رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 7-13 رجب 1421 هـ - الموافق 4-10 اكتوبر 2000
العدد 1447

في آخر إصدار للكاتبة الكويتية ليلى محمد صالح
"عطر الليل الباقي"·· لقاء بين الرومانسية والواقعية مُطعّم بالتراث وخصوصية المكان

بقلم: فوزية السويلم

صدر مؤخراً للكاتبة والأديبة ليلى محمد صالح مجموعة قصصية بعنوان "عطر الليل الباقي" ويقع الكتاب في 104 صفحات، وهذه المجموعة تحمل رقم (3) في سلسلة إبداعاتها القصصية·

ففي عام 1986 صدرت لها "جراح العيون"··

وفي عام 1994م صدرت لها "لقاء في موسم الورد"·· وها نحن الآن نغرق في شذى "عطر الليل الباقي" من خلال ثماني محطات قصصية، ففي المحطة الأولى والتي عنوانها "سقوط القمر" نسمع بين السطور الملفحة بذكاء الكاتبة صوت المرأة الشرقية المخنوق· فالمرأة في أدب ليلى محمد صالح تُقيدها العادات والتقاليد، فالقمر الذي يرمز لخطيب البطلة يدخل عن طريق النافذة ثم يسقط ثم يموت ويموت معه الحب الجميل·· وتبقى البطلة مقهورة·· اننا نستشف من هذه القصة تقنية عالية في الإيحاء، ولقد كُتبت وصيغت بلغة شعرية جميلة·· فعندما تقول "سيدي وسيد الليل·· يا مظلم كنفسي الحزينة·· ومعتم كالأماني المستحيلة·· لو لم أكن رومانسية مثلك أيها النقي المرسوم في عمق المدى·· لما انعكست مرآة روحي في مراياك الملونة·· ولما احتميت بك كحمامة مستسلمة"·· هنا كأننا نقرأ قصيدة مُلحنة مما يزيد من جمالية النص، فالكاتبة اهتمت بمخاطبة الوجدان·

أما الليل الباقي وهو عنوان محطة رقم 2 في المجموعة القصصية فهي تحكي قصة زوجة انفصلت عن زوجها لتحقق رغبة ذويه بالزواج من امرأة أخرى وقد جاءت المعالجة الإبداعية بتكنيك فني رائع حيث الأحداث تتطور بتسلسل منطقي كما وظفت الكاتبة التراث في هذه القصة لخدمة الأحداث فأصبح العمل أكثر واقعية، كذلك اسم عودة المهنا أعطى النص نكهة خاصة·

أما "الذي قد كان·· كان" فهي تجسيد للشجون والحنين عندما يفارق الزوج زوجته الأجنبية وأولاده الفراق الأبدي، فيتزوج من امرأة أخرى ولكن يبقى الحب للزوجة الأولى، هنا تتضح لنا براعة الكاتبة في نقل أحاسيس ومشاعر رجل ومدى مصداقية التحليل النفسي لانفعالاته وتحركاته··

إن نقاد القصة يقيمون الكاتب عن مدى إلمامه بالفن القصصي ومدى قدرته على جمع الأدوات اللازمة لكتابة القصة· أما الفكرة أو الموضوع فتأتي في المرتبة الثانية من الأهمية على الرغم من ان وعي الكاتب بقضايا مجتمعه وهموم جيله تحدده الفكرة أو الموضوع المثار في النص والكاتبة هنا اختارت موضوعاً مهماً جداً وحساساً وهو زواج الكويتي من الأجنبية·· وهذا يُحسب لصالحها·

أما "الصورة المعلقة" فهي جزء بسيط من السيرة الذاتية للكاتبة صيغت بحبكة قصصية تأخذ المنحى الواقعي وامتازت بالحيادية، فعلى الرغم من أن الأحداث تُلقي الضوء على جانب مهم من جوانب شخصية الكاتبة، وهي علاقاتها الأسرية ولا سيما علاقتها بوالدتها المريضة ولقد صورت لنا الكاتبة حالة وفاتها بعفوية وتلقائية الابنة المفجوعة بشكل عام مبتعدة بقدر الإمكان عن رصد التفاعلات الشخصية وإقحامها في العمل·

