رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 28 رجب - 4 شعبان 1421 هـ الموافق 25 - 31 اكتوبر 2000
العدد 1450

المثقف السلفي وإشكالية الإصلاح الاجتماعي
(نموذج علال الفاسي) - (2 - 2)

أ· محمد شكري سلام **

صيانة حقوق المرأة وتمتعها بكامل مكتسباتها المدنية وحقها بالميراث، وعدم منعها من أداء واجبها،

ومحاربة كل تضييق على حريتها الشخصية

··مقترح لإصلاح الأسرة المغربية

عمل الاستعمار على الإبقاء على واقع أمية فئات عريضة من الشعب المغربي، لأن ارتفاع عدد المتعلمين يعني تطور الوعي المدني الوطني والسياسي، الذي يجعل الاستقلال مطلبا ملحا، وغاية لا محيد عنها

الحرية الاجتماعية لن تتحقق إلا بإصلاح المجتمع، إذ لا يمكن أن تتحقق في مجتمع الجهل والفقر والتأخر

تحقيق مظاهر شكلية من الحرية السياسية لا يعني اكتمال الحقوق وكمال الحرية، كما ان الشعور بالحرية لا يعني وجودها كتجربة واقعية، فوجود مؤسسات سياسية "ديمقراطية" في ظاهرها لا يعني وجود ديمقراطية حقيقية

 

الحرية الاجتماعية بين الحق والواجب

يتضح إذن أن منهجنا في تحليل أفكار "النقد الذاتي" هو منهج استقرائي لأنه يتبع الفكرة في جزئياتها ليركبها في كليتها، انطلاقا من أهداف هذه الدراسة والأسئلة الموجهة لها· لا يستثمر هذا المنهج أطروحة الكتاب لتخدم أهداف بحثنا، بل هناك متابعة متأنية تقرأ أطروحة المؤلف في تسلسلها المنطقي وانتظامها الموضوعاتي من باب لآخر· ولذلك فقد تناولنا فكرة الحرية كقيمة وغاية عبر المسار الدلالي للأبواب الثلاثة الأولى· إن الباب الرابع "الفكر الاجتماعي" كأكثر الأبواب تفصيلا في عرض فصوله، (يضم اثنين وثلاثين فصلا موضوعاتها: العائلة، المرأة، مهنة الوالدين، التعليم، الصحة، أوقات الفراغ··· الخ) باب يشخص أدواء وأمراض المجتمع المغربي، كما يقترح حلولا لعلاجها ولتجاوز حال التأخر الاجتماعي والاقتصادي، وهي حلول سنعرض لها بالتحليل في القسم الثاني· بدافع منهجي، أساسا، سنعرض للحرية الاجتماعية انطلاقا من البعد النقدي المميز لأطروحة الكتاب، إذ ينتقل المؤلف من نقد النخبتين السياسية والثقافية في البابين الأول والثاني لتأسيس قيمة الحرية وتحديدها كغاية مطلقة، الى نقد النظريات الاقتصادية والتأكيد على أن لا حرية حقيقية دون الملكية والعمل في الباب الثالث، ثم نقد المجتمع، وتوصيف ممكنات تحقيق الحرية الاجتماعية في الباب الرابع·

لتتحقق الحرية الاجتماعية لا بد أولا من فهم الحالة الراهنة للمجتمع المغربي التي ليست أثرا من آثار الإسلام، ولا هي نتيجة مباشرة للتدخل الاستعماري الغربي· إن المجتمع المغربي كمجتمع إسلامي يجب أن يقوم على الأخوة والتضامن لا على الانتماءات العشائرية والعصبية القبلية، وهذا يعد نقدا واضحا للنظرية الخلدونية· يبني المؤلف تصوره لكل انتماء للجماعة على أساس الارتباطات العائلية والسياسية والقومية لأن الانتماءات القبلية وحدها كانت عاملا مساعدا في تسهيل التغلغل الاستعماري· والمسؤولية تقع على من قصر في واجبه، وهو تحقيق رسالة الإسلام التحريرية· لقد فكروا في الجانب السياسي الخاص بالتسلط والسيادة، وأهملوا الجانب الاجتماعي الخاص بتحقيق الحرية الاجتماعية، حرية الأفراد والجماعات· إن الحرية مشروطة بالواجب، فكل تفكير في الحرية هو تفكير في مسؤولية الفرد· ألا نجد حضورا لوجودية الفيلسوف جان بول سارتر التي تربط بين الحرية والمسؤولية والالتزام؟

الحرية في فلسفة سارتر الوجودية نابعة من الإحساس الفردي، لا تأسرها حتمية من الحتميات، وليست معلولة بعلة أو هي نتيجة لسبب، حرية شاملة وليس أمام الإنسان المقذوف به في هذا العالم إلا أن يختار ماهيته، فلا وجود لحرية دون اختيار، والاختيار هو التزام بموقف ما· الحرية في فلسفة سارتر حرية التزام، وهي مشروطة بالاختيار أيضا، إذ يتحول الاختيار الإجباري الضروري الى إلزام، وهذا ما جعل علال الفاسي يعتبرها في كتابه "الحرية" مقيدة بمجموعة من المواقف التي تحدد ظهورها· سيتجاوز سارتر تصوره للحرية كتجربة شعورية فردية، بعد احتلال النازية لفرنسا، فبعد أن رأى أن الشرير حر أيضا في ارتكاب أفعاله المؤذية للغير، جعلته تجربة الشر الجماعي الملحق بشعبه من طرف النازية يرى أن الحرية ليست وجودا لذات فردية التقت بالحرية ولم تعرف ما تفعل بها، بل هي واقع يكافح شعب من أجل تحقيقه· لذلك فالتمييز بين الحرية كإحساس فردي وشعور باطني والحرية كتجربة عيانية محققة وملموسة تمييز أساسي، فإحساسنا بالحرية لا يعتبر حجة كافية على حقيقتها، كما أن الشعور الحقيقي بالحرية هو حين تكون أفعال الإنسان منسجمة مع دوافعه ورغباته، لا حرية حقيقية دون سند التجربة الواقعية المعيشة، والانتقال بها من الممكن الى الكائن، ومن التمثل الى التحقق·

علال الفاسي قارئ للفلسفات المعاصرة مثلما هو قارئ للنظريات الاقتصادية والسوسيولوجية، لكن اطلاعه على التصور الوجودي الحرية وتوظيفه لمفاهيم الالتزام والمسؤولية والاختيار كما يوظفها سارتر لا يجعله مكررا لفلسفة سارتر في مقاربتها للحرية ولا ناسخا لها، فإذا كان الفيلسوف الفرنسي من أشهر فلاسفة القرن العشرين الذين فكروا في مسألة الحرية، فإن علال الفاسي من أشهر المفكرين المغاربة ورجال السياسة الذين فكروا أيضا في مسألة الحرية· ثمة اختلاف واضح في المنظومة المرجعية النظرية عندهما· الحرية في فلسفة سارتر أصلها الشعور بالعدم، والفشل الوجودي، والتزام المثقف هو التزام فردي أولا قبل أن يكون التزاما تجاه الجماعة· أما علال الفاسي فهو يؤصل للحرية داخل المجال الإسلامي، وهو يتشبث بها كقيمة في ارتباط عضوي بالفكرة الوطنية التحررية، ولا يتصور حرية المثقف أيضا إلا في إطار الحرية الشاملة التي تبدأ أولا بالاستقلال الوطني·

يتبين بعد توضيح البعد العميق لحضور الحرية الاجتماعية والتفكير فيها كالتزام وواجب، وبعد إبراز شكل حضور الحرية عند الفاسي مقارنة بحضورها عند سارتر أن المؤلف يقدم توصيفا اجتماعيا للمجتمع المغربي من خلال عناصره الأساسية وهي: العرب، البربر، الإسرائيليون (اليهود)، والأفارقة· هذا التعدد في التكوين الاجتماعي المغربي ليس دليلا على انشطار في الكيان الحضاري للأمة المغربية، بل هو دليل على انصهار واتحاد حصلا في دائرة القومية المغربية· وتعدد لغات التخاطب حسب اللهجات المحلية للقبائل ليس خطرا على الوحدة الثقافية للمجتمع لأن أمما عدة تتميز بتعدد تركيبي في لغاتها ولهجاتها المحلية· إن الخطر يكمن في التدخل الاستعماري الذي خلق تمايزا بين المغاربة على مستوى التخاطب، ففئة تنطق باللغة الفرنسية أو الإسبانية، وفئة أخرى تكتفي بلغتها المحلية· إنه هدف من أهداف المخطط الاستعماري التي وجدت استمراريتها في "الفرنكوفونية" التي تعتدي الآن على الوحدة الثقافية لأفريقيا، رغم أن أغلبية سكان القارة لا يتقنون اللغة الفرنسية، فمن بين 210 ملايين أفريقي الذين يصنفون ضمن الفرنكفونيين لا نجد إلا 62 مليونا يعرفون اللغة الفرنسية، يضاف الى ذلك أن الكثير من البلدان أصبحت تؤكد استقلالها الثقافي بعيدا عن المخططات الاستعمارية وأهداف الفرنكوفونية· لا بد إذن من الحفاظ على الوحدة الثقافية للهوية الوطنية، وتحسين مستوى التعليم لدى المغاربة، ورفع متوسط الدخل الفردي لدى الساكنة القروية، كما أنه لا بد من معرفة الأدواء الاجتماعية، بل "يجب أن يكون في نفوسنا وفي نفوس أبناء قومنا شعور كاف ووجدان عالٍ بضرورة إصلاحها (لأمراض)"· إن التفكير الصحيح في المشاكل الاجتماعية، وتصور الحلول الممكنة للأمراض الاجتماعية هو تفكير يتعين أن يكون شموليا يتجاوز الحلول السطحية والنظرة الجزئية، كما يتجاوز كل تشبث بالجبرية التي تعارض إصلاح أحوالنا بدعوى أن الأمر مقدر علينا· يدعو الفاسي الى تجاوز هذه المظاهر السلبية في التفكير الاجتماعي، وذلك بتقديس العلم والتصميم الاجتماعي، والارتكاز على حصيلة الأبحاث العلمية، واستخدام الوسائل والمؤسسات الاجتماعية العتيقة والجديدة لتكوين مجتمع مغربي صالح·

