· إن من خطر الأدوار التي يشتكي منها العرب اليوم، والتي كان لها نصيب كبير في فشل كثير من شؤونهم أنهم لا يعدون للأمر عدته، ولا يحتاطون له قبل حينه، ولكنهم يظلون في تغافل وفي تردد
***
· التفكير في الواجب هو المنهج الوحيد لتكوين الشخصية المستقلة التي تعيش للمجموع وتحيا لخدمة الأمة
· الفكر الرفيع لا يمتلكه العباقرة إلا بعد مثابرة وعناء شديدين، فهو ملكية فردية
· خاصة بالنخبة، ولذلك فلابد أن يتأسس على الوضوح والصراحة
***
· الارستقراطية الفكرية ضرورية لقيادة المجتمع، ولا تناقض الديمقراطية، بل غايتها الحقيقية ديمقراطية التربية وتعميم الفكر الصحيح
· إن حرية التفكير التي يتحدث عنها الفاسي لا تخص مطلب معارضة الاضطهاد الحكومي للحرية، بل يتحدث عن حظنا في مسؤولية الكتب لحرية التفكير عند الآخرين
***
· إخفاء الحقائق على الأمة بدعوى اجتناب إلحاق الأذى والضرر بها منهج خاطىء في التفكير والعمل
· إن كل فكرة تعبر عنها الأغلبية، وتكون ضد الأسس الأخلاقية التي آمنت بها الأمة، يجب أن تتهم، وأن يعاد النظر فيها، فالشعوب لا تعبد إلا نفسها ولا ترضى لحريتها بديلا
***
· الأسلوب الديمقراطي هو خير وسيلة لتوجيه الرأي العام لأنه يجسد سيطرة العقل على الفوضى والتسلط
·
أ· محمد شكري سلام **
إن هذا الكتاب قد يفتح لمن يشاء أفقا في التفكير المغربي الصرف، وأنا لا أزعم إلا أنه دلالة على أفكار· وكل أملي أن يجد من أبناء المغرب من يقدرون المجهود الذي بذل فيه وفي الاستفادة من مصادر الشرق والغرب، وأن يبنوا على أساسه حتى تتبلور الفكرة الاجتماعية المغربية القائمة على التطور المطلق، والحركة الدائبة والتقدمية والمتابعة· وأرجو ألا يملك علينا طريقنا ما في نفوسنا من مركب النقص الذي طالما منعنا من الاقتناع بقوتنا والعمل على الاستفادة منها" علال الفاسي "النقد الذاتي"·
يتضمن هذا النص المقتطف من خاتمة مؤلف علال الفاسي - زعيم الحركة الوطنية الاستقلالية بالمغرب، ورمز السلفية الإصلاحية المغربية - تواضعا يميز كل رجل سياسة كبير ومثقف وطني ملتزم، ويتضمن أيضا إشارة الى ضرورة بلورة أبناء المغرب للفكرة الاجتماعية المغربية، وهي التي سنسميها بالمشروع الإصلاحي، كما يتضمن إرادة ذاتية في الاقتناع بقوتنا وتجاوز مركب النقص الذي يجهد الغرب الاستعماري في توطينه وتأييده في نفوسنا· جاء "النقد الذاتي" إذن، ليعبر عن مشروع إصلاحي يقترحه علال الفاسي المثقف من أجل الاستقلال أولا، ومن أجل بناء مجتمع جديد وصالح ثانيا· وهو كتاب ينتمي فكريا للتيار السلفي كما قد تعلن ذلك بعض الأحكام المتسرعة وينتمي تاريخيا لمرحلة التدخل الاستعماري مما قد يعطينا الانطباع بأن دراسته تنتمني الى مجال البحث التاريخي فقط ما دام قد أنتج في شروط تاريخية وسياسية تفصلنا عنها مسافة نصف قرن· لكن دراستنا لن تتناول عمل الأستاذ علال الفاسي باعتباره عملا يدخل في التاريخ ويندرج في حلقة الماضي، بل ستتناوله باعتباره عملا فكريا أنتج في الماضي ويحتفظ براهنيته في الحاضر· قبل توضيح مشكلة البحث وفرضياته وأسئلته وأيضا منهجه لا بد من تحديد الأبعاد الأساسية لشخصية علال الفاسي·
شخصية علال الفاسي
إن علال الفاسي (1910-1974) هو من أهم الرموز الثقافية والسياسية في المغرب المعاصر، ساهم تكوينه الديني والثقافي بعد سنوات من الدراسة بجامعة القرويين - كأعرق وأشهر الجامعات في العالم العربي والإسلامي على امتداد قرون - في تطوير حسه الوطني وتأسيس وعيه السياسي، ووجوده في قلب معترك النضال الوطني لم يكن وجود صدفة، بل كان وجود اختيار· يؤكد ذلك كونه تزعم سنة 1926 حركة الدفاع عن ماء فاس، ومقاومة المحاولات الاستعمارية التي استهدفت نزع أراضي الفلاحين· كما تطوع بتوجيه من "كتلة العمل الوطني" لإلقاء دروس شعبية ذات بعد وطني بجامعة القرويين سنة 1932، وكان بذلك من الوجوه الثقافية والسياسية التي نظمت مقاومة ترد على سياسة الظهير البربري الصادر في سنة 1930، وقد أسس للغاية نفسها مجلة شهرية سرية اسمها "أم البنين"· كان علال الفاسي رمزا لنخبة الشبيبة الحضرية المتسيسة والحاملة لوعي وطني ستظهر آثاره ليس فقط بين فئات الشعب المغربي، بل ستصل الى داخل الأوساط السياسية والثقافية الفرنسية، وتولد تناقضات حادة داخل المجتمع السياسي الفرنسي والأنتلجانسيا الفرنسية، كما يؤكد أحد المؤرخين الفرنسيين· وقد كانت مراحل تطور التجربة السياسية لعلال الفاسي متعددة ومتنوعة نختصرها في منعطفين تاريخيين كبيرين تفاعلت فيهما تجربة هذا المفكر والسياسي المغربي مع تجربة الحركة الوطنية· المنعطف الأول هو تقديم "مطالب الشعب المغربي" في نوفمبر 1934، والمعروف أيضا "بدفتر الإصلاحات المغربية" والذي يصفه علال الفاسي بأنه اشتمل على هندسة سياسية في عرض مطالب الشعب المغربي· كان من النتائج السياسية لهذا الحدث أن طالبت الحركة الوطنية ببرنامج إصلاحات مستعجلة سنة 1936، مما أدى الى حدة المواجهة بين السلطات الاستعمارية والحركة الوطنية واعتقال زعمائها الثلاثة سنة 1936 بالبيضاء وهم: علال الفاسي، أحمد بلا فريج، ومحمد حسن الوزاني، ليكون رئيسا لكتلة العمل الوطني في السنة نفسها، ويعتقل بعد ذلك وينفى سنة 1937 الى الغابون ثم الكونغو لسنوات عديدة، أما المنعطف الثاني فهو تقديم عريضة المطالبة باستقلال المغرب في 11 يناير 1944، والإعلان عن تأسيس حزب الاستقلال، حيث سيستأنف نشاطه السياسي بعد عودته سنة 1946 من المنفى والسماح له بالدخول الى المغرب، فكان زعيما لحزب الاستقلال وفاعلا أساسيا في تشجيع الحركات النقابية· إن هذا المنعطف الثاني هو منعطف المطالبة بالاستقلال، وقد تلته حركية فاعلة سياسيا وثقافيا كمشاركته في تنظيم حفل