و"عطر" الليل الباقي" توثق استشهاد البطل مبارك النوت الذي لقبته الكاتبة بـ "قمر العارضية"، ولقد وفقت بهذا التشبيه فكل شهيد قمر في سماء الكرامة والعزة والولاء وحب الوطن· إن هذه القصة ولدت من رحم ثورة على الظلم والطغيان خالية من المبالغة في رسم الأحداث وفي ترجمة مشاعر الأبطال··

للوظيفة أبواب منحت المجموعة ثقلاً تاريخياً وقيمة زمانية متميزة فلقد ذكرت الكاتبة عام "الهدّامة" وذيلت النص بتواريخ لأحداث مهمة·· واستخدمت أسلوب الإسقاط بذكاء وحذر، فالشاب الخريج يبحث عن وظيفة ولكن يصاب بإحباط شديد عندما يجد أن "الواسطة" أهم من الشهادة لدى الجهات المختصة·

"الزواج ولكن"·· نتوقف عند هذا العنوان الذي ينبض ابداعاً·· نرنو إلى أفق الكاتبة الواسع لنتساءل ولكن ماذا؟ تجيبنا الكاتبة من خلال أحداث القصة بهدوء وخجل·· هناك أشياء كثيرة تحدث في داخل اطار العلاقة الشرعية التي تربط المرأة بالرجل والتي قد تؤثر عند الانفصال على الزواج الآخر ومن أهمها العلاقة الجنسية بين الزوجين·

"للسفر لون آخر"·· يا ترى ما هو هذا اللون؟

هل هو لون الحزن أم لون الفرح؟ أم مزيج للونين؟ لقد اعتمدت الكاتبة على الأسلوب الفلسفي في تخاطب الأبطال مع المتلقي·· وكذلك في تطور الأحداث فتأتي الأحداث متشابهة متداخلة تتخللها مفاجآت ثم تُلقي بالفارس على شواطئ النهاية ذات الأمواج الهائجة·

إن الخطوط الرئىسية لمجموعة الأديبة ليلى محمد صالح "عطر الليل الباقي"·· تتلخص بالآتي:

1- كُتبت بلغة سهلة مبسطة تستميل القارئ وتجذبه وبعد ذلك تستخدم ذكاءها في تغليف الفكرة بأحداث غامضة وهذه باعتقادنا روح التقنية الحديثة في الكتابة القصصية وحتى الروائية·

2- أضفت على عملها الأدبي الطابع التاريخي والوثائقي مما منحه ثقلاً وقيمة أدبية متميزة·

3- يحمل بين طياته نكهة تراثية جميلة·

4- لا يخلو من الإسقاطات والنقد غير المباشر لوضع المرأة والشباب·

5- عندما تقرأ المجموعة تشعر بأن الكاتبة استطاعت أن تخلق علاقة قوية بين المتلقي والنص·

وهذا هو العنصر المهم الذي كان يحرص عليه معظم كتاب العالم من أمثال: غي دوموباسان وانطون تشيكوف ومارك توين ووليام سوسيت موم·· إلخ··

6- لقد سخّرت الكاتبة الواقع لخدمة الخيال في أكثر قصص المجموعة مثل شموخ "قمر العارضية"، وأيضاً سخرت الخيال لخدمة الواقع في قصة "سقوط القمر"·

7- يأتي المكان ليُحدد سكن البطلة أو البطل مما يُكسبه خصوصية متميزة·

ولقد ذكرت الكاتبة مناطق كويتية مثل الجابرية، الروضة، العديلية، قرطبة فأصبح العمل يحمل الطابع المحلي وتفوح منه رائحة البيئة النقية·

8- هناك بعض القصص استخدمت الكاتبة أسلوب الراوي مثل "الليل الباقي" و"الذي قد كان،" و"للوظيفة أبواب"، "الزواج ولكن··" وعلى الرغم من ذلك نجد أن الأبطال يتحركون بحيوية ونشاط وتؤثر تأثيراً فعالاً ومباشراً في تنامي الأحداث وتطورها· فالبطلة في قصة الليل الباقي هي الزوجة المجروحة في كبريائها وكرامتها· والتي أمضت سني عمرها على الذكريات الجميلة·· فلقد انفصلت عن زوجها لتترك المجال لابنة خالته التي وصفتها الكاتبة بأنها تتدفق حباً وعاطفة·