إن الحرية الاجتماعية لن تتحقق إلا بإصلاح المجتمع، إذ لا يمكن أن تتحقق في مجتمع الجهل والفقر والتأخر، وعلال الفاسي يعي المثبطات الموضوعية والعوائق المادية التي تحول دون إنجاز هذا المشروع الإصلاحي، يوضح ذلك فيقول: "ولكن هذا الهدف العام لا بد من تحليله بحسب العناصر التي تتكون منها مناطق العمل وإعداد المال والرجال للقيام به· وسنحاول في الفصول المقبلة إعطاء التوجيهات في كل ناحية من نواحي العمل· وعلى هيئاتنا ورجال الإصلاح في وطننا أن يدعوا إليها، ويعملوا علي تهيئة الوسائل لإنجازها· إن التفكير في المجتمع لا يتم إلا بإحداث الثورة الفكرية التي دعونا إليها، وإن التحرر الفعلي من خرافات الماضي وأباطيل الحاضر في مقدمة العوامل على الإصلاح والكفاح من أجله"· تحرير المجتمع والانتقال به من حالة التأخر والانحطاط الى حالة التقدم والتطور عمل رهين بعاملين أساسيين: العامل الأول مادي يرتبط بإعداد المال والرجال أي توفر الرأسمال البشري والمالي، وهو عامل سيأتي تحليله بإسهاب ودقة لاحقا في هذه الدراسة· أما العامل الثاني المعنوي الخاص بإنجاز ثورة فكرية فهو يرتبط في جوهره بمسؤوليات المثقفين ومهامهم كما حددها المؤلف في البابين الأولين، فعلال الفاسي في نقده للمثقفين يحدد الحرية كهدف وغاية أسمى يتعين حضورها في منظومتهم الثقافية والأخلاقية·

بيد أن الحرية الاجتماعية، وتحرير المجتمع وإصلاحه الإصلاح الشامل، كلها أهداف لا تحققها النخبة الثقافية وحدها، ولا يعد المال وحده شرطا كافيا لإنجازها، بل لا بد من مفتاح أساسي لكل الحريات الفردية والجماعية· ثمة قاعدة تحرر التفكير والتعبير، وتضمن حق المواطنة وحماية حقوق الكل: إنها الحرية السياسية: التي تتنوع الى حقوق أساسية الحق في التعبير، الحق في التجول، الحق في الانتخاب، والحق في الانتماء السياسي·

 

الحرية السياسية أو مطلب الديمقراطية

الحرية السياسية غير منفصلة أو منفصمة عن الحرية في مستويات الثقافة والاقتصاد والاجتماع، وتحقيق مظاهر شكلية من الحرية السياسية لا يعني اكتمال الحقوق وكمال الحرية، كما أن الشعور بالحرية لا يعني وجودها كتجربة واقعية، فوجود مؤسسات سياسية "ديمقراطية" في ظاهرها لا يعني أيضا وجود ديمقراطية حقيقية· فإذا كانت الحرية السياسية مفتاحا لولوج المجالات الأخرى للحرية، فإن الإصلاح الشامل للمجتمع، وتحقق الثورة الفكرية هما الضامنان لتجذر الحرية السياسية داخل المجتمع، صحيح أن مطلب الحرية في تاريخيته مشدود الى غاية أساسية هي الاستقلال، لكن المطلب الشامل العميق والبعيد المدى لتحقيق الحرية هو إصلاح "الجهاز الاجتماعي المغربي"· لقد بين الفاسي في مؤلفه حول "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي" أن الحرية ضرورية من أجل صلاح الأمة، فأبرز أهمية التنظيم السياسي الحديث ومبادئ حرية التعبير والتفكير والتنقل مستخلصا أن الاستقلال هو الشرط الأساسي للحرية وتحمل المسؤولية، مذكرا بأن الفصل الأول من "برنامج الإصلاحات المغربية" (مطالب الشعب المغربي) المقدم الى السلطات الاستعمارية سنة 1934 كان متعلقا بالإصلاحات السياسية ذات الهندسة السياسية، وهو البرنامج الذي يعد أيضا مثالا للتقدمية، خاصة وقد تكفلت بصياغته نخبة من المثقفين المغاربة وقدمته الى الجهات المعنية· لا يمكن نسيان أن حزب الاستقلال ارتكز في مذهبه على مبادئ في مقدمتها: الاستقلال، مناصرة الحرية، ثم مسألة النظام الدستوري بالبلاد· كما أن ارتباط الاستقلال بالحرية، واستحالة وجود الحرية دون استقلال يجد دلالته في مساندة الزعيم السياسي عبدالخالق الطريس في يناير 1946 لمسألة إعادة تكوين "حزب الإصلاح"، ومطالبة السلطة الاستعمارية بالترخيص له بإصدار جريدة "الحرية"· كل ذلك يبين أن الحرية السياسية كانت تعني أولا الاستقلال، لكنها لا تختزل فقط في مطلب الاستقلال، بل هناك مطلب أساسي آخر هو مطلب الديمقراطية· إن علال الفاسي يعي أن هناك واقعا لا يمكن التغاضي عنه أو تجاوزه، وهو تعايش قوتين، قوة التقليديين الذين يؤكدون على التشبث بالهياكل السياسية القائمة وتمجيد ماضي الدولة المغربية، وقوة الديمقراطيين الذين يحتكمون الى قوة الإرادة العامة، لذلك فهو يدعو الى توافق بين القوتين، وتحقيق توازن بينهما يشرف على إدارته رئيس الدولة، كما يتوجب تنظيم الهيئات النيابية الممثلة لإرادة الشعب وفق مبادئ الديمقراطية الصحيحة، هنا يعارض المؤلف فرض نظام سياسي خاص أو دستور من الدساتير الغربية على الأمة المغربية، لأن المطالبة بوضع دستور ليست جديدة في المغرب، ولسنا في حاجة الي الاقتداء الحرفي في صياغة دساتيرنا بالمؤسسات القانونية والنيابية الغربية· لقد سبق لعلال الفاسي أن كشف النقاب عن أصول مطالبة المثقفين المغاربة السلطانين عبدالحفيظ وعبدالعزيز بوضع إصلاحات اقتصادية، سياسية وتعليمية، وتبلورت مطالب بعضهم لتؤكد حاجتنا الى دستور، وقد قدم علال الفاسي لتاريخ هذه الحركة المطلبية للمثقفين في رسالة خاصة عنوانها "حفريات عن الحركة الدستورية في المغرب قبل الحماية"·

يلح المفكر السلفي على أن شرط تأسيس نظام برلماني هو قيام ديمقراطية مغربية صحيحة، فيناقش مواطن القوة والضعف المميزة للنظريات السياسية والقانونية الحديثة الخاصة بالديمقراطية منذ تأسيس نظرية الفصل بين السلطات مع مونتيسكيو ليحلل في العصر الراهن بنية الأنظمة النيابية المعاصرة التي تكرس سلطة حزب الأغلبية، مما يعني أن هذه الحزبية المعاصرة الحاكمة بالأغلبية هي عصبية جديدة شبيهة بالعصبية القبلية لابن خلدون· هنا يؤكد الفاسي ضرورة مراقبة الناخبين لممثليهم· إن المؤلف وهو يناقش حالة الحرية السياسية المكبوتة في المرحلة الراهنة (الاستعمار) يضع لبنات وأسس الحريات السياسية في المستقبل، ويطرح ممكنات الديمقراطية السياسية للمغرب المستقل، متمثلة في تأسيس نظام نيابي برلماني أولا، وفي وجوب التعدد الحزبي تجنبا للفوضي وتنظيما للمجتمع ثانيا· لقد تصور أن من أولويات العمل بالنسبة للأحزاب السياسية المغربية هي أن تعمل بمرونة وفي واقع التعدد، لأن تلك المرونة هي التي وسمت بميسمها الحركة الوطنية في نشأتها وتطورها· إن الحرية السياسية عند علال الفاسي ذات مستويات ومطالب منها الآني والمستعجل، ومنها الاستراتيجي والمستقبلي، وهذه المستويات والمطالب هي: 1 - مستوى حرية سياسية آنية تتمثل في مطلب الاستقلال· 2 - مستوى حرية سياسية مستقبلية تتمثل في مطلب تأسيس الديمقراطية الدستورية البرلمانية· 3 - مستوى حرية سياسية آنية ومستقبلية تخص إشاعة الديمقراطية الداخلية في التنظيمات الحزبية والحركة الوطنية، وهو مطلب الديمقراطية الداخلية في التنظيمات الحزبية وداخل الحركة الوطنية· المطلب الأول موجه للآخر الاستعماري، والمطلب الثاني موجه للدولة المغربية في المستقبل، والمطلب الثالث موجه للذات الوطنية الحزبية والنقابية·