استقبال زعيم الثورة الريفية عبدالكريم الخطابي بالقاهرة، وفضح سياسة الجنرال جوان بعد أن منعته السلطات الاستعمارية من دخول المغرب فظل بطنجة بين سنتي 1949 و1952· وكانت دعوته صريحة للمقاومة المسلحة سنة 1953 بعد نفي الملك الشرعي محمد الخامس· إن هذا المنعطف الثاني في حياة الحركة الوطنية وتجربة علال الفاسي كان بداية تؤشر لنضج سياسي كبير اتسم بالجرأة في نقد المستعمر· فقد وصف الجنرال جوان بأنه كاذب بعد أن اعتبر هذا الأخير أن حزب الاستقلال هو سبب الأزمة آنذاك· لكنها أيضا كانت مرحلة النضج الفكري بالنسبة لهذه الشخصية الوطنية فقد توقف لقراءة حصيلة العمل الوطني، وتقييم عمل الحركة الوطنية· وتبين له أن هناك فراغا نظريا ونقصا فكريا يعوقانها، ويؤديان الى اضطراب في أداء النخبة السياسية الوطنية التي كانت تشكو من فراغ نظري، وقد أبرز علال الفاسي ما أنجزته الحركة الوطنية على المستوى الثقافي، وكيف ساهم حزب الاستقلال في إنشاء مدارس وطنية وفتح صفحات بجريدة "العلم" للطلبة والشباب، وتأسيس نواة للتعليم الديني الثانوي في الأقسام التكميلية بفاس، الرباط والدار البيضاء، وتوحيد الجانب الثقافي بين المغرب والجامعة العربية، وتأسيس "جمعية طلبة شمال أفريقيا المسلمين"، وتنشيط الدراسات المغربية بتأسيس مجلة "رسالة المغرب"··· الخ· لكن هذه الإنجازات كانت في حاجة لأن تغنى بتصور نظري متكامل يغني التصور السياسي والنضال الوطني·
لذلك فإن شخصية علال الفاسي لا تختزل في رجل السياسة، بل هي أيضا شخصية المثقف الذي تكون بالقرويين وتخرج فيها ليدرس بها، فهو صاحب تكوين فقهي، وهو أيضا شاعر ورجل قانون، كما قرأ لأهم المؤرخين وعلماء الاقتصاد والاجتماع، كما انفتح على الإنتاج الفلسفي· ونجد في "النقد الذاتي" كما نجد في مؤلفاته الأخرى عرضا تحليليا نقديا للنظريات الفقهية والاجتماعية والفلسفية والتاريخية· ولعل هذا الجانب الثاني في شخصية الفاسي، وهو جانب "المثقف"، هو موضوع دراستنا إذ سنحاول تحديد سمات وخصائص ووظائف علال الفاسي المثقف دون حاجة الى العودة المتكررة للحظة التاريخية التي احتضنت إنتاج الكتاب، وهذا ليس تقليلا من شأن المعطى التاريخي في صياغة أسئلة المثقف وتطوير تفكيره، ولكنه تحديد لموضوع دراستنا لأنه لو كانت العلاقة آلية بين التاريخ والثقافة لكان بالإمكان أن يظهر أكثر من علال الفاسي، وأن تنتج نصوص موازية لنص "النقد الذاتي"·
مشكلة البحث
ينطلق البحث في أسسه النظرية واهتمامه الأساسي من قراءة لموضوعات "النقد الذاتي"، بفحص تطورها من البداية الى الخلاصة، وهو بذلك يحاول تركيب أفكار كل باب أو بابين توحد بينهما طبيعة المشكلة النظرية أو العملية المطروحة، بحيث يكون التركيب هنا صياغة لمفهوم أساسي ومركزي· وقد تعددت المفاهيم الضمنية العارضة، مثلما تعددت المفاهيم الجوهرية والأساسية في هذا الإنتاج الفكري الأساسي لعلال الفاسي· إن المجال النظري الذي تنتمي إليه هذه الدراسة هو مجال سوسيولوجية المثقف، أي البحث في الأصول الاجتماعية والتاريخية لنشأة وتطور فئة المثقفين كفئة تنتج الأفكار، وذات دور أساسي في التغيير· ووظيفة هذه المحاولة التحليلية لأطروحة "النقد الذاتي" لا تتجلى في الربط المتعسف والآلي بين اللحظة التاريخية واللحظة النظرية، أي إيجاد أسس واقعية تاريخية وطبقية لظهور الفكر وتطور الإنتاج الثقافي· فمجال الفكر له حيويته واستقلاليته عن مجال الواقع المحسوس والمباشر، وهو ينطلق منه ليتعالى عليه، فيتأمل مقولاته ومفاهيمه، ويعود للالتحام به والفعل فيه باختبار نجاعة تصوراته· إن الإشكالية الأساسية التي وجهت عملنا هي: هل يمكن أن يكون "النقد الذاتي" صالحا اليوم؟ هل تحليله للمجتمع المغربي وأيضا المجتمع العربي منذ نصف قرن وفي اللحظة التاريخية للسيطرة الاستعمارية تحليل حي، وراهن في نهاية هذا القرن؟ سؤال يبدو منفلتا من عقال الموضوعية، متخطيا مسافة تاريخية وزمنية مهمة لتبرير قراءة محددة لعمل زعيم الحركة الوطنية وواحد من أبرز مثقفيها·
قراءة "النقد الذاتي" تنطلق من الماضي لترحل نحو الحاضر، فتوصيف المؤلف لحالة المجتمع، وطرحه لحلول منها ما له الطابع الملح والمستعجل، ومنها ما له الطابع الاستراتيجي البعيد المدى، يجعلنا نقرأ الواقع الراهن: استمرار لمعضلات الفقر، الأمية، التعليم، الديمقراطية، الشخصية الوطنية، الهوية الحضارية الإسلامية· إن قراءتنا بهذه الراهنية تجد مبررها الأول في استمرار المشاكل نفسها والمعضلات المطروحة، لكنها تجد مبررها الثاني والعميق في قدرة مثقف كعلال الفاسي على أن يتجاوز اللحظة التاريخية لسيطرة الاستعمار، ويفكر في الأبعاد العميقة لمشكلات المجتمع المغربي لأن مطلب الديمقراطية والتحرر من التبعية وتأكيد الهوية والتقدم والتطور المدني هي مطالب لن تتحقق في العهد الكولونيالي، فالنضال الوطني كان يتمحور في هدف أساسي هو الاستقلال، لكن النضال في أبعاده الثقافية والاجتماعية والاقتصادية يتطلب إصلاحا شاملا، وتفكيرا استراتيجيا عميقا من أجل الحرية في مختلف أبعادها ومستوياتها، فكيف فكر علال الفاسي في قضايا الحرية، الإصلاح، والمجتمع؟
فرضيات البحث
ينطلق البحث من صياغة أسئلة واضحة هي:
1 - ما الغاية من كتابة النقد الذاتي؟
2 - ما موضوع "النقد الذاتي؟"·
3 - ما الوسائل التي يطرحها الكتاب لبلوغ تلك الغاية؟