إن هذه القصة تقدم لنا نموذجاً للزوجة المقهورة وباعتقادنا ان هذا عامل مشترك بين معظم قصص المجموعة·

لقد برعت الكاتبة في رسم هذا النموذج من النساء ولكن لم تقدمه لنا من خلال تحليل نفسي وإنما عن طريق وصف للانفعالات اليومية الظاهرية·· إلا انها نجحت في توصيل المغزى الفكري للموضوع عن طريق رسم الشخصية وأبعادها، أما بقية قصص المجموعة فنجد ان الأبطال يقدمون أنفسهم للمتلقي خارج اطار الأنا الضيق مُتجهين بنا إلى اطار الآخر العام ذات ظروف اجتماعية أدت إلى خلق موقف أو مواقف عدة متداخلة متشابكة ولكنها غير معقدة أو غير واضحة الدلالة··

فالأبطال يتحركون ويتفاعلون مع مستجدات النص بحرية تامة بدون أن نشعر أن هناك وصاية من المؤلف أو الكاتب، ففي قصة "الصورة المعلقة" نتعايش مع حالة وفاة والدة البطلة التي تدعونا إلى التعرف على حياة وذكريات طفولتها··

فالبطلة في هذا النص تُعبر عن ذاتها بلغة انسانية عامة يفهمها الجميع وتهم أكبر قاعدة من القراء·

لقد اعتدنا على تلقي مشاعر الأمومة من الأم وليس من البنت، إلا أن بطلة هذا النص كسرت هذه القاعدة بنجاح فقدمت وصوّرت لنا أحاسيس الأم عن طريق البنت، وهذه تحتاج باعتقادنا إلى تقنية فنية عالية· اما "للسفر لون آخر" فنجد ان البطلة تستعد للسفر ولكنها تفاجأ بحادث مروري فتضطر إلى إلغاء السفر·· وتفضل السفر إلى داخل الذات وتجده ممتعاً أكثر من متعة السفر العادي·· لقد استخدمت الكاتبة في هذا النص أسلوب الراوي ولكنها لم تُجمد الشخصيات أو تترك العنان لخيالها يحركهم كيفما يشاء·· إنما حبكت القصة وسلسلت الأحداث ثم تركت للبطلة ترسم شخصيتها وفقاً لهذه المعطيات فجاءت البطلة مكتملة الصفات الفنية والأدبية·

أما قصة "شموخ العارضية" والتي تُعتبر من أدب المقاومة فالبطل في هذه القصة شهيد من شهداء الكويت فإلى أي مدى نجحت الكاتبة في رسم وتصوير جوانب شخصية البطولة؟

في ص 57 نقرأ: (يقترب أحدهم منه يطيل النظر·· وبصوت قاس النبرة: من أنت؟ أنت مبارك!!)

ثم تأتي جمل اعتراضية ثم نقرأ: (ينظر اليهم متحدياً شامخاً كالشجر الباسق·· وبصوت حاد يجيب- أجل أنا مبارك)·

الشهيد هنا لا يتحدث إنما أعماله البطولية وشجاعته هي التي تخاطب المتلقي فالولاء وحب الوطن هما المغموسان في شخصية البطل وليس العكس، وهذا هو الذي يحدد نجاح الكاتب في ابراز جوانب شخصية البطل وتحديد هويتها الفكرية·

9- إذا انتقلنا إلى الأحداث فإننا نجد انها تتطور بتسلسل منطقي وبطريقة كلاسيكية مألوفة· ولكنها شيقة وممتعة وتعمل على خدمة النص·

إن الأحداث في أدب ليلى محمد صالح وفي مجموعتها القصصية الأخيرة بالذات تعتمد على البناء الدرامي تتخلله لغة شعرية جميلة تقوم على تلطيف المناخ العام للقصة·

