إن اجتمعَتْ على خطأ!
نشمي مهنا
مرّ كثير من المفكرين والمثقفين والمناضلين السياسيين بتجارب مريرة، في سبيل محاولاتهم المشاركة بتصحيح "الوجهة" التي اختطتها السلطة السياسية لقيادة مجتمعاتهم، وذلك منذ أن تعارفت التجمعات الإنسانية البدائية على شكل السلطة والقيادة، بالالتجاء لزعامة "الفرد" الذي يرى ما لا يرى الآخرون! بإلهام إلهي، أو أسطوري أو مبايعتهم له، بقبول ورضا·
أولئك الذين (يرون ما لا يرى هذا القائد) المزاحمون له، أو لها (السلطة السياسية بشكلها الحديث) عانوا كثيرا بسبب هذا البوح المغاير، أو النداء اللحوح، الذي يصل الى درجة الصراخ الاحتجاجي في أغلب أحيانه· فكان ثمن هذا الإعلان "الصوتي" أن ووجهوا بالقيد أو الحجر أو النبذ المعنوي، أو الاعتقال والتصفية الجسدية·
وهم هنا لم يكونوا يملكون عيون "زرق اليمامة"، ليدّعوا بصواب "الرؤية"، وإنما قد تكون سلالمهم المعرفية التي ارتقوها مكّنتهم من إطالة قاماتهم، فرأوا صورا لم تحجبها عنهم هامات العامة المزدحمة أمامهم·
مثل هذه التجارب تحفل بها مسيرة المجتمعات·· وهي مشهودة ومعتادة، وإن لم تكن مقبولة ومبررة لسلوك أي سلطة حاكمة·
لكن أقسى وأشد ما تكون المعاناة، إن تعاضدت، وتوحّدت وجهات نظر الجماهير (التي عادة ما ترى بقلوبها ومشاعرها) مع رؤية السلطة السياسية، وغالبا ما تكون السلطة هي الباذر لمثل هذه الضبابية في عيون العامة·
هنا يصبح بوح المفكر أو السياسي نداء في صحراء، لا يُسْمِع أحدا، ولا يَسْمَع إلا رجع صدى غاضب من طوفان جماهيري هادر··
مَنْ مِن المثقفين وقادة الفكر حينئذ باستطاعته الوقوف في وجه هذا الطوفان، فينال أجر "الجهاديْن"؟!
***
على المستوى الشخصي كثيرا ما كانت تشغلني مثل تلك "المواقف" الغائبة، أو الأوراق المنزوعة من سيَر مفكرينا وأدبائنا العرب، خلال حقب سياسية كانت حافلة بالأحداث··!
"العقاد" - مثلا وإن لم يكن الوحيد - ذلك العملاق الذي ملأ النصف الأول من قرننا الفائت صخبا، وضجيجا ناطح به حكومات وزعامات وأحزابا وصحفا ومؤسسات، وشغل حيزا كبيرا من ساحة الفكر والسياسة في ذلك الوقت، بقلم حر، وجريء، وعنيف، نراه بعد عام 1952 - أو الأصح - لا نرى منه مثل هذا العنف، والجرأة، والحرية؟!!
في إحدى المناسبات الأدبية التي جرى فيها الحديث حول حياة "العقاد" توجهت بحيرتي تلك الى أستاذنا الكبير أحمد السقاف الذي شهد جزءاً من حياة ذلك العملاق·· ليقول لي إن تلك الفترة (الناصرية) التي نعنيها لم تتح لأحد أن يعلي صوته على أصوات "الضرورات" القصوى·· كالمطالبة بجلاء المستعمر البريطاني وحركات تحرير الشعوب العربية، ومواجهة أعداء الأمة، والانشغال بالحروب على جبهات عدة·· (كالفقر والجهل والأمية والتطرف··)·
الأستاذ الكبير عبدالعزيز الصرعاوي أيضا وبمثل تلك الحجج لم ير مبررا لبحثي عن أوراق مفقودة أو مواقف "للعقاد" في فترة كانت لها أولوياتها·
تغيب تساؤلاتي تلك عن موقف "العقاد" لفترة، وتعود تتجدد عندما أرى بتاريخ الحياة السياسية في مصر مواقفا لمفكرين آخرين، كانوا حضوراً باحتجاجاتهم ومطالباتهم بتعديل أجندة الضرورات والأولويات، لتتصدرها مبادئ العدالة والحريات والديمقراطية، رغم تلك الظروف! ورغم تلك الزعامة الكاريزمية! ورغم "وحدانيتهم و"استقلاليتهم" في الساحة دون دعم تنظيمي أو حزبي أو تأييد جماهيري (ميؤوس منه)!!
***
أن تكون بين جموع هادرة حجبت غشاوة الجهل أو خداع السلطة، أو الانفعال العاطفي أو أي مشاعر أخرى لا تستقيم والمنطق، بينها وبين الحقيقة، فتلوح بيديك، وتصرخ بأعلى صوتك، قد تلفظ أنفاسك تحت أقدامهم، وتغيب نداءاتك المخنوقة في ضجيجهم المعتاد "بالدم·· بالروح··" الذي يتعالى·· لكنه موقف وجهاد·
"ثاني الجهاديْن" هذا - في تاريخنا القريب جدا وتحت السحب الظلامية التي غشت سمائنا العربية أثناء كارثة الغزو العراقي لبلادنا - هو الذي دفع سياسيا مثل "يعقوب زيادين" ليشعل شموعا تنير شارعه الأردني·· في الوقت الذي آثر غيره السلامة والتزم الصمت في بعض الأقطار العربية، أو ساير البعض الآخر من (المفكرين والمثقفين!!) ضجيج شوارعهم، فساروا في ركابها·
في المجتمعات الأخرى (فرنسا)·· وقف جان بول سارتر في وجه الرأي الجماعي الفرنسي·· تبعه في سنواتنا الأخيرة روجيه غارودي في "إشهاره" لآرائه التي خالف بها أهله وأبناء جلدته، وقارته الأوروبية بقرائها·
للحق أصوات حرة، قد تتمكن في يوم من تغيير أحداثيات السلطة الخاطئة، فتصحح رؤيتها··· وتجلو غشاوتها··
لكن هل باستطاعتها أن تقنع الجماهير أنها مجتمعة على خطأ؟!!
Nashmi22@hotmail.com