الحرية السياسية ليست ضرورة خاصة بالمجتمع السياسي وبتنظيماته الأساسية من دولة، برلمان، أحزاب ونقابات، بل هي ضرورة عامة واجتماعية في مقاصدها، لأن التفكير الديمقراطي هو الحل لتجاوز أنواع التفكير العتيق المبني على الروابط العرقية والعصبية والدموية· كما أن الحزب والنقابة والجمعية والمسجد هي المنظمات التي ستحل محل المنظمات العرقية والقبلية· إن هذه التنظيمات هي التي تنظم مصالح الجماعة في العصر الحديث، فالتنظيم النقابي المدافع عن "الحرية وطيب الحياة" هو حركة دائمة التطور والمتابعة لروح العمل والتضامن، وظهور الحركة النقابية بالمغرب هو ظهور طبيعي في مجتمعنا خاصة بعد ضعف الحصيلة الاقتصادية والاجتماعية للاستعمار، ومقاومة المعمرين لوجود النقابة المغربية ذات التوجه الوطني· من هنا ضرورة الحركة النقابية للدفاع عن المطالب الاجتماعية للفئات العاملة، وللسير مع الحركة الوطنية من أجل تحقيق الغاية نفسها: التحرير السياسي والاجتماعي للشعب المغربي· إن مغربة النقابة ليست هدفا اجتماعيا فحسب، بل هي أيضا هدف سياسي يخدم القضية الوطنية، ويغني الممارسة النضالية من أجل الاستقلال· يؤكد علال الفاسي في خلاصة مركزة وفصيحة: "إن قضية العمال المغاربة جزء لا يتجزأ من قضيتنا القومية، ولذلك يجب أن نعضدها ونكافح من أجل إنجاحها"·

تتعدد مظاهر الحرية السياسية، كما تتداخل أبعادها التي يظهر فيها الجانب الثقافي واضحا كحرية التفكير والتعبير، أو يظهر الجانب الاجتماعي والاقتصادي كتشجيع التنظيم النقابي، أو يظهر الجانب السياسي قويا كضرورة التشريع لنظام دستوري نيابي قاعدته الديمقراطية الحقيقية، وهي مطالب ليست ظرفية أو مستعجلة، ذات أمد قصير، بل هي مطالب استراتيجية تمثل مجالا أساسيا من مجالات الإصلاح الشامل، فإذا كان الاستقلال مطلبا مستعجلا ينص على جلاء المستعمر، فإن المطالب الأخرى موجهة للذات: لمجتمعنا بدولته ونخبه السياسية، فهي مطالب تخص المستقبل السياسي حتى لا نقع في الارتجال والحلول الجزئية والسطحية· مطالب تؤكد راهنيتها لأن حرية التفكير والرأي، ومبدأ الانتخاب، وتنظيم الجمعيات السياسية والنقابية تعتبر مكونات أساسية للحرية السياسية إذا انتفت الحرية السياسية، وإذا حضرت وجب أن تتأسس على الديمقراطية الصحيحة، وذلك ما أكده علال الفاسي في "النقد الذاتي"، وما يؤكده في مواضع أخرى·

 

استنتاج

الحرية إذن لم تكن قيمة تتساكن مع قيم أخرى أخلاقية واجتماعية وثقافية، بل كانت منطلق ومنتهى الوجود الإنساني، وأعظم صفاته في تفكير رائد السلفية المغربية، فحضورها حضور غير مشروط بقيم أخرى، فكل فعاليات الإنسان من تفكير وعمل وإرادة·· الخ غايتها الأساسية هي الحرية، وكل المؤسسات الاجتماعية والتجارب التاريخية تحركت في مجال الحرية نفيا لها، أو حلما بتحقيقها، أو تجسيدها في مؤسسات ودساتير، والحرية في "النقد الذاتي" كما هي في الإنتاج الفكري لعلال الفاسي، قيمة شمولية لا قبل التقسيم، ولا يمكن أن تحضر في الحياة الفردية وتغيب في الحياة الجماعية أو المؤسسة الانتخابية· وإذا كان عبدالله العروي يلاحظ أن كلمة الحرية هي أكثر الكلمات تداولا في القاموس السياسي عند العرب في العصر الراهن حتى إن كلمات الاستقلال والديمقراطية والتنمية تستعمل مرادفة لها، فإنه يمكننا أن نؤكد أن الفكر المغربي المعاصر عبر عن فهمه للحرية من خلال "النقد الذاتي" في النصف الأول من القرن العشرين·

القسم الثاني: مدخل إلى الإصلاح الاجتماعي عند علال الفاسي

ما هي المضامين العميقة لدعوة الإصلاح عند علال الفاسي؟ كيف تمثل الإصلاح؟ وهل يمكننا أن نستنتج أن "النقد الذاتي" حقق ما يعلنه صاحبه من تقديم "برنامج مفصل" للحركة الوطنية ولمستقبل المغرب بعد الاستقلال؟ موضوعنا لا يتناول مفهوم الإصلاح من منظور المؤرخ، لأن عملا كهذا يتطلب التحري التاريخي في المرجعيات الواقعية التي ائتلفت فيما بينها لصياغة "النقد الذاتي"، كما يتطلب الدراسة الوثائقية لكل الوقائع الفاعلة في إنتاج هذا الكتاب الأساسي بالنسبة لعلال الفاسي أولا، وبالنسبة للحركة الوطنية ثانيا، وبالنسبة للمجتمع المستقبلي ثالثا· كما أن موضوع هذا الفصل لا يرتبط بسوسيولوجية المثقف، بل هو اقتراح مقاربة تحليلية للمشروع الإصلاحي، وتفكيك دلالاته، واستجلاء مضامينه لتركيبه في مفهوم أساسي هو "الإصلاح الشامل"·

في دراسة مفهوم الحرية في "النقد الذاتي" كان التشديد على أن الحرية ليست يوتوبيا أو شعارا، فهي كحرية شاملة ذات أبعاد شخصية، اجتماعية، سياسية واقتصادية لا تتحقق على مستوى التجربة الفردية فحسب، بل على مستوى التجربة العيانية للجماعة والشعب· وهي تتطلب توفر "حد أدنى" هو الحرية السياسية خصوصاً في مطلبها الملح: الاستقلال· وقد كان التأكيد أيضا على أن الحرية تنطلق من تحرر في التربية، وهذا يعني أن تحقيق "الحرية الشاملة" رهين بتحقيق برنامج إصلاحي، وهذا ما يقترحه السياسي الوطني والمثقف السلفي في الباب الرابع "الفكر الاجتماعي" الذي يشكل مدخلا لممارسة المغاربة لحقوقهم الاجتماعية إن هم نفذوا هذا البرنامج، وهو يدرك بوعي درامي درجة الانحطاط الحضاري، وما ينخر المجتمع من أمراض فتاكة يجملها في ثلاثة أمراض كبرى هي: الأمية، الفقر، المرض الصحي· المرض الأول يكشف عن ضعف مردودية التعليم بالبلاد رغم أن اللغة العربية هي لغة الدولة والإسلام، فالاستعمار يوظف لمصلحته واقع التعدد اللسني والثقافي المكون للهوية الوطنية المغربية لتكريس واقع التمزق والانشطار حتى يبعد بعض مكونات وعناصر المجتمع المغربي عن توظيف اللغة العربية كمرتكز قوي لبناء ثقافة وطنية تنافس الثقافة الاستعمارية· أما المرض الثاني فهو مرض الفقر إذ بين الفاسي أن دخل القرويين يقل بكثير عن دخل الحضريين رغم أن الساكنة القروية هي المشكلة للأغلبية من مجموع سكان المغرب· وقد ظلت كذلك الى حدود الإحصاء الأخير لسنة 1994· أما المرض الصحي كمرض ثالث فهو منتشر بشكل مهول حيث تصل نسبة الوفيات بين الأطفال الى الثلث، كما أن %5 من الأسر المغربية تعرف زواج الأب بأربع زوجات و%20 من الأسر تعرف زواج الأب بأكثر من امرأة· يعترف المؤلف وهو يقدم هذه المعطيات الرقمية الخاصة بالوضعية الاجتماعية للمغاربة بأنه لا يتوفر على إحصائيات دقيقة لأهميتها في اكتساب المعرفة الصحيحة بالمجتمع·