وتتميز الأحداث بأنها قصيرة وغير مملة·

لا يخلو عنصر المفاجأة الذي تقدمه لنا الكاتبة بصورة مباشرة في قصتها "للسفر لون آخر" وبصورة غير مباشرة في بعض القصص الأخرى·

10- أما من ناحية اللغة فلقد جاءت بسيطة وسلسلة وغير مُقحمة بألفاظ ومفردات غريبة وغير متعارف عليها· كما انها ابتعدت بقدر الامكان عن الحوارات الطويلة التي تُفقد العمل قيمته الأدبية في بعض الأحيان، فتجد أن الحوار في "عطر الليل الباقي" يغذي النص تغذية فنية سليمة ولقد اعتمدت الكاتبة على نوعين من أنواع الحوار·· نوع خارجي ونوع داخلي ونقصد بالحوار الداخلي حديث البطل مع نفسه· (أو بما يسمى بالمنولوج الحواري)·

11- يأتي الآن دور الموضوع·

فلقد حافظت الكاتبة في جميع قصص المجموعة على وحدة الموضوع وهذه يعتبر أداة من أدوات القصة القصيرة·

ومواضيع الكاتبة قوية في طرحها وبسيطة في فكرتها وذلك إذا استثنينا قصة "شموخ قمر العارضية"، لأن هذه القصة لها ظروفها التاريخية والسياسية مما يكسبها وضعاً وطابعاً خاصاً· إن موضوع هذه القصة يفتح المجال للكاتبة بالإسقاطات السياسية وتمرير آرائها واتجاهاتها حول قضية الغزو الغاشم ولكنها لم تقيد النص بأيدلوجية معينة إنما فضلت أن تتركه حراً طليقاً في أيدي المتلقي· لقد عالجت الكاتبة مواضيعها معالجة واقعية بسخاء من الرومانسية·

 

سقوط القمر

 

في الساعة الأولى بعد منتصف الليل··· كنت أستمع الى موسيقى وردية لشوبان··· في غرفتي الوارفة البياض··· المليئة بالحنين الغافي على قميصي المطرز بجوري الذكريات·

قمت للمرآة لأبحث عن وجهي الخاص··· وجدت مرآتي مكسورة··· أطفأت النور··· وأشعلت الشمعة··· انكسرت الشمعة أطفأت الشمعة··· وسحبت خيط الستارة المشبوك بطرفي النافذة فانفجرت الستارة المسدلة عن دانتيل يتمايل على إيقاع الهواء  المضغوط··· فبدا أمامي وكأنه راقصات باليه في حفل·

من نافذتي يدخل القمر البهي كومضة البرق مقتحما باب الليل··· يتمدد مرهقا على سريري المرشوش بماء الورد··· والمسور بالأحلام البنفسجية··· يملأ المكان بهاء نادرا من سحر الأريج··· وتيه الكلام··· بيده يضيء مصابيح الظلام·· فيندمج لونه القزحي البديع مع لون غرفتي فيحيلها الى لوحة فنية لا تقدر على خلط ألوانها إلا ريشة فنان تشكيلي مبدع·

- سلاما··· يمد يده المخضبة بدهن القرشيü للعود···

أبسط يدي المرتعشة··· مستقبلة هذا الاختراق العذب في هدوء الوحدة··· بينما شفتي تذرف خوفا أسئلة لا تحصى على مقبض الباب والزوايا والأدراج··· ما هذا الحضور المفاجئ؟ كيف أتيت؟

- ألتجئ إليك في حالات اكتئابي···

يحاول أن يكسر عزلتي··· يقترب··· يبوح بكل الشؤون والشجون··· لكنني أكرر السؤال عليه···

- هل أنا أحلم؟ كيف أتيت؟

- فارس أعزل إلا من ابتسامة مضاءة للنبأ المضاء···

أهدابي تتعلق بوجهه المألوف إلى قلبي·· لأعرف علامات البداية··· علامات النهاية···

يبتسم لي وهو يدرك قصدي:

- ماذا تعرفين عن البدايات والنهايات·

مواصلة الطريق أو الفراق·

- هل من الممكن أن نفترق حاملين طعم الرغبة المخنوقة موتا·

- الرغبة تتوقف في أول الومض، والأصعب أن نقول نعم أو نقول لا··· لأن المرأة لا تطلب مباشرة ما تريد··· ولا تستطيع أن تدافع عن معتقداتها أمام الضغوط الاجتماعية·

- لا أريد أن أضيع عمري··· أريد أن أعيش كما يعيش غيري·· لك مني صدق خفقة البدايات··· وخفقة أجنحة الرغبة النقية الصادقة أضحك ويضحك معي··· ذراعه تحتك بذراعي··· أبتعد··· يقترب موضحا·

- الخبير النفسي يقول: إن المخطوبين عموما الغرباء والأقرباء··· يمرون بفترات مد وجزر كمياه البحر··· فترات تعلق ووجد·· وفترات غضب وزعل··· كتعاقب الليل والنهار··· وأنا وأنت لدينا الرغبة القوية··· وما كان علينا أن نقاومها··· قولي آخر نعم··· وغدا نعلن النبأ بقصر العدل·

يشهق قلبي··· ترتفع دقاته في سباق عنيف··· يفوح الجوري مشعا··· يتوقف الزمان··· تنحسر الأنفاس··· تمر لحظات لا أعرف حجمها حتى توقظني اليقظة·

أتنهد بعمق··· تسيل دمعة حب دافئة على خدي لليقين القادم··· ببرود يسحب اللحاف المطرز الى أعلى··· يحكمه حول جسمه·· يسرح بعيدا·· وأبقى أنا مفتوحة العينين قرب النافذة··· مرتعشة··· باردة··· خفيفة··· وكأن نسيما عليلا يلفحني ويرفعني الى حلم التوهج·

أهلا بك قمري في غرفتي المتواضعة المطلة على الجادة الثانية عشرة في القطعة السابعة··· لا بد أنك اكتشفت وأنت في الزاوية الباردة··· أن عيشتي البسيطة هذه تفتقر للواقعية··· ولو كانت الواقعية نهجي قبل أن أهدر أجمل سنوات أيامي··· لما استقبلتك الآن بغرفتي الضيقة··· أضيق من وجعي ومن تجدد أحلامي··· إنها مسكونة بعشق الصمت··· ومفروشة بسجادة الكتب القديمة··· وبسرير منجد بالسؤال القديم·

سيدي وسيد الليل··· يا مظلم كنفسي الحزينة·· ومعتم كالأماني المستحيلة··· لو لم أكن رومانسية مثلك أيها النقي المرسوم في عمق المدى··· لما انعكست مرآة روحي في مراياك الملونة··· ولما احتميت بك كحمامة مستسلمة··· ولما استطعت أن أتجاوز معاناة الخوف والقلق والنشوة لأسمعك مع خيوط الفجر الأولى··· وفي هذه الساعة التي تقترب من الثانية بعد منتصف ليل أغسطس··· وأنا أبحر مع الليل ليلا··· ومع الصمت صمتا···

اسهار بعد اسهار··· تـ يحرز المشوار··· كتار هون زوار··· شوي وبيفلوا··· وعنا الحلا كلو··· وعنا القمر بالدار··· ورد وحكي وأشعار·· بس اسهار··· اسهار·

هذه الأغنية تجعلني بعفوية الطفولة البيضاء أتسلل عبر الغسق الراعش الى جزر جميلة حالمة خالية من الجدران والبروج··· أعذرني إن لم أسمعك في هذه اللحظات التي أوشكت أن تسبق الغفوة·· غير صوت فيروز الذي يقطر أضواء فضية مبللة بالندى·· إنها لحظات يتجلى العالم فيها ويصفو··· يصبح رائقا مثل المطر الناعم المتساقط فوق البحر·

قمري··· قبل أن يداهمك نوم البوح في ليل الشجن··· وتحلم دون نوم·· دعني أحلم معك بأمل حاضر جديد كي لا نموت في حنجرة المستقبل··· دعني أتساءل عن أخطاء نجدها أينما نتلفت··· لا تستطيع كل المساحيق التي تبتكر يوميا أن تحجبها··· لأن الجزء الرديء يبقى ماثلا أمام أعيننا بكل أشكاله البشعة وعلى الإنسان أن يغيره···