يجد كل واحد منا أن هذه الأسئلة تحصيل حاصل، فعلال الفاسي كتب مؤلفه في ظروف تاريخية معروفة بالسيطرة الاستعمارية، ولن تكون أهداف البحث بالنسبة إليه إلا تفكيرا في وسائل مناهضته حتى تتحقق غاية الاستقلال· إن عنوان الكتاب يعلن أن الموضوع هو نقد الذات أولا، وهذا لا يعني استبعاد النقد الواضح للاستعمار· ينتقد المفكر السلفي والرمز السياسي الوطني الذاتي لغاية هي الحرية وليس الاستقلال فحسب، وهو لا يتصور تحقيقا للحرية إلا بتحقيق الإصلاح، الذي له وسائله وأدواته· مستويات من التفكير مترابطة ترابطا منطقيا وعضويا فيما بينها، وهذا ما يدفعنا الى تركيب كل الفرضيات والأسئلة التي تتناسل في ذهن كل قارئ لكتاب علال الفاسي في كل نظري ينبني على ثلاث فرضيات أساسية هي:
1 - هل هدف "النقد الذاتي" كان الاستقلال أم الإصلاح؟
2 - هل الإصلاح سياسي فوقي كالإصلاح المخزني في القرن التاسع عشر، أم هو إصلاح شامل؟ وما مستوياته وأولياته؟
3 - هل الإصلاح من أجل الحرية والاستقلال والتقدم هو مطلب آني تم تجاوزه، أم مطلب استراتيجي ذو راهنية؟
إنها فرضيات تخفي فرضيات أخرى ثانوية، كما تخفي مفاهيم وأفكارا ومقترحات نجدها في نص "النقد الذاتي" كنص أساسي في الفكر السياسي المعاصر، ومرجع يحدد صورة ووظيفة كل مثقف حقيقي·
منهجية البحث
إن المنهجية الأساسية المعتمدة في محاولتنا تقديم قراءة متواضعة لأطروحة الكتاب هي مرجعية سوسيوتحليلية تحدد التحليل كأداة منهجية لتفكيك دلالات المتن، فتفكك دلالات الحرية، الإصلاح، المثقف، المجتمع، وتعمل على توصيف مستوياتها المختلفة، وبيان تمفصلاتها العلائقية لتركيبها في مفاهيم أساسية هي الحرية الشاملة، الإصلاح الشامل، وهي أداة منهجية تواكب تطور أفكار النص في تسلسلها الموضوعاتي لتؤصل لدلالاتها السوسيولوجية الحقيقية، كدلالات واقعية وتاريخية ذات علاقة بشروط إنتاج الكتاب كشروط سياسية وتاريخية واجتماعية، وأيضا في سيرورة تكامل أبعادها: الماضي، الحاضر والمستقبل، ويتخذها هذا البحث في أدواته كمجال للتحليل كمستوى أول ليحدد علاقة المتن "النقد الذاتي" بالمرجعية الأيديولوجية الوطنية في مستوى ثان، وليكشف عن عناصر استمرارية تلك القضايا وراهنية مقترحات، (أفكار، ورغبات) علال الفاسي في بعدها الفكري الأصيل، وتلك هي قوة الفكر: ينتج في زمن محدود ليعبر عن واقع موجود دائما·
القسم الأول: الحرية الشاملة
"مهما كانت للأفكار التي أدافع عنها من قيمة، فإن مبدأ الحرية يجب أن يعلو عليها (···) إذا كانت الحرية ستحرقنا فلنفعل، فإنها على كل حال خير من الضغط ومن التغني بأفكار تنظمها عبادة القوة أو عبادة المال···"·
علال الفاسي "النقد الذاتي"
ص 59/ص74·
"الأغرب أن نلاحظ أن القسم النشيط من الإنتلجانسيا العربية قد عبأ كامل قوته النقاشية وقوته في الحكم والمطالبة في مبدأ العدل الاجتماعي، مغفلا مبدأ يكتسي الجمال نفسه والحقيقة نفسها ألا وهو مبدأ الحرية"·
هشام جعيط "الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي" ص217 إذا ما تفحصنا وحدات المتن المكون لكتاب "النقد الذاتي" فإننا سنجد الحضور البارز والقوي لمفهوم الحرية الذي يتردد ذكره عبر صفحات المؤلف، كما نجده حاضرا في مؤلفات أخرى، بل إن علال الفاسي خصص كتابا متفردا لمسألة الحرية، فناقشها في أبعادها الفردية والجماعية، كما حلل وانتقد النظريات الفلسفية السياسية التي حضر في أنساقها هذا المفهوم، وقد نشر هذا العمل بعد وفاته· إن القراءة المتأنية تلزم باستقراء الدلالات المختلفة لمفهوم الحرية الذي لم يكن حضوره كميا، بل كان حضورا نوعيا تمثل في تصورها كغاية وضرورة، فهي أساس التقدم والتطور، وهي الغاية السامية في كل الخطابات السياسية والثقافية، والحرية تحضر حلما ومطلبا داخل الأسرة والمدرسة والمصنع والمؤسسة التشريعية والقضائية··· هل كانت الحرية في تفكير علال الفاسي شعارا يتلخص في الاستقلال، أم أنها كانت غاية سامية وكلية وجودية تخص مجالات الثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ويحضر ضمنها المطلب الخاص بالاستقلال الوطني؟ وهل تصورها يحتم مشروعيته من الحرية كما طرحها الفكر الغربي والتجارب التاريخية للغرب، أم من النظرية الإسلامية؟ أم من المجالين معا؟
لمعالجة مفهوم الحرية وأشكال حضوره في "النقد الذاتي" سنصنف منهجيا بين مستويين في الحرية لتمايز مجالاتها، وتنوع مستويات حضورها في فكر علال الفاسي:
1 - النقد السياسي والثقافي·
2 - قيمة الحرية بين النظرية والممارسة·
1 - النقد السياسي والثقافي
يشرع المؤلف في الباب الأول بمعالجة مستوفية ومستفيضة "لمسائل الفكر"، محددا مهمة رجال الفكر في أنها تكمن في صياغة الأفكار، وتأسيس النظريات المساعدة على التحول الاجتماعي والتغيير السياسي· أكد الدعوة الى ضرورة "تكوين النظرية ووضع البرنامج المفصل" في خاتمة كتابه "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، وذلك حتى لا يقع لهذه الحركات من "التبلبل" ما يشككها في قيمة الكفاح الوطني، وهو تأكيد واضح على أهمية النظرية في توجيه العمل السياسي وإغنائه· ويفتتح الباب الأول بفصل عن "الأنانية" كضرورة لا يجب أن نفقدها، لأن بفقدانها نفقد وجودنا الذاتي، ولذا يجب توجيهها لتكون في صالح الفرد لا أن تكون ضده· إنها تعني عدم الاستنقاص من الذات، ولذلك يجعل المؤلف من الأنانية حافزا لتوجيه الأمة وتكوين الشخصية المستقلة خدمة للمصالح الجماعية، وهنا تكمن مسؤولية الحركة الوطنية· الخطاب هنا موجه للنخبة لتمتلك الأسس الأخلاقية والمقومات النفسية الضرورية لإدارة معركة الاستقلال والحرية· إلا أن "الأنانية" ليست شرطا كافيا وحيدا لإنجاز النخبة الثقافية والسياسية للمهام المنوطة بها، بل يتعين أن يكون تفكيرها "تفكيرا اجتماعيا" يهتم بالتفكير في الغير، ويتمحور حول "العناية بأحواله والعمل على إصلاحها"، وهذا يعني تجاوز الحلول الجزئية، كما يعني في نظر علال الفاسي فضح النزعة الأخلاقية الشكلية للطبقة البرجوازية حيث لا يجب التفكير في الجائعين والبائسين والفقراء من جانب