وأخلاق وسلوك· ولذلك عرفت الأوساط الأكاديمية في بعض الجامعات العريقة أسماء بعض الأساتذة البارزين الذين اكتسبوا شهرة واسعة ومكانة علمية مرموقة نظراً لقدراتهم ومهاراتهم وكفاءتهم كمدرسين مبدعين في قاعات الدراسة، مثل: ثموثي دوايت أستاذ التاريخ الطبيعي في جامعة ييل في عام 1825م وصاموئيل جانسن أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا في عام 1830 ومارك هوبكنز أستاذ علم الأديان في كلية وليمز في عام 1832 ومارك باتسون أستاذ علم الأديان في جامعة أكسفورد في عام 1850 وجان مل أستاذ الاقتصاد في جامعة لندن في عام 1860 والفرد مارشال أستاذ الاقتصاد في جامعة كمبردج في عام 1875 وهنري أدمز أستاذ التاريخ في جامعة متشجن في عام 1880· وقد اكتسب مارك هوبكنز شهرة واسعة ومكانة كبيرة إلى حد أن أعداداً كبيرة من طلاب الكلية وأساتذتها طالبوا بتعيينه رئيساً للكلية، وفعلاً عين مارك هوبكنز في عام 1836 رئيساً لكلية وليمز، ليس لأنه من الباحثين البارزين أو أصحاب الولاءات والانتماءات والمحسوبيات، وإنما لكونه أستاذاً مبدعاً أن يستحوذ على عقول وقلوب الطلاب بمعرفته العلمية الواسعة وأخلاقه العالية ومهاراته التدريسية المتميزة، ولقد ترك مارك هوبكنز بصمات واضحة على مسيرة كلية وليمز فيما بعد مما جعل رئيس الكلية جيمز چارفيلد يقول فـي إحدى المناسبات في عام 1871 إن كلية وليمز مدينة بالشيء الكثير لمارك هـوبكنز، وفي نظـري أن الكلية في كفة ومارك هوبكنز في الكفة الأخرى.
لقد تغير الوضع في الوقت الحاضر تغيراً جذرياً، فلم يعد التدريس يحتل مكان الصدارة في الأوساط الأكاديمية كوظيفة أساسية وجوهرية من وظائف عضو هيئة التدريس، وإنما الاهتمام الآن منصب على البحث العلمي حتى في الجامعات التي لا ينطبق عليها تصنيف جامعات البحث العلمي وليس معنى هذا أن الجامعات قد تخلت عن وظيفتها التدريسية وإنما المقصود هو أن التدريس وبالأخص على مستوى البكالوريوس لم تعد له الأولوية من حيث المكانة والدعم والمكافأة في كثير من الجامعات ولاسيما جامعات البحث العلمي· ويؤكد هذا ما أشار إليه رئيس جامعة ستانفورد الأسبق دونالد كيندي بأن من أهم الانتقادات التي توجه للجامعات الأمريكية في الوقت الحاضر هو عدم إعطائها الدراسات الجامعية التي تستحقها من الاهتمام والدعم·
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قسم الإدارة التربوية - جامعة الملك سعود- الرياض
* دكتوراه الفلسفة (Ph.D.) في التعليم العالي من جامعة متشجن الحكومية، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1981م·