"كيف نفكر في المجتمع المغربي؟" سؤال مركزي في فكر علال الفاسي لأنه يخفي سؤالا كبيرا هو "ما العمل؟" وقد توقفنا سابقا عند نقد المؤلف لطرق تفكير المثقفين في مجتمعهم ونقده أيضا للحلول السطحية التي لا تقترح الحلول الجذرية لمعضلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما حددنا الأولويات التي طرحها وهي: 1- التصميم الاجتماعي اعتمادا على الأبحاث العلمية· 2 - استخدام كل الوسائل والمؤسسات الاجتماعية العتيقة لتكوين مجتمع مغربي صالح· 3 - إعداد المال والرجال لتحقيق الإصلاح المنشود· وهو يشرط تحقيق كل هذه الوسائل والأولويات الراهنة لتحقيق الإصلاح المقبل بإصلاح أساسي ذي طبيعة جذرية وهو الإصلاح الفكري والعقلي المتمثل في "إحداث الثورة الفكرية التي دعونا إليها، وإن التحرر الفعلي من خرافات الماضي وأباطيل الحاضر في مقدمة العوامل على الإصلاح والكفاح من أجله"· إنه إصلاح سلفي موضوعه نقد الخرافة والتواكلية والجبرية الاستسلامية· وهنا يظهر تقاربه مع الإصلاح العقلي عند محمد عبده وتأثره به، خصوصاً وأن فترة تأليف "النقد الذاتي" هي فترة اتصال الفاسي بالمثقفين المصريين والسياسيين العرب داخل الجامعة العربية، علاوة على تأثره بأفكار الإصلاحية السلفية أثناء دراسته بالقرويين· من أين يبدأ الإصلاح إذن؟

لا يمكنه أن يبدأ إلا من النواة الأساسية للمجتمع والخلية المحورية لنشأة أفراده، يبدأ من الأسرة فهي تحتاج الى إصلاح لأنها "تفوق في أهميتها كل مظاهر الاجتماع كالمدرسة والمسجد والمعمل والجماعة الدينية أو السياسية· ليس ذلك كله إلا امتدادا لعمل العائلة وتعزيزاً لجهودها"· إنها تفوق في أهميتها كل المؤسسات الاجتماعية الأخرى، ولذا وجب صيانتها وتحقيق التوازن بداخلها، وتوفير الوسائل الضرورية لحماية أفرادها وضمان استقرارهم المادي والنفسي· يحدد الفاسي الظواهر الاجتماعية السلبية التي تهدد الأسرة في توازنها وتؤدي الى تفككها:

1 - ظاهرة البغاء كظاهرة تشكل خطرا كبيرا على العائلة، فالحجاب لن يضع حدا لهذه الظاهرة فهي لن تزول إلا بتوافر عوامل رئيسية تتمثل في العامل الأخلاقي متمثلة في التربية العامة للمجتمع ولشبابه بشكل خاص، والعامل الاقتصادي، وذلك بتوفير الاستقرار المادي للمرأة التي ليست لها إمكانيات مالية لعول نفسها وأبنائها فتضطر الى السقوط في الهوة السحيقة للدعارة، وعامل قانوني يقوم على تحريم البغاء، وأخيرا عامل اجتماعي يتركز في تشجيع الزواج المبكر·

2- ظاهرة اضطهاد المرأة التي تعرف وضعية متدنية بفقدانها لكرامتها خصوصاً في المناطق التي يسودها العرف، مناطق التنظيمات القبلية· إصلاح الأسرة لا يكون إلا بإصلاح أوضاع المرأة، فلا يجب أن تهضم حقوقها، ولا أن ترغم على الزواج بمن يريده الوصي أو الولي ولا ترغب فيه· فالغاية من الزواج تقوية عاطفة الحب وتدعيم التضامن والتكافل والإخلاص·

3 - ظاهرة تعدد الزوجات التي تؤثر سلبا على استقرار الأسرة المغربية فيحرم الأب بعض أبنائه من الإرث أو يغمطهم حقهم في العاطفة الأبوية· قرأ علال الفاسي في مكونات البنية الاجتماعية المغربية فاستنتج أن تعدد الزوجات نتيجته تفكك الأسرة، فقرر أن المصلحة الاجتماعية انطلاقا من المبادئ الإسلامية تقضي بمنع التعدد في الزوجات "إنني أقرر الرأي بكامل الاطمئنان النفسي (···) تطبيق مبدأ الإصلاح الإسلامي بمنع التعدد مطلقا في هذا العصر إقامة للعدل وتقديرا للمرأة، وحماية للإسلام"· لا حاجة لتأكيد ما يميز هذا النقد من جرأة، وما يجعل المطلب واضحا تكريما للمرأة والإنسان وخدمة للمجتمع، لأن النص الديني جاء ليخدم الإنسان وينظم مصالحه الدنيوية فضلا عن شؤونه الفردية والروحية·

4 - ظاهرة الطلاق المهددة لتماسك العائلة: الإسلام من أكثر الديانات حماية للمرأة من عبث المحاكم والأزواج، وهو لا يترك فجوة تبيح للزوجين أن يفترقا دون تطليق لأن في ذلك فتح المجال للفساد وفسخ الرابطة الزوجية· إن إصلاح العائلة المغربية لن يتجسد إلا إذا تم إصلاح القوانين والأعراف المطبقة في البلاد، وعلى وجه الخصوص تحرير البلاد من سيطرة الأعراف الجاهلية في بعض المناطق التي تبيح للمرأة مغادرة بيت الزوجية·

5- ظاهرة الإدمان على المسكرات والمخدرات كآفة اجتماعية خطيرة تؤدي الى تفكك الروابط الاجتماعي والأسرية وتصل الى حد الطلاق· يبين المؤلف في هذا السياق خطر الإدمان على الخمور والمخدرات: تفكك التماسك بين فئات المجتمع وذلك بتشجيع من المستعمر، فيقدم مثال تشجيع الفرنسيين والإنجليز للجنود الأفارقة بأفريقيا الاستوائية على أن يتناولوا قسطا من الكيف المسمى "البانجي" حتى يدمن الجندي ويتذمر يوم عودته الى قريته، وهو مثال يستقيه من تجربته الطويلة بالمنفى بأفريقيا الاستوائية· إن تشجيع زراعة الأعناب وتجارة الخمور من طرف السلطة الاستعمارية يدخل في مخطط استعماري هدفه الاستغلال الاقتصادي بمراعاة مصالح المعمرين، وهدفه أيضا تفكيك الهوية الثقافية الوطنية، وتشظية قيمها الثقافية والدينية· إن سلامة الأسرة لا تكون إلا في سلامة أخلاق أعضائها· يذكر المؤلف بمبادرته في إطار الحركة الوطنية "ولقد كونا في عهد مضى (لجنة التقويم الخلقي) من شباب القرويين والمدارس، فكان لمجهودها الذي لم يدم إلا بضعة أشهر أثر محسوس (···)، أما علماؤنا ورجال الوعظ منا، فأمر الأمة معهم الى الله· إنهم لا يتكلمون عن هذه المنكرات إلا عرضا"· ينتقد الفاسي المثقفين الذين لا يؤدون وظيفتهم الأساسية في تربية المجتمع بوجه عام، وتربية الشبيبة بوجه خاص·

علال الفاسي مثقف له جرأة نقد المجتمع ونقد العلماء - الفقهاء، وله جرأة تحريم الزواج بأكثر من امرأة إذا كان يضر بسلامة الأسرة وتوازنها، وهو من زاوية تكوينه الفقهي يعمل بمبدأ الاجتهاد من أجل مصلحة الجماعة لأن الفقه الإسلامي كما يقول في كتابه "مدخل في النظرية العامة لدراسة الفقه الإسلامي": "يبحث عن إقامة العدل والإنصاف عن طريق السعادة الفكرية والاجتماعية والرغبة في الثواب والخوف من العقاب في الدارين· وهذه الناحية هي التي يختلف فيها الفقه الإسلامي عن الفقه الغربي فالفقه الإسلامي نظام روحي ومدني معا···"· الفقه الإسلامي فقه مدني لأنه ينظم الشؤون المدنية والسياسية والاقتصادية للمجتمع وتنظيماته الخاصة، وهو فقه روحي لأن أساسه عقائدي ومنطلقه ديني، فالشريعة الإسلامية لم تتأثر بالتشريعات الأخرى كالتشريع الروماني، ولم تستمد أصولها وأحكامها من قوانين أخرى، ولذلك فهي أفضل القوانين لأن باستطاعة المسلمين العودة إليها باعتبارها قانونا له أصل إلهي، وتمثل انفتاحا على العصرية والحداثة أيضا، إذ لا تناقض لدى المسلم بين أن يحتكم للشريعة وأن يأخذ بما هو عصري· تشكل هذه الفكرة محور أطروحته في دفاعه عن الشريعة الإسلامية، وهي أطروحة لن نتناولها بالتحليل النقدي لإظهار جوانب محدوديتها والمقارنة بينها وبين القوانين الوضعية، لأن موضوعنا لا يتصل بدراسة شخصية علال الفاسي الفقيه، بل هو يتصل بدراسة هذه الشخصية في أطروحتها الإصلاحية، فدور الدراسة هنا إبراز شخصية الفقيه في نقد التصورات الفقهية التي قد تصبح قوانين ثابتة وتجاوزها حتى يتحقق إصلاح المجتمع بإصلاح الأسرة·