الرأفة ومنحهم الصدقة، بل التفكير فيهم كأصحاب حق مفروض، كما أن التفكير الاجتماعي لا يجب أن يكون موضوعه الفقراء والمدعمين فحسب، بل المشاكل والقضايا الوطنية مما يؤكد أهمية "التفكير شموليا" حتى يكون التفكير في الاستقلال شاملا لكل مكونات الأمة· يقدم علال الفاسي مثالا لتلك الجمعيات التي كانت تؤسس في فترات سابقة لحماية الفلاح أثناء فترات الجفاف· التفكير الشمولي لا يعني مجرد وجود الرغبة في استحضار النخبة لكل قضايا الشعب، بل فهم تلك القضايا في أبعادها الروحية والاجتماعية والسياسية وتكامل هذه الأبعاد، والمثال الواضح هو تقدم النظام الدستوري في مصر وسوريا، يقابله تأخر في الانبعاث الروحي نتيجة هيمنة الرجعية الدينية بالمعاهد الدينية التقليدية، وعدم إصلاح الأزهر في حين أن أبناء الحضريين يبتعدون عن هذه المعاهد والجامعات الدينية· كما يقدم مثال الطائفة اليهودية التي حققت نهضة اقتصادية واجتماعية، لكنها أهملت تجديد الديانة اليهودية· وهذان المثالان يظهران ضرورة استحضار كل أبعاد ومستويات النهضة والتفكير شموليا في القضية الوطنية "الاستقلال" ومصالح الأمة·
تحبل نظرة الفاسي باستشراف لممكنات المغرب والوطن العربي، وضرورة فهم كل العلامات التي قد تعوق تطورنا مستقبلا، والتي تحضر مؤشراتها في الحاضر· كما تحبل بنقد صريح لكيفية تعاملنا مع الاستعمار المتصفة بكثرة التشكي من نكبة الفلاح المغربي بعد أن سلبته السلطات الاستعمارية أراضيه، في حين أننا لا نهتم نحن بإصلاح أحوال القرية، إذ تغيب الدراسة العميقة للذهنية المغربية من أجل "تنوير أذهان الأمة وليس تكثير الشهادات" لأن ذلك هو "السبيل لإنضاج العقل المغربي"· إن شمولية التفكير تفرض علينا الإحاطة بكل القضايا والمسائل والابتعاد عن "ارتجال التفكير"، فالعشوائية في تدبير شؤوننا، وتحكم الصدفة في اتخاذ القرارات كانت لهما النتائج السلبية في تحديد مصيرنا الجماعي وصناعة تاريخنا المعاصر· يقول الفاسي بصريح العبارة: "إن من خطر الأدواء التي يشتكي منها العرب اليوم، والتي كان لها نصيب كبير في فشل كثير من شؤونهم أنهم لا يعدون للأمر عدته، ولا يحتاطون له قبل حينه، ولكنهم يظلون في تغافل وفي تردد، ثم يرتجلون الأفكار على ضوء الحاضر السريع، ويرتجلون بعدها العمل على حسب ما تقتضيه الظروف"· توضيح عميق لموطن تعثر عملنا السياسي متمثلا في الارتجال· وقد توقف المؤلف عند مجالات أساسية وحيوية ترسيخا لفكرته هذه، وتأكيدا لتوسع طابع الارتجال في المجال العربي· المجال الأول يخص السيادة الوطنية وفيه يدرج مثالين: الأول خاص بنكبة فلسطين حين كان الصهاينة يهربون الأسلحة، وكان الفلسطينيون - ونقول العرب كلهم - يتحسرون ويجتمعون لإلقاء الخطب· إنه نقد يوجهه مثقف وسياسي مغربي للقضية العربية المركزية، ولأسلوب معالجتها، والتي استمر التداول السياسي والصراع في شأنها مدة نصف قرن· نقد يستند الى قوة الإحساس القومي لدى المؤلف وهو لا يغفل الذات، فالمثال الثاني يخص الحركة الوطنية المغربية ونقدها نقدا واضحا حتى تتجاوز نقائصها وتحقق أهدافها، يؤكد الفاسي: "جربنا في حركتنا كثيرا من آثار هذا الداء الذي يؤذي الكثير من مشاريعنا··· تكون لدينا فرص ولكن الوقت الكافي يجعلنا نتريث شيئا فشيئا حتى لا نأتي في النهاية إلا بفكر مرتجل جديد"· إن غياب التخطيط قبل التنفيذ يؤدي الى خيبة الأمل، وقد يصل في حده الأقصى الى التساؤل عن جدوى ملف القضية المغربية ومشروعية مطلبنا الملح من أجل الاستقلال· إنه نقد موجه للذات وللحركة الوطنية·
أما المجال الثاني لسيادة الارتجال، فهو المجال الثقافي حيث الكتابة المرتجلة وغياب منهجية دقيقة في التمعن والتمحيص قبل الكتابة، يتساءل: "من هم أولئك الذين يصبرون أنفسهم على البحث والنظر قبل الكتابة؟" فيستنتج أن: "كتاباتنا تكاد تكون كلها ارتجالا في لغة البرقيات دون أن تضمن ما كانت تحتوي عليه الكلم الجوامع في العهد الأول للسان العربي"· إن النقد هنا موجه للنخبة الثقافية، وهو يغني النقد الأول الموجه للنخبة السياسية لأن رجل السياسة ورجل الثقافة يضعف لديهما التفكير في الواجب "إنني أفضل أن يكون الواجب هو شغل الفكر الشاغل"· لا يعني ذلك أن التفكير في الواجب ينعدم لدى النخبتين، ولا أن الحركة الوطنية غاب لديها هذا التفكير، فوجودها حافزه وأصله هو الإحساس بالواجب· لكن علال الفاسي يشير الى أنه حضر بشكل متقطع وظرفي، فهو لم يحضر في أوساط الحركة بشكل مستمر وعقلاني لعدم الاهتمام بالوقت، الذي خصص له الفصل الأخير من الباب الرابع· يقارن علال الفاسي بين الوطنيين ورجال الأعمال، فيلاحظ أن الفئة الأولى لا تحس بأهمية الوقت رغم تفكيرها في الواجب بشكل ظرفي ومتقطع حسب ضغوط كل مرحلة، في حين أن الفئة الثانية تفكر في الوقت، لكن ينعدم لديها التفكير في الواجب· نقد مزدوج نقد للحركة الوطنية في أسلوب عملها، ونقد للطبقة البرجوازية في أسلوب تفكيرها· وعدم الاهتمام بالواجب يبدأ من القاعدة ليصل الى القمة، من غياب تحسيس أبنائنا بالواجب وتربيتهم على أهميته الى عدم تحمل الولاة لمسؤولياتهم ومهامهم· يخلص المؤلف الى أن "التفكير في الواجب هو المنهج الوحيد لتكوين الشخصية المستقلة التي تعيش للمجموع وتحيا لخدمة الأمة"· تأكيد المؤلف على ضرورة التفكير في الواجب هو تأكيد أخلاقي من ناحية لأن في ذلك حسن التربية وصلاح المجتمع، ومسؤولية الفئة المتنورة من أهل الفكر بشكل خاص التي عليها أن توجه الفكر العام، وتعمل على تنوير رجل الشارع، وهنا تكمن قيمة الفصل السابع "أرستقراطية التفكير"· عنوان قد يثير تساؤلات لدى كل مطالب بالمساواة والديمقراطية لأن الفكرة في ظاهرها تتضمن إقرارا للتباين بين الطبقات والفئات