إن الواقع بعلاقاته وقوانينه يفرز أشكالا متعددة·· من الإحباط··· الاستلاب··· القهر··· والإنسان يواجه··· يعمل··· يحلم··· يقاوم··· ينسى··· والنسيان من نعم الله الفياضة·

آه أنا مريضة بالنسيان··· أنا صحيحة بالنسيان··· لكن قمري··· لماذا كل من يحيط بنا يعيب علينا كثرة النسيان··· وأننا لا نفتح عيوننا لنرى ازدحام الشوارع··· هل لأن الرومانسية في عصر الحرب والقلق والإرهاب قد نسيها البعض رغم عذوبتها وعذابها··· هل لأنها سرحان··· ودوخة·· وازدراء للواقع والواقعية·

عذرا سيدي القمر·· تبقى أنت سيد الأحلام والأيام··· أستأذنك·· بالخارج ضجيج··· وأصوات غريبة تدوي·· الآن· لا أتمكن من الكلام عن حب الزمن الآتي··· وتثاؤب الأشواق··· وخلجات قلبي الضعيف الهش··· ووجع وسادتي الحزينة في ليل الشجن··· لا ··· لا أسمع، وأنت تردد علي أبياتا من شعر المتنبي··· وفهد العسكر··· وقصيدة السياب أنشودة المطر·

الأصوات الكبيرة فاجأتني في فوضى الدهشة··· الزجاج يتهشم·· الأصوات تشتد··· تعلو··· تعلو كالفرقعات·

أعذرني قمري··· لا أستطيع أن أقطف أقحوانة كي أضعها على صدرك الشامخ··· ولا أتمكن من إيقاد الفوانيس القديمة الخضراء في الزوايا الهادئة المعتمة التي تريدها··· لا أستطيع أن أحدثك عن تلوين كلمات السواد والليل بألوان قوس قزح الزاهية··· ولا عن أفراح الأيام الطويلة المجرحة··· لا أستطيع أن أصغي إليك وأنت تشرح لي كيف عارضت زميلا لك مهنته السياسة ولا يناصر حقوق المرأة السياسية·

عذرا··· القصف شديد··· الرصاص يدوي··· البحر ينصت غاضبا أمام الأمواج المتلاطمة والرمل·· النجوم اللامعة تنهمر··· والليل يمتص الضياء من أجفاني وأجفانك أيها القمر النبيل···· في هذه اللحظات السريعة السوداء··· التي تشابكت أحلامنا فيها أمام الضوء المنكسر··· وأمام الطابور الكبير المدجج·

بسرعة قفزت··· لكن قبل أن أهرع للشارع··· نظرت لوجهي الخاص في المرآة··· ما زالت المرآة مكسورة·· والشمعة مكسورة···

فتحت باب بيتي··· وجدت العالم بالخارج يحتضر··· أصابع تضغط على الزناد في مأساة··· طلقات من الرصاص·· صنبور من الدماء·· بذعر فزعت··· ركضت··· بتعب سقطت··· انهمرت دموعي الغزيرة على حماقات الحكمة الذبيحة··· نزفت على لوحة الوطن··· وسقط قمري الذي أدماه المشهد···

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

*  إحدى قصص المجموعة

**  اسم تاجر اشتهر ببيع الطيب الجيد·

طباعة  

"علاّمة الجزيرة" في رابطة الأدباء
 
إصدارات مجلة "العربي": اللغة·· وتساؤلات الهوية
 
رابطة الأدباء تفتتح موسمها بمحاضرة "حقوق الإنسان في عالم متغير"
د· النجار: "المحكمة الجنائية الدولية"·· أبرز إنجازات المنظمات غير الحكومية

 
إبداعات عالمية·· "وجهان لحواء"
 
الفن التشكيلي العماني
 
"إخوة يوسف" مازالوا يقيمون مهرجاناتهم لأحزان "بابل"!
 
وتد
 
سلة ثقافية