يقدم الفاسي الضرورات العملية والمقترحات العاجلة التي لا بد من تنفيذها لإصلاح الأسرة المغربية وهي:

1 - صيانة حقوق المرأة وتمتعها بكامل المكتسبات المدنية، وعدم منعها من أداء واجبها وتمتيعها بالميراث، ومحاربة كل تضييق على حريتها الشخصية قد يصل الى حد طردها من المساجد بدعوى الاختلاط المريب·

2 - حماية العائلة المغربية من التفكك، ومن البؤس والمرض، والحد من الهجرة القروية نحو المدن، وذلك بتحسين حالة الفلاح المغربي، ونشر التعليم، وتحمل الدولة المسؤولية الكاملة في تحقيق هذه الغايات·

3 - دور البيت الصغير والوالدين في تربية الأطفال وتعليمهم احترام الوقت وعدم الكسل، وإحساس الوالدين بمسؤوليتهم تجاه الأطفال قبل الولادة وأثناءها وبعدها، ورعايته الرعاية الصحية والاهتمام بنظامه الغذائي، ودور الدولة الأساسي في مساعدة الأسرة دور كبير في توفير الجانب المادي كدور الحضانة ورياض الأطفال·

4 - العناية باليتامى واللقطاء وأبناء السبيل، وضرورة تأسيس ملاجئ ومدارس كافية لاستقبال هذه الفئة من الأطفال المحرومين عوضا عن الامتنان عليهم بالصدقة الاختيارية، وهنا يظهر دور الدولة ومسؤولية الأوقاف والهيئات المعنية·

5 - الاهتمام بتكثير النسل لأن السكان المغاربة لا يتجاوز عددهم 11 مليون نسمة، في حين أن منطقة النفوذ الفرنسي يقطنها 5 ملايين من الفلاحين، بينما الجالية الفرنسية أكثر نسلا· إن القضية هنا يجب أن ترتبط "ببرنامج إنشائي عمراني" يتمثل في: تصنيع البلاد - حماية العمال - تنشيط الاستقرار في البادية لأن النسل مرتفع فيها· إن هذا الإلحاح على مضاعفة النسل والإكثار من النمو الديموغرافي يجد تفسيره في مرحلة الأربعينيات حيث يلعب التفوق الديموغرافي دورا فعالا في معركة التحرر والاستقلال· وهذا ما يتأكد اليوم أيضا حين تحاول الدولة الصهيونية الإكثار من اليهود بترحيلهم من أفريقيا وروسيا لإعطاء دفع جديد لصراع في منطقة الشرق الأوسط، وفرض الأمر الواقع على العرب، خصوصاً وأنها تمثل أقلية عددية وهذه الأقلية العددية غير متجانسة ثقافيا، سياسيا ولغويا· لهذه الفكرة عناصر راهنيتها لأن تحديد النسل لا يعد دائما خطة إيجابية خصوصاً حين يكون للتفوق الديموغرافي الدور الوازن في علاقات الهيمنة والسيادة·

تلك هي المقترحات المطروحة لإصلاح المجتمع حتى يقع تجاوز الظواهر السلبية، والذي لا يتوقف عند حدود إصلاح العائلة، بل لا بد من إصلاح مؤسسات اجتماعية وثقافية أخرى لها دورها في تربية الفرد، وقد يكون دورها محددا بعد السنوات الأولى التي كان الدور الفاعل فيها للأسرة: الإصلاح هنا هو إصلاح التعليم·

أسئلة بسيطة وواضحة ومباشرة، يطرحها الكل، وتختلف الأجوبة بصددها، أسئلة يطرحها المؤلف دون مداراة أو التباس: ما هي أغراض التربية؟ هل هي التعليم؟ كسب الرزق؟ العلم ذاته؟ أم تهذيب الأخلاق؟ فيفترض أنه لو كان هدف التربية هو كسب الرزق لكنا أناسا قادرين على الكسب فنقضي بذلك على كل القيم المعنوية لدى الأفراد وفي المجتمع· الطلبة في هذه الحالة سيتوجهون نحو الصناعات البسيطة التي تحصل الربح المالي السريع، ويبتعدون عن العلوم الصعبة· إن "طلب العلم لأجل العلم مقصد شريف، لكنه غير كاف لتحقيق التربية"، يعي الفاسي جيدا ضرورة الجمع بين المنفعة العملية من التربية والمنفعة النظرية (الثقافية)· لتحقيق أغراض التربية لا بد من العناية بالصحة البدنية وتكوين الجسم، وتعليم التلاميذ النطق والقراءة والحساب، وأيضا تعليمهم المهن الصناعية والزراعية، وإعطاء الأولوية لهدف أكبر هو "الأدب والخلق والسلوك"· إن التربية تستطيع أن تفعل الأعاجيب· يقول المؤلف: إن لها غاية سامية هي كمال الحرية، إنه فهم يدرك الأبعاد المختلفة للتربية، ويستحضر أغراضها المتنوعة المادية منها (الرزق) والتثقيفية والأخلاقية· ولعل نفس الأسئلة والهموم تطرح اليوم بالنسبة لمؤسسة التعليم بالمغرب حيث يتأكد التساؤل عن وظيفتها ومردوديتها ومآلها· التربية سيرورة من التنشئة الطويلة، ومؤسساتنا التعليمية الحالية (زمن الاستعمار) غير مؤهلة لتربية الأفراد وحمايتهم من الانحراف، لذلك فلا بد من إصلاح التعليم· ما المقترحات والمطالب المطروحة؟

 

لغة التعليم

التعليم ممارسة تربوية، نفسية، اجتماعية، وتواصلية تتحقق من خلال اللغة، وإذا كان التعليم يعاني أزمة داخلية فلا بد من فحص قنوات الخطاب داخل فاعليه الأساسيين أي التفكير في نجاعة لغة التدريس، والتواصل بين المعلم والمتعلم· في العهد الاستعماري كان التعليم يعرف تعددا في لغات التدريس، وهذا التعدد كان أساس التعدد الثقافي الذي كان عاملا داخليا في بناء الذات الوطنية قبل الدخول الاستعماري، وأصبح فيما بعد عامل تفكيك وهدم لهذه الذات الوطنية· كانت المدارس بالمغرب متعددة، فهناك المدارس الفرنسية العربية لأبناء المسلمين، والمدارس الفرنسية العربية لبنات المسلمين، والمدارس الإسرائيلية الخاصة باليهود المغاربة، والمدارس الفرنسية البربرية، والمدارس البدوية، والمدارس الحضرية··· الخ· وهذا التعدد يجزئ وحدة التعليم بالمغرب لأن ما يهم ليس مواد للتدريس بل لغة للتدريس، حيث إن لغة التعليم ليست واحدة، ولا نجد حضورا واضحا للغة العربية إلا في المدارس القرآنية ومدارس التعليم الأصيل· إن هذا التعدد في لغات التدريس معناه فتح المجال للتفكير بطرق متعددة، وترسيخ الاستيلاب الثقافي والفكري، وتشويه مقومات الهوية الثقافية والجماعية "إن الأمة التي تتعلم كلها بلغة غير لغتها لا يمكن أن تفكر إلا بفكر أجنبي"· يبين هذا الحكم أن نظرة المؤلف لنسق التعليم في عهد السيطرة الاستعمارية ليست نظرة جزئية، بل هي نظرة كلية وعميقة تكشف عن المقاصد الحقيقية لسياسة التعليم التي ترسخ الهيمنة الثقافية للمستعمر، وتعيد توزيع السلطة الاجتماعية حارمة أبناء المغاربة من التعليم العالي، وتخدم المشاريع الاقتصادية لفئة المعمرين بإعداد أيدي عاملة متخرجة من مدارس قروية أو حضرية ابتدائية· وقد عبر مدير التعليم الثانوية السيد "هاردي" عن هذه الغاية بوضوح في خطاب له بمكناس في تجمع للمراقبين المدنيين سنة 1920 بأنه: "يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان"· فعلى المؤسسات التعليمية أن تستكمل مهمة "التهدئة" التي نفذتها المؤسسة العسكرية بحرب ضد المغاربة الرافضين للوجود الاستعماري·