الاجتماعية، وترسخ ثنائية العامة والخاصة، الصفوة والجمهور، إلا أنها في عمقها تبين دور "الفكر الرفيع" في التحرر من القيود التي تحيط به من أجل توجيه الأمة· إن الفكر الرفيع لا يمتلكه العباقرة إلا بعد مثابرة وعناء شديد، فهو "ملكية فردية" خاص بالنخبة، ولذلك فلا بد أن يتأسس على الوضوح والصراحة "يظن كثير من المخلصين أنه ليس من الصالح أن ننبه الأمة الى مواطن النقص فيها، لأن ذلك يكون عندها استياء ربما أضر بها أو بإيمانها، أو ربما أضر حتى بمحاولة إصلاح النقص الذي عندها· لكنني أعتقد على العكس من ذلك أن الأمة يجب أن تخاطب في كل شؤونها بكل صراحة وبكل بيان"· إن إخفاء الحقائق على الأمة بدعوى اجتناب إلحاق الأذى والضرر بها منهج خاطئ في التفكير والعمل، والمنطلق يبدأ من توجيه الشباب المثقف أو الذي يتثقف "الشباب المتعلم" وتربيته على تقاليد التفكير المتأني والواضح والنظر العميق في كل قضايا مجتمعه· إن الأرستقراطية الفكرية ضرورية لقيادة المجتمع، وهي لا تناقض الديمقراطية، بل غايتها الحقيقية ديمقراطية التربية وتعميم الفكر الصحيح، وهي بذلك ليست "نشازا" أو "شططنا برجوازيا" يعبر عن "دعوة نخبوية" كما تضمنت ذلك بعض الدراسات· إن الأرستقراطية الفكرية هي الأصل في تعميم التفكير الحر حتى يتمكن الشعب من اختيار ممثليه· وهنا ينتقد الأيديولوجيا النازية العنصرية التي تحتقر التفكير لخوفها من يقظة الشعب وقدرته على الاختيار، وإلحاحها على أن تنسى الشعوب عادة التفكير· إنها أيديولوجيا كليانية تريد توحيد الجماعات الثقافية والسياسية والعرقية والمدنية لتأتمر بأمر الحاكم - الزعيم، وفي تعميم التفكير الصحيح بين فئات الشعب يكمن الخطر المهدد لأحادية السيطرة ومشروعية الهيمنة المطلقة لأيديولوجيا السياسة الاستبدادية· إن المنطلق الفكري لدعوة الفاسي لتعميم التفكير بفضل الأرستقراطية الفكرية (النخب المثقفة) هو منطلق الحركة السلفية بشكل عام التي لعبت دورا أساسيا في مناهضة فكر الخرافة والطرقية من أجل تنقية المعتقدات الدينية من كل الشوائب العالقة بها في مرحلة الفساد والتأخر والانحطاط، فتعميم التفكير غايته حرية المعتقد والسلوك، ولكن استنادا الى عقيدة صحيحة، وتلك هي الحرية فهي لا تعني "أن يفعل الإنسان كل ما يشاء ويأتيه كل ما يريد، ولكنها في أن يعد نفسه لمبدأ صحيح وعقيدة ثابتة"· إن حرية التفكير التي يتحدث عنها الفاسي لا تخص مطلب معارضة الاضطهاد الحكومي للحرية، بل يتحدث عن "حظنا في مسؤولية الكبت لحرية التفكير عند الآخرين"· نقد ذاتي واضح شكلا ومضمونا يندر تداوله في أوساط النخب الثقافية والسياسية راهنا، وهدفه تشجيع تقاليد الحوار والمناظرة كما كانت سلفا عند اليونان، فأنتجت منظومات فلسفية كبيرة، أو في تجربة المجتمع الإسلامي فأفرزت الاجتهاد الفقهي والأصولي· النقد هنا موضوعه الذات أي نخبة رجال الثقافة ونخبة رجال السياسة، وذلك يعني التحرر الفكري أولا لأن الذين يطالبون بحرية التفكير لغيرهم يجب أن يكونوا متحررين هم أولا· إنه نقد يعري النقص الذي يسكن المثقفين في أداء وظيفتهم كما يعري أوهامهم· لا تعارض أيضا بين حرية التفكير ومبادئ الإسلام، فالتجربة الإسلامية تظهر دفاع العلماء عن الاجتهاد وحرية القول، بينما تظهر التجربة المسيحية في العصور الوسطى معارضة رجال الكهنوت لسلطة العقل ومبدأ الحرية· مهمة المثقف تفرض عليه دراسة المجتمع دراسة شمولية، وتلك هي غاية الإصلاحية السلفية التي تجندت لنقد العادات المهترئة ومحاربة الطرقية، وقد أدرك المؤلف هذا التأخر في أكثر من مقال ومقام، كما أدرك أن هاجس الحركة السلفية لم يقتصر على هذا النقد فقط فهي "لم تكن قاصرة على الدعوة ضد الخرافات، بل تجاوزتها لحث الشعب على العلم والدعوة الى إصلاح شامل، ومقاومة الجمود في كل فروع الحياة"· (التشديد لنا)·
غرضنا هنا ليس توضيح عمل الحركة السلفية في المجال الثقافي والامتدادات الاجتماعية والدينية لذلك العمل، فهذا موضوع سيجد موضعه في القسم الثاني من هذه الدراسة، بل هو إبراز دور النخبة الثقافية انطلاقا من الفعل التاريخي للحركة السلفية الذي يتجلى في: 1 - الإيمان بدور العقل، 2 - الرفع من قيمته، 3 - تعليم الشعب كيف يفكر· دور هذه النخبة هو فحص العادات والتقاليد لبناء الرأي العام الصحيح الذي يستند الى الإقناع والدعوة المنظمة وتماسك طرح الأفكار· إن الفكر العام الصحيح كفكر للأغلبية يجب أن تختاره الأقلية لا أن تكره على قبوله، وفي هذه الفكرة حل لمعضلة تتمثل في فرض رأي الأغلبية على الأقلية في الأنظمة الديمقراطية، وعدم احترام رأي الأقلية· الفكر العام الصحيح هو فكر الإقناع والاختيار والحركية ودور وسائل الاتصال من صحافة ومذياع وتعليم إجباري للبنين والبنات دور أساسي في تنوير "الفكر العام المتحرك"· الغاية تكوين الشعب وإعداد الأغلبية لتكون ذات قدرة على اختيار ممثليها وحاكميها، "فلا وجود لشعب يحب طاغية"، ولا وجود "لأغلبية تنتخب قادة ونوابا منافقين"· يؤكد الفاسي أن كل فكرة تعبر عنها الأغلبية، وتكون ضد الأسس الأخلاقية التي آمنت بها الأمة، يجب أن تتهم وأن يعاد النظر فيها، فالشعوب لا تعبد إلا نفسها ولا ترضى لحريتها بديلا· إن الأسلوب الديمقراطي هو خير وسيلة لتوجيه الرأي العام لأنه يجسد سيطرة العقل على الفوضى والتسلط· وهنا ينتقد التفاوت الاجتماعي ودور قوة المال في تضليل الناس واحتكار الدولية والشركات في الضغط على الفكر العام مستنتجا الضرورة الأساسية لتدخل المثقفين والقيام بواجبهم في مقاومة قوة المال، وفي أن يتحرروا من كل سلطة مادية أو معنوية لذوي النفوذ· على النخبة الثقافية أن تتجرد مطلقا من كل المنافع الظرفية، وألا تراعي في عملها سوى مصلحة الأمة ومصلحة الحرية·
