في محاضرة أقيمت مساء الأربعاء الماضي بعنوان "النظر النحوي في النص الأدبي" تحدث الدكتور مصطفى عراقي الأستاذ المساعد في كلية التربية الأساسية بقسم اللغة العربية وآدابها عن مفهوم النظر النحوي وشروطه، ووسائله، متخذاً من قصيدة رثاء شهيد لأبي تمام نموذجاً لموضوع المحاضرة·
قـدّم المحاضـرة الـتي أقيمت في رابطـة الأدبـاء د· سالم عباس خدادة·
تحدث المحاضر عن معرفة التراث العربي للنظر النحوي الذي يصلح للتعامل مع النص الأدبي؟ وتطرق إلى مقولة مالارميه "الشعر لا يُكتب بالأفكار إنما يُكتب بالكلمات، وكيف أن الثقافة الغربية قد أخذت المقولة بالجد على العكس من العرب في تعاملهم مع التراث·
وينتقل د· عراقي إلى أن النظر النحوي يضرب بجذوره في أعماق التراث، كما ترى في قول الزركشي: "على الناظر في كتاب الله الكاشف عن أسراره، النظر في هيئة الكلمة وصيغتها، ومحلها: ككونها مبتدأً أو خبراً، أو فاعلة أو مفعولة، أو في مبادئ الكلام أو في جوابٍ·· إلى غير ذلك"·
فهذا نظر نحوي يتدرج من الكلمة ووظيفتها في الجملة إلى النص بفقراته، لأن المبادئ والجواب، لا تكون في جملة واحدة·
ثم يطرح المحاضر تساؤلات: "إن أخذ معاني النصوص متوقف على خبرات النحاة، ونظراتهم التفسيرية الكاشفة، فهل نجد صدى إدراك قيمة النحو لدى النحاة أنفسهم"؟
هل أدرك النحاة طبيعة النص، فتعاملوا معه بما يتسق مع طبيعته، كما أشار رولان بارت (1915هـ ــــ 1985م) قائلاً:
"يبدو أن العلماء العرب حين يتحدثون عن النص، يستخدمون هذا التعبير الرائع: "الجسد" أي جسد؟
إن عناية الحضارة الإسلامية بالنص معروفة حتى قال بعض الدارسين: "إن الحضارة اليونانية هي حضارة (العقل) أما الحضارة العربية الإسلامية فهي حضارة (النص)"·
ولكن الناظر في الحضارة الإسلامية يرى أنها عرفت الصلة الوثيقة بينهما، يقول ابن رشد: "أما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلب معرفتها به، فذلك بيّن في غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى، مثل قوله: {فاعْتبروا يا أولي الأبصار}· وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي والشرعي معاً"·
إن النص "تتابع مترابط من الجمل"· والمبدع لا يبدع بالكلمة المفردة ولا حتى بالجملة الواحدة، وإنما يصل إلى غرضه بنص متكامل، يستطيع بمجموع عناصره وأسلوب تأليفه بين هذه العناصر في بناء متسق أن تؤثر في المتلقي التأثير المطلوب· "وهذا ـــ على ما يقول ابن جني ــــ لا يكون مع الحرف، ولا الكلمة الواحدة، بل لا يكون مع الجملة الواحدة، دون أن يتردد الكلام، وتتكرر فيه الجمل، فيبين ماضُمَّنهُ من العُذوبة، وما في أعطافه من النعمة واللدونة"·
ويضيف أن النحاة حين عرفوا النحو ذكروا مصطلح الكلام، فهل الكلام مرادف للجملة كما يرى بعض الباحثين، أم أن له فهماً آخر يتجاوز حدود الجملة الواحدة، ويقترب من فهم المعاصرين للنص تأليفاً وتأثيراً·
وهل يتسع مجال النظر النحوي لاستغراق البناء المركب للنص في مستوياته المتعددة·
ويعّرف د· عراقي النظر النحوي قائلاً: النظر النحوي في النص الأدبي مهارة تعين من يكتسبها على الكشف عن أسرار التراكيب، ودلالاتها، وأغراضها في هذا النص، ففرق بين إنشاء الحكم النحوي، وإثباته من جهة، والترجيح النحوي من جهة أخرى·
إن الترجيح بين الاحتمالات ينتمي إلى منطقة النظر النحوي، أما إنشاء الحكم فيخضع لدائرة التقعيد، وإذا كانت القاعدة تتسم بالثبات فإن النظر النحوي يتسم بالمرونة التي تتيح له التعامل مع النصوص، وكشف أسرارها·
أما عن مفهوم النحو وغايته فيقول: يصدر النظر النحوي في النص الأدبي عن مفهومٍ للنحو يعينه على النهوض بوظيفته المحددة، من أجل هذا فإنه ينحاز إلى اصطلاح الأوائل، ذلك أن ثم اصطلاحين للنحو، أولهما للأوائل يرتبط بالكلام، والثاني للمتأخرين ينظر في شكل الحرف الأخير معنياً بالإعراب والبناء، فحين يعرف الأشموني النحو بأنه: "هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها"·