استوعبت الحركة الوطنية الأهداف الحقيقية للمخطط الاستعماري في مجال التعليم، وعملت على مقاومة تأثيراته الأيديولوجية والنفسية منذ إعلان الظهير البربري سنة 1930، بل إنها جعلت إصلاح التعليم في مقدمة "برنامج الإصلاحات المغربية" لسنة 1934، وقد عمق حزب الاستقلال هذا التوجه الوطني فأنشأ لجنة مركزية للتعليم تابعة للجنة التنفيذية سهرت على تأسيس زهاء 100 مدرسة وطنية، وإرسال بعثات طلابية للدراسة بالخارج، وترسيخ العلاقات الثقافية مع المشرق العربي· إنها عناصر من خطة ثقافية نهجتها الحركة الوطنية لمقاومة الآثار السلبية لمحاولات استنبات عقلية ثقافية تأتمر بقيم الغرب، وترتهن بنماذج ثقافة المستعمر· وقد بين باحثون ومفكرون مغاربة أرخوا للمسار التاريخي للحركة الوطنية أن هذه الحركة أولت إصلاح التعليم الديني وخصوصاً بالقرويين أولوية استراتيجية ليكون تعليما عصريا، لأن إدارة الحماية كانت تعارض هذا الإصلاح، "فالقرويين" هي بؤرة لنشأة وتكوين مثقفين وسياسيين وطنيين، وهي بؤرة تطور الإصلاحية السلفية التي كانت المنظومة الفكرية المناهضة للوجود الاستعماري منذ القرن التاسع عشر· توحيد لغة التعليم هدف وطني وقومي يجب أن نسعى إليه جميعا، وهو هدف يبرز خصوصية هويتنا، ويوحد ثقافتنا الوطنية·

 

دينية التعليم

توحيد لغة التعليم هدف لن يتحقق إذا لم يسنده مبدأ آخر ويغنيه هدف ثان هو دينية التعليم، فالمغرب بلد إسلامي، ومع ذلك يحرم أبناؤه من معرفة الأسس الدينية لحضارتهم وثقافتهم· فمنعهم من ثقافة الإسلام هو "حرمان لهم من أسمى معاني النفس، وأوسع بنيات العقل، وأفسح ميادين الحرية"· هل يمكننا أن نوافق علال الفاسي في تأكيده لهذا المطلب وتشبثه به بعد مضي نصف قرن، ووجود تطور علمي، ثقافي وتقني، بفصل التعليم عن كل توجيه ديني؟ ثمة مرجعيات تحكمت في صياغة هذا المطلب وهي مرجعيات ثلاث: 1 - مرجعية الأيديولوجية الوطنية 2 - مرجعية واقعية· 3 - مرجعية نظرية·

- المرجعية الأيديولوجية الوطنية: وهي المرجعية نفسها التي وجهت المطلب الوطني للغة التدريس من خلال تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال، إذ كانت الميزانية المخصصة لتعليم أبناء المغاربة المسلمين؟ هزيلة تتراوح بين %1,30 و%1,80 من مجموع الميزانية العامة· وكان التعليم الديني الإسلامي شبه منعدم لا يوجد إلا بالاسم، وبعد هذا التاريخ ستخصص 10 ساعات لتدريس المواد الإسلامية - بعدما كانت ممنوعة - مقابل 20 ساعة للغة الفرنسية والمواد المدروسة بها· تظهر هذه المعطيات غلبة التصور الأيديولوجي الاستعماري الذي يثبت الحضور المطلق للغة الفرنسية، وتاريخ فرنسا وجغرافيتها في مقابل تهميش الثقافة الإسلامية· ولذا كان دور الحركة الوطنية إعطاء التعليم بالمغرب بعدا ثقافيا إسلاميا، من هنا يكون التأكيد على "دينية التعليم"·

- المرجعية الواقعية: يقارن الفاسي بين التعليم في المغرب في العهد الاستعماري والتعليم في الغرب مستندا الى أقرب مثال هو فرنسا، فيبين الأصول التاريخية للتيار اللاديني العلماني للتعليم بفرنسا، ويظهر كيف يحارب الدين داخل المؤسسات التعليمية الفرنسية مبرزا؟ فرنسا عن النهج البريطاني الذي يعمل بمبدأ الحياد المدرسي عن طريق نهج أسلوب لا ديني، ويظهر أن نتائج الصراع بين الاتجاه الديني والاتجاه العلماني الذي يدعو الى الاحتفاظ بالمدرسة الجمهورية انتهت بالعودة الى المبدأ الديني في التعليم لتأكيد الهوية الوطنية والدفاع عن الثقافة الفرنسية· فكيف إذن تؤكد فرنسا ضمنيا بعد تجربة قرون على المبدأ الديني لنظام تعليمها، وتحاول أن تقوض الأسس الدينية لنظامنا التعليمي؟ إن الفكرة التي يطرحها الفاسي نحسها متجددة وكأنها صيغت لتؤطر "أزمة الحجاب" في مؤسسات التعليم الفرنسية، والتي تعبر عن تداخل بين الحريات الفردية والحريات الجماعية يؤدي بالدولة الى تجاوز مسؤوليتها في تنظيم الشأن المدني داخل المدرسة والى توجيه الشأن الفردي الخاص بمستوى الدين والروح·

- المرجعية النظرية: وهي مرجعية الإصلاحية السلفية ذات الجذور الفكرية منذ الأفغاني وعبده· مبدأ دينية التعليم يأخذ مشروعيته من منظومة الفكر السلفي التي دعا روادها الى إصلاح التعليم في الاتجاه الديني بإصلاح مؤسساتها القديمة أولا كالأزهر بمصر والقرويين بالمغرب، والأخذ بنتائج العلوم والتقنيات الحديثة· الدفاع عن الجوهر الديني لمؤسسات التعليم والتربية هو وسيلة الرد على الهجوم الثقافي والأيديولوجي للغرب· إن لغة التعليم ومواد التدريس ومضامينه هي أهم ما يوجه المتعلمين ويكون الأبناء، ولذا فالتعليم يجب أن يكون وطنيا في لغته أولا ودينيا في مضمونه التوجيهي ثانيا· لا يقتصر المؤلف على هذين المطلبين لإصلاح التعليم، بل يطرح مطالب أخرى أساسية·

 

إجبارية التعليم

عمل الاستعمار على الإبقاء على واقع أمية فئات عريضة من الشعب المغربي، لأن ارتفاع عدد المتعلمين يعني تطور الوعي المدني الوطني والسياسي، كوعي يضع الاستقلال مطلبا ملحا وغاية لا محيد عنها، فتحقيق إجبارية التعليم اقتراح ارتبط بمطالب الحركة الوطنية لأن تعلم الشباب خصوصاً بالمدن هو خميرة تشكل الوعي الوطني· وقد حاول المستعمر ألا يدخل الى المدارس سوى 150 ألف طفل في سن الدراسة من بين مليونين ونصف من الأطفال الذين هم في سن الدراسة، وهو معطى إحصائي تقريبي لعدم توفر المؤلف على المعطيات الإحصائية الحقيقية التي ظلت في حيازة سلطات الحماية، فأعداد التلاميذ الذين يلجون المدارس حتى في السنوات الأولى للاستقلال، في مرحلة التدفق الكمي للتلاميذ نحو المدرسة المغربية لن تبلغ ذلك المعطى الإحصائي الذي يقدمه المؤلف· إجبارية التعليم مبدأ مقدس وهو أصل تفوق المدرسة الحديثة على المؤسسة الدينية الكنسية المنغلقة· والعلم مقدس يرتفع الى مستوى الفريضة في الإسلام (العلم فريضة على كل مسلم) (حديث نبوي شريف)، و(علموا أولادكم فقد خلقوا لجيل غير جيلكم) (حديث نبوي)· كانت خطة الحركة الاستعمارية هي فرض "سياسة التجهيل"، وكانت خطة الحركة الوطنية منذ الثلاثينيات، ومع تقديم "مطالب الشعب المغربي" سنة 1934 هي فرض "تعميم التعليم"· التعليم هو حق مقدس، وهو "قضية حياة لنفسها بنفسها"· التعليم إذن ضروري، فهو أصل الرفاهية والحرية· لكن ماذا نعلم للأجيال الناشئة؟

 

مواد التعليم

يشير علال الفاسي الى أن أغراض التعليم لم تتحقق بالمشرق العربي الذي سبق المغرب العربي في مبادراته الإصلاحية لأن الشباب يفضل لغات أخرى على اللغة العربية· "فما بالنا نحن بالمغرب العربي؟" فيجيب بأن ذلك يرجع الي النقص الموجود في الكتب كعامل أساسي· ويمكننا أن نضيف دور عوامل أخرى كالعامل التاريخي الذي تجلى في محاولات "تتريك" البلدان العربية، وتذوب لغتنا العربية داخل الكيان التركي، والعامل السياسي المرتبط بنشأة الدولة العصرية الحديثة التي تنشئ المرافق العامة وتتكلف بتسيير المؤسسات العمومية، والدولة العربية ليست دولة حديثة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولم تقدم مشروعا متكاملا للمجتمع· أما العامل الثقافي فيتمثل في الابتكار العلمي والتقني الذي ينتقل الى مواد التدريس بالمدرسة، والذي جعلها مواكبة لتطور العلوم في الغرب لأن العلم ابن بيئته، أما المدرسة عندنا فهي محاصرة بسياج الأمى وتأخر العلم، مما يجعل مردوديتها لا تتجاوز مستوى محو الأمية، كل هذه العوامل تساهم في نظرنا في النقص النوعي في مواد التعليم اليوم والأمس·