أكدنا أن نقدا كهذا يندر مثيله في الظرفية التاريخية الراهنة، وهو نقد لا يتصل بشكل ضيق بالمطلب الأساسي لتحقيق الاستقلال، ولا يكمن هدفه في نقد النخب الثقافية والسياسية، بل هو يروم تحقيق الحرية وتأسيس أخلاق جديدة في وسط المثقفين والسياسيين أولا لتعمم على فئات الشعب· إنه نقد قابل للتحيين لأن في ذلك نزولا للمثقفين من أبراجهم العاجية - عوض الحلم في دنيا ابن طفيل أو جنة روسو - الى قاعدة الحاجات الأساسية والضرورات الملحة للأمة استنادا الى الماضي، إن كان في ذلك ما يناسب حاجات العصر، فالفكر يقضي بالأخذ من الماضي، وإهمال ما يضر المجتمع من عمل المعاصرين· لذلك فعمل النخبة لا يقتضي في توجيهها للرأي العام أن تستنسخ نظريات الغرب، وأن تقتدي حرفيا بقيمه وتجاربه، بل لا بد من اختيار المنهج المناسب انطلاقا من شخصيتنا المستقلة دون مركب نقص أو استصغار للذات في مقارنتها بالآخر/الغرب· وكثيرا ما ورد علال الفاسي: "إنهم رجال ونحن رجال، يجب أن ننزع عنا عقدة النقص التي تمنعنا من الوقوف"، وهو لا يقف عند هذا المستوى من النقد المدعم بتحديد مهمة المثقف، بل هو يرى أنه يتعين أن نفطن لمغالطات الأساليب الخطابية لأن الجمهور لا يفرق بين الوسيلة والغاية، فيكون ضحية وسائل خطابية تضمر غايات خفية مناقضة جوهريا لما تعلنه في الظاهرة الوسائل الخطابية· إن الشيوعيين والفاشيين - تحضره بدقة ووضوح تجربة ستالين وهتلر - يضربون على وتر واحد هو المطالبة بتحسين الوضعية الاجتماعية، ويخفون رغبتهم الحقيقية في سلب حرية التفكير للعامل والممول· نقد صريح إذن للأيديولوجيات السياسية الكليانية التي وأدت الحرية لتسود الفكرة الواحدة والمطلقة كدعامة لمصالح الأقليات السياسية الحاكمة· إنه نقد يعيد تنظيم علاقة المجتمع المدني بالمجتمع السياسي لأن الأساسي في المجتمع المغربي، وما يجب أن يشغل الرأي العام المغربي هو الحرية· ينتقد الفاسي مرة أخرى النخبة التي جارت المدنية المعاصرة، كما ينتقد التجار المتعاونين مع الاستعمار الذي وضعوا مصلحتهم الذاتية في التجارة والربح قبل المصلحة الوطنية مقدما مثال "مشروع مدينة البغاء" الذي حاولت شركة فرنسية إقامته بمراكش، وكيف تصدت "الكتلة الوطنية" لها، كما يقدم مثال تدريس قيم الثقافة الفرنسية من خلال أمثال لافونتين وفولتير بالمؤسسات التعليمية·
إذا كانت خصائص الإحاطة، الشمولية، الطابع الاجتماعي، التحرر والأرستقراطية الفكرية هي المقومات الأساسية بالنسبة للنخبة السياسية الوطنية والنخبة الثقافية لاكتساب تفكير صحيح وعميق ينور الرأي العام ويوجهه نحو هدف حقيقي هو الحرية، فإن الحرية هنا ليست قيمة اقتبسناها من الغرب، بل لها حضور في أصلنا (الإسلام) الذي يجب ألا نغفل عنه وأن نعتز به· ولذلك فواجب النخبة الثقافية هو خدمة المجتمع بالإعلاء من شأنه وتعريفه بأصوله وجذوره، لأن قيمة المغرب كوطن لأمة تجتمع فيها حضارة العرب وثقافة الإسلام· شروط الفكر الصحيح التي يتعين أن تلتزم بها نخبة المثقفين هي: 1- مساعدة الأمة على البقاء ومتابعة سيرها الى الأمام· 2 - الاستجابة لحاجات الأمة كغاية لكل حركة وطنية· 3 - التقدمية، فكل فكرة لا توجه الأمة الى الأمام هي فكرة عقيمة· 4 - الشمول، فالفكرة أو النظرية التي تقترح الحلول الجديدة عليها أن تستحضر كل "جوانب الحياة في البلاد"· تلك هي شروط الفكر الصحيح والقاعدة المنهجية لـ"اختيار الأفكار" لأن الهدف ليس هو الأخذ بأفكار الغير ولا التشبث بعاداتنا التي قد يكون فيها ما يلحق الضرر بنا، بل هو تحقيق الحرية وتأكيد الهوية بمغايرة جذرية للمشروع الاستعماري· إن الحرية المنشودة كغاية للفكر الصحيح، وكغاية بالنسبة للنخب السياسية والثقافية لا يمكن أن تكون نسخا لحريات تحققت في الغرب، بل حرية متأصلة في تجربتنا التاريخية لها نسغها العميق في هويتنا الجماعية· في خاتمة الباب الأول من "النقد الذاتي"، وبلغة تكثف دلالات أطروحته حول الحرية يؤكد "أن الحرية لا تتحقق إلا إذا عرف الشعب حقيقة نفسه وأدرك مراميها، ثم اختار من بين التجارب الإنسانية ما يساعده على الاحتفاظ بنجاح تجربته هو ككائن حي مستقل وليس صورة مكررة لغيره"·
تكمن وظيفة المثقف والحركة الوطنية في تمهيد الطريق نحو الحرية وشق مسالكها والدفاع عنها كقيمة عليا، وفي تحقيق الحرية الذاتية والتحرر الفردي أولا من خلال الشروط الأساسية الموجهة لعمل المثقف وتأسيسا على خصائص جوهرية لا بد أن تتوفر في كل تفكير صحيح· لكن حرية التفكير ليست إلا منطلقا ضروريا لتعميم الحرية في المجتمع لتشمل فضاءات السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين تتجسد في السلوكات الفردية والجماعية· كيف يتمثل علال الفاسي حضور الحرية في المجتمع وداخل تلك الفضاءات؟
2 - قيمة الحرية بين النظرية والممارسة
شكلت خلاصة الباب الأول "مسائل الفكر" مقدمة ومدخلا للباب الثاني "التفكير بالمثال"، حيث يؤكد المؤلف على الاختلاف التاريخي والتباين الواقعي بين الفكر الإسلامي والفكر الرسمي الكنسي· الإسلام ينبذ كل ما يحد من سلطة العقل ويؤدي الى استبعاد الجسد والروح، لذلك لم يكن هناك صراع بين العلم والدين في المجتمع الإسلامي كما كان بين المؤسسة الكهنوتية المسيحية والمؤسسة العلمية الجديدة في فجر النهضة الأوروبية· مجال العلم هو التجربة العيانية التي تستثمر الطبيعة وتحولها وتجرب على كائناتها بما فيها الإنسان، أما مجال الدين فهو التجربة الإيمانية، وتأكيد القيم المتعالية على التجربة الحسية والملموسة، وما تأكيد الفكرة العلمانية التي انتقلت الى بعض العلماء المسلمين بالجزائر إلا رغبة في تخليص الشؤون الدينية من رقابة السلطات الاستعمارية في نظر علال الفاسي، إذ لا وجود للفكرة العلمانية في أي بلد إسلامي· إن الفكر الديني في الإسلام معناه الحرية الكاملة والتفكير المطلق، الفكر الإسلامي في منطلقة ثورة على المجتمع الفاسد وعلى الوثنية، وهو ليس فكرا جامدا، بل هو فكر حركي متطور ومتجدد له قدرة مقاومة الجمود والامتلاء بروحانية العمل والكفاح من أجل التمتع بالحقوق والشعور بالعدل وتذوق معاني الحرية·