ثم ينتقل إلى أحد الأخطاء التي وقع بها النحوي (إبراهيم مصطفى) إذ يقول المحاضر: أما النحاة المتأخرون فربطوا الإعراب بالمعنى، يقول الفاكهي:
* فحده اصطلاحاً: علم بأصول: أي قواعد كلية منطبقة على جزئياتها منها:
* كل ما اشتمل على علم الفاعلية فهو مرفوع·
* وكل ما اشتمل على علم المفعولية فهو منصوب·
وكل ما اشتمل على علم المضاف إليه فهو مجرور"·
ولكن الأستاذ إبراهيم مصطفى ينسب إلى نفسه هذا الاكتشاف، فيقول:
"لقد اطلت تتبع الكلام، أبحث عن معان لهذه العلامات الإعرابية، ولقد هداني الله ــــ وله خالص الشكر والإخبات ـــــ إلى شيء آراه قريباً واضحاً، وأبادر بتلخيصه:
* إن الرفع علم الإسناد، ودليل أن الكلمة يتحدث عنها·
* إن الجر علم الإضافة، سواء أكانت بحرف أم بغير حرف·
* إن الفتحة ليست بعلم على إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة"·
ويرى الدكتور عراقي كيف أن النحاة قد اهتدوا قبله، إلى معاني العلامات الإعرابية، لكنه يلومهم بأنهم "رسموا للنحو طريقاً لفظية، فاهتموا ببيان الأحوال المختلفة للفظ من رفع أو نصب من غير فطنة لما يتبع هذه الأوجه من أثر في المعنى"·
بل إن النحاة جميعاً كانوا أكثر إدراكاً لحق المعنى، إذ عرفوا دلالة الفتحة التي أهدرها إهداراً·
أما الأحوال التي يعنيها النحاة فليست أحوال الإعراب كما فهم الأستاذ، فالأحوال هنا هي أحوال التراكيب من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وإظمار، وتقييد وإطلاق، وغيرها·· مما يدخل في قضية تنظيم الكلمات في الجملة، وتأليف العبارة·
وهذا دليل على عنايتهم بتأليف الكلام ومع هذا يتهمهم الأستاذ قائلاً: "فالنحاة حين قصروا النحو على أواخر الكلمات وعلى تعرف أحكامها، قد ضيقوا من حدوده الواسعة، وسلكوا به طريقاً منحرفة، إلى غاية قاصرة، وضيعوا كثيراً من أحكام نظم الكلام، وأسرار تأليف العبارة"·
ولو أنه رجع إلى الفاكهي مرة أخرى لرآه يعبر عن غاية أخرى غير الغاية التي ذكرها ليحاكم النحاة من خلالها· ولعلم أن الغاية الحقة من النحو هي فهم النص، والخطاب، يقول الفاكهي: "وغايته الاستعانة على فهم معاني الكتاب والسنة، ومسائل الفقه، ومخاطبة العرب بعضهم لبعض"·
وقد عرف العلماء المعاصرون سعة مفهوم النحو ولم ينخدعوا بقصره على الإعراب·
ثم يشير إلى دعوة الدكتور أحمد كشك إلى نحو الكلام لا نحو اللغة، فالكلام: "تحقيق فعلي حي لتلك الصورة المختزنة في ذهن الجماعة، وهذا الكلام مجاله أرحب وأوسع من مجال اللغة فحيث تختزن اللغة في الذهن بعلاقة تجريدية يبدو الكلام أمراً مركباً·· يحتاج على الأقل إلى متكلم، ومتلق، ومشهد، وموقف خاص، وزمانٍ ومكانٍ ودلالات تكون مقصودة أو مرتجلة بمعنى آخر هو مسرح وإيقاع حياة"·
ومما يدلل على سعة مفهوم علم النحو تعدد هذه الوجوه التي ينظر فيها، من أجل تحقيق هذه الغاية، حتى يشمل النص كله بدءاً من الكلمة والأداة، ومروراً بالأساليب، والتراكيب، والتصرف الإبداعي فيها بما يتيحه علم النحو من "عوارض تركيبية"، وانتهاءً بسرد الجمل، وطرائق اتصالها·
أما عن مجالات النظر النحوي فيقول د· عراقي: سلك النحاة، ومفسرو النصوص للنظر النحوي، بهدف تفسيرها، وبيان أسرارها· وعبروا عن هذه المجالات بمصطلحات منها:
التقدير: معناه تدبير الأمر، وقياس الشيء بالشيء، ويوضح الكفوى قيمة التقدير في النصوص فيقول: "التقدير في الكلام لتصحيح اللفظ، والمعنى، وقد يكون لتوضيح المعنى كما قال عبدالقاهر في تقدير اللام بين المضاف والمضاف إليه"·
والتقدير خطوة من خطوات الوصول إلى معنى النص، لهذا فرق العلماء بين تقدير الإعراب، وتفسير المعنى وجعل ابن جني للعلاقة بينهما قانوناً حيث يقول:
"فإن أمكنك أن يكون تقدير الإعراب، على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه، وإن كان تقدير الإعراب مخالفاً لتفسير المعنى تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه، وصححت طريق تقدير الإعراب"·
التأويل: المراد بتأويل الكلام: تبيينه والكشف عن مراده، لهذا كان مجاله النصوص المشكلة التي تحتمل أكثر من معنى·
التفسير: المقصود به هنا التفسير المعتمد الإمكانات النحوية، يقول ابن جني في خطبة شرحه للحماسة: "وتحاميت شرح أخبارها، أو تفسير شيء من معانيها إلا ما ينعقد بالإعراب، فيجب لذلك ذكره"·
ويستخدم النحاة التفسير استخداماً اصطلاحياً في بعض الأبواب، كما في باب الإضمار على شريطة التفسير·
التوجيه: وهو بيان أن لنص من النصوص وجهاً في العربية، وأنه موافق لضوابط النحو، وقد يتعدد التوجيه النحوي للنص الأدبي، بتعدد نظرات النحاة لهذا النص·
وعن الشروط الواجب توافرها في الناظر في النص يتطرق المحاضر إلى قول الزمخشري: حين يشير إلى أهم هذه الشروط حيث يرى أنه ينبغى للمفسر، وهو ناظر في النص القرآني، أن يكون:
"فارساً في علم الإعراب، مقدماً من حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقّادها، يقظان النفس داركاً للمحة وإن لطف شأنها، منتبهاً على الرمزة وإن خفي مكانها، لاكزا جاسياً، ولا غليظاً جافياً، متصرفاً ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضاً غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه، ووقع في مداحضه ومزالقه"·
أما غايات النظر النحوي فكما يراها المحاضر هي:
الفهم والإفهام: إن النحو دليل من جملة أدلة مقاصد الكلام، لهذا عني النحاة الأوائل بهذه المقاصد، فكان النحو وسيلة تعين على الفهم، والإفهام· يقول السيرافي:
"وإذا قال لك قائل: كن نحوياً لُغوياً فصيحاً، فإنما يريد: افهم عن نفسك ما تقول ثم رُمْ يفهم عنك غيرك"·
من أجل هذا رأى ابن خلدون "أن الأهم المقدم من علوم اللسان العربي هو النحو، إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول، والمبتدأ من الخبر، ولولاه لجهل أصل الإفادة"·
كما رأى أن: "علم النحو أهم من اللغة، إذ في جهله بالتفاهم جملة"·
توسيع مجال التأويل: الثراء بالدلالات والإيحاءات طبيعة من طبائع النص الأدبي، تجعله مغايراً لغيره من النصوص التي لا تتحمل إلا وجهاً واحداً من وجوه التأويل· والنظر النحوي عين على تصور الوجوه المتعددة للنص·
الكشف عن الصور الفنية: أفاد النحاة من النظر النحوي في النصوص الأدبية، للاستعانة به في الوقوف على الأغراض الفنية الخفية للمبدع، من أمثلة ذلك صنيع ابن جني مع قول الشاعر:
ولما قضينا من منى كل حاجة
ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
وسالت بأعناق المطي الأباطحُ
حيث لاحظ أن في قوله: "أطراف الأحاديث" وحياً خفياً، ورمزاً حلواً، ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة المتيمون، من التعريض، والتلويح الإيماء دون التصريح، وذلك أحلى وأدمث، وأغزل وأنسب"·
كذلك يكشف النظر النحوي عن المجاز، والاستعارة، والتشبيه·
الكشف عن أغراض المبدعين: وقد أدرك علماؤنا هذه الغاية من غايات النظر النحوي في سياق حديثهم عن قيمة الإعراب، يقول الزركشي:
"الإعراب هو الذي يميز المعنى، ويوقف على أغراض المتكلمين"·
التمييز بين الأساليب: من غايات النظر النحوي التمييز بين معاني الأساليب، كما أنه وسيلة مهمة من وسائل معرفة جيد النصوص من رديئها بطريقة موضوعية· بحسب دلالة ألفاظها على معانيها·
كان النقاد يحسون بجودة بعض الأشعار، وأفضليتها على بعض، دون امتلاك أسباب محددة لهذا التفضيل، إلا بكلمات غامضة، لا تعطي تفسيراً كاشفاً عن مواضيع الحسن أو أسباب التفضيل·