يعود الفارسي في سياق مناقشته للمواد الواجب تدريسها الى تقارير المؤتمر الثقافي الأول للجامعة العربية، والتي أوصت بعدم إغفال مبدأ الاستقلال كحق طبيعي لجميع الشعوب، وهو مبدأ موجه لممارسة هذا المفكر، سياسيا وثقافيا، وأيضا مبدأ الديمقراطية الذي يتعين علي الأنظمة العربية نهجه، خصوصاً الأنظمة الحديثة العهد بالاستقلال لأن النظام الديمقراطي الصحيح هو "أحسن الأنظمة لضمان الحرية والعدالة والمساواة"· يتأكد بوضوح الربط العضوي الذي يقيمه المؤلف بين إصلاح التعليم كقاعدة للإصلاح الحقيقي والاستقلال كمنطلق نحو الحرية الشاملة، لأن الاستقلال ليس مفتاحا لحل كل مشاكل المجتمع العربي (ضمن توصيات المؤتمر الثقافي الأول للجامعة العربية)، ومن هنا يظهر أن المدرسة المغربية التي عليها ألا تغفل تدريس مواد التربية الوطنية يجب أن تكون قائمة على الديمقراطية والحرية

 

مناهج التعليم

لا يقصد علال الفاسي بمناهج التعليم الأساليب والطرق التربوية في التدريس، فهو لا يتناول الموضوع من زاوية نظر عالم التربية، بل من زاوية نظر المصلح والمثقف والسياسي الوطني، وتفكيره في مناهج التعليم هو تفكير في أشكال وأنواع المدرسة "المغربية"· هناك تعدد في أنواع التعليم: تعليم إسلامي، وتعليم عربي، وتعليم أوروبي، وتعليم إسرائيلي، وهذا التعدد يحمل خطورة لأن "أخطر ما يفسد البرامج التعليمية في بلادنا هو هذا التنوع الذي تقصد إليه السياسة قصدا، وهذه المدارس التي تخصص لأبناء الأعيان، أو التي تهيأ لأبناء الفقراء"· السياسة كموضوع للنقد في هذا السياق هي السياسة الاستعمارية في مجال التعليم التي تبقي على أمية أغلب أبناء المغاربة، وتحاول إرضاء فئة قليلة ومحدودة من الأعيان باحتواء انتقائي لأبنائهم· وإدخالهم المدارس الأوروبية وذلك لتكريس التمايز الاجتماعي بين المغاربة بعد محاولتها خلق تمايز عرقي - لغوي - ثقافي بين العناصر العربية والأمازيغية بإصدار "الظهير البربري" الذي ارتبط في نتائجه العملية بإنشاء المدارس البربرية·

تهدف مناهج التعليم الاستعماري إدخال القيم الثقافية الغربية للمجتمع الفرنسي الى بيئتنا الثقافية وعالمنا الرمزي، فيكون التدريس الإجباري لتاريخ وجغرافية فرنسا مقابل إهمال تاريخنا الوطني والقومي، لأنه ينقض التخطيط الاستعماري في مجال التعليم والثقافة الذي يهدف الى تعريف التلميذ المغربي بتاريخ فرنسا وينسى تاريخ بلاده وأن يعرف جغرافية فرنسا التي تدخل بلدان المغرب ضمن حدودها السياسية والترابية لتصبح الحدود المصطنعة بين بلدان العالم العربي واقعا نفسيا وماديا، وتصبح بعض بلدانه (الجزائر) جزءا لا ينفصل عن الكل الفرنسي·

 

مهنة التعليم

وطنية التعليم وتوجيهه الديني وتدريسه مواد وبرامج ذات بعد ثقافي قومي وإسلامي وتوحيد المدرسة المغربية كلها مطالب مهمة، لكنها لن تتحقق من تلقاء ذاتها، حتى لو توفرت الإرادة السياسية لإصلاح التعليم، لأن الذي ينفذ برامج ومناهج التعليم بشكل فعلي هم رجاله، ولذلك فالعناية بفئة المدرسين أساسية لإصلاح التعليم وإصلاح المجتمع· تكوين المعلم وإعداده مسؤولية واجبة لأن المعلم مصنوع وليس مطبوعا، فالموهبة لها دورها في التدريس، لكن الممارسة التربوية - التعليمية التي تستلهم الأسس الحديثة للتربية تدعو الى تكوين المعلم· في عصور سابقة كانت العائلة تعلم الأبناء وظائف كثيرة كالزراعة والرعي والحرفة اليدوية ورعاية البيت بالنسبة للبنات· أما بعد توجه الوالدين الي العمل، فقد عهد لرجال التعليم بتربية الأبناء· وهنا يظهر الدور المهم لفئة رجال التعليم التي تتحمل مسؤوليات جسيمة، وهو دور لن ينجز إلا إذا تم تشجيع المعلم التشجيع المادي بتحسين وضعيته الاجتماعية، فهو الدعامة الأساسية لخلق مدرسة جديدة تنير العقل، وتعمل من أجل التحرر والاستقلال· إن الاهتمام الكبير الذي يوليه الفاسي للمعلم نابع من اعتبار أخلاقي لأنه هو الذي يربي الأجيال، ونابع من اعتبار وطني لأن رجال التعليم والفقهاء، خصوصا بالقرويين، كانوا شرارة زرع الفكر الوطني وصياغة الأيديولوجية الوطنية، ونابع أيضا من اعتبار تاريخي وواقعي تمثل في الرقابة التي شددها المستعمر على المدرسين بدعوى أنهم يغرسون الأحقاد في الأبناء ضد وجوده ومخططاته· المطالبة بإصلاح التعليم، وتأكيد مبادئه الوطنية والدينية والديمقراطية، لا تعني الحلم بنظام تعليمي لا يكّون إلا الأطباء والمهندسين، والنخب الإدارية والثقافية، فالبلاد تحتاج الي صناع وحرفيين، وهنا تظهر أهمية التعليم المهني·

 

التعليم المهني

البلاد في حاجة الى البنائين والحدادين مثل حاجتها الي الأطباء والمحامين والأدباء، وهذا لا يعني أن يكون الأطباء والمحامون من أبناء الأعيان وأن يكون الحدادون والنجارون من أبناء الفقراء، بل يجب أن يتوجه تلاميذ المدارس الابتدائية والإعدادية نحو التعليم المهني حسب اختيارهم، وبعد فحص واختبار مجردين عن كل اعتبار غير دراسي· إن اختيار التعليم المهني يجب أن يتم حسب ميول التلاميذ، لكن إجباريته مسألة ضرورية، فتكوين مدارس التجارة والصناعة والزراعة أصبح حاجة ملحة لأن القبيلة التي كانت تقدم للفرد والعائلة كل وسائل الاكتفاء الذاتي هي نموذج مثالي· هل هذه دعوة ماضوية عند المؤلف مشدودة الى تقاليد السلف، بعيدة عن فهم مكتسبات العصر الحديث وما أدت إليه من تفكيك للبنيات الاجتماعية وتغيير في الأنماط الاستهلاكية والمعاشية؟ إنها دعوة ماضوية تعانق الحنين السلفي إذا لم نقرأها في سياقها التاريخي، فحين يتشبث الفاسي بإلزامية التعليم المهني فذلك لتنفيد الأطروحة الاستعمارية التي تحدثت عن التعليم المهني كغطاء أيديولوجي· كيف ذلك؟

تبين أن السياسة الاستعمارية في مجال التعليم مخطط متعدد الأهداف: 1 - الإبقاء على أمية المغاربة· 2 - خلق تمايز طبقي بين أبناء المغاربة وتكوين نخبة تابعة للاستعمار، 3 - تكريس تمايز عرقي بين العرب والبربر، وتفكيك تماسك مقومات الهوية الثقافية الوطنية· وحين يطرح السؤال على المسؤولين من المعمرين المراقبين لشؤون التعليم بالمغرب: أين هم حملة الشهادات العليا؟ يكون الجواب: إننا لا نريد أن نخرج العاطلين بل المتمرسين والحرفيين· إننا ننهج تعليما مهنيا· يطرح الفاسي السؤال بوضوح وجرأة: أين هو هذا التعليم المهني بعد أربعين سنة؟ إن الجواب يجده في التبرير الذي يقدمه الجنرال جوان في مؤتمر التنسيق لحكومات شمال أفريقيا (مؤتمر تسهر عليه الدولة الفرنسية الاستعمارية) بعدم إدخال الصناعات الكبرى الى بلدان المغرب العربي، والاحتياط من ظهور صناعات حربية إذا ما تكونت يد عاملة متخصصة· يكشف هذا التبرير الأيديولوجي والدعائي عن فراغ الخطاب الاستعماري حول أهمية التعليم المهني كمبرر لوضع عراقيل أمام فتح المجال لأبناء المغاربة للدراسة والتحصيل العلمي، والنتيجة أن حصيلة السياسة الاستعمارية في مجال التعليم لم تحقق حتى شعارها الأيديولوجي التبريري: أهمية التعليم المهني· السياسة الاستعمارية في ميدان التعليم سياسة توفيقية - تلفيقية، حاولت تحقيق هدفين لا يلتقيان على أرضية الواقع، تكوين يد عاملة ذات الخبرة اليدوية البسيطة وتكون مسخرة لخدمة البرجوازية الكولونيالية في القطاعات الاقتصادية الحيوية بالمغرب كالفلاحة والصناعات المعدنية من جهة أولى، واستثمار التعليم كأداة لترسيخ الامبريالية الثقافية التي تعضد الامبريالية الاقتصادية والسياسية من جهة ثانية·