إن الهدف هنا هو التأصيل لقيمة الحرية في التجربة الإسلامية، وإثبات وجودها داخل المنظومة الدينية - الإسلامية، فقد نتساءل: لماذا هذه الرغبة في تأصيل الحرية داخل المنظومة الكلية للدين الإسلامي؟ إن الضرورة المحفزة على ذلك تتجلى في الرد على الأطروحات الاستعمارية والاستشراقية وبعض المزاعم المحلية التي تنعت الإسلام بكونه ديانة كابحة للحرية قامعة للاجتهاد والاختلاف· الرد هنا مزدوج: رد على دعاوى غربية تتضمنها كتابات مستشرقين وعلماء اجتماع ومؤرخين غربيين، وخصوصاً الفرنسيين منهم، ورد أيضا على بعض دعاوى التزمت التي تغلق باب الاجتهاد، وتحد من حرية الفكر باسم الإسلام· تتأطر أطروحة علال الفاسي حول الحرية ضمن النسق العام للمنظومة السلفية التي تربط ربطا عضويا بين الإسلام والحرية، فلما كان التشبث بالإسلام والحرية كان التقدم حالنا، ولما خنقت الحرية وانفرط عقد تمسكنا بالحرية تأخرنا· تلك خاصية المنظومة الفكرية السلفية والتي تؤكد عليها أيضا منظومات فكرية أخرى كمنظومة الفكر الليبرالي داخل المجال العربي· تفهم الحرية بمعنى شامل، فهي "الغذاء الضروري لحياتنا" كما يقول لطفي السيد· الحرية في المنظومة الليبرالية العربية تعني غياب رقابة الدولة، وهو المعنى الذي لازم ليبرالية الفكر الغربي في القرن التاسع عشر· ما هي مجالات الحرية التي يؤصل علال الفاسي لحضورها داخل التجربة الإسلامية؟ وكيف ينتقل من التفكير في الحرية كغاية بالنسبة لمجتمعاتنا - بعد أن انتقد تفكير النخب الثقافية والسياسية - الى انتقاد تجربة الحرية في الغرب ودراستها كتجربة واقعية في مجالات الاقتصاد والسياسة في فضاء الآخر؟
" الحرية الاقتصادية بين المنظومة الإسلامية والمنظومة الغربية
في الباب الثالث من "النقد الذاتي" والذي حمل عنوان "الفكر الاقتصادي" يتسع مجال النقد لينتقل من نقد الذات الى نقد الآخر في نظرياته وتجاربه الاقتصادية والسياسية· يعي المؤلف - انطلاقا من تكوينه الثقافي، وبناء على تجربة تطور الأنظمة السياسية بعد الحرب الكونية الثانية - أن نظرية ماركس في تفسير التاريخ هي أكثر النظريات شيوعا، وتستند الى فهم تطور الأحداث والوقائع اعتمادا على العامل الاقتصادي· إن المدرسة الاقتصادية بصفة عازمة، والمادية التاريخية بشكل خاص، تستندان الى الأسس التفسيرية التالية: أولها أن قوانين التاريخ موجودة وموضوعية، لأن التاريخ لا يتطور وفق العشوائية والصدفوية، بل وفق قوانين اقتصادية· ثانيها أن الباعث الاقتصادي متفوق على غيره، وهو ما يسميه التصور المادي التاريخي بالعامل المحدد في التطور، ثالثها أن الجمعية تستسلم لناموس التشبه بالوسط حيث يلعب المحيط الاجتماعي دورا في تربية الأفراد نفسيا، تربويا واجتماعيا· لكن هل هذا يعني أن ماركس هو أول من فهم التاريخ انطلاقا من الدور المؤثر للعامل الاقتصادي؟ هنا يؤصل مرة أخرى للتفكير الاقتصادي داخل المجال العربي الإسلامي، فيعتبر أن ابن خلدون كان سابقا لماركس وفيكو في تأسيس المدرسة الاقتصادية، بل هو أول مؤسس لها، بينما يعتبر ماركس أن العامل الاقتصادي هو أهم العوامل المفسرة للتاريخ الاجتماعي· الغرض هنا هو بيان أن التفكير الاقتصادي لا يتصل في نشأته بالغرب كمكان ولا بالقرن التاسع عشر كزمان، فأصوله حاضرة في "المقدمة" للعلامة ابن خلدون·
تظهر القراءة المتأنية لأشكال ومظاهر الحرية الاقتصادية أن الحرية قيمة سابقة على المصلحة الاقتصادية، بل إن غياب الحرية خطر على الدولة والمجتمع في حين أن الاضطراب الاقتصادي يمكن علاجه، ولذلك فالخطر على الدولة لا يكمن في الهزات الاقتصادية، بل في ضياع الحرية وانتفاء وجودها، إن التأكيد إذن على الحرية ضرورة استراتيجية وليس دعوة تنتصر لحرية المبادرة في مجال الاقتصاد، وإطلاق العنان للطبقة ذات الامتيازات لاحتكار كل الخيرات، والاستحواذ على الثروات· الحرية مشروطة بوجوب تعميمها علي الكل لأن "المشكلة الاجتماعية العصرية كلها تتلخص في هذا الاحتكار المشؤوم للثروة في يد أقلية ضئيلة (···) إن الحرية التي تنشدها لا تبقى لها قيمة إذا كنا عبيدا للمصالح (···)"، يظهر جليا أن الحرية الاقتصادية ليست هي تشجيع المبادرة المطلقة لطبقة اجتماعية على حساب باقي الطبقات الأخرى، فهذه تصبح عبودية: إن الحرية الاقتصادية تعني تهيئة العمل للجميع، وإشراك اليد العاملة وسائر المنتجين في مراقبة الشؤون الاقتصادية والمالية والتحرر من الفقر، وحماية الدولة للمواطن اقتصاديا بضمان حقه في الشغل والدراسة· الحرية الاقتصادية الحقيقية تعني التحرر من المال، من سيطرة الاتجاه المادي في التفكير الاقتصادي كذلك، فخطأ أغلب النظريات يرجع الى تقييمها للمال كعامل أول وأخير في فهم تطور الوقائع الاقتصادية والاجتماعية، وفي تصورها للحلول الخاصة بمعضلات العصر· يظهر حكم المؤلف هنا كاستنتاج تركيبي لعرضه للمضامين الأساسية للنظريات الاقتصادية، وبخاصة الماركسية والفوضوية والنقابية والفاشية، وهو عرض غني بتنوع قراءاته وتعدد مناهل ثقافته، يتجلى بعد التنوع في قراءة المؤلف للفكر الاقتصادي الحديث بمدارسه المختلفة، في الفصل الثالث من الباب الثالث حين يعرض لـ"المحاولات النصرانية لحل مشكلة الاقتصاد" فيضعها في سياق تاريخي شامل هو محاولة تصحيح واقع الكنيسة وترميمه انطلاقا من الفكر الاقتصادي الحديث، ليثبت فشل تلك المحاولات· يكشف هذا العرض عن قراءة فاحصة للتاريخ الإسلامي ليس من منظور الفقيه والأستاذ بجامعة القرويين فقط، بل من منظور الباحث الاجتماعي والمؤرخ الذي يثبت وجود "نظريات شاذة لحل مشكلة الاقتصاد في التاريخ الإسلامي" (الفصل الرابع) التي ظهرت كثورة ثانية على التفاوتات الاجتماعية الكبيرة، وعلى بذخ الأرستقراطية الحاكمة منذ عهد الخليفة عثمان· إن الثورات الاجتماعية التي تلت الثورة الأولى للإسلام، والتي جاءت انتفاضة على الأرستقراطية القريشية التجارية، كانت مطعمة بالإباحية الإسماعيلية وهي لم تتمكن من القضاء على الدولة العباسية، لكنها على المستوى الثقافي والأيديولوجي أثارت الفوضى والالتباس محاولة منها لهدم أصول الفكر الإسلامي السني· يستخلص علال الفاسي أن الحركات الاشتراكية المعاصرة ليست جديدة في دعواتها وأطروحاتها لأن لها جذورا في التجربة الجماعية للشعوب الإسلامية، ونجاحها في الأزمنة المعاصرة يرجع الى ظهور الآلة التي ساعدت كعدو للعمال على تطور فكر رافض يؤدي الى الثورة الاجتماعية· أما في العصور القديمة فكان اتحاد الملك والعمل عائقا أمام تحقيق الحركات الاشتراكية لأهدافها· خلاصة قد يعارضها المفكر الاجتماعي وعالم الاقتصاد كما يعارضها الماركسي باعتبار أن الاشتراكية تحققت بعد تطور في التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية، ودخول العصر الرأسمالي، لكنها خلاصة تبين التفرد المميز للمؤلف في نظرته لتاريخ الحركات الاشتراكية، وفي قراءته لتاريخ الفكر الاقتصادي·
إن التحري الموضوعي في استجلاء قصدية علال الفاسي من الكتابة في الفكر الاقتصادي، وتخصيص باب بأكمله لمناقشة النظريات الاقتصادية في الإسلام والنظريات الاقتصادية في الغرب والمقارنة بينها، يؤدي بنا الى استكناه رغبة المؤلف في إثبات خصوصية "الفكر الاقتصادي في الإسلام" (الفصل الخامس كأطول فصل في الباب الثالث) لأن الديانة الإسلامية تعتبر المال فتنة خلقها الله ليمتحن بها البشر، فهو وسيلة وليس غاية· الإسلام يشترك مع المسيحية واليهودية في تحريم الربا، ولعل تكديس الأموال والثروات في البنوك في عصرنا الراهن دون استفادة الأمة منها مع حرمان الفقراء يظهر مشروعية التحريم وصحته· عارض الإسلام أيضا القمار والخمر والإنفاق على البغايا، والتزيين المسرف للمساجد والأضرحة، بل إنه أقر الحجر على المسرفين من أصحاب المال، كما حرم إدخاره· يشدد علال الفاسي على مبدأ تطبيق الزكاة كركن أساسي في الإسلام، لأن تطبيقها بنسبة 2,5 الى %10 من قيمة المزكى عنه سيحسن حالة المجتمع المغربي، ويوفر ميزانية كبيرة لعلاج الأمية، الفقر، المرض· مطلب لا يمكن أن نجادل في مشروعيته وراهنيته خصوصاً وأن الوضعية الحالية للمجتمعات العربية والإسلامية لم تعرف الإنجازات النوعية المهمة، إنها وضعية الفقر والأمية والتفاوت الاجتماعي والبطالة··· الخ·
إن الإسلام لا يخشى المنافسة الشريفة مع أنظمة اقتصادية أخرى ما دام يؤسس نظامه الاقتصادي على أساس الإصلاح والعدالة الاجتماعية، وإزالة الفوارق الطبقية· إن تصور المؤلف هو تصور جذري لمسألة توزيع الثروات، وهو يتميز عن بعض التصورات الإسلامية الأخرى التي انتقلت من معالجة العدالة الاجتماعية الى معالجة مسألة الحكم في الإسلام، فهو يظل مرتبطا بموضوع الاقتصاد· يناقش علال الفاسي في الفصل السادس مسألة "ملكية الأرض في الإسلام"، وكيفية طرح الأحكام الإسلامية لملكية الأرض، فتجربة الخلفاء المسلمين تكشف عن محاولاتهم تنويع مصادر الثروة، وتكثير الموارد ذات المنفعة بالنسبة للجماعة الإسلامية مع احترام الملكية الفردية· إن هذا الإثبات للأصول الإسلامية للملكية ليس إلا تمهيدا لمناقشة القضية الراهنة في اللحظة التاريخية والسياسية لكتابة "النقد الذاتي": مشكلة الأرض المغربية التي أصبحت بالقوة أرضا مسلوبة من طرف الاستعمار·
في الفصل السابع "ملكية الأرض في المغرب" يظهر أن المثقف يخدم رجل السياسة، فالتلوين الثقافي والنظري للمؤلف، واطلاعه على الفكر الاقتصادي جاء ليستثمر في إغناء الفكر الوطني والحركة الاستقلالية المناضلة ضد الحضور الاستعماري بأرض المغرب· كان نقده للنظريات الاقتصادية في المجال العربي الإسلامي، ونقده للنظريات الاقتصادية للجماعة الإسلامية، وكان أيضا عرضه لأشكال ملكية أرض في آخر عهود الاستقلال قبل الاستعمار (ص 284)، كل ذلك شكل مقدمة لدحض الأطروحة الاستعمارية التي تدخل المغرب ضمن مجالها الجيو - سياسي امتدادا لفرنسا، والتي فرضت بوسائل عسكرية إكراهية، ووسائل أيديولوجية واقع السيطرة الاستعمارية· يعلن علال الفاسي في وضوح مستثمرا فكره الاقتصادي لتدعيم فكره السياسي أن لا حق لأحد في تملك الأرض المغربية سواء من الأجانب أو من النخبة المغربية، والتي تظل أرضا في ملك الطائفة الإسلامية· غاية الفكر الاقتصادي والملكية الاقتصادية هي الحرية، فلا حرية للإنسان المغربي إذا كانت أرضه مغتصبة وهو رازح تحت الاستعباد الاقتصادي للمعمرين الفرنسيين· أصول ثلاثة تستند إليها الحرية الاقتصادية: أولا اعتبار المال وسيلة لا غاية، ثانيا اعتبار الملكية محورا تتركز فيه الحرية الشخصية، ثالثا تمجيد العمل عوضا عن تمجيد المال· شروط ثلاثة للحرية في المجال الاقتصادي، وهي مدخل لاستيعاب درس بليغ، وهو أن كل النظريات الاقتصادية وكل التجارب في إدارة الشأن الاقتصادي وتراكم الثروة لن تحقق الغاية الحقيقية والهدف الأسمى إن هي استبعدت الإنسان واستوطنت أرض الغير·
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عالم الفكر - المجلد التاسع والعشرون - العدد الأول
** باحث وكاتب من المغرب