كانت خطة السلطات التعليمية متناغمة مع خطة السلطات السياسية لأن التعليم نسق فرعي من النسق المجتمعي الكلي، وكما كانت السلطة السياسية تحاول فرض "التهدئة" بالطرق السياسية والاحتوائية بعد أن فرضتها في مناطق مغربية بوسائل عسكرية، كذلك فإن السلطات "البيداغوجية والثقافية" تحاول نهج سياسة "احتوائية" تدمج المغاربة في النسق الثقافي الفرنسي (وتلك هي خاصية التعليم الفرنسي)، ونهج سياسة "توافقية" أيضا تبحث عن توازن بين المصالح الاقتصادية للبرجوازية الكولونيالية والتقاليد الاجتماعية والثقافية للشعوب المحلية، وهذه السياسة "التوافقية" إنجليزية النشأة والتطبيق، لذلك فشلت السياسة الاستعمارية الفرنسية في ميدان التعليم· لكنها على المدى البعيد ستحقق جزءا من أهدافها، إذ أبقت على ركائز استمرارها حتى بعد السنوات الأولى من الاستقلال حيث استطاعت أن تخلق تركة سلبية تمثلت في أعداد كبيرة من المدرسين الفرنسيين، واستمرار التدريس باللغة الفرنسية لعقود بالتعليم الثانوي· أما بالتعليم العالي فالتعريب لم يبلغه بعد، وهذا يطرح مشاكل على كل دولة ذات نشأة حديثة تواجهها تركة استعمارية وتحديات أساسها ضرورة ربط التعريب بمعطيات الحداثة في الأزمنة المعاصرة لكونها تشترك في هذه التركة الاستعمارية الفرنسية، والتي طرحت تحديات المغربة والتعميم والتوحيد والتعريب·

 

محو الأمية

يغني علال الفاسي نسق مطالبه الإصلاحية في ميدان التعليم ليطرح مطلبا يبدو أنه يدخل اليوم في "اليوتوبيا المطلقة" وهو تعليم الكهول (اطلبوا العلم من المهد الى اللحد)، تعليم الأميين وأنصاف الأميين الذين لم يستكملوا دراستهم الابتدائية أو الثانوية أو حتى الجامعية· الأمية تنتشر في كل الأوساط حتى المتعلمة منها، وذلك لغياب تقاليد القراءة والتثقيف الذاتي· يستشهد بتجربة الحركة الوطنية في تعليم الكبار ببعض المدن المغربية، ويدعو الى إجبارية تعليم الأميين، والى توسيع ثقافة أنصاف الأميين اقتداء بنموذج التجربة الإنجليزية (1903-1944)، كما يستشهد بالتجربة المشرقة للسلف حيث كانت المساجد مكانا لتعميق التكوين الديني والثقافي، وفضاء للمناظرة والحوار· إن إصلاح التعليم لا يتوقف إنجازه علي السلطة الاستعمارية، فهي بطبيعتها تعارض كل إصلاح، والمؤلف لم يضع هذا المشروع الإصلاحي إلا لكي يتم تجاوز المخطط الاستعماري، فجميع المطالب المطروحة في "النقد الذاتي" من وطنية التعليم، دينية توجهه، ضرورة تعميمه على كل أبناء المغاربة، تطبيق تعليم مهني حقيقي، وتعليم أنصاف الأميين·· الخ، كلها مطالب تناقض، من حيث المنطق والرغبة، أهداف السياسة الاستعمارية· هل المطالب الإصلاحية لعلال الفاسي وقع تجاوزها بعد نصف قرن من كتابة "النقد الذاتي؟" تبين التجارب المعاصرة في المجال العربي، وخصوصا في النصف الثاني من القرن العشرين بعد موجات التحرر الوطني أن التعليم لم يرتبط عضويا بالإصلاح الاجتماعي الشامل، ولم يشكل قاعدة أساسية لكل تنمية مندمجة وبنيوية، فكل الظواهر الاجتماعية والمعطيات العامة للحصيلة التعليمية تشير الى أن علال الفاسي يكتب "النقد الذاتي" بيننا الآن، ويعايش معضلاتنا الكبرى في نهاية القرن، ونحن في بداية الألف الثالثة، وهي معضلات التنمية والتربية وبناء اقتصاد وطني ومؤسسات سياسية ديمقراطية·

 

خلاصة

يعتبر علال الفاسي مثقف الحرية والإصلاح الذي وإن كان قد صاغ عناصر أطروحته الإصلاحية في مرجعية تاريخية تخص النصف الأول من هذا القرن، وترتبط بوطأة الحضور الاستعماري، فإن مشروعه ما زال يحتفظ بمقومات راهنيته الآن· إن عناصر هذه الدراسة المنجزة لأطروحة "النقد الذاتي" قد توصلت الى الاستنتاجات التالية:

1 - المؤلف هو مثقف الحرية التي لم يطرحها كضرورة ترتبط بالاستقلال فقط وهو مطلب ملح، بل وسع من مفهومه وتصوره للحرية لتشمل الحريات الاقتصادية المتمثلة في تمجيد العمل ومشروعية ملكنا لأرضنا (دحض الوجود الاستعماري)، واتخاذ المال وسيلة لا غاية، والحريات السياسية التي تتمحور أساسا حول الديمقراطية والحريات الاجتماعية التي تنطلق من التحرر من التقاليد المهترئة والأفكار التواكلية والطريقة، والحريات الفردية التي تتأسس على قاعدة الحق في حرية التعبير وإبداء الرأي المختلف· إن الحرية كل لا يتجزأ ولا تنفصم عناصره، فهي تفكير حر وممارسة حرة أيضا، كما أنها تفتح للشخصية الإنسانية·

2 - إن تحقيق الحرية غاية لن يتم بلوغها إلا بإنجاز الإصلاح الشامل للمجتمع في كل بنياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والإصلاح لا يكون إلا بالانطلاق من الثورة العقلية والفكرية الضرورية، كما لا يكون إلا بإصلاح تربوي يخص المؤسسات الاجتماعية الأساسي المرتكزة على الأسرة والمدرسة· وهذا الإصلاح يتطلب إعداد المال والرجال عبر سيرورة تاريخية للأجيال المقبلة·

3 - يرتبط المشروع الإصلاحي لعلال الفاسي بالأيديولوجية الوطنية التي تشكلت بفضل نخب ثقافية وسياسية - يعد هو من أهم رموزها - والتي حددت لها هدفا استراتيجيا ملحا هو اجتثاث كل أشكال وجود الاستعمار سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وليس فقط القضاء على حضوره السياسي من خلال إدارته المركزية· ولعل هذا الهاجس الأساسي ما زال يحتفظ باستمراريته في إطار الإشكالية المركزية التي تهيمن علي الفكر العربي المعاصر: علاقة الأنا بالآخر·

4 - لم يكن بإمكان الرمز الأساسي للإصلاحية السلفية بالمغرب أن يبلور مشروعا إصلاحيا إلا انطلاقا من هويته كمثقف وظيفته الأساسية هي النقد: نقد الذات، نقد الاستعمار، نقد النخب السياسية والثقافية· وهذا لم يتم إلا بفضل تشبعه بفكر وطني وسلفية تمتح جذورها من الفكر الإصلاحي بالمشرق العربي منذ بداياته مع الأفغاني ثم عبده فرشيد رضا، وصولا الى شكيب أرسلان·

إن هذه الخلاصات لا تغلق باب الاجتهاد، ولا تدعي الإحاطة الشاملة بمتن ودلالات "النقد الذاتي"، فهي خلاصات تعتبر حصيلة لقراءة واحدة من بين قراءات أخرى ممكنة، وهي تحاول أن تبحث عن عناصر الاستمرارية في إطار النسق العام للفكر العربي من بداية النصف الأول من القرن العشرين لمعرفة ما هو راهن ونحن في بداية الألف الثالثة·

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* عالم الفكر - المجلد التاسع والعشرون - العدد الأول

** باحث وكاتب من المغرب

طباعة